رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الرد على الاتفاق.. خلقُ أمرٍ واقعٍ جديد في سوريا

لايوجد عنصرٌ أثَّرَ سَلباً، ويؤثرُ، في تعامل النظام العربي مع المشروع الإيراني للهيمنة على المنطقة أكثر من التأخير في اتخاذ المواقف الفاعلة، خاصةً في اللحظات المفصلية الحساسة.كثيرةٌ هي الأمثلة السلبية على الحقيقة المذكورة، لكن المثال الإيجابي الواضح، بالمقابل، يكمنُ في انطلاق (عاصفة الحزم) في الوقت المناسب قبل حصول مالا يُحمدُ عقباه. كانت السعودية تُدرك أن قيادة العملية المذكورة في اليمن لن تكون نزهةً سريعة، فهذا ليس من طبيعة مثل هذه القضايا الكبرى. من هنا، يُصبح الحديثُ عن أعباء العملية حتى الآن سخيفاً وأقربَ لتنظير من يملك ترفَ التنظير. والمؤكد أنﱠ أصحابهُ إما أنهم لايُدركون ما كان يمكن أن يجري لو لم تنطلق العاصفة في وقتها، أو أنهم يُدركون، لكنهم يمارسون فوق التنظير عمليات (الاستغباء) و(التذاكي).ما من شكٍ أن اتفاق إيران الأخير مع الغرب عاملٌ مؤثر في رسم ملامح المنطقة وسياساتها في المراحل القادمة، لكنه ليس (نهاية العالم) بالنسبة للعرب كما يحاول البعض أن يوحوا، صادقين كانوا في (عويلهم) أو مُغرضين..والمؤكدُ أن التعامل مع الاتفاق وتداعياته يحتاج إلى رؤيةٍ سياسية متطورة ومتعددة المسارات على المَديين المتوسط والبعيد، بمعنى ألا ينطلق أيﱡ فعلٍ سياسي من التشنج وردود الأفعال. ففي جميع الأحوال، لن تحصل إيران على الأوراق التي ربحتها نتيجة الاتفاق ما بين ليلةٍ وضُحاها. وهناك الكثير من الملابسات الدبلوماسية والسياسية والتشريعية التي يجب إنجازُها داخل إيران وداخل أمريكا وما بينهما. وهي ملابساتٌ يستطيع النظام العربي أن يستهدفها باختراقات مدروسة بشكلٍ مباشر وغير مباشر.. خاصةً بعد أن اتضحت بشكلٍ كامل تفاصيل الاتفاق، وأصبح بالإمكان معرفةُ (المفاصل الرخوة) فيه، وبالتالي مداخل الاختراقات المذكورة..لا توجد اتفاقاتٌ في هذا العالم تُنحتُ في الصخر، وكما كان ديغول يقول دائماً: "المعاهدات كما تعرفون كالأزهار والفتيات اليافعة، تدومُ فقط بقدر دورة حياتها". وهذه فرصةٌ ليتصرف العرب بشكلٍ مهنيٍ محترف يحقق مصالحهم من خلال تشكيل فرق عمل لخبراء ومختصين (حقيقيين) في الحقول ذات العلاقة، يَدرسُون الاتفاق وكل ما يُحيط به من ملابسات، ليكتشفوا ثغراته وتناقضاته ومكامن تضارب المصالح فيه، فتكون تلك أرضية السياسات التي يتم رسمُها للتعامل مع الاتفاق.لامجال هنا أبداً لمشاعر الخيبة واليأس ومشاعر الاستسلام، فهذه عناصر الانهيار النهائي والكبير نفسياً وسياسياً. على العكس من ذلك تماماً، هذا أوان التحدي المدروس المتوازن الذي يمكن أن يقلب الطاولة على الجميع. وهو يتطلب درجاتٍ من القوة النفسية والإرادة السياسية والتخطيط العملي ربما لم تظهر الحاجة إليها بهذه الدرجة في الظروف السابقة.رغم كل هذا. يبقى الإسراعُ في خلق أمرٍ واقعٍ جديد في سوريا، تحديداً، عنصراً رئيساً يقع في القلب من الإستراتيجية المتكاملة المطلوبة للتعامل مع هذا التطور الحساس.ثمة فخٌ ينصبهُ البعض للعرب في هذا المجال من خلال الإيحاء بأن مهادنة إيران، خاصةً في سوريا، والسماحَ لها باستمرار سياساتها هناك سيدفعُها للتنازل في مواقع أخرى.. هذه الطريقةُ في التفكير هي تحديداً ما يريد الإيرانيون إشاعتهُ في بعض أوساط صناعة القرار، حتى العربية منها، بعد إنجاز الاتفاق مع الغرب. وستكون أيﱡ قناعةٍ بها أولَ نجاحٍ إستراتيجي (سياسي نفسي) لإيران بعد الاتفاق، لأنه سيُسهِلُ عليها إلى درجةٍ كبيرة إكمال مشروعها بأقل قدرٍ من الممانعة.يُغفل التفكير أعلاه حقيقة أن إيران قدمت التنازلات التي قدمتها للغرب لسببٍ واحدٍ ووحيد يتمثل في أنها أدركت، ببراغماتيتها المعروفة، أنها لاتستطيع المواجهة على جبهتين. من هنا، اختارت الرجوع خطوةً إلى الوراء على المستوى الدولي لتتقدم خطوات إلى الأمام في الفضاء الإقليمي.لم يعد خفياً على مراقبٍ جدي أن سياسة إيران على المدى الطويل ستكون محكومةً بعاملين. هيمنةُ غرور القوة، من جانب، على العقل السياسي الإيراني، فيما يخص المنطقة العربية بطبيعة الحال. والمضي، من جانبٍ آخر، في مشروع السيطرة الكامل على هذه المنطقة، مع أولويةٍ واضحة للجزيرة العربية، بكل مقوماتها المادية والروحية والبشرية. خاصةً بعد قناعة الإيرانيين أن ثمة ضوءاً أخضر عالمياً فيما يتعلق بهذا الموضوع، وأن بإمكان النظام الدولي التعامل مع واقعٍ إقليمي جديد بمعادلات جديدة ومُبتكرة يمكن من خلالها الحفظ على مصالحه. كل هذا، مع عدم استبعاد احتمال أن يكون (الإيحاء) بوجود الضوء الأخضر عمليةً إستراتيجيةً كبرى، يضمنُ من خلالها النظام الدولي توريط المنطقة بشكلٍ شاملٍ وسريع، اعتماداً على غرور القوة الإيراني المذكور.وأهم ما في الأمر أن الإيرانيين يُدركون، أو يَظنون، أن الخطوات التي سيكسبونها في مُحيطهم الجغرافي هي التي ستعود لتعطيهم إمكانية العودة للتقدم عالمياً خطوةً وخطوتين، ولو بعد عقدٍ من الزمن. فحسابات هذا الزمن لديهم ممتدة، وتُعبرُ عنها القصة التي تقول إن صانع السجاد الإيراني يُمضي خمس سنوات ليحيك السجادة، ثم إنه يفاوض على بيعها لمدة عشر سنوات!..من هنا، يُصبحُ مُلحاً ومطلوباً كسرُ حلقة التقدم الإيراني في المنطقة في الموقع الحساس الذي يُعتبر المفصل الجيوإستراتيجي الرئيس للمخطط الإيراني. فهذا ما سيُربك المُخَططَ بِأسرِهِ ويُخلخل حساباته وتوازناته. ويُقللُ بما لا يُقاس، مهما كان ثمنه، تكاليفَ لاحقة باهظة ستتحملها المنطقة في حال عدم إنجازه.المفارقةُ، بحسابات الربح والخسارة الدقيقة، أن إكمال ترتيباتٍ تخلق أمراً واقعاً جديداً في سوريا هي، في النهاية، أكثرُ جدوى من أي عمليةٍ أخرى. فالسوريون أثبتوا، مرةً بعد أخرى، قدرتهم على إنجاز المهمة دون الحاجة لأي دعمٍ من الخارج في مجال العمليات الأرضية. وباتَ معروفاً أن حداً أدنى من العون النوعي لهم سيجعلهم قادرين على اكتساح الأرض السورية ميدانياً.أما فيما يتعلق بالمسار السياسي الانتقالي وما بعده، فالمؤشرات وفيرةٌ على إمكانية (جمعِ) المعارضة السياسية والعسكرية على رؤيةٍ تتعلقُ به. فـ (الواقعية) تحكمُ اليوم صفوف تلك المعارضة بأكثر مما يتصور الكثيرون.. لهذا، يمكن جداً للرؤية المذكورة أن تتضمن ما يمكن أن تُقدمه الدول الداعمة للثورة على أنه (البديل) لنظام الأسد، وترتكز عليه في تحركها لخلق الأمر الواقع الجديد.هذه هي المعادلة الحساسة التي تسمح بفرض أمرٍ واقع: إرادةٌ سياسية لا تنتظر الإذن لتحقيق مصالحها، وإخراجٌ مدروس يأخذ بعين الاعتبار الخطوط الحمراء الكبرى. هذا أيضاً ما يمكن، على الأقل، أن نتعلمهُ من الدرس الإيراني.

