رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تفكيك المفاهيم - الدولة المدنية و«الإسلامية» - 3

بعد أن فنّدنا العلمانية والديمقراطية نتساءل: ما هي الدولة المدنية؟ كلمة مدنية أتت أصلا في مقابل الدولة العسكرية فالانطباع الشعبي عن الدول التي يحكمها العسكر سلبي من خلال التجارب الماضية في دول كثيرة حيث تميّزت دول العسكر بالاستبداد والقسوة والظلم. لكن تعبير الدولة المدنية توسّع ليستبعد أيضاً الدولة الدينية وهو استعمال مقبول حين يقتضي باستقلال المؤسسة السياسية الحاكمة في الدولة (التنفيذية والتشريعية) عن المؤسسة العسكرية (الجيش والأمن) وعن المؤسسات الدينية، وهذا أمرٌ ضروري يكاد يجمع عليه الناس. كثيرا ما نسمع بالدولة الإسلامية التي ينادي بها بعضهم ويعارضها آخرون. هل هناك نموذج يمكن أن نطلق عليه اسم دولة إسلامية؟ باعتقادي أن الإجابة بالنفي لهذا السؤال فليس هناك نمط محدد يسمى دولة إسلامية ولكن هناك ضوابط شرعية لأي دولة أو نظام كي يكون منسجما مع الشريعة الإسلامية. الإسلام لا يحدد نمطا محددا للدولة أو اختيار قائدها. على سبيل المثال كانت طريقة اختيار الخلفاء الراشدين الأربعة مختلفة لكلٍّ منهم وكان لكل خليفة أساليبه. فلسنا ملزمين بالتزام مظاهر وتقاليد غير جوهرية وقد تتغير من عصر وبيئة إلى عصر وبيئة مختلفين، ولا يلزمنا تسمية رئيس الدولة خليفة أو أمير المؤمنين ولا أن يلبس العمامة ويكون وزيره على يمينه والجلاد على يساره إلى آخر تلك الصورة النمطية التي يشير إليها أعداء «الدولة الإسلامية» ويتمسك بها السذّج. هناك من كتب عن نظام الحكم في الإسلام ولكن من أهم ضوابطه الشورى الملزمة والعدل، والعدل يتطلب الشفافية وحق الشعب في المساءلة وألا يكون أي إنسان مهما علا منصبه فوق القانون وفوق المساءلة والمحاسبة. هل يمكن للديمقراطية و»الدولة الإسلامية» أن يندمجا معا أو بالأحرى أن نوجد نموذجا ديمقراطيا متوافقا مع الإسلام؟ الجواب برأيي نعم بكل تأكيد لا سيما في مجتمع ذي غالبية مسلمة فالمسلم يؤمن بـ (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا) وقد تحدثنا عن وضع الشريعة الإسلامية كسياجٍ يحمي الديمقراطية من الجنوح والتطرف والظلم، لكن لا بد من وضع هذا البند في الدستور وأن يأتي بموافقة الأغلبية وهو أمر يذكرني باعتراضات بعض «الإسلاميين» على الديمقراطية لأنها حكم الشعب وليس حكم الله كما يقولون، وكلما ناقشت هذه النقطة مع أحدهم يأتي بنفس المثال: ماذا لو تم إقرار قانون يعارض شرع الله كزواج المثليين؟ الجواب ببساطة: هل سوريا بأغلبيتها مسلمة؟ وهل يمكن لبلد ذي أغلبية مسلمة أن يقرّ قانوناً يعارض إجماع علماء الشريعة؟ طبعا لا... ولكن لو افترضنا جدلا أنه حصل فهذا يعني تقصيرا من المفكرين والعلماء والسياسيين الإسلاميين وليس من الإسلام نفسه فأنا على يقين بأن الإسلام دين الفطرة وأنه لو عُرِضَ بصورته الحقيقية وبما يتجاوب مع احتياجات وأولويات الناس لاختارته الأغلبية. الديمقراطية ثقافة قبل أن تكون قوانين، والمسلم الحقيقي يعلم أن ما عنده من عقيدة وفكر يستطيع أن يهزم منافسيه في جو الحرية، فهو يؤمن بـ (لا إكراه في الدين) وبـ (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ومن الملفت للنظر أن عواقب الكفر في الآية الثانية (إنا أعتدنا للظالمين ناراً...) هو أمرٌ تكفّل به الله تعالى وحده ولم يتركه لنا. وقديما قيل (إذا أردت لفكر أن ينتشر فامنعه) لذلك فأنا أؤمن بمساحة واسعة للحرية الفكرية ضمن إطار يحمي المجتمع من الأخطار والأضرار، وكما قال المفكر الأستاذ راشد الغنوشي قديماً (كل ما أريده في تونس دكان صغير أعرض فيه بضاعتي وليعرض كلٌّ بضاعته وليشتري الشاري من حيث شاء) بل إني أتوقع عدة نماذج وطروحات مختلفة من جهات «إسلامية» تتنافس لكسب قبول الشعب، إلى جانب نماذج أخرى ليست إسلامية. كذلك يزعم بعضهم أن الشورى معلمةٌ وليست مُلزِمة وهذا يتناقض تماما مع متطلبات العدل ويؤدي إلى الاستبداد لا سيما وأن الحاكم مهما بلغ من المقدرة والحكمة فلن يكون معصوما من الخطأ ولا شك أن رأي المجموعة أقل احتمالا للخطأ من رأي الفرد. أما اعتراض بعض «الإسلاميين» على مبدأ الانتخابات لأن «أهل الحلِّ والعقد» هم من يختارون الرئيس (أو الخليفة حسب تعبيرهم) فهذا كلام بعيد عن الواقع لاتساع البلاد وتنوع المواطنين والاختلاف الكبير على تحديد من هم أهل الحلِّ والعقد وكيف تختارهم وكم عددهم؟ حاليا أعضاء البرلمان هم أهل الحلِّ والعقد والناس تختارهم بالانتخاب كما تختار رئيس البلاد بالانتخاب أيضا. هذه هي الوسيلة الأفضل والأسلم للوصول إلى الحكم وإلا فالبديل هو المعارك بين الناس وإراقة الدماء وبعدها قد يصل الأقوى وليس الأصلح بالضرورة إلى الحكم. أما مسألة الوطنية والمواطنة وحقوق الأقليات ومختلف شرائح المجتمع فالأمر يحتاج لنقاش وطني مفصل لا مجال له هنا لكن يجب التأكيد على أن القانون يجب أن يساوي بين أبناء الوطن في الحقوق والواجبات. أما المحاصصة الطائفية فهي أمر يتعارض مع العدل وأحيانا يعوق الاختيار الأصلح للوطن لذلك لا بد من صيغة تلغي أي محاصصة عرقية أو طائفية لكنها في نفس الوقت تضمن ألا تهضم حقوق أي مكون للمجتمع أو أي فرد. لذلك فالدولة التي تنشدها الأغلبية الساحقة هي دولة ديمقراطية مدنية تؤمّن الحرية والكرامة والعدالة لجميع مواطنيها وتستفيد من تنوعهم كمصدر ثراء وتسعى لوضع الشخص المناسب في المكان كي يتقدم الوطن علميا وحضاريا واجتماعيا.

