رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع تطور الأحداث الأخيرة والهزائم التي يتلقاها النظام السوري القمعي الفاجر سياسياً وعلى الأرض، فإن اليوم التالي لبشار الأسد ولنظام الفساد والظلم والتسلط قد بات وشيكاً. وهذا الوضع الجديد يتطلب منا نحن العاملين في سبيل وطنٍ حرٍ وكريمٍ وخالٍ من الظلم، وطنٍ يعيش فيه كل السوريين أحراراً كراماً متساوين، أن نكون على أهبة الاستعداد للمساهمة في بناء هذا الوطن الجديد..
هذا الوضع الجديد سيتطلب منا البدء بحوارات واسعة فردية وجماعية حول معنى سقوط النظام والمرحلة الانتقالية التي ستلي سقوطه بانتظار قيام جمهوريةٍ سوريةٍ جديدة تبنى على أساس الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان. وينبغي التركيز على النقاط التالية.
من المفيد التذكير أن إسقاط النظام لا يعني إسقاط الدولة ومؤسساتها. ينبغي التفريق بين العائلة الحاكمة والنظام السياسي وأجهزة القمع والميليشيات الطائفية البغيضة وبين مؤسسات الدولة التعليمية والصحية والمالية والخدمية. وبينما ينبغي إزالة الأولى ينبغي المحافظة على الثانية بكل ما أوتينا من عزم وقوة..
هذا هو الوقت المناسب للتأكيد على أهمية مبدأ سيادة القانون. مباشرةً بعد سقوط النظام، سيتعين على الشعب السوري ونشطاء الثورة والحكومة الانتقالية تحقيق العدالة والبدء بإرساء مبدأ سيادة القانون، والتأكيد على القطيعة مع الممارسات القمعيّة للنظام السابق، ووضع حجر الأساس لمبادئ المساءلة والشفافية..
سيكون من الظلم والمعيب أن ينجو كبار المرتكبين بجرائمهم. ينبغي على الناشطين المدنيين التأكيد على إعلاء شأن المحاسبة. ومن هنا تأتي مسألة العدالة الانتقالية التي ستعمل على إعادة فرض المساءلة وتحقيق المصالحة، وتحميل كافة الجناة المسؤولية بغض النظر عن هوياتهم..
ينبغي التأكيد على المبدأ القائل: "ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى"، ورفض مبدأ الثأر وترك مسار العدالة الانتقالية يأخذ مجراه لإدانة كبار المرتكبين والسير في طريق بناء سوريا بلداً لكل السوريين. ويجب التأكيد على فكرة الدستور. إن المرحلة الانتقالية، لكي تكون شفافةً ومثمرة، ينبغي أن تستند إلى دستورٍ مؤقت ريثما يتم كتابة دستور جديد للبلاد..
ينبغي العمل القوي من أجل بناء الثقة بين القيادات السياسية للجماعات المعارضة وبين الجيش السوري الحر والمجموعات المسلحة المعتدلة، وإطلاق الجهود التي تهدف إلى تعزيز القيادة والانضباط بين المعارِضة المسلحة، وضمان التزام هذه الجماعات بمبادئ حقوق الإنسان، وانصياعها للقيادة المدنية..
نحن أمام بداية المرحلة الأصعب من الثورة السورية. وبينما يقوم السياسيون بواجبهم والعسكريون بواجبهم، فإنما على عاتقنا نحن الناشطين المدنيين عبء رفع مستوى الوعي والتحذير من الأخطاء ومحاولة منع حدوثها، أو إصلاحها في حال وقوعها بأقل الخسائر الممكنة. وليكن شعارنا: معاً لتحولٍ سياسيٍ واجتماعيٍ واقتصاديٍ ديمقراطي، يحافظ على كرامة السوريين ومساواتهم التامة، ويعلي من شأن سيادة القانون وبسعي لتحقيق العالة الانتقالية، ويصلح من شأن الأجهزة الأمنية ويضع دستوراً جديداً كريماً للبلاد، يستحقه السوريون بكافة أطيافهم.
الفقرات الواردة أعلاه جزءٌ من رسالةٍ للسوريين وجَّهَها لهم مؤخراً فريق (اليوم التالي) في سوريا. الفريق مؤلفٌ من خبراء وأكاديميين ومتخصصين سوريين في مختلف المجالات، وكان قد أنجز مشروعاً متكاملاً يضبط ملامح مرحلة ما بعد سقوط الأسد في ستة مسارات: الأسس الحقوقية، العدالة الانتقالية، إصلاح القطاع الأمني، الإصلاح الانتخابي وإنجاز التعديلات الدستورية، الإصلاح الدستوري، الهيكلة الاقتصادية والسياسات الاجتماعية.
