رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقول أحد المفكرين عن الأخلاق الإنسانية ومنبعها الأجلى: «الأخلاق ليست ما نتعلمه من الآخرين أو ما يُفرض علينا، بل هي صوت العقل الداخلي الذي يوجهنا نحو الخير.» هذه المقولة تعكس رؤية فقهاء الأخلاق باعتبارها نابعة من العقل البشري المستقل الحر المؤمن بالمنفعة العامة للبشرية، وليس من عوامل خارجية مثل سلطة الدولة والجماعة. ولطالما كان النقاش في الأوساط العلمية والشعبية حول دور الدولة والسلطة والقوة القاهرة في تشكيل أخلاقيات المجتمع محط جدل بين الفلاسفة والمفكرين وحتى عامة الناس في تساؤلاتهم. فالدولة، ككيان سياسي منظم يملك القوة القهرية والنظامية، تحمل على عاتقها مسؤولية الحفاظ على النظام وتحقيق العدالة بين الناس. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تتجاوز الدولة دورها التنظيمي لتفرض أخلاقيات معينة ومحددة على المجتمعات ذات التنوع الطائفي والفكري والاجتماعي والديني، أم تقف على الحياد من كل ذلك ؟ لذلك فالدولة، بطبيعتها وممارساتها، ليست كيانًا محايدًا تمامًا ومستقلاً كلياً، فهي تستند إلى قوانين تعكس قيمًا ومؤشرات غالبًا ما تكون مستوحاة من ثقافة المجتمع وعاداته وديانته وتاريخه الاجتماعي. فمثلاَ نجد أن القوانين التي تحظر السرقة، ليست مجرد قواعد تنظيمية عقلية بحتة، بل هي تعبير وانعكاس عن أخلاقيات تحترم حق الملكية بين الناس، كذلك، قوانين العدالة، أو تلك التي تعاقب على التمييز والعنصرية، تعكس تطورًا في وعي المجتمع بقيم العدالة والاحترام. إلا أنه قد تختلف درجة تدخل الدولة في فرض الأخلاقيات باختلاف أنظمتها السياسية والثقافية. ففي بعض الأنظمة السلطوية الحادة، قد تستخدم الدولة أدواتها القمعية للسيطرة على المجتمع، حيث تفرض الدولة تصوراتها الخاصة عن الخير والشر دون مراعاة التنوع الفكري أو الثقافي. أما في الدول الديمقراطية أو التشاركية، فنجد أن الدولة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين تنظيم المجتمع واحترام حرية الأفراد، مما يجعلها أكثر ميلاً إلى الحياد النسبي. إلا أن الحياد الكامل قد يكون ضربًا من الخيال والغير معقول، فحتى عندما تبدو الدولة غير متدخلة ومنزوية، فإنها تساهم بشكل غير مباشر في تشكيل الأخلاقيات من خلال سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، فعلى سبيل المثال، إذا دعمت الدولة نظامًا تعليميًا يعزز قيم التعاون والاحترام، فإنها تساهم في بناء أخلاقيات المجتمع بطرق غير مباشرة. فالدولة ليست مجرد حارس على البوابة، بل هي شريك في تشكيل الهوية الأخلاقية للمجتمع، التحدي يكمن في أن يكون هذا التشكيل متوازنًا، بحيث لا يحد من حرية الأفراد، بل يفتح أمامهم آفاقًا للعيش ضمن إطار قيم يعزز التعايش والاحترام المتبادل. ويجب أن يكون في ذهننا دوما أن الدولة المثالية ليست تلك التي تفرض أخلاقيات معينة بالقوة، ولا تلك التي تقف على الحياد التام، بل هي التي تسلك بين ذلك سبيلاَ متوازنا وتمكّن المجتمع من التطور أخلاقيًا عبر توفير بيئة تحتضن التنوع بين الناس، فتتحول الأخلاقيات إلى كيان ونبض حيّ يتفاعل مع تطلعات الأفراد وآمالهم وطرائق معيشتهم، بدلاً من أن تكون مجرد قوانين جامدة تُفرض على الناس فتسبب نفورهم وابتعادهم.