975

| 20 يناير 2025

تفكيك المفاهيم - الديمقراطية - 2

تُعَرّف الديمقراطية على أنها حكم الشعب وهي كلمة يونانية تتكوَّن من مقطعين؛ المقطع الأول (Demos) ويعني الناس أو الشعب، والمقطع الثاني (krates) ويعني الحُكم، وبذلك يشير مفهوم الديمقراطية لغةً إلى حُكم الشعب أو حُكم الأغلبية. ولها أشكال عديدة سواء في طريقة الانتخاب أو نظام الحُكم. هناك أنظمة يتم فيها انتخاب الرئيس مباشرة دون وجود رئيس وزراء ثم يختار الرئيس وزراءه وكبار المسؤولين شرط موافقة البرلمان كما هو الحال في أمريكا وتركيا بعد التغيير الدستوري عام 2018. وهناك أنظمة يتم فيها انتخاب رئيس الوزراء والذي يختار وزراءه وكبار المسؤولين أيضا شرط موافقة البرلمان وتكون السلطات التنفيذية بيد رئيس الوزراء بينما يكون منصب الرئيس بروتوكوليا وقد ينتخبه الشعب أو أعضاء البرلمان وهذا نظام مطبق في دول كثيرة مثل إيطاليا واليونان وأيرلندا والهند كما أنه مطبق في البلاد الملكية الدستورية مثل بريطانيا وهولندا والسويد والنرويج. وقد يسمى رئيس الوزراء مستشارا كما هو الحال في ألمانيا. وهناك نظام يُنتخب فيه الرئيس ثم يعين رئيسُ الدولة رئيسَ وزرائه غالبا من الحزب الأكثر شعبية أو الذي يستطيع تحقيق أغلبية برلمانية ويتقاسم الرئيس ورئيس الوزراء السلطات التنفيذية كما هو الحال في فرنسا. وفي لبنان «ديمقراطية بمحاصصة طائفية» حيث ينتخب البرلمان الرئيس ويختار الرئيس رئيس الوزراء ثم يتقاسما السلطات التنفيذية. وهناك نماذج أخرى لا مجال لحصرها. من المفارقات الملفتة للنظر أن النظام الانتخابي المعقد في أمريكا يسمح بفوز مرشح بالرئاسة رغم حصول منافسه الخاسر على أصوات شعبية أكثر وهو ما يعارض مفهوم الديمقراطية وقد حصل هذا خمس مرات في تاريخ أمريكا منها انتخابات عامي 2000 حيث حصل المرشح الديمقراطي الخاسر آل غور على أصوات شعبية أكثر من المرشح الفائز جورج دبليو بوش، وكذلك عام 2016 حيث خسرت هيلاري كلينتون أمام المرشح الفائز دونالد ترامب رغم حصولها على أصوات شعبية أكثر منه. بالرغم من أن الديمقراطية - بمفهومها العام – هي أفضل نظام حكم بشري لكن لها محاذير وأخطار من انحرافات فهناك ديمقراطية النخبة كما هو الحال في إسرائيل حيث تعطى الجنسية أو امتيازات وحقوق حصرية لشريحة معينة وتُحرم منها شرائح أخرى، وكذلك كان الحال في جمهورية جنوب أفريقيا في زمن الفصل العنصري وكذلك في أمريكا عند تأسيسها حين كانت الديمقراطية للرجل الأبيض فقط وبعد أكثر من قرن حصل المواطنون السود والنساء على حق التصويت والترشح ولكن ذلك احتاج نضالا طويلا وتدرجا في تقريب القوانين إلى العدالة. وهناك ثمة خطر آخر بوجود زعيم ذي نفوذ قوي يستطيع إقناع العامة بأفكاره كما حصل في ألمانيا منذ حوالي قرن حين فاز هتلر بالانتخابات وأقرّ برلمانه أيضا بطريقة «ديمقراطية» قوانين عنصرية أدت لاحقا إلى مصائب وأهوال، وحصل هذا بدرجة أخف حين انتخب دونالد ترامب رئيسا لأمريكا عام 2016. وفي الدول التي تتمتع فيها المؤسسة العسكرية بنفوذ قوي تكون الديمقراطية هشّة فتقوم انقلابات عسكرية حين لا ترضى المؤسسة العسكرية عن نتيجة الانتخابات كما حصل في مصر وباكستان مؤخرا وفي تركيا في القرن الماضي. هنا نجد أن الديمقراطية قد تتحول إلى ديكتاتورية الأغلبية أو تسمح بتمرير قوانين جائرة لبعض شرائح المجتمع العرقية أو الدينية أو الطائفية أو الإيديولوجية أو غير ذلك فيأتي الظلم بشكل «قانوني» بل ومن الممكن إضافة مواد دستورية فيها ظلم لبعض شرائح المجتمع كما كان الدستور الأمريكي القديم ولذلك احتاج لسبعة وعشرين تعديلا على مدى قرنين من الزمن ورغم ذلك لا يزال يحتاج - برأيي- تعديلات أخرى. ولا يحتاج انحراف الديمقراطية عن مسار العدل إلا إلى زعيم ذكي مفوّه ذي نفوذ ومال خاصة حين تمرّ الدولة بظروف أمنية أو اقتصادية صعبة. لذلك لا بد من سياج دائم ثابت يمنع أي ظلم من هذا القبيل. ومن المزايا الكبرى لجعل الشريعة الإسلامية مرجعاً أساسيا للدستور هو حماية حقوق المواطنين جميعاً خاصة المكونات والأقليات غير المسلمة. فالشريعة سياج دائم ضد التغول والظلم لا تسمح بصياغة قوانين ظالمة حتى ولو أيدتها الأغلبية فحكم الشعب لا يعلو على حكم الله.