356

| 19 يوليو 2015

حقائق صعبة.. تنتظر اعترافَ السوريين بها

من البداية. مفهومُ (الاعتراف) الوارد في هذا المقال لايعني مجرد (المعرفة) وأخذ العلم بالحقائق (الصعبة) المذكورة، فهذا حاصلٌ ولاينفعُ في قليلٍ أو كثير. وإنما يعني الإقرار بوجود تلك الحقائق كواقعٍ عملي ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند التفكير بالوضع السوري ومحاولة فهمه، ثم أخذه بعين الاعتبار في معرض البحث عن طرق التعامل مع هذا الواقع. بمعنى ألا يكون العلمُ بالحقائق المذكورة مجرد مدخلٍ لاستهجانها وشجبها وإدانتها والتعامل معها بمنطق الهجاء والشتيمة، وكفى الله المؤمنين القتال، كما يُقال، وكما هو الحال.رغم هذا، لايعني الاعتراف بالحقائق أيضاً الاستسلامَ النهائي لها كما هي، والقبولَ المُذعِن الانهزامي لمعطياتها وآثارها في واقع السوريين، وفي طريقة عملهم لثورتهم وبلادهم. وإنما المقصودُ بذل الجهد الواعي القائم على التخطيط والعمل والمتابعة للتعامل معها بمهارةٍ واحتراف، وصولاً إلى أقصى مايمكن من توظيفها إيجابياً في دفع مسيرة الثورة إلى الأمام.والمقصود بالسوريين هنا بعض شرائحهم الخاصة حيناً، وجموعهم الكبرى في معظم الأحيان.أولاً. لايمكن للسوريين استيراد معارضين من (سويسرا)! هذه بضاعتُنا اليوم.. وهي بضاعةٌ تم (تصنيع) ثقافتها عبر أكثر من خمسين عاماً بمزيجٍ عجائبي لايمكن إحصاءُ مكوناته من المواد الداخلة في عملية التصنيع، رغم كل المحاولات التي تتحدث عن الظلم والكبت والقهر والتجهيل والتسطيح و..فَرزَت أربعةُ أعوام كثيراً من الغثﱢ والسَّمين. تعلمَ فيها البعضُ وأصبح أفضل، وتعلم فيها البعض وأصبح أسوأ.. فَهمَ قومٌ خلالها حقيقة السياسة، فباتوا أقرب لامتلاك أدواتها وأهلاً للعمل فيها، وظنﱠ قومٌ أنهم فَهمُوها، لكنهم لايزالون يعيشون (الوهم) اليوم، وسنرى حكمُ التاريخ فيهم غداً.. قالها أجدادنا منذ زمن: "كل إناءٍ بما فيه ينضح". من هنا، فالآنية تنضحُ، وستنضحُ إلى حين. ولكن، لايوجد في الواقع السوري اليوم من يملك (رفاهية) إلغاء البعض هنا والبعض هناك. ثمة (اختيارٌ طبيعي) يحصلُ مع الأيام، وبطريقةٍ لاتُدركها النظرات والأحكام المستعجلة، إلا أن الواقع المذكور، بكل تفاصيله، حقيقةٌ من الحقائق التي يهدف المقال لتأكيدها.ثانياً. لم يعد ثمة معنى لمحاولة إلغاء قوى المعارضة الموجودة خارج (الائتلاف الوطني) أفراداً ومجموعات، كما هو الحال تماماً بالنسبة لأوهام (تجاوز) الائتلاف وتشكيل بدائل له أو الالتفاف عليه بدعمٍ من هنا أو هناك. تغيرت الظروف كثيراً خلال العامين الماضيين، وتُحسب لقيادة الائتلاف هنا محاولاتها في هذا المجال، لكن على الائتلاف أن (يعترف) بشكلٍ قاطع بمحدودية قدرته على التفكير والحركة. بمعنى أن يجد وسائل مُبتكرة لاستيعاب القوى الجديدة والقديمة الموجودة في الساحة السياسية. يمتد هذا على طيفٍ واسع يبدأ من المجموعات الكثيرة التي التقت، مثلاً، مع المندوب دي مستورا، والتي نتجَ عن فعالياتها تراكمٌ يُستفاد منه بشكلٍ أو بآخر، ويمرﱡ بشرائح من النشطاء والساسة المنشقين عن النظام الذين اكتسبوا بدورهم مزيداً من الخبرات والمعارف، ولاينتهي مع المجاميع السورية التي التقت في القاهرة الشهر الماضي، والتي نتج عن لقائها، رغم كل المخاوف السابقة، وثيقةٌ فيها الكثير مما يمكن أن يتفق عليه السوريون.من العبث القولُ هنا بأن المطلوب (توسيع) الائتلاف بالأشكال الكاريكاتورية السابقة لاستيعاب كل المكونات المذكورة أفراداً ومجموعات، فهذه دعوةٌ للفوضى الكاملة تنظيمياً وسياسياً، وإنما المقصود إيجاد آليات، لانهاية لأشكالها، بوجود شيءٍ من الإبداع في التفكير السياسي.ثالثاً. العائق الأكبر والأهم والحاسم في وجه سقوط نظام بشار الأسد هو (عدم وجود البديل). هذه، من ناحية، حقيقةٌ ربما يعرفها السوريون جميعاً، ولكن من باب العلم بالشيء كما ذكرنا. وهي، من ناحيةٍ أخرى، أكبرُ (حجةٍ) يحتج بها النظام الدولي للحفاظ عليه حتى الآن. حسناً. لايوجد في عالم السياسة المعاصر شيءٌ يُسمى (عدم وجود بديل) بشكلٍ مُطلق ونهائي وحاسم. و(حماية) بشار الأسد من السقوط حالياً من قبل روسيا وإيران، وأمريكا وأوربا، وبعض الدول الإقليمية، سببها (وظيفي) وليس (شخصياً). من هنا، فالمهمة الأكبر للمعارضة السياسية والعسكرية السورية تتمثل في الانكباب على تشكيل البديل المذكور. وهذا البديل يتمثل في كلمتين: (أشخاص) و (رؤية سياسية). أشخاص يمتلكون (ربما سوياً كمجلسٍ عسكري أو مختلط) القوة المادية والمعنوية لضبط تفاعلات مابعد سقوط الأسد، و (رؤية) تُؤمِّنُ حداً أدنى من التنظيمات السياسية والدستورية والقانونية للبلد، ولكن الأهم من ذلك أن (تتعهد) بتأمين ترتيباتٍ إقليمية تضمن استمرارية الأوضاع فيه كما هي عليه، حيثُ يكون ذلك مطلوباً.. وتُساهم في معالجة الفوضى، حيث يكون ذلك مطلوباً..رابعاً. آن الأوان لتتصرف جميع الفصائل العسكرية، والإسلامية منها تحديداً، بناءً على خبرتها الميدانية والسياسية المحلية والإقليمية والدولية التي اكتسبتها، دون جدال، خلال السنوات الثلاثة الماضية منذ بدء عسكرة الثورة. لم نستعمل قاصدين عبارة (آن الأوان لتُدرك الفصائل حقائق الواقع..)، لأننا جميعاً نعرف أنها أدركت، وبشكلٍ في غاية القسوة، كل الحقائق. لكن بعضها لايزال يتصرف مع هذا الإدراك بدرجةٍ من (أخذ العلم) الممزوجة بـ (بقايا المثالية) القديمة.. لم يعد ثمة مجالٌ للاستئثار بساحة العمل العسكري، ولا للتنافس على الدعم، وأحياناً على الصيت والشهرة. لم يعد هناك إمكانٌ لأحلام إقامة (الدولة الإسلامية) ولا للحديث بمنطقها أو استخدام وسائل وهياكل توهم بإمكانية تحقيقها. لامجال بعد اليوم، لدى الفصائل، للاستخفاف بالمعارضة السياسية السورية، مع كل أخطائها ومشكلاتها. لامفر من (الواقعية) بكل مافيها من تفريقٍ استراتيجي بين المصالح العاجلة والآجلة، والفردية والعامة. بل لامهرب من (براغماتيةٍ) مدروسة لاتعني على الدوام، كما يفهم البعضُ بسذاجة، بيعَ المباديء والمتاجرة بالقضية. هذه ثنائياتٌ متناقضة لاتوجد إلا في أذهان أغرار في العمل السياسي والعسكري والاستراتيجي، ولايليق أبداً أن تبقى في ذهن من يعمل بصدق لبلاده وأهله، خاصةً بعد هذه التجربة الهائلة بكل معاني الكلمة.خامساً. من رابع المستحيلات أن يصل السوريون إلى رؤيةٍ سياسيةٍ محترفة متكاملةٍ، قدر الإمكان، يمكن أن تكون جزءاً من (البديل) المطلوب إقليمياً ودولياً، بالاعتماد على العاملين بشكلٍ مباشر في حقلي السياسة والعمل العسكري. الأرجح أن أغلب أهل الفصائل زاهدون أصلاً في مثل هذه المهمة، أو مدركون لاستحالة قيامهم بها. لكن كثيراً من ساسة المعارضة السورية موهومون بأن (السياسي) هو الذي يضع مثل تلك الرؤية، وليس أبعدَ عن الحقيقة في عالم السياسة المعاصر من هذا الوهم. ففي هذا العالم، يقوم الخبراء والمتخصصون والتكنوقراط بإعداد الرؤية بتفاصيلها المعقدة، ثم إن الساسة يضبطون بعض جوانبها ويُجرون فيها شيئاً من التعديلات. وهذه حقيقة أخرى تفرض على المعارضة السورية أن تنظر عَبرها إلى هذه المهمة بمنظارٍ جديد.مرةً أخرى، ثمة (نافذة فرصة) للسوريين وثورتهم في هذه المرحلة. لم يعد هناك طرفٌ سوري يستطيع أن (يأكل الكعكة) لوحده، مع الاعتذار على التشبيه، لا على سبيل المصالح الحزبية والإيديولوجية والشخصية، ولا على سبيل (الإخلاص).. نحن أمام مفترق طُرُق حساسٍ وفريد يَصلُ بين واقع الإنهاك الكبير للجميع من جهة، والفرصة الفريدة لهم ولبلادهم من جهةٍ أخرى. والاعتراف بالحقائق السابقة مدخلٌ للأخذ بالقرار الصحيح.

581

| 12 يوليو 2015

صانعاتُ المستقبل.. (نساء) الثورة السورية

بشيءٍ من البحث والمتابعة، سيكون مفاجئاً للكثير من السوريين أنفسهم حجمُ العمل الذي تقومُ به المرأة السورية لصناعة مستقبل بلادهم. وإذ تكثرُ الأمثلة في هذا المجال بشكلٍ لايمكن حصرهُ، ثمة نماذجُ لأسماء ولمشاريع استرعت اهتمام المرء خلال الأسبوع الماضي أثناء العمل على أحد المشاريع، وتستحقُ أن يَعرف عنها السوريون أكثر.الدكتورة هزار مهايني، مقيمةٌ في كندا منذ عقدين ونصف من الزمن، أسست في مدينة الريحانية، في تركيا، مدرسة السلام منذ عامين لتستوعب 300 طفلة وطفل من أبناء اللاجئين السوريين القاطنين خارج مخيمات اللجوء. ثمة عبارة تعريفية صغيرة على صفحة المدرسة تقول "هذا المشروع هديةُ متواضعة من الجالية السورية في كندا لإخوانهم السوريين في تركيا ولإرجاع الحق الطبيعي بالتعليم والأمل والمستقبل لأبنائنا".يَدرس في هذه "الهدية المتواضعة" الآن قرابة ألفي طفلة وطفل وشابة وشاب من السوريين، تتم خدمتهم على خمس نوبات في اليوم، تبقى فيها المدرسة مفتوحةً لأكثر من 15 ساعة. التعليم في المدرسة مجانيٌ بالكامل، ويقوم بمهماته طاقمٌ يضم أكثر من 70 معلماً وإدارياً وعاملاً في مختلف المجالات. وإضافةً إلى تعليم المواد الدراسية، تُقدم المدرسة دورات حاسوب وتعليم لغات وتعليم مهني ونشاطات رياضية وترفيهية، فضلاً عن الرعاية الطبية وتأمين المواصلات، مع وجود فريق للدعم النفسي وتأمين الدعم الاستشاري لمساعدة الطلبة على الحصول على القبول والمنح الدراسة في الجامعات. كل هذا مع توفير قاعة حاسوب حديثة ومخبر للعلوم ومكتبة ومطبخ و.. حديقة حيوانات صغيرة!..هذه (معجزةٌ بشريةٌ صغيرة) في حقيقة الأمر.. وهي في نهاية المطاف حصيلةُ دعم وعطاء سوريين يقومون بمتابعة شؤون المدرسة ورعايتها لتستمر في القيام بمهمتها على الوجه الأكمل عن طريق مؤسسةٍ مسجلة في كندا باسم Syrian Kids Foundation. لكن (دينامو) المشروع، كما يقولون، هو الدكتورة مهايني التي يسكن قلبها وعقلها في المدرسة حتى حين تكون جسدياً في مونتريال. بل إن هذا النموذج المتميز للمرأة السورية لا تكتفي بذلك، فهي، حالَ وجودها في كندا، تبقى متابعةً للمدرسة من لحظة افتتاحها إلى وقت الإغلاق عن طريق خمسة حسابات (سكايب) تبقى مفتوحةً تتواصل من خلالها مع إدارة المدرسة طوال الليل، بسبب فارق التوقيت بين كندا وتركيا.رغم هذا، تضحك الدكتورة في لقائها مع مراسل قناة NBC الأمريكية وترفض توصيفهُ حين ذكرَ في التقرير بأنها (امرأةٌ غيرُ عادية). أذيع التقرير في واحدٍ من أشهر البرامج المسائية الإخبارية وأكثرها متابعةً في أمريكا NBC Nightly News، حيث لفتَ المشروعُ انتباه القناة فأرسلت طاقمها يتابع الدكتورة وعملها على أرض الواقع.. "تجد المهايني وقتاً للحديث مع كل طالب وطالبة بشكلٍ منفرد" يقول المذيع والشاشة تعرض مشاهد من المدرسة، ثم يتابع قائلاً: "لكنها لاتكتفي بهذا، بل تجد وقتاً لزيارات أماكن إقامة الطلبة بعد يوم عملٍ طويل لمتابعة أحوالهم وحث الأهل على الاستمرار في إرسال أبنائهم إلى المدرسة والاهتمام بالتعليم".هذا الجهدُ الاستثنائي دفع عدداً من الجهات للاهتمام بالمدرسة، كان منها (مؤسسة كَرَم) KARAM Foundation التي تديرها امرأةٌ سورية أخرى هي لينا سيرجي عطار. لينا، المؤسس الشريك للمؤسسة المذكورة التي تم إنشاؤها عام 2007م في مدينة شيكاغو الأمريكية، حاصلةٌ على الماجستير من جامعة MIT في الفنون والتصميم وتاريخ الهندسة المعمارية، وهي إلى نشاطها، المُحترف والمتنوع، في المؤسسة، تكتب المقالات عن سوريا وقضيتها في صحف مثل النيويورك تايمز ومجلات مثل السياسة الخارجية Foreign Policy الأمريكية، فضلاً عن ظهورها المتكرر للحديث عن سوريا على أشهر قنوات التلفزة الأمريكية والعالمية.لكن شغف لينا الأكبر يكمن في تقديم الخدمات الجديدة والمتميزة للأطفال السوريين اللاجئين عن طريق المؤسسة. وتساعدها في ذلك كِندة هبراوي الرسامة المعروفة عالمياً في مجال الخط العربي، حيث عملت في مشاريع مع مؤسسات عالمية مثل الأونروا واليونيسيف، ومَنَحتها الأمم المتحدة لقب (مُفكر ومُؤثر على المستوى العالمي) عام 2012، وهي التي ساهمت بشكلٍ رئيس في إنشاء (برنامج كَرَم الإبداعي التعليمي للأطفال السوريين المُهجرين).وفي هذا الإطار، تقوم لينا وكِندة، مع سوريات أخريات من مؤسسة كَرَم، باصطحاب فِرَق من أصحاب المهارات والاختصاصات من أمريكا وكندا ودول أخرى إلى مدرسة السلام، وغيرها من المشاريع، بشكلٍ متكرر. وتُقدم المؤسسة بواسطة هذه الفِرَق برامج تدريبية للطلبة السوريين في مختلف المجالات لتطوير مهاراتهم واستكشاف مواهبهم وفتح آفاق التخصصات والفنون والعلوم المتنوعة أمامهم.أما نوشا قبوات، ابنة الناشطة السورية المعروفة هند قبوات، فهي من أسس منظمة (أمل وسلام) التي تعملُ أيضاً مع الأطفال والطلبة السوريين في مواقع لجوء السوريين. ومثل والدتها، لاتكتفي نوشا بعملها وإنجازها الأكاديمي، فهي مديرة برنامج سوريا في مركز الدبلوماسية وحل النزاعات والأديان العالمية في جامعة جورج مايسون العريقة، لكن نشاطها يمتد إلى مجال التعليم، حيث ترعى مدرسةً للاجئين في الأردن، فضلاً عن تقديم دورات تدريبية في قضايا حل النزاعات والمفاوضات والعدالة الانتقالية وبناء المجتمع المدني.ثمة نماذج أخرى كثيرة للمرأة السورية المخضرمة والشابة، صانعة المستقبل، يصعبُ حصرها في هذا المقام.. لكن الأمثلة المذكورة أعلاهُ تعيد التنبيه إلى حقيقةٍ واضحة: أن المرأة السورية حاضرةٌ، وبقوة، في صناعة حاضر سوريا ومستقبلها، وأنها تتحرك في مجالات إستراتيجية وحساسة بشكلٍ فعالٍ ومُبدع، بعيداً عن الصور النمطية والتقليدية المُتداولة في هذا المجال. بل إن بحثاً أكبر في تفاصيل الظاهرة قد يبين أن المبادرات التي تقوم بها تلك المرأة السورية، وهي أكثرُ بكثير من مبادرات الرجال، تمثل حالياً الحامل الرئيس الذي يساعد على تماسك واستمرار المجتمع السوري الضخم في الشتات، ويحفظ للثورة السورية بمعانيها الأصيلة، مقومات الثبات، ويزرع في أبنائها البذور المطلوبة لبناء سوريا الجديدة.