هذه الرسالة، التي لم تصل إلى الكثير من السوريين للأسف، على أهميتها، تُذكرنا بأمرين في معرض الدعوة المتواصلة للعمل على تهيئة أسباب نجاح مؤتمر الرياض للمعارضة السورية: أن ثمة خبراء ومتخصصين سوريين متميزين يمكن لهم إنجاز الرؤية المطلوبة بشكلها المحترف والشمولي. والأهم من هذا، أن جزءاً مُقدراً من هذه الرؤية موجودٌ ابتداءً.
لاشك أن هناك حاجةً لأخذ المُعطيات الجديدة، التي حدثت خلال السنتين الماضيتين، بعين الاعتبار عند محاولة تطوير رؤيةٍ جديدة. لكن الذي يطلع على تفاصيل العمل، وهي موجودةٌ بتفاصيلها على موقع (اليوم التالي)، يُدرك أن الجهد لايجب أن يبدأ من نقطة الصفر، ولاحرجَ في التأكيد أن أكثر من نصف المهمة المطلوبة، على الأقل، تم إنجازهُ فعلاً.
ذكرنا سابقاً أن من شروط نجاح مؤتمر الرياض، بالمعنى العملي وليس النظري فقط، ارتفاعُ وتيرة الضغط العسكري على النظام، ومحاصرته تدريجياً في مختلف مناطق البلاد. وهذا ما يستمر بشكلٍ واضحٍ كان مثالهُ الأخير التقدمَ العسكري للمعارضة في الجنوب. فالسوريون يثبتون لأنفسهم، ولمن يهمه الأمر، مرةً تلو أخرى، أنهم قادرون، بالحد الأدنى من الدعم، على القيام بواجبهم الميداني. وهذه ميزةٌ تؤخذُ بعين الاعتبار في الحسابات الإستراتيجية. خاصةً عند مقارنتها بحالات أخرى ترتفع فيها كلفة الدعم السياسية والعسكرية، لكن التطور فيها يبقى بطيئاً مقارنةً بالحالة السورية.
لايقتصر الأمر على قدرة السوريين على التعامل ميدانياً مع النظام وهزيمته، وإنما تسري القاعدة نفسُها على التعامل مع تنظيم مايُسمى بـ (الدولة الإسلامية). فبشيءٍ من التحليل لمعاركه السابقة في سوريا والعراق، يصبح واضحاً أن (انتصاراته) المزعومة الكبيرة تحملُ في طياتها دوماً عناصر غير منطقية، من أهمها (الانسحابات) الغريبة التي تسبق تلك (الانتصارات). فيما عدا ذلك، ينجح التنظيم في هزيمة فصائل مشرذمة قليلة التجهيز والعدد هنا، ويتقدم بإشاعة الرعب بين المدنيين هناك.
أما حين يتعلق الأمر بالمواجهة مع قوةٍ مناسبة عددياً ومجهزة نارياً بحدٍ أدنى من التجهيزات فإن مصيرهُ الهزيمة على الدوام. وقد رأت الفصائل المقاتلة السورية مع التجربة، أكثرَ من غيرها، حقيقة كون التنظيم (فزاعةً) تنفخُ فيها قوىً إقليمية ودولية لأسباب مختلفة.
من هذا كله، يزداد إدراك القوى الإقليمية التي تقف مع الثورة السورية أن سوريا هي فعلاً المفصلُ الأساسي والأهم الذي يجب التركيز عليه في الصراع الإقليمي الإستراتيجي الراهن. لا لتكون البلاد مجرد ساحةٍ لذلك الصراع، وإنما لتكون سوريا الجديدة، ما بعد الأسد، لاعباً هاماً في تحديد نتائجه. والعملُ السياسي الواسع لتلك القوى مؤشرٌ على ذلك، وكان آخرُ مظاهره زيارة ولي ولي عهد السعودية محمد بن سلمان إلى روسيا بما رافقها من تصريحات واتفاقات..
قد يكون واقعُ المعرضة السياسية السورية في الظروف السابقة مفهوماً، لكن من غير اللائق أن تبقى بمثابة (العنصر الأضعف) مع التطورات التي أنتجت معادلةً جديدة، خاصةً وأنها تستطيع، هي تحديداً، تفعيل المعادلة بأسرها بشيءٍ من الجدية والعمل السياسي المحترف.
معركة الوميض الأول
المعركة لا تبدأ حين تدوي الصفارات. تبدأ عند لحظة اشتعال محرك الصاروخ. هناك، في الوميض الحراري الأول، تتحدد... اقرأ المزيد
93
| 03 مارس 2026
الصيام قوة للروح والجسد
لكل عبادة فرضها الله تعالى علينا حكم عظيمة جهلنا معظمها وعلمنا القليل منها، ومن حكمة الله تعالى في... اقرأ المزيد
129
| 03 مارس 2026
خبرة ترامب في إسقـاط الأنظمـة
لا شك أن مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي ورئيس الأركان وعدد من القيادات والشخصيات الإيرانية في... اقرأ المزيد
126
| 03 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2634
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2142
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
1605
| 01 مارس 2026