1122
| 01 يناير 2025
عند النظر إلى مسيرة ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، نجد أنه مثال حي بارز على مفهوم قيادي حديث ألا وهو مفهوم القيادة التحويلية. فمنذ توليه المنصب، قاد تحولًا ثقافيًا داخل الشركة، مشجعًا على الابتكار والتعلم المستمر والتعاون، وقام بالتركيز على تطوير عقلية النمو والتكيف مع التغييرات التكنولوجية السريعة، مما أعاد لمايكروسوفت مكانتها الرائدة في السوق، ومن مقولاته: "إذا كانت أفعالك تُلهم الآخرين للحلم أكثر، والتعلم أكثر، والعمل أكثر، وأن يصبحوا أفضل، فأنت قائد بحق". تظهر أهمية القيادة التحويلية كمنهج فعّال لتحقيق النجاح والإلهام، فالقائد التحويلي ليس مجرد شخص يُصدر الأوامر، بل هو فرد قادر على إحداث تغيير إيجابي عميق في فريقه ومحيطه، فهو القيادي الذي يمتلك رؤية واضحة ويستطيع تحفيز الآخرين لتحقيق هذه الرؤية من خلال الإلهام والتوجيه المستمر. ومن ميزات القائد التحويلي هي قدرته على رؤية المستقبل والتخطيط له، فهو لا يكتفي بمواجهة التحديات اليومية الروتينية، بل يسعى إلى بناء إستراتيجية طويلة الأمد مما يتطلب هذا النوع من القيادة مرونة في التفكير وقدرة على الابتكار، حيث يعمل القائد الذي ينتهج النهج التحويلي على تشجيع فريقه على التفكير خارج الصندوق ومواجهة المشكلات بطرق غير تقليدية، لأنه ببساطة يُقدّر الإبداع ويمنح الأفراد مساحة للتعبير عن أفكارهم وتطوير مهاراتهم. وأيضا من أهم صفات القائد التحويلي هي قدرته على بناء الثقة بينه وبين فريقه، فهو يستمع بإنصات، ويهتم بمشاعر الأفراد واحتياجاتهم، ويظهر تعاطفه معهم. وهذا النوع من التفاعل الشعوري يُشعر الفريق بقيمتهم ويعزز ولاءهم وحماسهم للعمل دائما، ونجد أنه عندما يشعر الأفراد بأن قائدهم يهتم بنجاحهم الشخصي، فإنهم يبذلون جهدًا مضاعفًا لتحقيق أهداف الفريق إرضاء للقائد الذي زرع الثقة فيهم كرد للجميل. أما بالنسبة لخاصية الشجاعة في اتخاذ القرارات الصعبة، فنجد أن القائد التحويلي لا يخشى المخاطرة عندما يكون ذلك ضروريًا لتحقيق تقدم حقيقي في مؤسسته أو منظمته، وقراراته تأتي بناءً على تحليل دقيق وتفكير عميق، وليس بشكل عشوائي. فهذه الشجاعة الإدارية القيادية، إلى جانب الحكمة الذاتية والتروي، تضمن أن يكون القائد مصدرًا للإلهام والاحترام. وعلاوة على ذلك، يعمل القائد التحويلي على تطوير قادة آخرين داخل فريقه ونقل خبراته لهم، لذلك فهو لا يسعى إلى أن يكون الوحيد المتمكن الذي يقود، بل يسعى إلى تمكين الآخرين وإعدادهم لتحمل المسؤوليات في قابل الأيام، فهذا الأسلوب يخلق بيئة عمل ديناميكية ويضمن استمرارية النجاح المؤسسي حتى في غياب القائد، كما يعزز الإحساس بالمسؤولية الفردية ويشجع الجميع على الإبداع والمبادرة. فالتطور الشخصي والمهني ضروري لمواكبة التحديات الحديثة في أعين القادة التحويليين، فهو يُحفز الفريق على تطوير مهاراتهم واكتساب معرفة جديدة باستمرار، وذلك الأمر جدير بأن يؤدي إلى تحسين الأداء الجماعي ورفع مستوى الإنتاجية. فإذا كنت تسعى لتكون قائدًا تحويليًا، فعليك أن تبدأ بتطوير نفسك أولاً، ثم تسعى لتمكين من حولك وتحفيزهم، كن ذلك الشخص الذي يرى الإمكانيات الكامنة في الآخرين ويساعدهم على تحقيقها، وتذكر أن القائد التحويلي لا يُغيّر فقط نتائج العمل، بل يُغيّر حياة الأفراد نحو الأفضل، ويترك أثرًا دائمًا فيبيئتهومجتمعه.