1254

| 12 يناير 2025

تفكيك المفاهيم.. العلمانية - 1

مع زوال نظام الأسد البائد في سوريا والتطلع إلى دولة حديثة يتمتع فيها المواطنون جميعا بالحرية والكرامة والعدالة، يختلف الكثيرون حول هوية الدولة التي ننشدها وينادي كلٌّ بمسميات قد لا نتفق على مضمونها كالدولة الديمقراطية أو المدنية أو الدينية أو الإسلامية أو العلمانية. تماما كمصلحات الطعام كالسَّلَطة والكشري (أو المجدّرة) أو المحشي أو غير ذلك من الأكلات التي تحمل نفس الاسم لكن محتواها يختلف من بيئة لأخرى وأحيانا ضمن البيئة الواحدة. فالأفضل في هذه الحالة تفكيك المصطلح إلى مكوناته الأساسية لنرى إن كنا نتفق على هذه المكونات. كذلك يأتي بعض السوريين المغتربين بنماذج يريدون تطبيقها في سوريا على طريقة النسخ واللصق دون مراعاة لخصوصية البلد وثقافة شعبه. سأبدأ بالعلمانية (أو بالأصح العالمانية أو العَلمانية نسبة إلى العالم وليس العِلم أو اللائكية) وأبسط تعريف لها هو فصل الدين عن الدولة، ولهذا التعريف أنماط متعددة طبقتها وتطبقها دول كثيرة، منها نمط تقف فيه الدولة محايدةً تجاه الأديان (أو الإلحاد) فلا تتبنى ديناً معيناً ولا تحارب أيّاً منها مثل أمريكا وكندا وبريطانيا، ونمط آخر تضع فيه الدولة قيودا على بعض الممارسات والرموز الدينية وربما يكون أحد الأديان ضحية أكثر من غيره لهذه القيود مثل فرنسا، ونمط آخر تمنع فيه الدولة ممارسة كل الأديان أو تعليمها أو ممارسة شعائرها مثل الاتحاد السوفييتي ومعظم الدول الشيوعية سابقا. أما تركيا فقد تحولت من النمط الثاني إلى النمط الأول في العقدين الماضيين كما أن الصين الشيوعية تحولت من النمط الثالث إلى النمط الثاني. يقول محدّثي متحمساً: لا بد من تطبيق العلمانية، فسألته لِمَ؟ قال لأن كل المجتمعات «المتحضرة» علمانية ولأنها ضمان لحرية المعتقد ولأنها كذا... وذكر قِيَماً لا علاقة للعلمانية بها من قريب أو بعيد كالحرية والدولة المدنية والديمقراطية. قلت له: هل تعلم أن أكثر أنظمة العالم استبداداً وبطشاً كانت علمانية مثل الاتحاد السوفييتي والدول الشيوعية (دول حلف وارسو البائد)؟ حاليا الصين الشعبية وكوريا الشمالية تعتبر بلادا علمانية. هل تعلم أن سوريا خلال فترة حكم حزب البعث وآل الأسد كانت علمانية؟ اعترض صديقي قائلا إن كل هذه الدول لم تكن فعليا تمثّل العلمانية فسألته: ومن المرجع إذن؟ إذا كان كلٌّ يغني على ليلاه فكيف ننادي بتطبيق مفهوم لا نتفق كلنا على محتواه ومضمونه؟ إن كنتَ تنادي به لأنه يحمل قِيَماً نريدها لدولتنا فلماذا الالتباس بوضع هذه القيم في سلّةٍ معتمة لا يُرى محتواها واضحا؟ أليس من المنطق السليم أن نُفَرّغ هذه السلة من محتواها كي يرى الجميع هذه القيم؟ ثم إن كلمة العلمانية لها صدى سلبي لدى شريحة كبيرة من الشعب السوري وربما أغلبيته. فالإصرار عليها سيسبب خلافات ونزاعات نحن في غنى عنها فلنعدد القيم التي نريدها بشكل واضح لا لبس فيه كالحرية والعدالة والكرامة والمساواة ونتفق على تعريفها وتحديدها. * ولنعد الآن إلى مفهوم فصل الدين عن الدولة فماذا يعني هذا المفهوم؟ إن كان يعني فصل المؤسسة (أو المؤسسات) الدينية عن المؤسسة السياسية الحاكمة (السلطتين التنفيذية والتشريعية) فهذا أمر أكاد أجزم بأن غالبية الشعب متفقة عليه لأن فيه حفظاً لاستقلالية كل هذه المؤسسات. مفهوم فصل الدين عن الدولة إنما نشأ في أوروبا في العصور الوسطى حيث كان بابا الفاتيكان ذا سلطة على ملوك أوروبا كلهم وكان يتحكم بالسياسة والاقتصاد وأمور الحرب والتعليم وغيرها، وكان ذلك سبب الاستبداد والجهل والتخلف هناك، بل إن البابا هو من أمر ملوك أوروبا بخوض حروب الفرنجة (الصليبيين) وغزو بلاد الشام. وما إن تم فصل البابا عن السلطة السياسية حتى بدأت أمور الشعوب بالتحسن على جميع الأصعدة. وقد احتفظت كثير من دول أوروبا بالنظام الملكي (ولا زال الملك يعرف بأنه حامي الدين) لكن معظم السلطات التنفيذية صارت بيد رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا. وهذا حل وسط توصلت إليه بعض دول أوروبا التي أبقت الملكية كتراث ولكنها حولتها إلى ملكية دستورية. * هذه المشكلة لم تكن موجودة في بلاد المسلمين فلم تكن هناك دولة دينية (ثيوقراطية) بمعنى أن تكون المؤسسة الدينية هي نفسها المؤسسة السياسية الحاكمة وأنها تحكم باسم الله وبالتالي فلا يمكن معارضتها أو انتقادها أو المطالبة بتغييرها (ربما باستثناء إيران وهي نموذج خاص بالشيعة). خلال أربعة عشر قرنا من تاريخ الإسلام رأينا الخلافة الراشدة والملك العضوض (الوراثي) والملك الجبري (الديكتاتورية) لكن أيا منها لم يكن ثيوقراطيا ولا مدعيا للعصمة ولا أنه «ظل الله على الأرض». أما فصل الدين عن الدولة أو بالأحرى عن تشريع الدولة فهو مستحيل في أي دولة ديمقراطية ذات أغلبية سكانية مسلمة فالتشريع هو القانون المستند على الدستور، والدستور تكتبه لجنة قانونية مختصة من أعضاء البرلمان المنتخب ويأتي الدستور دوماً مستمداً من ثقافة الشعب وليس مستورداً من بيئة أخرى رغم احتمال الاستفادة من دساتير الآخرين في الهيكلية أو المضمون، فطبيعي لبلد ذي أغلبية مسلمة أن يأتي دستورها منسجما مع ثقافة الشعب. هذا لا يقتضي أن يكون الدستور مستمداً كله من الشريعة الإسلامية بل أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع بحيث يُمنع إصدار أي قانون يتعارض مع ما اتفق عليه علماء الشريعة. إضافة لذلك هناك قوانين مستمدة من الشريعة مثل قوانين الأحوال الشخصية (الزواج والطلاق والميراث) وهي تطبق حصرا على المسلمين وليست ملزمة للمكونات غير المسلمة. وهناك قوانين أخرى قد ترتكز على أحكام ومقاصد الشريعة كالاقتصاد وقانون العقوبات (الحدود) ولكن ضمن ما يقرره العلماء والاختصاصيون المعاصرون.