1568

| 05 يوليو 2015

اليوم التالي.. في سوريا

مع تطور الأحداث الأخيرة والهزائم التي يتلقاها النظام السوري القمعي الفاجر سياسياً وعلى الأرض، فإن اليوم التالي لبشار الأسد ولنظام الفساد والظلم والتسلط قد بات وشيكاً. وهذا الوضع الجديد يتطلب منا نحن العاملين في سبيل وطنٍ حرٍ وكريمٍ وخالٍ من الظلم، وطنٍ يعيش فيه كل السوريين أحراراً كراماً متساوين، أن نكون على أهبة الاستعداد للمساهمة في بناء هذا الوطن الجديد..هذا الوضع الجديد سيتطلب منا البدء بحوارات واسعة فردية وجماعية حول معنى سقوط النظام والمرحلة الانتقالية التي ستلي سقوطه بانتظار قيام جمهوريةٍ سوريةٍ جديدة تبنى على أساس الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان. وينبغي التركيز على النقاط التالية.من المفيد التذكير أن إسقاط النظام لا يعني إسقاط الدولة ومؤسساتها. ينبغي التفريق بين العائلة الحاكمة والنظام السياسي وأجهزة القمع والميليشيات الطائفية البغيضة وبين مؤسسات الدولة التعليمية والصحية والمالية والخدمية. وبينما ينبغي إزالة الأولى ينبغي المحافظة على الثانية بكل ما أوتينا من عزم وقوة..هذا هو الوقت المناسب للتأكيد على أهمية مبدأ سيادة القانون. مباشرةً بعد سقوط النظام، سيتعين على الشعب السوري ونشطاء الثورة والحكومة الانتقالية تحقيق العدالة والبدء بإرساء مبدأ سيادة القانون، والتأكيد على القطيعة مع الممارسات القمعيّة للنظام السابق، ووضع حجر الأساس لمبادئ المساءلة والشفافية..سيكون من الظلم والمعيب أن ينجو كبار المرتكبين بجرائمهم. ينبغي على الناشطين المدنيين التأكيد على إعلاء شأن المحاسبة. ومن هنا تأتي مسألة العدالة الانتقالية التي ستعمل على إعادة فرض المساءلة وتحقيق المصالحة، وتحميل كافة الجناة المسؤولية بغض النظر عن هوياتهم.. ينبغي التأكيد على المبدأ القائل: "ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى"، ورفض مبدأ الثأر وترك مسار العدالة الانتقالية يأخذ مجراه لإدانة كبار المرتكبين والسير في طريق بناء سوريا بلداً لكل السوريين. ويجب التأكيد على فكرة الدستور. إن المرحلة الانتقالية، لكي تكون شفافةً ومثمرة، ينبغي أن تستند إلى دستورٍ مؤقت ريثما يتم كتابة دستور جديد للبلاد..ينبغي العمل القوي من أجل بناء الثقة بين القيادات السياسية للجماعات المعارضة وبين الجيش السوري الحر والمجموعات المسلحة المعتدلة، وإطلاق الجهود التي تهدف إلى تعزيز القيادة والانضباط بين المعارِضة المسلحة، وضمان التزام هذه الجماعات بمبادئ حقوق الإنسان، وانصياعها للقيادة المدنية..نحن أمام بداية المرحلة الأصعب من الثورة السورية. وبينما يقوم السياسيون بواجبهم والعسكريون بواجبهم، فإنما على عاتقنا نحن الناشطين المدنيين عبء رفع مستوى الوعي والتحذير من الأخطاء ومحاولة منع حدوثها، أو إصلاحها في حال وقوعها بأقل الخسائر الممكنة. وليكن شعارنا: معاً لتحولٍ سياسيٍ واجتماعيٍ واقتصاديٍ ديمقراطي، يحافظ على كرامة السوريين ومساواتهم التامة، ويعلي من شأن سيادة القانون وبسعي لتحقيق العالة الانتقالية، ويصلح من شأن الأجهزة الأمنية ويضع دستوراً جديداً كريماً للبلاد، يستحقه السوريون بكافة أطيافهم.الفقرات الواردة أعلاه جزءٌ من رسالةٍ للسوريين وجَّهَها لهم مؤخراً فريق (اليوم التالي) في سوريا. الفريق مؤلفٌ من خبراء وأكاديميين ومتخصصين سوريين في مختلف المجالات، وكان قد أنجز مشروعاً متكاملاً يضبط ملامح مرحلة ما بعد سقوط الأسد في ستة مسارات: الأسس الحقوقية، العدالة الانتقالية، إصلاح القطاع الأمني، الإصلاح الانتخابي وإنجاز التعديلات الدستورية، الإصلاح الدستوري، الهيكلة الاقتصادية والسياسات الاجتماعية.هذه الرسالة، التي لم تصل إلى الكثير من السوريين للأسف، على أهميتها، تُذكرنا بأمرين في معرض الدعوة المتواصلة للعمل على تهيئة أسباب نجاح مؤتمر الرياض للمعارضة السورية: أن ثمة خبراء ومتخصصين سوريين متميزين يمكن لهم إنجاز الرؤية المطلوبة بشكلها المحترف والشمولي. والأهم من هذا، أن جزءاً مُقدراً من هذه الرؤية موجودٌ ابتداءً.لاشك أن هناك حاجةً لأخذ المُعطيات الجديدة، التي حدثت خلال السنتين الماضيتين، بعين الاعتبار عند محاولة تطوير رؤيةٍ جديدة. لكن الذي يطلع على تفاصيل العمل، وهي موجودةٌ بتفاصيلها على موقع (اليوم التالي)، يُدرك أن الجهد لايجب أن يبدأ من نقطة الصفر، ولاحرجَ في التأكيد أن أكثر من نصف المهمة المطلوبة، على الأقل، تم إنجازهُ فعلاً.ذكرنا سابقاً أن من شروط نجاح مؤتمر الرياض، بالمعنى العملي وليس النظري فقط، ارتفاعُ وتيرة الضغط العسكري على النظام، ومحاصرته تدريجياً في مختلف مناطق البلاد. وهذا ما يستمر بشكلٍ واضحٍ كان مثالهُ الأخير التقدمَ العسكري للمعارضة في الجنوب. فالسوريون يثبتون لأنفسهم، ولمن يهمه الأمر، مرةً تلو أخرى، أنهم قادرون، بالحد الأدنى من الدعم، على القيام بواجبهم الميداني. وهذه ميزةٌ تؤخذُ بعين الاعتبار في الحسابات الإستراتيجية. خاصةً عند مقارنتها بحالات أخرى ترتفع فيها كلفة الدعم السياسية والعسكرية، لكن التطور فيها يبقى بطيئاً مقارنةً بالحالة السورية.لايقتصر الأمر على قدرة السوريين على التعامل ميدانياً مع النظام وهزيمته، وإنما تسري القاعدة نفسُها على التعامل مع تنظيم مايُسمى بـ (الدولة الإسلامية). فبشيءٍ من التحليل لمعاركه السابقة في سوريا والعراق، يصبح واضحاً أن (انتصاراته) المزعومة الكبيرة تحملُ في طياتها دوماً عناصر غير منطقية، من أهمها (الانسحابات) الغريبة التي تسبق تلك (الانتصارات). فيما عدا ذلك، ينجح التنظيم في هزيمة فصائل مشرذمة قليلة التجهيز والعدد هنا، ويتقدم بإشاعة الرعب بين المدنيين هناك. أما حين يتعلق الأمر بالمواجهة مع قوةٍ مناسبة عددياً ومجهزة نارياً بحدٍ أدنى من التجهيزات فإن مصيرهُ الهزيمة على الدوام. وقد رأت الفصائل المقاتلة السورية مع التجربة، أكثرَ من غيرها، حقيقة كون التنظيم (فزاعةً) تنفخُ فيها قوىً إقليمية ودولية لأسباب مختلفة.من هذا كله، يزداد إدراك القوى الإقليمية التي تقف مع الثورة السورية أن سوريا هي فعلاً المفصلُ الأساسي والأهم الذي يجب التركيز عليه في الصراع الإقليمي الإستراتيجي الراهن. لا لتكون البلاد مجرد ساحةٍ لذلك الصراع، وإنما لتكون سوريا الجديدة، ما بعد الأسد، لاعباً هاماً في تحديد نتائجه. والعملُ السياسي الواسع لتلك القوى مؤشرٌ على ذلك، وكان آخرُ مظاهره زيارة ولي ولي عهد السعودية محمد بن سلمان إلى روسيا بما رافقها من تصريحات واتفاقات..قد يكون واقعُ المعرضة السياسية السورية في الظروف السابقة مفهوماً، لكن من غير اللائق أن تبقى بمثابة (العنصر الأضعف) مع التطورات التي أنتجت معادلةً جديدة، خاصةً وأنها تستطيع، هي تحديداً، تفعيل المعادلة بأسرها بشيءٍ من الجدية والعمل السياسي المحترف.