867
| 25 ديسمبر 2024
لا ينكر عاقل أن الأزمات السياسية تعد واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الحكومية العربية، إذ تؤثر على الأداء الإداري والمؤسسي للحكومات العربية، وتنعكس سلبًا على الكفاءة والفعالية داخل هذه المنظمات. وهذه الأزمات تتنوع ما بين صراعات سياسية داخلية، أو تغييرات حكومية متكررة، أو حتى ضغوط خارجية من قبل القوى العالمية المؤثرة في القرارات العربية فتُعطل استقرار العمل الإداري الحكومي، مما يمتد تأثيره ليشمل جميع مستويات الإدارة بدءًا من الموظفين الصغار وصولًا إلى القيادات العليا. ففي أوقات الأزمات السياسية الحادة، تصبح عملية اتخاذ القرار السياسي والإداري بطيئة وغير فعالة، حيث يتردد المسؤولون في المنظمات والمؤسسات العربية في اتخاذ قرارات حاسمة خوفًا من ردود فعل غير متوقعة أو تغييرات قد تهدد مناصبهم أو منافعهم أو وجودهم التنظيمي، مما يؤدي إلى تأخير تنفيذ المشاريع وتعطيل تقديم الخدمات العامة، وبالتالي تراجع مستوى الخدمة وتقليل ثقة المواطنين في المؤسسة الحكومية. وعلى سبيل المثال، قد يتم تجميد مشروعات البنية التحتية أو تطوير المرافق الصحية والتعليمية بسبب التخوف من التبعات السياسية أو اتهامات بالفساد. كما تُعرِّض هذه الأزمات السياسية الموظفين لحالة من القلق وعدم الاستقرار الوظيفي لغموض الظروف السياسية، حيث يتسبب التغيير المتكرر وغير المنطقي في القيادات في خلق بيئة عمل غير آمنة نفسيًا بالنسبة للموظف العام. وهذا الوضع ينعكس سلبًا على دافعيتهم للعمل ويزيد من معدلات التسرب الوظيفي والإضرابات والاحتجاجات والتسخط الإداري، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تراجع الإنتاجية وحدوث أخطاء وتخبطات إدارية نتيجة قلة التركيز والضغط النفسي المتزايد على الموظف العام. وبالإضافة إلى ذلك، ينتشر الفساد الإداري بشكل أكبر خلال الأزمات السياسية، حيث تستغل بعض الفئات النافذة الوضع السياسي الهش لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة، وقد تُمنح العقود والمناقصات لشركات غير مؤهلة أو تفتقد الكفاءة، مما يهدر الموارد المالية ويقوّض جهود التنمية التي تسعى لها الأنظمة العربية. وأيضا نجد أن التوترات السياسية تجعل المؤسسات الحكومية تعاني من صعوبة التخطيط الاستراتيجي وصياغته، حيث تصبح السياسات متغيرة والأهداف غير ثابتة، مما يعوق وضع وتنفيذ خطط طويلة الأمد. وبدلاً من ذلك، ينصب التركيز على إدارة الأزمات الفورية والحالية، مما يحد من الابتكار والإبداع والتطوير الإداري ويجعل المؤسسات العربية غير قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية وتحسين جودة خدماتها ورسم خطوط السياسات العامة. وأيضا تؤدي الانقسامات السياسية إلى خلق صراعات داخلية بين الإدارات الحكومية، خاصة إذا كانت هناك انتماءات سياسية متضاربة أو محسوبيات أو شللية، وهذا يُضعف التعاون المؤسسي ويؤدي إلى تعقيد الإجراءات في المؤسسات ويفشل منظومة العمل الجماعي ويعطل المشروعات المشتركة. فالأزمات السياسية ليست مجرد تحديات عابرة؛ بل هي عوامل معقدة ومتشابكة تؤثر على بنية المؤسسات الحكومية العربية وأدائها اليومي. ومن الضروري أن تعمل الحكومات على تعزيز الاستقرار المؤسسي السياسي، وضمان استقلالية الإدارة عن الصراعات السياسية، وتبني معايير الشفافية والحوكمة الرشيدة أو الحكم الرشيد، وتوفير بيئة عمل تدعم الابتكار والعدالة، فالتغلب على هذه الأزمات السياسية يُسهم في بناء مؤسسات قوية قادرة على خدمة المواطنين بفعالية وتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز ثقة المجتمع في الحكومة ودعم استقرار الدولة وتقدمها.