1845

| 03 يناير 2025

النبوءات في زمن الثورات

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); منذ قديم الزمان وحتى يرث الله الأرض ومن عليها يبقى الإنسان شغوفًا بمعرفة الغيب والتنبؤ بأحداث المستقبل، وطالما زعم الكهنة والعرّافون والمنجمون التنبؤ بأحداث المستقبل ليخدعوا الناس ويقبضوا ثمن نبوءاتهم أموالا ومناصب وشهرة. وقد حسم الإسلام هذا الأمر بالتأكيد على أن الله تعالى وحده (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) وأنه (لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله) وأنه (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ) وأنه لم يطلع حتى رسله وملائكته على الغيب كله (وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) فهو (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) بل إن رسول الله الذي كان يتلقى الوحي من السماء يعلن للناس (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) و(وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) كما استنكر رب العالمين أولئك الذين يزعمون معرفة الغيب (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) و(أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى) و(أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ).لكن الله سبحانه وتعالى أطلعنا على ما يريد إطلاعنا عليه من الغيب كيوم القيامة وأهواله (من غير توقيت أو تفاصيل كاملة) وأوصاف الجنة والنار (وصفًا جزئيًا أيضًا) كما ذكر بعض الأحداث المستقبلية بشكل غير محدد زمانًا أو مكانًا كانتصار الروم على الفرس (غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ) و(لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون) وموت أبي لهب على الكفر وغير ذلك، ليس للحصر أو التفصيل التاريخي بل لحكمة أرادها الله عزّ وجلّ. وبعض هذه النبوءات أتت بشكل اختلف عليه المفسرون: هل حدث أم لم يحدث بعد (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) ولكن العبرة هي ليس فيما حصل فقط ولكن في سنة الله في بني إسرائيل (وإن عدتم عدنا). ولعل نبوءات الرسول الله صلى الله عليه وسلم والتي أوحيت إليه بالقدر والتوقيت الذي أراده الله تعالى، جاءت لبث الأمل والتفاؤل في صدور المسلمين كبشارته لـ سراقة بن مالك بسواري كسرى وبشارته بفتح فارس وقت حفر الخندق وبشارته بفتح القسطنطينية، أو لتحذير من فتنة كقوله لعمار بن ياسر (تقتلك الفئة الباغية).والإيمان بالغيب جزء أساسي من عقيدة المسلم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) لكن الغيب من علم الله وليس من علم البشر أو غيرهم من الخلق فالبشر خلقوا لغاية محددة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعبد ونِ) وعبادة الله تقتضي طاعته في إقامة العدل في الأرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن البديهي أن الله تعالى يحاسب الناس على قدر ما أعطاهم من قدرة ومسؤولية فهو يحاسبنا بما نملك ولا يحاسبنا فيما لا نملك وقد سنّ لنا سننا وقوانين طبيعية كي نسير عليها، وقد يُخَيّل لملحد أن إيماننا بالقضاء والقدر معارض لقوانين الطبيعة، كما قد يُخَيّل لمؤمن أن عملنا لن يؤثر في المستقبل (الغيب القادم) ولن يغيّر ما سيكون عليه الواقع لأن ذلك مكتوب في علم الله الأزلي، لكن الفريقين مخطئان فنحن لا نعلم الغيب ولسنا مسؤولين أو محاسبين على أمر لا نملكه ولا حتى على تحقيق النتائج من العمل ولكننا محاسبون ومأجورون على النوايا أولًا ثم على بذل الجهد المطلوب لتحقيق الهدف، وهناك نصوص كثيرة في الحديث وفي الأثر بأن الدعاء يَرُدُّ القضاء ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)، وقال صلى الله عليه وسلم (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ)، وقال أيضًا (لا يزال القضاء والدعاء يعتلجان - أي: يتصارعان - ما بين الأرض والسماء) وقال أيضًا (الدعاء يرد القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) وقال أيضًا (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البرُّ) بل إن المسلم حين يدعو اللهَ عليه أن يفعل ذلك وهو موقن بالإجابة وفي الحوار الطريف بين الفاروق عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح حين كان متجهًا إلى الشام وسمع بوقوع الطاعون فيها فأراد أن يعود خوفا على من معه فاستنكر أبو عبيدة ذلك وقال لـ عمر: أتفرّ من قدر الله؟ فأجابه عمر: نعم... أفرّ من قدر الله إلى قدر الله. ومما روي عن العالم العامل عبد القادر الجيلاني قوله: أنا أغالب الأقدار بالأقدار.