390

| 28 يونيو 2015

المعارضة السورية ومؤتمر الرياض

منذ أكثر من شهرين طرحت السعودية فكرة عقد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض يكون ساحةً لجمع ماأمكن من صفوفها، وصياغة رؤية سياسية تقدمها المعارضة فيما يخص تطورات الثورة السورية الميدانية والسياسية، والأهم من هذا، بلورة تصور المعارضة للفترات القادمة شاملاً مرحلة إسقاط الأسد ونظامه والمرحلة الانتقالية ومابعد ذلك..تأجلَ المؤتمر المذكور، وليس له الآن تاريخٌ محدد. ولئن كثرت الأقوال والتفسيرات بهذا الخصوص إلا أنها بعيدةٌ عن حقيقة الأمر. فالسبب المُحدد يتمثل في أن السعودية لن تنظم المؤتمر إلا بعد توفير مقومات نجاحه، وهذه عمليةٌ متعددة المسارات.فمن ناحية، ارتأت القيادة السعودية أن تُعطي المؤتمر المذكور زخماً أكبر على المستوى السياسي الإقليمي والدولي. من هنا، انتقل الحديث الرسمي المُعلن عنه إلى وقت انعقاد القمة الخليجية التي سبقت اللقاء مع الإدارة الأمريكية.ففي كلمة افتتاح القمة المذكورة، أوضح الملك سلمان بن عبد العزيز بشكلٍ صريحٍ ومباشر أنه لامكان لبشار الأسد حتى في المرحلة الانتقالية. وفي ختام القمة، جاء الإعلان عن عقد المؤتمر على شكل قرارٍ رسمي من قرارات القمة الخليجية. وكان الهدف من لقاء الرياض المُنتظر مُحدداً بوضوح في صيغة البيان الذي ذكر أنه يتمثل في "رسم ملامح مرحلة مابعد الأسد". ثم زادَ الأمرَ تأكيداً وزير الخارجية القطري خالد العطية حين صرح، بعد ذلك، بأن الهدف من المؤتمر هو "وضع خطة لإدارة المرحلة الانتقالية لما بعد نظام الرئيس بشار الأسد".كان الهدف من الإخراج يتمثل أولاً في إرسال رسالةٍ واضحة حول طبيعة القرار المتعلق برحيل الأسد، وبأن هذا القرار باتَ أحد (ثوابت) الرؤية الاستراتيجية السعودية، والخليجية، للمرحلة القادمة. (ثابت)، بمعنى أنه في جوهره غير قابلٍ للتفاوض. وهذه رسالةٌ لجميع الأطراف ذات العلاقة الإقليمية والدولية لتأخذ علماً بها، فإذا ماكان ثمة حراك سياسي ومفاوضات، فكلها حول الآليات والتوازنات الأخرى المتعلقة بالشأن السوري بعيداً عن المساس بالثابت المذكور.ثم إن الهدف الآخر لإخراج قرار مؤتمر المعارضة في القمة تمثل في التأكيد على كونه لايتعلقُ بالسعودية وحدها، رغم قيادتها للعملية، وإنما في وجود الزخم الخليجي وراءها كحاملٍ إقليمي، وبشكلٍ يُلغي التشويش الذي ساد في المرحلة السابقة حول تفاوت مواقف الأطراف الخليجية من المسألة.إلى هذا، جاء حضور الرئيس الفرنسي للقمة الخليجية، بمداولاتها وقراراتها ليُضيف رمزيةً سياسيةً مقصودة. فإذا أضفنا التنسيق المستمر القائم مع تركيا على مختلف المستويات فيما يتعلق بالملف السوري، ندرك خلفيات الترتيبات الدقيقة التي تقوم بها السعودية في هذا المجال.يجب التوضيح هنا، وبقوة، أن المملكة لاتريد لهذا اللقاء أن يكون (مؤتمراً آخر) للمعارضة السورية، وهذه قاعدةٌ يجب أن تكون واضحةً للجميع.. وإنما يجب أن يكون (المؤتمر)، بأل التعريف.بمعنى أنه سيكون الفعالية السياسية الكبرى التي يجب أن يتم فيها وضع تصور شامل، ليس فقط لكل عناصر المرحلة الانتقالية بعد (ترحيل) الأسد، دستورياً وسياسياً وإدارياً وأمنياً واجتماعياً. بل إن المهمة تتطلب أكثر من ذلك، وفي صُلبها وضعُ العناصر والشروط والقواعد والآليات للرؤية التي ستنقل سوريا وأهلها من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الاستقرار.. وهذا يتضمن أخذ وضع الجغرافيا السياسية لسوريا بعين الاعتبار.. بمعنى رسم موازنات دقيقة تستجيب لخصوصية ذلك الوضع، إنْ لجهة التعامل مع القوى الدولية والإقليمية الداعمة لبشار، أو الخائفة من رحيله.. أو لجهة الترتيبات الداخلية المتعلقة بشرائح الشعب السوري ومكوناته..وبما أن الضغط الميداني على نظام الأسد، وحلفائه، وتقليص مساحات سيطرتهم على البلاد تُعتبر شرطاً رئيساً في تحقيق السيناريو المطلوب، فقد سارت الترتيبات المتعلقة بهذا الشرط بما هو مرسومٌ لها إلى درجةٍ كبيرة خلال الشهرين الماضيين.يبقى في النهاية مسارٌ حساس يتعلق بتحضيرات المعارضة السياسية السورية للقاء. وهذه لاتزال (الخاصرة الطرية) للمشروع كما يُتداول في الأوساط المعنية.. إذ لاتزال (السلبيات) المعروفة للمعارضة بشكلٍ عام تملأ الأسماع والأبصار بين فينةٍ وأخرى.وفي حين أن مؤتمر الرياض سيكون مفصلاً هاماً من مفاصل الحاضر والمستقبل في سوريا، ومع أن تحضير أوراقه بشكلٍ شامل ومُفصَّل يتطلب جهوداً كثيرة، ورغم أن السعوديين يريدون أن يقوم السوريون بهذه المهمة لأنهم أصحاب القضية، رغم كل هذا، ثمة زهدٌ غريبٌ بالموضوع، ويبدو هؤلاء مشغولين عنه بقضايا جانبية باتت معروفةً ومكرورة.معروفٌ مثلاً أن طلباً قُدم لأطراف المعارضة لتقديم (رؤية) يمكن أن تكون نواة ورقة العمل لمؤتمر الرياض. لكن مفاجأةً كانت في انتظار أصحاب العلاقة. فبدلاً من عملٍ مؤسسي محترف لإنجاز المطلوب، كانت النتيجة أوراقاً فردية، وبشكلٍ ظهر منه قصورُها الشديد عما هو مطلوب من جانب، وافتقاد القدرة على التعاون والتنسيق، حتى فيمن يُفترض فيهم الانتماء إلى نفس الجهات والهياكل، من جانبٍ آخر!مايجب أن يعرفه الجميع في هذا المقام أن مثل هذه الممارسات كانت وستبقى مدعاةً لتأخير انعقاد المؤتمر، ولكل مايمكن أن ينتج عنه من قرارات تصب في مصلحة السوريين وتجعل مسار ثورتهم في الاتجاه الصحيح.ولتجاوز هذا المأزق يبدو الوقت مناسباً لجهدٍ مؤسسي مبتكر، بسيناريوهات مختلفة قيد الدراسة والتداول، يساعد أطراف المعارضة على تقديم رؤية (سوريةٍ) واحدة وموحَدة.عودعلى بدء: مؤتمر المعارضة السورية في الرياض مَفصلٌ رئيسٌ في تاريخ سوريا وثورتها ودولتها القادمة. لكنه لن يُعقدَ إلا بتهيئة أسباب نجاحه. وفي حين أن السعوديين وغيرهم يعملون على ذلك، بمنهجٍ جديد، ورؤيةٍ مختلفة.. يبدو بعض السوريين، حتى الآن، العائق الحقيقي في وجه ذلك.

278

| 21 يونيو 2015

العرب والانتخابات التركية: حزب العدالة والتنمية ملاكٌ أو شيطان

سالَ حبرٌ كثيرٌ باللغة العربية، خلال الأيام الماضية، حول نتائج الانتخابات التركية. حصلَ هذا في منابر الصحافة العربية منها والتركية. وبغض النظر عن النتائج ذاتها، كانت هذه فرصةً أخرى لنتعرﱠفَ على أنفسنا كعرب. لِنَنظُرَ إلى المرآة التي تعكسُ واقعنا الثقافي ومناهجنا في التفكير والتحليل والتعامل مع ظواهر الحياة من حولنا.لامجال للتعميم المطلق كما هو الحال دائماً في مثل هذه الحالات، لكننا نتحدث عن ظاهرةٍ واضحة تغلب على الكتابات المذكورة، وهي بالتالي تُعبر عن جانبٍ من جوانب الثقافة السائدة.يظهر من متابعة تلك الكتابات انقسامُ المعلقين والكتاب العرب إلى فريقين بشكلٍ ينطبق عليه قول الشاعر: وعينُ الرﱢضا عن كُلﱢ عيبٍ كليلةٌ كذاكَ وعينُ السُّخطُ تُبدي المَسَاويَ.يُدافع الفريق الأول عن (إيجابية) النتيجة، وأحياناً بشكلٍ مستميت. ويُبررها من خلال التركيز على بعض دلالاتها، مثل القول بأن الحزب فاز في النهاية بالمرتبة الأولى، وأن نسبة 41% عالية جداً بالمقاييس الأوربية، وأن نتائج الانتخابات كانت مصداقاً لنزاهتها، وأن هذا كله يُحسبُ لحزب العدالة والتنمية، وليس عليه. كل هذا صحيحٌ بشكلٍ أو بآخر. ولو أن الطرح لايقفُ عند هذه المقولات، لكان نوعاً من النظر إلى (النصف المليء من الكوب).لكن أكثر الكتابات تقف فعلاً عند تلك النقطة في التحليل. وهي بهذا تتجاهل حقيقةً سياسية فارقة ستؤثر على حاضر تركيا ومستقبلها، تتمثل ببساطة فيما يلي: إن الحزب، بساسته وإعلامييه ومُناصِريه، كان إلى ماقبل فترةٍ قصيرة من الانتخابات يتحدث عن احتمالات الحصول على أغلبية تمكنه من تغيير الدستور.. أما الحديثُ عن حصوله على أصوات لن يتمكن معها من تشكيل الحكومة بمفرده، واحتمال اضطراره للتحالف مع أحزاب أخرى، فلم يكن وارداً في أي تصريحٍ أو تحليلٍ أو مقالٍ أو دراسة.. هذا هو مربط الفرس كما يقولون، وذلك هو محورُ القضية التي تدل على أن ثمة أخطاء، وربما أخطاء كبرى، في الحسابات، يجب البحث عنها، بعيداً عن التركيز على القضايا الأخرى المذكورة أعلاه.وهذه الأخطاء لم تحصل فجأةً في بضعة أيام، وإنما تتعلق بقرارات وممارسات سياسية وإدارية وإعلامية حصلت بالتراكم، على الأقل على مدى العام أو العامين الأخيرين كما تُظهر المؤشرات.بالمقابل، تَظهر كتاباتُ وتعليقات فريقٍ آخر من العرب وكأنها تتمحورُ حول هدفٍ واحدٍ ليس له ثانٍ: الشماتة بحزب العدالة والتنمية، وتحديداً بشخص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لاتبدو هذه الكتابات معنيةً بالتحليل والدراسة والحَفر الموضوعي في الظاهرة، ولا حتى في سلبياتها، وإنما هي مشاعرُ الشماتةُ والتشفي، وربما نوعٌ من لذة الانتقام! تُعبرُ عن نفسها بالعناوين والمصطلحات قبل المضمون، وكأن ثمة عداءً شخصياً مباشراً وعميقاً مع الرجل ومع الحزب. هنا أيضاً، كان مقبولاً اعتبارُ الأمر تنبيهاً إلى (النصف الفارغ من الكوب)، لولا أن المقولات تقف عند تلك النقطة ولاتتجاوزها.هكذا، يتعامل الفريقان مع ظاهرةٍ هامة تؤثر وستؤثر في حاضر العرب ومستقبلهم بمدخل العواطف والمشاعر، ومنطق الحب والكراهية، ويضيع في الزحام منطق العقل والتحري والبحث والمتابعة الموضوعية التي تحاول استنباط الدروس والعبر من جهة، ويختفي، من جهةٍ أخرى، منطق المصالح المتبادلة والحسابات الذي يجب أن يحكم العلاقات بين الدول. ويبدو، من الحالتين، أن قدرة العرب على فهم التجربة التركية المعاصرة، وخاصةً الجانب الذي يُسمى (إسلامياً) منها، كانت ولاتزال محدودة.المفارقة أن هذه الشريحة من الكتاب والمعلقين العرب كانت (أكثر ملكيةً من الملك) هنا وهناك. فثمة كتابٌ ومعلقون أتراك من مؤيدي حزب العدالة والتنمية طالبوا بالمراجعات مع ظهور النتائج، وثمة من يقفون ضد الحزب المذكور، لكنهم دعوا محازبيهم ومواطنيهم أيضاً إلى قراءةٍ أكثر شموليةً للحدث، وعدم الانحصار في اعتبار ماحدث هزيمةً للحزب. أما أهلُ الشريحة المذكورة، فكانوا حاسمين في مواقفهم الحدية، إلى درجةٍ يمكن لها أن تأخذ تركيا وأهلها إلى ماهو أسوأ، لو كان لها القرار.والواضح أن هذا الموقف استمرارٌ للمواقف الحدية السابقة للانتخابات. فثمة أمنيات يمكن أن تسمعها أو تقرأ عنها من سوريين وعرب، على مدى الأعوام الماضية، تتمنى لو أن (أتراك العدالة والتنمية) يحكمون بلادهم. صحيحٌ أن هذا الموقف يُعبرُ عن درجة الإعجاب بالتجربة التركية وأهلها، لكن من معانيه الواضحة أيضاً الاستسهالُ والكسل الحضاري. فبدلاً من المكابدة والعناء لبناء الدول، كما فعل أهل التجربة المذكورة، تتوسل تلك المقولات من (يُريحُ) أصحابَها من الجهد المطلوب، وتؤدي عنها الواجب الذي ينبغي أن يقوموا هم به.بعد يومين من الانتخابات، خرج أحمد داوود أوغلو، رئيس حزب العدالة والتنمية، ورئيس الوزراء، على شاشة التلفاز التركي في مقابلةٍ خاصة قائلاً فيما قال: "الانتخابات كانت تجسيداً لإرادة الشعب.. والقرار الذي اتُخذ من الشعب هو القرار الصحيح". كما تواترت الأخبار عن اجتماعات مكثفة لدراسة نتائج الانتخابات، وعن البدء عملياً بعمليات مراجعة شاملة على جميع المستويات.هكذا يفكر من يتحركون بمنطق رجال الدولة، وهكذا يعملون. يحصل هذا رغم أن هؤلاء يعرفون كل (الإيجابيات) التي يتحدث عنها أصدقاؤنا من كتاب العرب ومعلقيهم. لكنهم يدركون أنهم لايمتلكون رفاهية الحياة على تلك (الأمجاد) والإنجازات.منذ عقدين من الزمان، قال شاعر المنفى واصفاً حال العرب: "مُتطرفونَ بِكُلﱢ حال.. إما الخلودُ أو الزﱠوال.. إما نَحومُ على العلُى.. أو نَنحني تحت النعال.. في حِقدِنا: أرجُ النسائمِ جيفةٌ.. وبِحُبنا: روثُ البهائمِ برتقال".. قد تكون الكلماتُ حادةً وواخزة وصريحةً بعض الشيء، لكن استمرار تعامل ثقافتنا مع ظواهر الحياة بهذه الطريقة إلى اليوم الراهن، رغم كل المتغيرات، يُظهر أنها لاتزال محتاجةً، فيما يبدو، إلى مزيدٍ من الوخز الحاد والصراحة.