660
| 18 ديسمبر 2024
صدر لي أول مؤلفاتي، وذلك في معرض الكتاب الدولي في الكويت الأسبوع الماضي والمعنون بالأرغونوميات Ergonomics، والذي لاقى ترحيباً في الأوساط الأكاديمية الإدارية المتعلقة بالدراسات التطويرية لبيئات الأعمال في المؤسسات العامة والخاصة العربية، و أيضا وجدت الكثير من القراء يتساءلون عن مفهومه وعن اسمه بالذات وما تاريخه. فيعود أصل كلمة الأرغونوميات (Ergonomics) إلى اليونانية، حيث تتكون من كلمتي «إيرغون» وتعني «العمل»، و»نومو» وتعني «القانون أو التنظيم»، فقد بدأ الاهتمام بهذا العلم في القرن التاسع عشر مع تطور الثورة الصناعية وزيادة الحاجة لتحسين ظروف العمل. وظهر المفهوم بشكل أكثر تنظيماً خلال الحرب العالمية الثانية، حيث تم استخدامه لتحسين وتصميم بيئات العمل المتخصصة بالآلات العسكرية وتسهيل استخدامها بفعالية أكبر عن طريق تحسين الظروف العمالية والعملية. وبعد الحرب، تطور علم الأرغونوميات ليشمل بيئات العمل المختلفة، ويهدف إلى تعزيز الإنتاجية وسلامة العاملين من خلال تصميم أدوات وأماكن عمل متوافقة مع القدرات البشرية. فالارغونوميات (Ergonomics) هو علم يهدف إلى تصميم بيئات العمل بحيث تتناسب مع قدرات الإنسان واحتياجاته، مما يعزز الإنتاجية ويقلل من الإصابات والإجهاد. ويدمج هذا المجال بين مبادئ الهندسة المعمارية وعلم النفس الإداري وعلوم الصحة والطب، لضمان أن تكون بيئات العمل آمنة وفعالة ومريحة. وتكمن أهمية الأرغونوميات في تعزيز الصحة والسلامة، والحد من المخاطر المرتبطة بالإصابات العضلية والهيكلية مثل آلام الظهر ومتلازمة النفق الرسغي، خاصةً في بيئات تتطلب تكرار الحركات أو الجلوس لفترات طويلة. وتسعى أيضا إلى زيادة الإنتاجية عن طريق تحسين تصميم مكان العمل يؤدي إلى تقليل التعب وزيادة كفاءة الموظفين، مما يؤدي إلى أداء أفضل في المهام. ومن فوائدها تحسين جودة العمل، فعندما يشعر الموظفون بالراحة ويقل تعرضهم للإجهاد البدني، فإنهم يكونون أكثر دقة واهتمامًا بالتفاصيل. ولا ننسى أهميتها في تقليل التكاليف، فتقليل الإصابات والأمراض المرتبطة بالعمل يساهم في خفض التكاليف المتعلقة بالتأمين الطبي وتعويضات العمال. ومن أهميتها النفسية تعزيز الرضا الوظيفي، فعندما تكون بيئة العمل المريحة والمصممة بعناية تعزز من شعور الموظف بالانتماء والرضا، مما ينعكس إيجابيًا على ولائه للمؤسسة. تتضمن ممارسات الأرغونوميات تصميم بيئات العمل بما يحقق الراحة والسلامة للعاملين. ومن تلك الممارسات تصميم أماكن جلوس مناسبة باستخدام كراسي تدعم أسفل الظهر وتسمح بتعديل الارتفاع لضمان وضعية جلوس صحية. وكما يُعد ترتيب محطات العمل أمرًا حيويًا، فمثلا، يجب وضع الشاشات على مستوى العين ولوحات المفاتيح في مستوى الكوع لتقليل التوتر العضلي. وتشجع ممارسات الارغونوميات على الحركة المنتظمة من خلال أخذ فترات راحة قصيرة للوقوف والتحرك، مما يخفف من أضرار الجلوس المستمر. وتركز بعض ممارسات الارغونوميات على الإضاءة المناسبة مما تخلق دورًا في تقليل إجهاد العين وتحسين التركيز، مع مراعاة تجنب الانعكاسات الضارة على الشاشات. ومن تلك الممارسات التدريب والتدرب على الوضعيات الصحيحة في تعزيز استخدام الأدوات بطرق آمنة، مع ضرورة استخدام أدوات مُصممة بعناية، مثل الفأرة المريحة ولوحات المفاتيح القابلة للتعديل، لتقليل الإجهاد الجسدي. فتطبيق هذه الممارسات يساهم في بيئة عمل صحية وأكثر إنتاجية. لذلك نجد أن الارغونوميات تلعب دورًا حيويًا في خلق بيئات عمل تُحسن من صحة العاملين وتزيد من كفاءتهم. وتطبيق ممارساتها يُعزز الإنتاجية ويقلل من المخاطر، مما يساهم في تحقيق أهداف المؤسسات العربية بطريقة مستدامة وفعالة.
