رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة من يحاولُ، بإلحاح، تخفيف وهج شرارة التغيير الإيجابي الذي بعث الأمل في قلوب الكثيرين خلال الأشهر الماضية. يجري هذا بطرق عديدة، منها ما تنطبق عليه مقولة "كلمة حقٍ يُرادُ بها باطل"، حين يتم التأكيد في هذا الإطار على ضرورة، وأولوية، وأهمية، أن يكون العربُ (واقعيين)، خاصةً في معرض التعامل مع النظام الدولي..
صحيح: كنّا، ولا زلنا، كعرب، بعيدين عن الواقعية في أغلب شؤوننا. وسواء تعلقَ الأمر بحياتنا كأفراد أو كجماعة بشرية، فإن المثاليات والأوهام والأماني تُشكّل جزءاً كبيراً من منظومتنا العقلية والفكرية والثقافية. وكلمة (الحسابات) التي تُشكلُ هاجساً للآخرين، هي آخرُ ما يرد في خواطرنا، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالقضايا الكبرى والحساسة المتعلقة بحاضرنا ومستقبلنا.
صحيحٌ أيضاً أن ندعو لتُصبح (الواقعية) محوراً من محاور حياتنا الفكرية والعملية، على جميع المستويات، عامةً ومثقفين، أفراداً وجماعات، حكاماً ومحكومين، وفي جميع المجالات، وبشكلٍ خاص في المجال السياسي، وبشكل أخص عندما يتعلق الأمر بالتوازنات الإقليمية والعالمية..
لكن كل ما سبق يجب أن يكون مبنياً على تحريرٍ صارمٍ لمعاني ومقتضيات وشروط مصطلح (الواقعية). لأن هذا التحرير هو ما سيخرجنا من المأزق (الوجودي) الذي نجد أنفسنا فيه كعرب عند التعامل مع ذلك المصطلح، خاصة في مثل هذه الظروف الاستثنائية.
فالواقعية مصطلحٌ ينبعُ أصلاً من الصّلة الوثيقة بـ (الواقع)، بكلّ مقوّماته وعناصره وأبعاده ومداخله. وأن تكون واقعياً يعني أولاً، وقبل كل شيء، أن تَفهمَ كل تلك المقومات والعناصر والأبعاد والمداخل. ثم يعني أن تبذل كل جهدك و(تستفرغ الوسع) في امتلاك (أقصى) الشروط، وكل الأوراق، التي تسمح لك بالتعامل مع ذلك الواقع. ثم يعني أخيراً أن تدرك (الحدود) التي لا يمكن لك (فعلاً) تجاوزُها.
بل إن من (الواقعية) أيضاً ألا تقف عند الحدود.. بسلبيةٍ بالغة واستسلامٍ مطلق، وإنما بتحفزٍ وانتباهٍ ويقظةٍ ومتابعةٍ لكلّ متغيّر. لأن تلك الحدود ليست صلدةً على الإطلاق، وإنما تتصف بكثيرٍ من المرونة والسيولة، ويمكن لها أن تتغير وتتبدل على الدوام.
تلك هي باختصار (الواقعية) في معانيها الحقيقية، والتي يفهمها وينطلق منها في أفعاله ومخططاته كل من يحترم نفسه ويبحث عن الاحترام في هذا العالم. وتلك هي بعض مقتضياتها وشروطها التي لا يصعب إدراكُها والحركةُ بمقتضاها حين يتوفّر الحدّ الأدنى من الجديّة والعزيمة والإرادة والحزم.
إما أن تنحصر كل معاني الواقعية في مسألة إدراك (الحدود) وفي الدعوة للوقوف عندها.. وإما أن نختزل هذا المصطلح المهم والحسّاس في حياة الدول والشعوب عند تلك النقطة، فإنه على وجه التحديد ما يخلق المآزق الكبرى، لأنه يُحيلُ في الحقيقة إلى معنى (العجز) في لَبوسٍ مزيف لا تعودُ له علاقةٌ بالواقعية.
وإذا لم يتمّ التعامل مع هذه القضية بحكمةٍ بالغة على الصعيد المحلّي والإقليمي والعالمي، فإن المآزق التي نتكلم عنها تُنذر بكثيرٍ من فوضى لا تقف عند حد ما نراهُ الآن. خاصة أن أغلب (الحدود) إنما تكون حدوداً في أذهان أصحابها فقط، ولا تكون هي الحدودَ الحقيقية التي تنبع من استقراءٍ سليم للواقع، أي أنها لا تنبع من (الواقعية) ولا تمتُ إليها بِصِلة.