310

| 14 يونيو 2015

الدخول من "أبواب متفرقة" قبل إعطاء "بعض ثمار المدينة"

ثمة وقت لابد فيه من إعطاء (بعض ثمار المدينة)، لكن الحسابات المتعلقة بهذا الموضوع يجب أن تكون دقيقة. فكما أن إلغاء هذه الفكرة بالكامل من الأذهان، والقرارات، يندرجُ في إطار مثاليةٍ طوباوية لا تصلحُ للتعامل مع العالم، يُصبح الاستعجال فيها، والاستسلامُ لإغراءاتها، مدخلاً لخسارات إستراتيجية قد تضيع معها كل الثمار.القصة معروفة في تاريخنا، ولا حاجة بنا إلى إعادة الحديث في تفاصيلها. لكن المقام اليوم هو مقام البحث في دلالاتها وأبعادها، خاصةً عندما يتعلق الأمر باستحضار المعاني الإستراتيجية الكامنة فيها لتنزيلها على واقعنا المعاصر.. فتاريخنا ليس مجموعةً من القصص المسلّية التي تحكيها الجدّات للأطفال في ليالي الشتاء الباردة أمام المدفأة قبل النوم، وإنما هو تجربة إنسانية معرفية تزخر بالمعاني والعبر، وبإشارات يمكن أن تكون مصدراً مهماً للفعل البشري على كل مستوى وفي كل صعيد.فمنذ الأيام الأولى لذلك التاريخ، كانت تأتي تلك اللحظات الصعبة التي يتوجب فيها اتخاذ قرارات في غاية الحساسية والخطورة تتعلق بمسألة (الوجود) نفسها. الأمر الذي كان – ولا يزال – يتطلب على الدوام، رؤيةً في غاية الشمولية، وحسابات في غاية الدقة، وقبل ذلك كله شعوراً بالمسؤولية في أعلى الدرجات.ذلك أن من طبيعة مثل تلك المراحل المفصلية أن تتسبب في مقادير من الضغط النفسي على أغلب البشر، وبشكلٍ تكون معه الشمولية في الرؤية والدقة في الحسابات في غاية الصعوبة. حتى عندما يتعلق الأمر بمتميزين يذكر التاريخ ردود أفعالهم في مثل تلك المواقف، وكيف كانت تتمحور على الدوام حول المقولة المشهورة: "ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ فلم إذاً نعطي الدنيّة؟".رغم ذلك، كانت الرؤية الشمولية، وكانت الحسابات الدقيقة، تستوعب العواطف المتأججة خلف تلك المقولة، وتربتُ على أكتاف أصحابها، وتُطيّب من خواطرهم، وتطلب منهم الصبر والرويّة، ثم تمضي في اتجاهٍ آخر، كان يَظهر بعد قليل، أنه الاتجاه الصحيح.ولكن، يأتي بعد كل هذا سؤالٌ كبير: ما الذي يضمن أن يكون القرار ويكون الفعل البشري في مثل تلك المراحل الحساسة مبنياً حقيقةً على رؤية شمولية، وناتجاً فعلاً عن حسابات دقيقة؟ ففي هذا الواقع الذي تداخلت فيه الأمور وتعقّدت فيه المعادلات، ينبغي التحفز دوماً لإمكانية الخلط بين المبادرة والاستعجال، وبين التروي والاسترخاء.ما هي العوامل التي يجب أن تكون متوافرةً اليوم، كي نقنع أنفسنا ونقنع الناس، أن القرار وأن الفعل البشري الراهن ينطلقان من شمولية الرؤية ودقة الحسابات، وليس من باب ردود الأفعال التي تستجيب للضغوط، وأحياناً بعشوائية بالغة؟ هذا سؤالٌ أساسي آخر.لماذا نُعطي بعض ثمار المدينة؟ ومتى نُعطيها؟ ولمن نعطيها؟ وكيف نعطيها؟ كل سؤالٍ من هذه الأسئلة، الصغيرة في صياغتها، يحتاج إلى دراسةٍ متأنية للبحث عن إجابةٍ موزونة بما هو أشبه بميزان الذهب. ذلك أن ثمار المدينة أغلى من الذهب نفسه بكثير، يعرف هذا تماماً أولئك الذين يتطلعون لأخذها. فتلك الثمار تعني الوجودَ والاستمرار والبقاء في نهاية المطاف.لهذا، يُصبح مفهوماً أن يقوموا بكل المناورات الممكنة للحصول عليها في أسرع وقت، وبكل طريقةٍ ممكنة، ودون مقابل. وأن يستخدموا كل أساليب التخويف والتهويل والضغط النفسي والعملي، المباشرة وغير المباشرة.من هنا تظهر ضرورة البحث عن كل (الأبواب المتفرقة) التي يمكن (الدخول) منها، قبل التفكير في إعطاء بعض الثمار، تجنباً لكل أنواع العقم الفكري والنفسي التي تصيب البعض، فتمنعهم من رؤية التنوع الهائل في مناشط الحياة البشرية وإدراك ارتباطاتها، وتحصرهم في أشكال تقليدية جامدة للتفكير والحركة لا ينظرون إلا عَبرها ومن خلالها إلى هذا العالم الكبير.ولو انتبه هؤلاء من غفلتهم، لأبصروا حجم الأغلال والقيود الوهمية التي تقيّد حركتهم، ويريدون لها أن تُقيد حركة الجميع. ولرأوا فسحةً في الوسائل والأساليب والمداخل، وفقهوا دعوة (يعقوب) عليه السلام، وشاهدوا تلك (الأبواب المتفرقة) التي لا يمكن تحصيلُ المصالح، وتغيير الواقع المهترئ الذي يشكون منه، إلا بالدخول منها جميعاً، بعيداً عن معاني الاستسهال والهزيمة والاستسلام، وعن قِصر النظر المتخفي في إهاب الحكمة ولبوس العُقلاء.بِلغةٍ أكثرَ وضوحاً، ندرك مُقتضيات الواقع العالمي المعاصر، وما يفرضه من حدود وحسابات وتوازنات ومعادلات حسّاسة. ونعترف بحقيقة وجود المصالح والاحتياجات والأدوار المتبادلة في عالم العلاقات الدولية. غير أننا نؤكد، مرةً أخرى، بقراءة منطق التاريخ، أن (العالمية)، مهما كانت، إنما هي في النهاية بَوتقة ووِعاء إنساني لمجموعةٍ ضخمة ومتنوعة من الخصوصيات المحلّية التي تُشكِّلُها، وأنّ من قوانين العلاقات الدولية الأساسية، أن يكون لكلٍ من تلك الخصوصيات وزنٌ ودورٌ وتأثيرٌ يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار. فالخصوصيات المحلية، الثقافية منها والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ترسمُ أحياناً، وبعد استنفاد كلّ ما فيها من مرونة، سقفاً لا يُمكن تجاوزه لا من قِبلِ اللاعبين المحلّيين، ولا من قِبلِ اللاعبين الدوليين. والتعاملُ بواقعية مع هذه الحقيقة بحدّ ذاتها هو الذي يحفظ كثيراً من التوازنات والمعادلات التي أشرنا إليها قبل قليل.من هنا، باستطاعة النظام السياسي العربي الفاعل، ومن خلال ملفّ العلاقات الدولية المفتوح بقوة الآن، استحضارُ هذا المنطق بجدّيةٍ وحزم. وبحيث يتمُّ (التعاون)، فعلياً، للحفاظ على الحدّ الأدنى من ملامح الاستقرار والسلام والأمن العالمي المطلوبة من قبل الجميع. بعيداً عن الكلام النظري المُنمق عن ذلك (التعاون)، وعن الاستقرار والأمن والسلام.وإذا كان هذا يقتضي الاستمرار في استعمال منطق (القوة)، الناعمة وغير الناعمة، هنا وهناك، فإن المضي في هذا الطريق يُصبح خياراً ليس له بديل. خاصةً أن هذا المنطق يبدو مفهوماً أكثر من غيره لدى الكثيرين.

288

| 07 يونيو 2015

التعامل مع النظام الدولي بين (الواقعية) و(العجز)

ثمة من يحاولُ، بإلحاح، تخفيف وهج شرارة التغيير الإيجابي الذي بعث الأمل في قلوب الكثيرين خلال الأشهر الماضية. يجري هذا بطرق عديدة، منها ما تنطبق عليه مقولة "كلمة حقٍ يُرادُ بها باطل"، حين يتم التأكيد في هذا الإطار على ضرورة، وأولوية، وأهمية، أن يكون العربُ (واقعيين)، خاصةً في معرض التعامل مع النظام الدولي..صحيح: كنّا، ولا زلنا، كعرب، بعيدين عن الواقعية في أغلب شؤوننا. وسواء تعلقَ الأمر بحياتنا كأفراد أو كجماعة بشرية، فإن المثاليات والأوهام والأماني تُشكّل جزءاً كبيراً من منظومتنا العقلية والفكرية والثقافية. وكلمة (الحسابات) التي تُشكلُ هاجساً للآخرين، هي آخرُ ما يرد في خواطرنا، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالقضايا الكبرى والحساسة المتعلقة بحاضرنا ومستقبلنا.صحيحٌ أيضاً أن ندعو لتُصبح (الواقعية) محوراً من محاور حياتنا الفكرية والعملية، على جميع المستويات، عامةً ومثقفين، أفراداً وجماعات، حكاماً ومحكومين، وفي جميع المجالات، وبشكلٍ خاص في المجال السياسي، وبشكل أخص عندما يتعلق الأمر بالتوازنات الإقليمية والعالمية..لكن كل ما سبق يجب أن يكون مبنياً على تحريرٍ صارمٍ لمعاني ومقتضيات وشروط مصطلح (الواقعية). لأن هذا التحرير هو ما سيخرجنا من المأزق (الوجودي) الذي نجد أنفسنا فيه كعرب عند التعامل مع ذلك المصطلح، خاصة في مثل هذه الظروف الاستثنائية.فالواقعية مصطلحٌ ينبعُ أصلاً من الصّلة الوثيقة بـ (الواقع)، بكلّ مقوّماته وعناصره وأبعاده ومداخله. وأن تكون واقعياً يعني أولاً، وقبل كل شيء، أن تَفهمَ كل تلك المقومات والعناصر والأبعاد والمداخل. ثم يعني أن تبذل كل جهدك و(تستفرغ الوسع) في امتلاك (أقصى) الشروط، وكل الأوراق، التي تسمح لك بالتعامل مع ذلك الواقع. ثم يعني أخيراً أن تدرك (الحدود) التي لا يمكن لك (فعلاً) تجاوزُها.بل إن من (الواقعية) أيضاً ألا تقف عند الحدود.. بسلبيةٍ بالغة واستسلامٍ مطلق، وإنما بتحفزٍ وانتباهٍ ويقظةٍ ومتابعةٍ لكلّ متغيّر. لأن تلك الحدود ليست صلدةً على الإطلاق، وإنما تتصف بكثيرٍ من المرونة والسيولة، ويمكن لها أن تتغير وتتبدل على الدوام.تلك هي باختصار (الواقعية) في معانيها الحقيقية، والتي يفهمها وينطلق منها في أفعاله ومخططاته كل من يحترم نفسه ويبحث عن الاحترام في هذا العالم. وتلك هي بعض مقتضياتها وشروطها التي لا يصعب إدراكُها والحركةُ بمقتضاها حين يتوفّر الحدّ الأدنى من الجديّة والعزيمة والإرادة والحزم.إما أن تنحصر كل معاني الواقعية في مسألة إدراك (الحدود) وفي الدعوة للوقوف عندها.. وإما أن نختزل هذا المصطلح المهم والحسّاس في حياة الدول والشعوب عند تلك النقطة، فإنه على وجه التحديد ما يخلق المآزق الكبرى، لأنه يُحيلُ في الحقيقة إلى معنى (العجز) في لَبوسٍ مزيف لا تعودُ له علاقةٌ بالواقعية.وإذا لم يتمّ التعامل مع هذه القضية بحكمةٍ بالغة على الصعيد المحلّي والإقليمي والعالمي، فإن المآزق التي نتكلم عنها تُنذر بكثيرٍ من فوضى لا تقف عند حد ما نراهُ الآن. خاصة أن أغلب (الحدود) إنما تكون حدوداً في أذهان أصحابها فقط، ولا تكون هي الحدودَ الحقيقية التي تنبع من استقراءٍ سليم للواقع، أي أنها لا تنبع من (الواقعية) ولا تمتُ إليها بِصِلة.لا تعرف السياسة الثبات. وحتى حين تكون هناك ثوابتُ تتعلق بالمصالح الاستراتيجية، فإن الوصول إلى تحقيقها ممكنٌ من ألف طريق. وإذ ترغبُ القوى العالمية في ضمان أعلى سقفٍ ممكن لمصالحها، العاجلة والآجلة، بأقل ثمنٍ ممكن، وعلى حساب مصالح الآخرين، وهو ما يحصل في غياب التفكير السياسي الخلاق من قبل هؤلاء الآخرين.. فإن تلك القوى نفسها هي أولُ من يفهم لغة التوازنات. لهذا، فإنها تكون دائماً مستعدةً لخفض سقف المصالح، ولدفع بعض الثمن، واحترام مصالح الآخرين، في سبيل ضمان الحدّ الأدنى الاستراتيجي من مصالحها الحقيقية.ففي عالمٍ لا يفهم إلا لغة المصالح، يمكن لكل سياسةٍ أن تتغير، ويمكن لكل قرار أن يتبدل، إذا كانت المصلحة تقتضي حصول ذلك. بل إن من الممكن أيضاً حصول كل ما نتصور أنه مستحيل حين نَركنُ للوقائع والأحداث، ونرضى بكل المتغيرات، ونقبل مُسبقاً أنها قَدَرٌ لا يُرد..أكثرُ من ذلك. يختلط الهزلُ بالواقعية في عالم السياسة، وأحياناً بشكلٍ مفرط. ومثلُ هذا الخلط ليس مقصوراً على مكان دون آخر في هذا العالم. إذ كما يقول الزعيم السوفيتي السابق خروتشوف: "الساسة هم الساسة في كل مكان. إنهم يَعِدُون ببناء جسر حتى في المكان الذي لا يوجد فيه نهرٌ جارٍ".. لكن أمريكا قد تكون أكثر بلد في العالم يختلط فيه الهزل بالواقعية. من هنا، ربما نفهم ما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان، المعروف بصراحته، عن رأيه في السياسة بهذه العبارة: "من المفترض في السياسة أن تكون ثاني أقدم مهنة في العالم، لكنني أدركت مع الوقت أن هناك شبهاً كبيراً بينها وبين أقدم مهنة".. لهذا يحاول الساسة الأمريكان تطبيق القاعدة التي عبرت عنها هيلاري كلينتون، المرشحة القوية لتكون أول رئيس / امرأة للولايات المتحدة، حين قالت: "إن التحدي يكمن في ممارسة السياسة كفنٍ يجعل عدم الممكن يبدو وكأنه ممكن". لكنهم يدركون في النهاية أن ما يجب أن يكون سيكون. سيما وأن من التقاليد الثقافية السائدة في أمريكا، وفي عالم السياسة على وجه الخصوص، الاعتقاد بأن لكل أزمة تأتي في المستقبل حلاً يتناسب معها يجري التفكير فيه آنذاك. وكثيراً ما تسمع في أمريكا عبارة "سنفكر كيف نعبر ذلك الجسر عندما نصل إليه"..هنا يبرز اختلاط الهزل بالواقعية مرة أخرى، ولكن بذلك الشكل المعقد الذي يتجلى أكثر ما يتجلى في المنظومة السياسية الأمريكية. الأمر الذي يفسر الشعور بالدوار الذي يصيب كثيراً من المراقبين والساسة، العرب على وجه الخصوص، وهم يحاولون أن يفهموا السياسة الأمريكية ويتعاملوا معها، وفق ما يعتقدون أنه قواعد ونظم محددة لا تتغير ولا تتبدل. ومادام استخدام الشهادات قد غلب على هذا المقال، فقد يكون مناسباً خَتمهُ بالإشارة إلى عبارةٍ للسياسي الأمريكي يوجين مكارثي تحدث فيها عن رؤيته للسياسة قائلا: "أن تكون سياسياً يُشبهُ أن تكون مدرباً لكرة القدم [الأمريكية]. يجب أن تكون ذكياً بما فيه الكفاية لتفهم اللعبة، وأن تكون غبياً بما فيه الكفاية لتظن بأنها مهمة".. ولو فَهمَ البعض الدلالات العديدة الكامنة في الكلمات السابقة لربما صاروا أكثرَ راحة، نفسياً وعملياً، ولأصبحوا أكثر (واقعيةً) بالفهم الوارد أعلاه، ولأمكن لهم فهم السياسة الأمريكية والتعامل معها بشكلٍ أفضل.