525
| 11 ديسمبر 2024
عندما صعد الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - المنبر لأول مرة بعد مبايعته، ارتج عليه الكلام ولم يستطع الحديث، لكنه واجه الموقف بحكمة وقال عبارته الخالدة: «إنكم إلى خليفة فعول أحوج منكم إلى خليفة قؤول». بهذه الكلمات البسيطة، لخص عثمان بن عفان فلسفة القيادة الحقيقية التي تقوم على الفعل قبل القول، والعمل قبل الخطابة. فهذه العبارة تمثل جوهر القيادة الصامتة، حيث لا تُقاس الإنجازات فيها وفي ممارساتها بكثرة الحديث والتصريح الاعلامي، بل بقوة الأفعال وتأثيرها المستدام. وفي عالم القيادة والادبيات الإدارية العلمية، كثيرًا ما يُعتقد أن النجاح مرتبط بمهارات الخطابة وقوة التأثير بالكلمات، لكن التاريخ أثبت أن هناك قادة عظماء لم يعتمدوا على الخطابة، بل على العمل الصامت المدروس والممارسة الفعلية، وتركوا أفعالهم تصنع التغيير والحدث. من هؤلاء القادة على سبيل المثال الخليفة العربي الاموي عمر بن عبد العزيز، وزعيم الاستقلال الهندي المهاتما غاندي. فقد كان عمر بن عبد العزيز قائدًا صامتًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وبمجرد توليه الخلافة والسلطة السياسية في دمشق، شرع في تنفيذ إصلاحات جذرية بصمت وهدوء، دون الحاجة إلى إثارة الجماهير أو إطلاق الوعود والاستعراض الإعلامي على المنابر. فقد أعاد الحقوق إلى أصحابها، وألغى الضرائب الظالمة التي أثقلت كاهل العامة، وحرص على نشر العدل بين المسلمين وغير المسلمين. فأصبحت قوته الحقيقية لم تكن في كلماته، بل في أفعاله التي عكست حكمته وتواضعه. كان صمته أداة للتفكير العميق واتخاذ قرارات مدروسة جعلت منه رمزًا للقيادة العادلة والفعالة. وحتى إن عصره شهد ازدهارًا اجتماعيًا واقتصاديًا بفضل إصلاحاته، ما جعله نموذجًا يُحتذى به في التاريخ السياسي الإسلامي. أما غاندي، فقد قاد الهند إلى الاستقلال بأسلوب فريد يرتكز على فلسفة «اللاعنف»، فلم يكن غاندي خطيبًا صاخبًا، لكنه استطاع تحفيز الملايين بأفعاله الرمزية والبسيطة. فخلال «مسيرة الملح»، ترك غاندي أفعاله تتحدث عنه، حيث قاد الشعب الهندي بخطوات صامتة لكنها مفعمة بالقوة، وصمته لم يكن غيابًا للكلام، بل كان أداة للتأمل والتخطيط، مما جعله نموذجًا عالميًا للتغيير السلمي. فالصمت في القيادة ليس غيابًا عن التأثير، بل هي وسيلة فعالة للتأمل والتخطيط المدروس. فعثمان بن عفان، وعمر بن عبد العزيز، وغاندي وغيرهم أثبتوا أن القيادة الحقيقية تُبنى على الأفعال لا الأقوال، فهؤلاء القادة ألهموا الأجيال دون حاجة إلى صخب، وأظهروا أن الصمت قوة تُترجم إلى إنجازات ملموسة تغير مسار التاريخ.