لكن الله سبحانه وتعالى من خلال آيات القرآن الكريم والهدي النبوي كان دومًا يوجّه المسلمين للتفكير والعمل بما هو من واجبهم وتحت مسؤوليتهم وليس بما سيأتي في الغيب مما لا يعلمه ولا يقدر عليه إلا الله. فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتفكير في مخلوقات الله ونهاهم عن التفكير بذاته (تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذاته فتضلوا)، كما أنه أجاب الرجل الذي سأله (متى الساعة؟) بـ(وماذا أعددت لها؟) فتوقيت الساعة ووقوع أشراطها وعلاماتها لا علم لنا به ولا سلطة لنا عليه، وعلينا ألا نعلّق أمور حياتنا وواجباتنا عليه، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيل فليغرسها) وفي هذا الحديث رسائل مهمة لنا فالفسيل يحتاج بضع سنوات حتى يؤتي ثمره فقد يفكر أحدنا: وما فائدة غرس الفسيل إذا قامت الساعة وانتهى العالم؟ فيأمره الحديث الشريف: قم بواجبك ولا تنتظر نتائجه فأنت محاسب على ما تقدر ولست محاسبا على ما ليس في مدى علمك أو قدرتك.تبقى قضية أحاديث النبوءات: المهدي والمسيح الدجال وعودة السيد المسيح وقيام الساعة...ما الغاية من تلك الأحاديث (أو ما صحّ منها) وماذا ينبغي لنا أن نفعل تجاهها؟ وفي فترة الثورة السورية وكثرة القتل والفتن، يأتي كثير من الناس بأحاديث عما سيحصل في "آخر الزمن" من مقدمات لظهور الدجال وعودة المسيح عليه السلام وبالتالي ظهور علامات الساعة ثم تأتي روايات الناس على تفاصيل ما سيحصل، ومَنْ سيقاتل مَنْ ومَنْ سينتصر... والناس تقرأ ذلك وكأنها تتفرج على فيلم درامي تنتظر انتصار البطل في النهاية. أرى في هذا الأسلوب مشاكل عدة فكثير من الأحاديث التي تروى ليست صحيحة كما أن بعضها يستعمل المجاز وقد لا يكون تفسيره واضحا، لذلك يلجأ البعض إلى إسقاطه على الواقع إسقاطا غير دقيق والبعض يستطرد في مقاربة عبارات الحديث للوقائع على الأرض فيقع في متاهات لا طائل منها بل تشغلنا عن واجباتنا، وأحيانا يكون التأويل لتحقيق مأرب كمن يريد تبرير تحالف مع أمريكا ضد روسيا فيؤول أحلاف المسلمين في الحديث على أنهم الدولة الفلانية التي سنتحالف معها ضد "عدو مشترك". لا أنكر أن بعض هذه الروايات قد تنعش الآمال وتزيد التفاؤل بالنصر ولكن شعورنا هذا إن لم يرافقه استعداد كامل للقيام بالمهمة حسب القوانين الطبيعية كمن يتناول جرعة مخدر ليعيش في عالم وردي بعيدا عن الواقعية، ومنتظرا تحقق النبوءات حتى يأتي الفرج.في واقع الأمر ربما تكون بعض النبوءات المذكورة في الأحاديث مرتبطة بما نعمله كسبب ونتيجة وليس ارتباطا بزمن محدد فبعضنا يفهم الحديث الشريف (لو أنكم تتوكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصًا – أي خاوية البطون - وتروح بطانا – أي ممتلئة البطون) كما لو أن الرزق مكتوب لتلك الطيور سواء بحثت عنه أم لم تبحث بينما أفهم أن الله كتب لها رزقها إن قامت بما عليها من مجهود للبحث عنه فالحديث ذكر (تغدو وتروح) ولم يقل أنها رابضة في أعشاشها تنتظر السماء تمطر عليها بالطعام.أمر آخر مهم فمقياس الزمن أمر نسبي فحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعثت أنا والساعة كهاتين) مشيرًا بإصبعيه السبابة والوسطى، كدلالة على اقتراب الساعة لم يقصد أياما أو شهورا أو سنين أو حتى قرونا فهو في حديث آخر يتكلم عن قرون من الزمن تأتي بعده (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام) لذلك يجب ألا نفسّر اقتراب الساعة تفسيرا زمنيا محددا حسب أفهامنا... فيوم عند الله بألف سنة وبخمسين ألف سنة واقتراب الساعة لا يعني بالضرورة أننا سنرى نهاية العالم ولا أبناؤنا ولا أبناؤهم ولنتذكر أن قيامة أحدنا موته.لن ننكر ما صحت روايته من الأحاديث ولكن لن نتأوله ولن نتوقف كثيرا على تصور المستقبل واستقراء أحداثه والتنبؤ بتوقيتها وعلاماتها، فلو شاء الله لأعلمنا بها ولكنه – لحكمة أرادها – لم يفعل ذلك، ولكن سنشغل أنفسنا بواجبنا وهو (وماذا أعددت لها؟) وسنسير على قاعدة سيدنا علي بن أبي طالب (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) فالعمل من مسؤوليتنا والغيب من مسؤولية الله عز وجل.

3664

| 31 مارس 2016

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

8646

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

4596

| 09 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1425

| 11 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1251

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1065

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

960

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

849

| 09 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

744

| 12 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

660

| 12 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

657

| 13 مارس 2026

alsharq
قطر.. «جاهزية دولة» عند الأزمات

-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...

639

| 08 مارس 2026

alsharq
مضيق هرمز والغاز الطبيعي وأهمية البدائل

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...

567

| 14 مارس 2026

أخبار محلية