538

| 31 مايو 2015

المفصل (السوري) في العلاقات الخليجية الأمريكية

خلال مؤتمر صحفي لجوش إرنيست، الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض، وتعليقاً على غياب الملك سلمان عن قمة كامب ديفيد، نطق الرجل بهذه العبارة مخاطباً الصحافيين: "أنا أعرف أن هناك بعض الهمس بأن هذا التغيير في خطط السفر [للملك سلمان] كان يهدف لإرسال رسالة للولايات المتحدة. وإذا كان الأمر كذلك فإنني أُعلمُكُم أنه لم يتم استلام الرسالة"! هكذا، وحسب ألف باء السياسة الأمريكية، نتأكدُ أن الرسالة وَصَلت.لانقصد أن ثمة (صراعاً) بين أمريكا من جهة والسعودية ودول الخليج العربي من جهة أخرى، فهذا يُخالف منطق الواقعية في العلاقات الدولية. وربما يَختصرُ الموضوع ماورد في تقريرٍ لمؤسسة Global Risk Insight التي تُحلل المخاطر والنزاعات الدولية، تقول في ختامه: "كما يظهرُ من القمة، تبقى قضايا الدفاع والأمن والعلاقات التجارية بين أمريكا و دول الخليج مهمةً لجميع الأطراف. من غير المتوقع أن يتغير هذا في أي وقتٍ قريب. لكن العلاقات بين هؤلاء الحلفاء لم تعد متقاربة بأي درجة كما كانت عليه في الماضي".يتمثل جوهر القضية إذاً في انتقال العلاقة بين الطرفين إلى درجةٍ أعلى من الندية، تقوم على الإدراك المتجدد لقوة وحجم الأوراق التي يملكها الطرف الخليجي في خضم عملية (التدافُع) التي تحكمُ مجال العلاقات الدولية. أما العامل الرئيس في الموضوع فيكمن في ظهور (الإرادة السياسية) لاستعمال تلك الأوراق، وفي التعبير عن تلك الإرادة عملياً، وليس التلويح بها نظرياً فقط.هذه جملة عناصر يمكن التأكيد بأنها جديدة في معادلة العلاقات الخليجية الأمريكية. وإذ تُدرك السعودية، ومعها الخليجيون، كل الحقائق المتعلقة بقوة أمريكا ودورها المحوري والقيادي في العالم، وتتعامل مع تلك الحقائق بعقلانيةٍ وموضوعية. لكنها تُدرك أيضاً، بشكلٍ متزايد، أن ثمة ساحات ومداخل للتعامل النِّدي المذكور هي من صُلب طبيعة النظام الدولي، وفي مجال العلاقات مع أمريكا تحديداً. المفارقةُ أن أمريكا نفسها تعرف هذه الحقيقة بكل وضوح، وتبني سياساتها الخارجية بناءً عليها.لهذا، يُصبح ساذجاً التفكيرُ بوجود تناقض بين إدراك دور أمريكا في العالم والإقرار به من جانب، وبين البحث على الدوام عن سياسات خلاقة ومُبتكرة تُمارسها الدول الأخرى للتعامل مع ذلك الواقع بما يُحقق مصالحها، من جانبٍ آخر.هذا مادفعنا للقول سابقاً أن القمة الخليجية الأمريكية الأخيرة كانت، على المستوى الاستراتيجي، الخطوة الأولى في مسيرة جديدة لنمطٍ مُختلف من العلاقات. وستكون القرارات والممارسات الصادرة عن الجانب الخليجي في الفترة القادمة عنصراً رئيساً في تحديد مصير تلك المسيرة ورسم اتجاهها.هنا تحديداً يأتي دور القضية السورية. حيث باتت مفصلاً رئيساً سيؤثر جدياً في طبيعة القرارات الأمريكية المتعلقة بالقضايا الأخرى، خاصةً في الموضوع الإيراني بالغ الحساسية.والواضح أن إدراك الإدارة الأمريكية لهذه القضية هو مادفعَ أوباما إلى الإدلاء بتصريحات، بعد القمة، حاولَ فيها بشكلٍ ظاهر (إحباط) الزخم الخليجي المتعلق بالموضوع السوري. خاصةً حين رأى إصرار الخليجيين على مواقفهم المُعَبَّر عنها رسمياً في قمتهم الأخيرة.بل إن ثمة تحليلات تتحدث عن خشية الإدارة من الدور الإقليمي المتصاعد للسعودية والخليج، وهو مايدفعها إلى مزيدٍ من الإصرار على (موازنة) ذلك الدور من خلال الحفاظ على الدور الإيراني في سوريا، مهما بدَت السياسة الأمريكية فيما يتعلق بالموضوع بعيدةً عن كل الأخلاقيات والمبادىء. وكان لافتاً في هذا الإطار استخدام تكتيك تغيير الأجندة Agenda Shifting عند الحديثُ في أمريكا عن تقدم الثوار السوريين وانتصاراتهم، حيث تم إدراج الموضوع تحت عنوان: (القلق من اتساع سيطرة المتشددين)!..ومع الخلخلة الكبيرة في صفوف نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين وأتباعهم من لبنان والعراق وغيرهما.. يبدو واضحاً أن انهيار النظام، ومن خلال استمرار وتصاعد الزخم الخليجي تحديداً، سيكون دفعةً قوية لدور الخليج الإقليمي، تُساعد على كسر هلال التدخل الإيراني في المنطقة، وعلى تحقيق المصالح الاستراتيجية للخليجيين والعرب والسوريين معاً في نهاية المطاف.لامفر هنا من الحديث عن مسؤولية السوريين المتصاعدة في إنجاح السيناريو المذكور. وسيكون غَرقهُم في صراعات جانبية حول مسائل رمزية أو منافسات أيديولوجية نوعاً من الطفولة السياسية لم يعد له مجال إذا كانوا يريدون الحفاظ لأنفسهم على حدٍ أدنى من الاحترام، فضلاً عن الحفاظ على دورهم في تحرير بلادهم من طغيان الأسد ونظامه، ومن قوى الاحتلال التي باتت تملأ الأرض السورية.يسري هذا تحديداً على قوى المعارضة السياسية والعسكرية السورية بطبيعة الحال. فمن ناحية، بات مطلوباً بإلحاح الوصولُ لمعادلة تقاربٍ حقيقي وفعال بين الفصائل العسكرية والائتلاف الوطني، بعد أن صار معلوماً بالضرورة استحالة حركة أحد الطرفين لتحقيق إنجازات حقيقية بعيداً عن الطرف الآخر.ومن ناحيةٍ أخرى، يبدو ضبط الأوضاع التنظيمية والسياسية داخل الائتلاف نفسه أولويةً مُلحة، وفي جملة مسارات يعرفها أهل الائتلاف، قد يكون من أهمها تجنبُ الدخول في نفق انتخاباتٍ رئاسية جديدة، بكل مايصاحبها من أجواء سلبية. ويبدو التجديدُ لرئيس الائتلاف الحالي التصرفَ السياسي المنطقي في هذه الظروف. خاصةً بعد الأداء المتميز للرجل والقبول المتقدم له في الأوساط الإقليمية والدولية.أخيراً، سيتمثل الاختبار الأقسى للمعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري في قدرتها على صياغة رؤية سياسيةٍ لمستقبل الدولة السورية الجديدة في المنطقة، بشكلٍ يُمكن معهُ تقديمُها للمجتمع الدولي كـ (بديلٍ) حقيقي. وهذا يتضمن تفاصيل حساسة تتعلق بالموقف من الفكر المتطرف وجماعاته، وبمستقبل الأقليات في البلاد، وبضمانات ترسيخ الأمن والسلم والاستقرار في المنطقة..بكلامٍ آخر، لن يمكن للخليج ولا لغيره أن يقدم شيئاً للسوريين مالم يتصرفوا بمنطق رجال الدولة ومنطق القيادة. بعيداً عن الشعارات والمزايدات والشعبوية التي قد تؤهلُ للتنافس على مقعدٍ في الائتلاف هنا وبضع لافتات مديحٍ هناك، لكنها لاتصلحُ لقيادة ثورة وبناء دولة بأي حالٍ من الأحوال.