729
| 04 ديسمبر 2024
الكتاب الذهبي ليس مجرد كتاب عادي يحتوي صفحات مطبوعة على أرفف مهجورة، بل هو بوابة استثنائية إلى عالم من الأفكار المتكاملة والقيمة، ونستطيع أن نعرف الكتاب الذهبي بذلك الكتاب الذي تختزل قراءته الكثير من الجهد، وتعوض عن الاطلاع على كتب عديدة في نفس مجاله والتي من شأنها ان تكون مشتتة أو مكررة، لذلك نجد أن هذا النوع من الكتب بمثابة جوهرة فكرية، تفيض بمعرفة مركزة تقدم للقراء زبدة الحكمة وخلاصة التجارب بأسلوب عميق وشامل و لا ننسى.. مباشر. فالكتاب الذهبي إذاً يتفرد بخصائص تجعله متفوقًا على غيره. أولاً، أن محتواه ليس عاديًا، فهو نابع من بحث معمق وتحليل مستفيض، مما يجعله مصدرًا غنيًا بالمعرفة الدقيقة. وثانيًا، أن لغته تجمع بين البساطة والعمق، مما يُسهل استيعاب الأفكار دون أن تفقد جاذبيتها أو أثرها الفكري. وأخيرًا، يركز الكتاب الذهبي على موضوع واحد أو مجال محدد بإحكام، يحيط به من كافة الزوايا، مما يحوله إلى مرجع لا غنى عنه لكل من يسعى للمعرفة الدقيقة في ذلك العلم أو الفن. ففوائد الكتاب الذهبي: أبعد من القراءة، فهي تختصر الزمن الذي يتسم بازدحام المهام وتشابك الاهتمامات، فيأتي الكتاب الذهبي كمنقذ لنا، حيث يختصر وقت القارئ الذي قد يضيع بين مئات المصادر المتكررة، ليقدم له أفضل ما يمكن الحصول عليه في صفحات معدودة. ومن فوائده: التعمق في الفهم، فهو يتجاوز هذا النوع من كتب التقديم السطحي للأفكار، ويساعدنا بأن نغوص في جوهر المواضيع والأفكار، إنه فعلاً يمنح القارئ فرصة لفهم الأمور بطريقة شاملة ومن زوايا متعددة. ومن فوائده الجمة أنه يساعد على إيقاظ العقل ونشاطه، بفضل ما يحويه من رؤى أصيلة وأفكار مركزة، فيحفز الكتاب الذهبي عقل القارئ على التفكير النقدي، ويعزز لديه القدرة على تحليل المفاهيم وإعادة صياغتها وفق رؤية شخصية. ومن الأمثلة الخالدة على الكتب الذهبية مثلا في مجال إدارة الأعمال والإدارة الحكومية، هناك كتب تُعد أساسية لكل من يسعى لفهم عميق وشامل لهذا العالم المعقد. ومن أبرزها يأتي كتاب «فن الحرب» لصن تزو، والذي يطرح استراتيجيات مرنة تُستخدم في التخطيط واتخاذ القرارات، متجاوزًا طبيعته العسكرية ليصبح دليلًا لريادة الأعمال، يليه كتاب «من جيد إلى عظيم» لجيم كولينز، والذي يكشف عوامل النجاح للشركات المتميزة، وكتاب «استراتيجية المحيط الأزرق» لدبليو. تشان كيم ورينيه موبورن، والذي يقدم أساليب مبتكرة لخلق أسواق جديدة بعيدًا عن المنافسة التقليدية. وأما في الإدارة الحكومية، يبرز كتاب «إعادة ابتكار الحكومة» لديفيد أوزبورن وتيد جابلر، والذي يناقش كيفية تحويل الحكومات إلى كيانات أكثر مرونة وكفاءة من خلال استراتيجيات القطاع الخاص. إذاً كيف تختار كتابك الذهبي؟ لعله السؤال الذي يتبادر الى ذهن القارئ الآن، إذ ليس كل كتاب يُعتبر ذهبيًا للجميع، فالاختيار يعتمد على احتياجات القارئ وأهدافه ونوع العلم الذي يريد الإبحار فيه، فيمكن العثور على هذا النوع من الكتب عبر التوصيات الموثوقة، أو البحث عن أبرز أعمال المؤلفين المتميزين في المجالات ذات الاهتمام والأهم من ذلك استشارة المتخصصين في كل مجال على حدة.
