رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. صالح محمد المبارك

مساحة إعلانية

مقالات

978

د. صالح محمد المبارك

تفكيك المفاهيم - الدولة المدنية و«الإسلامية» - 3

20 يناير 2025 , 02:00ص

بعد أن فنّدنا العلمانية والديمقراطية نتساءل: ما هي الدولة المدنية؟ كلمة مدنية أتت أصلا في مقابل الدولة العسكرية فالانطباع الشعبي عن الدول التي يحكمها العسكر سلبي من خلال التجارب الماضية في دول كثيرة حيث تميّزت دول العسكر بالاستبداد والقسوة والظلم. لكن تعبير الدولة المدنية توسّع ليستبعد أيضاً الدولة الدينية وهو استعمال مقبول حين يقتضي باستقلال المؤسسة السياسية الحاكمة في الدولة (التنفيذية والتشريعية) عن المؤسسة العسكرية (الجيش والأمن) وعن المؤسسات الدينية، وهذا أمرٌ ضروري يكاد يجمع عليه الناس.

كثيرا ما نسمع بالدولة الإسلامية التي ينادي بها بعضهم ويعارضها آخرون. هل هناك نموذج يمكن أن نطلق عليه اسم دولة إسلامية؟ باعتقادي أن الإجابة بالنفي لهذا السؤال فليس هناك نمط محدد يسمى دولة إسلامية ولكن هناك ضوابط شرعية لأي دولة أو نظام كي يكون منسجما مع الشريعة الإسلامية. الإسلام لا يحدد نمطا محددا للدولة أو اختيار قائدها. على سبيل المثال كانت طريقة اختيار الخلفاء الراشدين الأربعة مختلفة لكلٍّ منهم وكان لكل خليفة أساليبه. فلسنا ملزمين بالتزام مظاهر وتقاليد غير جوهرية وقد تتغير من عصر وبيئة إلى عصر وبيئة مختلفين، ولا يلزمنا تسمية رئيس الدولة خليفة أو أمير المؤمنين ولا أن يلبس العمامة ويكون وزيره على يمينه والجلاد على يساره إلى آخر تلك الصورة النمطية التي يشير إليها أعداء «الدولة الإسلامية» ويتمسك بها السذّج. هناك من كتب عن نظام الحكم في الإسلام ولكن من أهم ضوابطه الشورى الملزمة والعدل، والعدل يتطلب الشفافية وحق الشعب في المساءلة وألا يكون أي إنسان مهما علا منصبه فوق القانون وفوق المساءلة والمحاسبة.

هل يمكن للديمقراطية و»الدولة الإسلامية» أن يندمجا معا أو بالأحرى أن نوجد نموذجا ديمقراطيا متوافقا مع الإسلام؟ الجواب برأيي نعم بكل تأكيد لا سيما في مجتمع ذي غالبية مسلمة فالمسلم يؤمن بـ (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا) وقد تحدثنا عن وضع الشريعة الإسلامية كسياجٍ يحمي الديمقراطية من الجنوح والتطرف والظلم، لكن لا بد من وضع هذا البند في الدستور وأن يأتي بموافقة الأغلبية وهو أمر يذكرني باعتراضات بعض «الإسلاميين» على الديمقراطية لأنها حكم الشعب وليس حكم الله كما يقولون، وكلما ناقشت هذه النقطة مع أحدهم يأتي بنفس المثال: ماذا لو تم إقرار قانون يعارض شرع الله كزواج المثليين؟ الجواب ببساطة: هل سوريا بأغلبيتها مسلمة؟ وهل يمكن لبلد ذي أغلبية مسلمة أن يقرّ قانوناً يعارض إجماع علماء الشريعة؟ طبعا لا... ولكن لو افترضنا جدلا أنه حصل فهذا يعني تقصيرا من المفكرين والعلماء والسياسيين الإسلاميين وليس من الإسلام نفسه فأنا على يقين بأن الإسلام دين الفطرة وأنه لو عُرِضَ بصورته الحقيقية وبما يتجاوب مع احتياجات وأولويات الناس لاختارته الأغلبية.

الديمقراطية ثقافة قبل أن تكون قوانين، والمسلم الحقيقي يعلم أن ما عنده من عقيدة وفكر يستطيع أن يهزم منافسيه في جو الحرية، فهو يؤمن بـ (لا إكراه في الدين) وبـ (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ومن الملفت للنظر أن عواقب الكفر في الآية الثانية (إنا أعتدنا للظالمين ناراً...) هو أمرٌ تكفّل به الله تعالى وحده ولم يتركه لنا. وقديما قيل (إذا أردت لفكر أن ينتشر فامنعه) لذلك فأنا أؤمن بمساحة واسعة للحرية الفكرية ضمن إطار يحمي المجتمع من الأخطار والأضرار، وكما قال المفكر الأستاذ راشد الغنوشي قديماً (كل ما أريده في تونس دكان صغير أعرض فيه بضاعتي وليعرض كلٌّ بضاعته وليشتري الشاري من حيث شاء) بل إني أتوقع عدة نماذج وطروحات مختلفة من جهات «إسلامية» تتنافس لكسب قبول الشعب، إلى جانب نماذج أخرى ليست إسلامية.

كذلك يزعم بعضهم أن الشورى معلمةٌ وليست مُلزِمة وهذا يتناقض تماما مع متطلبات العدل ويؤدي إلى الاستبداد لا سيما وأن الحاكم مهما بلغ من المقدرة والحكمة فلن يكون معصوما من الخطأ ولا شك أن رأي المجموعة أقل احتمالا للخطأ من رأي الفرد.

أما اعتراض بعض «الإسلاميين» على مبدأ الانتخابات لأن «أهل الحلِّ والعقد» هم من يختارون الرئيس (أو الخليفة حسب تعبيرهم) فهذا كلام بعيد عن الواقع لاتساع البلاد وتنوع المواطنين والاختلاف الكبير على تحديد من هم أهل الحلِّ والعقد وكيف تختارهم وكم عددهم؟ حاليا أعضاء البرلمان هم أهل الحلِّ والعقد والناس تختارهم بالانتخاب كما تختار رئيس البلاد بالانتخاب أيضا. هذه هي الوسيلة الأفضل والأسلم للوصول إلى الحكم وإلا فالبديل هو المعارك بين الناس وإراقة الدماء وبعدها قد يصل الأقوى وليس الأصلح بالضرورة إلى الحكم.

أما مسألة الوطنية والمواطنة وحقوق الأقليات ومختلف شرائح المجتمع فالأمر يحتاج لنقاش وطني مفصل لا مجال له هنا لكن يجب التأكيد على أن القانون يجب أن يساوي بين أبناء الوطن في الحقوق والواجبات. أما المحاصصة الطائفية فهي أمر يتعارض مع العدل وأحيانا يعوق الاختيار الأصلح للوطن لذلك لا بد من صيغة تلغي أي محاصصة عرقية أو طائفية لكنها في نفس الوقت تضمن ألا تهضم حقوق أي مكون للمجتمع أو أي فرد. لذلك فالدولة التي تنشدها الأغلبية الساحقة هي دولة ديمقراطية مدنية تؤمّن الحرية والكرامة والعدالة لجميع مواطنيها وتستفيد من تنوعهم كمصدر ثراء وتسعى لوضع الشخص المناسب في المكان كي يتقدم الوطن علميا وحضاريا واجتماعيا.

مساحة إعلانية