331

| 24 مايو 2015

العرب وأمريكا.. من (إدارة) العلاقات إلى علاقات (الإرادة)

منذ ستة أعوام، في مثل هذا الشهر تحديداً، وقبل زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأولى إلى الرياض بعد انتخابه رئيساً في ولايته الأولى، نشرتُ في هذه الصحيفة مقالاً بعنوان (أمريكا والدور المحوري للخليج)، حملَ المقال انتقاداً للمقولة الشائعة عن قدرة مراكز الدراسات والأبحاث ودوائر صناعة القرار في أمريكا على فهم الواقع العربي بشكلٍ دقيق. وتحدثت، تحديداً، عن الصورة النمطية في الأوساط السياسية الأمريكية عن دول مجلس التعاون الخليجي، وهي صورةٌ "كانت مبنيةً على رؤية المنطقة من منظور كونها خزاناً استراتيجياً للنفط أولاً وقبل كل شيء آخر. وبالتالي، فإن علاقة أمريكا مع تلك الدول كانت محصورةً في صياغة سياساتِ تعاون تُرّكزُ على أمن المنطقة، واستمرار قدرتها على ضخ النفط في شرايين الاقتصاد العالمي. لهذا، لم تأخذ تلك السياسات بعين الاعتبار لعقودٍ طويلة التأثيرَ الممكن لدول الخليج في السياسات الإقليمية وحتى العالمية، إلا من خلال ذلك الجانب الوحيد، أي المسألة النّفطية. تغيّرت هذه النظرة إلى حدٍ ما بعد أحداث سبتمبر المعروفة، لكن المدخل كان أيضاً جزئياً حين تمّ اختزالهُ في موضوع التعاون على مكافحة الإرهاب".وفي مطلع شهر مارس من العام الماضي 2014، نشرتُ مقالاً، أيضاً في هذه الصفحة، بعنوان (في الحاجة لردٍ استراتيجي عربي على الاتفاق الاستراتيجي بين أمريكا وإيران)، بدأ بالعبارة التالية: "لا يُمكن التعامل مع الصفقات الإستراتيجية الكبرى إلا من خلال صفقات شاملة مقابلة تحمل أيضاً الصفة الاستراتيجية. ولايُمكن استيعاب الاختراقات غير المألوفة، والكامنة في الاتفاقات الإستراتيجية التي تستهدف مصالح العرب، وربما وجودهم، إلا باستحداث اختراقات غير مألوفةٍ أيضاً في الصف العربي الداخلي على كثيرٍ من المستويات". وبعد الحديث عن "صفقة إستراتيجية كبرى تمت أو في طريقها للاكتمال بين النظام الإيراني والإدارة الأمريكية" قبل الإعلان الذي تم عنها بعد ذلك بأكثر من عام. جاءت خاتمةُ المقال كما يلي: "كيف يقرأ أصحاب العلاقة هذا المشهد الاستراتيجي الحساس وكيف يتعاملون معه؟ من الواضح أن القراءة الراهنة، وما ينتج عنها من سياسات، لا تكفي إطلاقاً لاستجابة فعالة للقادم الخطير. لا مفر إذاً من مراجعة خلاقة وجذرية تحرص على توظيف كل الأوراق الممكنة في مواجهة هذا التحدي الخطير، ولو اقتضى الأمر اختراقات قد تكون غير مألوفة في عالمنا العربي، لكنها اختراقاتٌ لا يُستغنى عنها في السياسة الدولية، وهاهي إيران وأمريكا تُقدم لنا نموذجاً عنها هذه الأيام".بغض النظر، مبدئياً، عن نتائج القمة الخليجية الأمريكية، على أهميتها، لا يمكن اعتبارُها، على المستوى الاستراتيجي، إلا بدايةً جديدة لنمطٍ مُختلف من العلاقات.ليس من طبيعة دولةٍ كأمريكا أن تُغير سياستها بشكلٍ سريع، خاصةً حين يتعلق الأمر بمنطقةٍ حساسة كما هو الحال بالنسبة للخليج العربي تحديداً، وللعالم العربي بشكلٍ عام. سيما وأن عملية رسم وتنفيذ التوجهات السابقة للسياسة الأمريكية استمرت لأعوام، هذا فضلاً عن درجةٍ من (الكبرياء) الشخصي لأوباما نفسه، وللحكومة الأمريكية بشكلٍ عام.. عاملان لا يسمحان بأن تَظهر أمريكا ورئيسها بمظهر مَن غيّرَ توجهاته جذرياً بسبب تطورات الشهور الأخيرة.في مطلع العام الماضي، أجرى جيفري غولدبيرغ، الصحفي في مجلة The Atlantic الأمريكية، لقاءً مطولاً مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يأخذ حظه المطلوب من الدراسة والتحليل لجهة استقراء ومعرفة المحددات الإستراتيجية للموقف الأمريكي من إيران تحديداً، ولسياستها في المنطقة بأسرها تبعاً لذلك.كان مُحتوى تلك المقابلة مؤشراً على ما وصلنا إليه بعد عامٍ منها، لكن ثمة سؤالاً له دلالات تتعلق بوضعنا الراهن يجب الانتباه إليه، وذلك حين سأل الصحفي الرئيس الأمريكي عن رأيه فيما إذا كان يرى خطورةً أكبر في التطرف السني أو التطرف الشيعي.هنا طرح أوباما وجهة نظر لا يمكن الهروب أبداً من دلالاتها الإستراتيجية الخطيرة على مستوى الرؤية السياسية وعلى مستوى القرارات العملية التي يمكن أن تُبنى عليها. ذلك أن الرجل تهرب من الإجابة المباشرة على السؤال، لكنه أجاب عليه بطريقة معبرةٍ جداً أثارت حتى انتباه الصحفي في تعليقه الذي كتبه عن المقابلة. إذ قال أوباما:"ما سأقوله هو أنك إذا نظرت إلى السلوكيات الإيرانية فستجد أنها إستراتيجية، ولا تأتي على شكل ردود الأفعال. إن لديها رؤية متكاملة للعالم، وهم يدركون مصالحهم، ويستجيبون لمعادلة الأرباح والخسائر.. إنها دولة كبيرة وقوية ترى نفسها كلاعب مهم على المسرح العالمي، ولا أعتقد أن لديهم أمنيات انتحارية".أن تكون لديك رؤيةٌ واضحةٌ للعالم، وأن تُدرك مصالحك، وتستجيب لمعادلة الأرباح والخسائر، وترى وزنك وحجم تأثيرك، وترى نفسك كلاعب مهم على المسرح العالمي، وألا يكون لديك أمنياتٌ انتحارية. هذه كلماتٌ مفتاحية في تقويم الإدارة الأمريكية الراهنة للدول. وهو ما يبدو أنها لَمحَتهُ في سياسات الخليج بقيادة السعودية في تطورات الشهور الأخيرة. لكن عملية (هضمه) تحتاجُ لوقتٍ ومثابرة.أدركت الإدارة الأمريكية دلالات هذه التطورات، خاصةً منذ بدء (عاصفة الحزم)، وأدركت، أكثرَ من ذلك أن العاصفة المذكورة لا تتعلق باليمن فقط، بل بالمنطقة بأسرها. وأنها عاصفةٌ تهدف لإحداث نقلةٍ في العلاقة معها من كونها مجرد (إدارة) قائمة على الرؤية الأمريكية النمطية، لتصبح علاقة نديةً قائمةً على وجود (الإرادة): المرادف الأقرب لـ(حزمٍ) أحدث اختراقات في السياسات العربية غير مسبوقة، ولم تكن أمريكا، بحكومتها ومراكز دراساتها وأبحاثها، تتوقعُ حصولها في قريبٍ أو بعيد.لهذا، نسمع اليوم في العاصمة واشنطن همساً يتصاعد من زاويةٍ لأخرى عن ضرورة إعادة رسم الأجندات البحثية لدراسة المتغيرات الجديدة، وعن واقع (المفاجأة) الذي تعيشه كل المؤسسات ذات العلاقة، حكوميةً كانت أو خاصة. هكذا هي أمريكا.. وهذه هي (واقعيتُها).. يفرض (الواقع) نفسه عليها، فتركض لاستيعابه ومحاولة فهمه، حصلَ هذا، بكل صراحة، مع إيران حين بدأت، بممارساتها، تفرضُ واقعاً مُعيناً في المنطقة، وهاهو يُكرر نفسه مع ملامح وبدايات (الحزم) الخليجي الذي يُفترض أن يمثل العرب بأسرهم ليكون أكثر فعاليةً وتأثيراً.ومن واقع ذلك الإدراك، يأتي استمرار الحزم المذكور، بكل جوانبه، خاصة في سوريا الآن، ليكون العامل الرئيسي في إقناع الأمريكان بضرورة بناء علاقةٍ إستراتيجية جديدة مع المنطقة، لن تَضمَنها التصريحات ولا حتى المكتوب على الورق، بقدر ما تضمنها الممارساتُ والأفعال.

313

| 17 مايو 2015

هل آن أوانُ (الزمن العربي)؟

"لم أرَ على مدى عقدين من الزمن قضيْتهُما في واشنطن هذه الدرجة من الاستنفار. يصدقُ الأمر على الحكومة [الأمريكية] بسلطتيها التنفيذية والتشريعية، ومعها أجهزة الأمن والاستخبارات على أنواعها، مروراً بمراكز الأبحاث والدراسات Think Tanks المنتشرة في العاصمة، وانتهاءً بالسلك الدبلوماسي فيها". بهذه الكلمات عبَّرَ دبلوماسيٌ عربيٌ رفيع المستوى في العاصمة الأمريكية عن أجواء هذه المدينة خلال الأسابيع القليلة الماضية، وتحديداً، منذ اليوم الأول لاستلام الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في السعودية.ثمة (تغيبر) هائل تشعرُ الأوساط المذكورة أعلاه أن المنطقة العربية تعيشهُ منذ القرارات الملكية التي صدرت بعد ساعات من تلك اللحظة التي أصبحت تاريخيةً بكل المقاييس. مايرمي إليه الدبلوماسي الصديق أن كل الجهات ذات العلاقة بشؤون الشرق الأوسط في واشنطن، وهي أكثرُ من أن تُحصى.. تبذل جهداً غير مسبوق في ملاحقة المتغيرات الواسعة التي تنتج عن تلك القرارات عملياً على أرض الواقع."لقد بتنا نترقب مساء كل يوم [في واشنطن حيث يكون الوقتُ فجراً في المملكة] احتمال أن نسمع قرارات جديدة" قال مسؤولٌ في الخارجية الأمريكية تعليقاً على كلام الدبلوماسي العربي، ثم تابع: "هذا أمرٌ جديدٌ تماماً في تلك المنطقة من العالم. لسنا هنا معتادين أبداً على هذه الديناميكية السياسية التي تصدر عن القيادة السعودية الجديدة. ومن اتصالاتنا بكثيرين في المنطقة، يبدو أنها [أي الديناميكية الجديدة] تصيب البعض بالدوار والحيرة.. لكن الواضح في النهاية أن الجميع يستوعبون تدريجياً ماجرى ويجري، ولايبدو ثمة خيارٌ آخر سوى السيرُ في نفس الاتجاه.. قد يكون الأمر مبكراً، لكن البعض يتحدث هنا عن نمطٍ مختلف من القيادة في المنطقة ربما ينتج عنه زمنٌ عربيٌ جديد".لايكفي مقالٌ لاستعراض التحليلات والآراء والتوقعات التي تنتشر بشكلٍ كثيف في العاصمة الأمريكية بخصوص التغييرات المتسارعة التي تجري في الشرق العربي وجواره، لكن أيﱠ مُطلعٍ على أجوائها يعرف أنها باتت مايُسميه الأمريكان (حديث المدينة). وإذ تتباين تلك التحليلات والآراء بخصوص الموضوع، إلا أن هناك شبه إجماع على ثلاث قضايا.فأولاً، وقبل كل شيء، لايُنكرُ المراقبون أن الملك سلمان كان الرجل الذي ألقى مؤخراً حجراً كبيراً في المياه الراكدة، حين يتعلق الأمر بممارسة السياسة، الخارجية والداخلية، بمفهومها العربي.ثم إن هؤلاء يؤكدون على المفارقة التي تتمثل في أن (الاصلاح العربي) الذي قاده الملك حصل، وبسرعةٍ قياسية، في وقتٍ يُمثل قمة النشوة الإيرانية الناتجة عن وَهمِ الإيرانيين بإتمام سيطرتهم على المنطقة، وهذا ما أصابهم بصدمةٍ سياسية لاتزال آثارها واضحةً سياسياً وميدانياً وإعلامياً. وهو مايدفع الأمريكان أيضاً لمراجعة تحليلاتهم السابقة..أخيراً، لايستغرب المراقبون، إذا استمرت مسيرة القيادة على ماهي عليه، حصول تغييراتٍ شاملة في المنطقة يمكن أن تصب في صالح العرب، على مستوى الشعوب والحكومات، وبتوازنات جديدة خلاقة يمكن أن تستوعب كل الفوضى السائدة في هذه المرحلة.هنا، تبدو الإمكانية كبيرةً لتغيير (قاعدةٍ) يحاول البعضُ تثبيتها تقول بأن (الربيع العربي) مدخلٌ للفوضى، وأن الهدف الوحيد منه يكمن في الانقلاب على الحكومات والأنظمة. فمع الشعبية الكبيرة في العالم العربي لقرارات الملك سلمان، وفي ظل رؤيةٍ سياسية خلاقة يمكن صياغتها بالتنسيق مع قطر وأخواتها في مجلس التعاون، يمكن القول أن (الربيع العربي) خلق عملياً ظروفاً جديدة وواقعاً مختلفاً، يمكن توظيفهما بتوازن في ابتكار سياسات عربية جديدة، داخلية وخارجية، تحقق مصالح الشعوب والحكومات على حدٍ سواء.وإذ يتصاعد الحديث، والتحضير، للقمة الخليجية الأمريكية القادمة، يتردد في واشنطن أن المعنيين فيها أخذوا علماً بجدية التحضير الذي يقوم به الخليجيون بقيادةٍ سعودية. وقد جاء الاجتماع التشاوري للقمة الخليجية منذ أيام بمثابة رسالةٍ قوية في هذا الإطار، إنْ لجهة انعقادها بطريقة تُظهر إصرار الخليجيين على الحديث بصوتٍ واحد.. أو من حيث المشاركة الرمزية (المُعبِّرة) للرئيس الفرنسي، والتي تؤكد آفاق التحالفات الإقليمية والدولية التي تنسجها السعودية، ومعها الخليجيون، حول الرؤية السياسية الجديدة. ثم إن القرارات الختامية للقمة جاءت واضحةً في تأكيد المواقف الخليجية، بشكلٍ صارم، خاصةً في القضايا الخلافية مع الولايات المتحدة.هنا، تحديداً، كان القرار الجماعي المُعلن للقمة بعقد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض للتحضير لترتيبات مابعد رحيل الأسد، وقبلَها كلام الملك سلمان الصريح والواضح بأن الأسد ليس له مكانٌ حتى في المرحلة الانتقالية، نقطة حسمٍ استراتيجية للموضوع السوري الذي تشكل مآلاته مدخلاً رئيساً للتعامل مع الموضوع الإيراني الأكثر حساسيةً في الحوار القادم مع أوباما.لهذا، تبدو الحاجة مُلحةً لأن تفهم المعارضة السورية، بأي طريقة.. الأبعاد الاستراتيجية للوضع الراهن.. علَّها تتصرفُ بطريقةٍ تليقُ بِجِّدية الحدث.. فمع الزخم السياسي والعملياتي الذي خلقته دول الخليج فيما له علاقة بالموضوع السوري، ومع الاستعداد الواضح لدى المقاتلين على الأرض للتضحية من جانب، والإنجاز من جانبٍ آخر، ووحدة الصفوف من جانبٍ ثالث، تبقى المعارضة السياسية، في غالبيتها، بمثابة (خاصرةٍ رخوة) في المشهد الجيوسياسي لايمكن السماح ببقائها على هذه الحال.وأحد أمثلة ممارساتها غير المدروسة يتجلى في طريقة التعامل مع مبعوث الأمم المتحدة ستيفان ديمستورا في جنيف. فرغم أن الرجل يذكرنا بشكلٍ مخيف بنظيره جمال بنعمر ودوره الهدام في اليمن، تتهافت بعض أطراف المعارضة على لقاءاته (السرية) في جنيف، والتي سيكتب بعدها تقريراً للأمم المتحدة يشرح فيه ماذا يريد السوريون ومَن يمثلهم! الأسوأ أن يجري هذا دون استخدامٍ ناضج ومُوحَّد، سياسياً، للورقة السياسية الكبيرة التي أعطتها القمة الخليجية للسوريين في قرارها الشهير بخصوص مؤتمر الرياض الصادر قبل لقاءات جنيف بيوم، وأن تستمر فوضى جنيف بأقل درجات التنسيق حتى مع قيادة الائتلاف نفسها. وهذه بمُجملها صورةٌ تُظهر الحاجة للملمة صف المعارضة السورية بحسمٍ وسرعة، لأن هذا يمثل عنصراً في ترتيبات التحضير لقمة أوباما وقادة الخليج.تُعجب الثقافة الأمريكية، من القمة للقاعدة، بمعاني القوة والحزم، وتَحترمها، وتحترم أصحابها. وتتعامل معهم بنديةٍ أياً كانت آراؤهم. يظهرُ هذا بوضوح في الحوارات الدائرة في واشنطن عن الوضع العربي. وإذا كان أوباماً رَجُلَ (الواقعية) الأكبر الذي يأخذ المُعطيات على الأرض في حسابه، فإن تَعامُلَ الخليجيين معه في القمة القادمة بناءً على الأمرين السابقين يُرشِّحانِها لتكون، فعلاً، بداية زمنٍ عربي جديد.