لا تعرف السياسة الثبات. وحتى حين تكون هناك ثوابتُ تتعلق بالمصالح الاستراتيجية، فإن الوصول إلى تحقيقها ممكنٌ من ألف طريق. وإذ ترغبُ القوى العالمية في ضمان أعلى سقفٍ ممكن لمصالحها، العاجلة والآجلة، بأقل ثمنٍ ممكن، وعلى حساب مصالح الآخرين، وهو ما يحصل في غياب التفكير السياسي الخلاق من قبل هؤلاء الآخرين.. فإن تلك القوى نفسها هي أولُ من يفهم لغة التوازنات. لهذا، فإنها تكون دائماً مستعدةً لخفض سقف المصالح، ولدفع بعض الثمن، واحترام مصالح الآخرين، في سبيل ضمان الحدّ الأدنى الاستراتيجي من مصالحها الحقيقية.
ففي عالمٍ لا يفهم إلا لغة المصالح، يمكن لكل سياسةٍ أن تتغير، ويمكن لكل قرار أن يتبدل، إذا كانت المصلحة تقتضي حصول ذلك. بل إن من الممكن أيضاً حصول كل ما نتصور أنه مستحيل حين نَركنُ للوقائع والأحداث، ونرضى بكل المتغيرات، ونقبل مُسبقاً أنها قَدَرٌ لا يُرد..
أكثرُ من ذلك. يختلط الهزلُ بالواقعية في عالم السياسة، وأحياناً بشكلٍ مفرط. ومثلُ هذا الخلط ليس مقصوراً على مكان دون آخر في هذا العالم. إذ كما يقول الزعيم السوفيتي السابق خروتشوف: "الساسة هم الساسة في كل مكان. إنهم يَعِدُون ببناء جسر حتى في المكان الذي لا يوجد فيه نهرٌ جارٍ".. لكن أمريكا قد تكون أكثر بلد في العالم يختلط فيه الهزل بالواقعية.
من هنا، ربما نفهم ما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان، المعروف بصراحته، عن رأيه في السياسة بهذه العبارة: "من المفترض في السياسة أن تكون ثاني أقدم مهنة في العالم، لكنني أدركت مع الوقت أن هناك شبهاً كبيراً بينها وبين أقدم مهنة".. لهذا يحاول الساسة الأمريكان تطبيق القاعدة التي عبرت عنها هيلاري كلينتون، المرشحة القوية لتكون أول رئيس / امرأة للولايات المتحدة، حين قالت: "إن التحدي يكمن في ممارسة السياسة كفنٍ يجعل عدم الممكن يبدو وكأنه ممكن". لكنهم يدركون في النهاية أن ما يجب أن يكون سيكون. سيما وأن من التقاليد الثقافية السائدة في أمريكا، وفي عالم السياسة على وجه الخصوص، الاعتقاد بأن لكل أزمة تأتي في المستقبل حلاً يتناسب معها يجري التفكير فيه آنذاك. وكثيراً ما تسمع في أمريكا عبارة "سنفكر كيف نعبر ذلك الجسر عندما نصل إليه"..
هنا يبرز اختلاط الهزل بالواقعية مرة أخرى، ولكن بذلك الشكل المعقد الذي يتجلى أكثر ما يتجلى في المنظومة السياسية الأمريكية. الأمر الذي يفسر الشعور بالدوار الذي يصيب كثيراً من المراقبين والساسة، العرب على وجه الخصوص، وهم يحاولون أن يفهموا السياسة الأمريكية ويتعاملوا معها، وفق ما يعتقدون أنه قواعد ونظم محددة لا تتغير ولا تتبدل.
ومادام استخدام الشهادات قد غلب على هذا المقال، فقد يكون مناسباً خَتمهُ بالإشارة إلى عبارةٍ للسياسي الأمريكي يوجين مكارثي تحدث فيها عن رؤيته للسياسة قائلا: "أن تكون سياسياً يُشبهُ أن تكون مدرباً لكرة القدم [الأمريكية]. يجب أن تكون ذكياً بما فيه الكفاية لتفهم اللعبة، وأن تكون غبياً بما فيه الكفاية لتظن بأنها مهمة".. ولو فَهمَ البعض الدلالات العديدة الكامنة في الكلمات السابقة لربما صاروا أكثرَ راحة، نفسياً وعملياً، ولأصبحوا أكثر (واقعيةً) بالفهم الوارد أعلاه، ولأمكن لهم فهم السياسة الأمريكية والتعامل معها بشكلٍ أفضل.
مُعلم القرآن
يمثل تصريح وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي في دولة قطر بشأن بدء تنفيذ مبادرة «معلم القرآن الكريم» في... اقرأ المزيد
153
| 22 فبراير 2026
وماذا بعد شهر الروحانيات؟
تقترن التبريكات والتهاني بشهر رمضان مع بداية دخوله بكلمات قيمية متداولة عبر المنصات الاجتماعية تعبر عن التسامح والاعتذار... اقرأ المزيد
99
| 22 فبراير 2026
من بغداد إلى طهران.. تفاوضٌ على حافة الغزو
تتسارع الخطى الأمريكية على نحو لافت تجاه ما يبدو أنه لحظة حسم مع إيران، حربًا أو سلمًا، في... اقرأ المزيد
120
| 22 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6582
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
1002
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
858
| 18 فبراير 2026