706

| 10 مايو 2015

نمورٌ من وَرَق: كيف ظهرت حقيقةُ النظام السوري.. ومَن وراءَه؟

ثمة مقولتان في التراث العربي تَصدُقان على مجريات الأمور في منطقتنا خلال الأسابيع الأخيرة. تقول إحداهما: "استأسدَ الحَمَلُ لما استنوق الجملُ"، أما الثانية فتؤكدُ على "أن البُغاثَ بِأرضِنا يَستنسِر".فمنذ أقل من ثلاثة شهور فقط، بلغ الغرور بإيران درجةً دفعتها للتبجح علناً بإعلان سيطرتها على أربع عواصم عربية إستراتيجية، وللحديث، بكل عنجهية، عن عودة الإمبراطورية الفارسية، إلى غير ذلك من عشرات التصريحات والرسائل المباشرة منها وغير المباشرة، والتي (تُبشرُ) جميعها بدخول المنطقة في (العصر الإيراني)!.أما نظام بشار فقد كان، بدوره، إلى ما قبل أسابيع، يتغنى من قمة الهرم إلى قاعدته بانتصاراته العسكرية والسياسية والإعلامية. فمن ظهور رأس النظام في عدة قنوات تلفزيونية عالمية مُنتشياً بسيطرته على الأوضاع، ومُفتخراً برؤيته الصائبة وتوصيفه لحقيقة الوضع في سوريا على أنه مجرد إرهاب، ومُستبشراً بالاتصالات المتزايدة، العلنية والسرية، معه ومع نظامه من قبل بعض القوى الدولية. مروراً بممارسات الاحتقار والاستعلاء التي أظهرها مندوبه إلى (لقاء موسكو) حتى تجاه ممثلي (المعارضة) الأليفة الوادعة الباحثة عن الرضا.هكذا، ظهر مصداق الأمثال العربية المذكورة أعلاه، فحاول الخروف عرض نفسه بمظهر أسدٍ هَصُور، وقدمت بُغاثُ الطير نفسها على أنها نسورٌ كاسرة.ربما كان هذا مما يُسمى في الأدبيات (مكرَ التاريخ)، وذلك حين يَحدثُ الخسفُ بمثل هذه الأوهام والأحلام وهي في قمة توهجها.كان كل ما اقتضاه الأمر شيئاً من إعادة النظر في الحسابات القديمة، وبعض (الحزم) السياسي والعسكري والإداري، لتبدأ عملية انهيار الأوهام المذكورة كما تنهارُ قصورٌ من الرمال.المفارقةُ أن ثمة دوائر عديدة في العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث تُكتب هذه الكلمات، تعيش هذه الأيام حالةً من الترقب والاستنفار التحليلي والمتابعة الحثيثة والمراجعة، وربما، الصدمة.لا نزعم أن الأوساط هنا بعيدةٌ كلياً عما جرى ويجري من تطورات، لكن سرعة وحجم الفوضى والتراجع والانهيار التي يعيشها نظام بشار تبدو أكبرَ من كل التوقعات والتحليلات.أكثرُ من هذا، يشعر المراقبون أن درجة التخبط الإيراني في عملية (إدارة الأزمة) في سوريا والمنطقة جاءت أكثرَ مما كان متوقعاً، ومما أوحت به وقائعُ وأحداث السنتين الماضيتين على الأقل، حيث كانت التحليلات تؤكد على أن إيران استعادت زمام السيطرة على الأمور في المنطقة بعد شيءٍ من الضعف السابق لتلك المرحلة.هل لهذا علاقةٌ بالتقرير الذي يستحضره الخبراء هنا اليوم، والذي صدر منذ أسبوعين عن (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) الأمريكي، وأشرنا إليه في المقال الماضي، خاصةً مع الإشارة المُعبرة الواردة فيه في معرض التعليق على (عاصفة الحزم) وتقول: "تجد واشنطن نفسها الآن في موقفٍ غير معتاد، إذ إنها تدعم، دون ضجة، ائتلافاً كبيراً متعدد الجنسيات يتألّف من دول إقليمية، وهذا هو على وجه التحديد نوع تقاسم الأعباء الذي لطالما حلمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بتعزيزه".وهل له علاقة بمقابلة توماس فريدمان مع الرئيس أوباما، والتي قدمنا تحليلاً لها أيضاً سابقاً، وفيها يتساءل الرجل عن سبب غياب دور العرب في إيقاف الممارسات الوحشية لبشار ونظامه تجاه الشعب السوري؟.ثمة نمطٌ للسياسات الدولية لا يمكن التعامل معه إلا بواقعية، لكن المسألة المهمة هنا أن يتم فعلاً فهمُ تلك السياسات بكل قواعدها ورسائلها، وامتلاك الإرادة السياسية للتصرف بناءً على ذلك.في جميع الأحوال، من الواضح أن قرارات (الحزم) بكل مستوياتها ومقتضياتها سبقت رسالة أوباما والتقرير المذكور بفترة. وبغض النظر إن كان الحديثُ عن "تقاسم الأعباء" وعن الدور العربي المنتظر في سوريا جاء لاستدراك ما كان يلوح أن (الحزم) المذكور سيقود إليه.. إلا أن المهم في الموضوع أن الجميع بات يُدرك، بشكلٍ متزايد، أن قرار إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة باتَ يُؤخذُ (فيها) بشكلٍ متزايد. سواء كانت المواقف التي ترسم التوجه وتضبطُ الإيقاع وتُنسق المواقف مشهورةً ومُعلنة بأشخاصها وأصحابها، أم كانت هادئةً تعمل بفعاليةٍ كبيرة، ولكن دون ضجيج.هنا، في هذه اللحظة، يأتي دور السوريين، خاصة منهم المعارضة السياسية والعسكرية. إذ لم يعد ممكناً على الإطلاق استعمال الأعذار القديمة لتبرير العجز في القيام بنصيبهم من عملية تأمين الظروف المطلوبة بإلحاح الآن لإكمال عملية إسقاط نظام بشار. فبعد أربع سنوات من تضحيات أهلهم، صار معيباً اللجوء إلى مقولة قلة الخبرة السياسية، وأصبح مخزياً المضي في المناورات والتحالفات الانتخابية والتنظيمية الداخلية على أنها تمثل ممارسة السياسة، ولم يعد مقبولاً على الإطلاق استمرار الخلافات فيما بين الهياكل السياسية وفيما بين الفصائل العسكرية، وبين الطرفين كلاهما.لقد أثبت السوريون قدرتهم على دحر النظام وأعوانه بشكلٍ ملحوظ بمجرد حصولهم على شيءٍ من الدعم الفعال. وهذه خُطوةٌ هامة لا شك أنها أخذت بعين الاعتبار لدى من يُراقب التطورات الميدانية في الأسابيع الماضية. لكن هذا يُعتبر شرطاً لازماً وغير كافٍ لاستمرار مسيرة إسقاط النظام التي أخذت زخماً كبيراً في المرحلة السابقة. فالمطلوب الآن هو اتخاذ كل التدابير السياسية والعسكرية والإدارية التي تُثبت أهليتهم لإدارة سوريا بعد سقوط النظام بشكلٍ يلملم الفوضى السائدة فيها.يعرف السوريون أن الزخم الأخير صار ممكن الحدوث، لأن النظام الدولي أدرك، لأول مرةٍ جدياً، أن بشار ومَن معه ماضونَ في تعميم الفوضى بكل طريقةٍ ممكنة في المنطقة، وبشكلٍ بات يهدد التوازنات المرسومة، الأمر الذي فتح مجال التفكير بإسقاطه والبحث عن بديل.. وهذا هو ما يجعل (الكرة) الآن في ملعبهم، بل ويجعل طريقة تعاملهم مع هذا الوضع مفرق الطريق في تاريخ سوريا الراهن وتاريخ ثورتها.فإما أن يؤجل السوريون، من أصحاب العلاقة، خلافاتهم السياسية والأيديولوجية والشخصية ليتم التعامل معها لاحقاً بالوسائل السياسية البحتة، ويستنفروا الآن لتأكيد وحدة صفوفهم ويُظهروا قدرتهم على إدارة الصراع، سياسياً وعسكرياً، حتى بعد سقوط النظام، أو يُغلقوا على أنفسهم وبلادهم وشعبهم نافذة فرصة فتحتها المتغيرات، ولا يعلم أحدٌ متى يمكن أن تتكرر.وإذا كان هذا الخيارُ الأخير خيارَ هؤلاء، فلا مفرﱠ عندها من التفكير جدياً بقوانين التاريخ والاجتماع البشري التي تقول: "يستبدل قوماً غيركم".

890

| 03 مايو 2015

alsharq
هل سلبتنا مواقع التواصل الاجتماعي سلامنا النفسي؟

ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...

6534

| 15 فبراير 2026

alsharq
المتقاعدون.. وماجلة أم علي

في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...

966

| 16 فبراير 2026

alsharq
التحفظ على الهواتف في الجرائم الإلكترونية

لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...

792

| 16 فبراير 2026

alsharq
مرحباً بالركن الثمين

مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...

786

| 18 فبراير 2026

alsharq
الموظف المنطفئ

أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...

609

| 16 فبراير 2026

alsharq
الجسد تحت منطق «التكميم الرقمي»

انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...

480

| 19 فبراير 2026

alsharq
حروب ما بعد الحرب!

الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو...

471

| 13 فبراير 2026

alsharq
سورة الفاتحة.. قلب القرآن وشفاء الأرواح

تحتل سورة الفاتحة مكانة فريدة في القرآن الكريم،...

468

| 13 فبراير 2026

alsharq
رمضان .. حين يأتي الضوء بهدوء

شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...

468

| 17 فبراير 2026

alsharq
بصمة الحضور في المدارس.. بين الدقة التقنية وتحديات الواقع

يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...

465

| 16 فبراير 2026

alsharq
أسعار الذهب والفضة

حتى وقت قريب، لم تكن الفضة من الأصول...

414

| 15 فبراير 2026

alsharq
العالم بعد ويستفاليا.. بين تفكيك القواعد وإعادة التأسيس !

منذ توقيع معاهدة ويستفاليا عام 1648، وُضع الأساس...

399

| 16 فبراير 2026

أخبار محلية