1053
| 27 نوفمبر 2024
لطالما كان الطموح نحو المعالي سمة من سمات العظماء في تراثنا العربي، فالطموح إلى القمم هو ما يميز قادة الأمم وصُنّاع التاريخ، إذ لم يكن الوصول إلى المناصب العليا يومًا مجرد مطلب دنيوي، بل كان طريقًا لتحقيق الإصلاح وترك الأثر. ومن سيرة أصحاب المناصب العليا، نجد أن الإصرار والعمل الجاد كانا مفتاحي الارتقاء. فكما تسلّق الإنسان العربي قمة المجد في الحضارات القديمة بعزيمته، كذلك اليوم لا تزال «المناصب العليا الإدارية» متوقدة في ذهنية أصحاب الطموح الوظيفي. وفي بيئة العمل الخليجية المتسارعة، يبرز الموظفون الذين يتبنون أساليب جديدة ومبتكرة للتميز والارتقاء. وهذا التميز يتطلب مزيجًا من المهارات الشخصية والمهنية التي تجعل منك قائدًا مؤهلاً للوصول إلى تبني المسؤوليات الإدارية. وفي عالم الإدارة، يذكر مفكرو هذه المدرسة أنه لا يكفي أن تكون خبيرًا فنيًا في مجالك، بل يجب أن تمتلك المهارات الناعمة مثل القيادة، والعمل الجماعي، والتواصل الفعال. ويعد الذكاء العاطفي مثلا أحد العناصر الأساسية التي تمكنك من بناء علاقات قوية مع فريقك وزملائك. وتتعلم كيفية فهم مشاعر الآخرين وإدارتها بشكل متوازن يسهم في خلق بيئة عمل منتجة ومتناغمة. فالتعلم المستمر هو المفتاح للبقاء متميزًا في سوق عمل يشهد تغيرات متسارعة، ولم يترك لنا عصر التكنولوجيا وقتا لالتقاط الأنفاس، فيجب أن تسعى لاكتساب مهارات مستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات وغيرها. وللوصول إلى المناصب الإدارية، عليك تبني عقلية القائد قبل أن تحصل على المنصب. ابدأ بتولي مسؤوليات إضافية والمشاركة في وضع إستراتيجيات تساعد في نجاح فريقك. وتذكر أن المبادرة في العمل وإيجاد حلول مبتكرة للمشكلات دليل على قدرتك على تحمل المسؤوليات الأكبر، وخاصة في بيئة العمل الخليجية التي تعتمد بشكل كبير على التواصل الشخصي. كن حاضرًا في الفعاليات والمؤتمرات المهنية، وابحث عن مرشد إداري وحكيم وظيفي يشاركك خبراته ويوجهك نحو النجاح. وتذكر بأن القادة الناجحين هم الذين يفكرون بطريقة إستراتيجية ويقدمون حلولاً مبتكرة تلبي احتياجات المؤسسة، وقدم دائمًا أفكارًا جريئة ولا تتردد، ولتكن مدروسة لتثبت قدرتك على تحقيق أهداف المؤسسة بأسلوب مبتكر واستثنائي. وبينما تطمح للوصول إلى المناصب العليا، لا تنس أبدا أن التواضع صفة وسمة بشرية عالية السمو وأساسية لأي قائد يريد أن يسمو بجناحيه، جناح الارتقاء الأخروي وجناح الارتقاء الدنيوي وأن تحقيق العدالة التنظيمية ونشر الخير في بيئة العمل هو من أعمال القياديين الاستثنائيين.
672
| 20 نوفمبر 2024
الحكم ليس مجرد ممارسة نظامية للسلطة، بل هو فن يكتسب قدسيته عندما يرتبط برضا الشعب ويحقق لهم الأمان والعدل، ففي لحظات الاستقرار الحقيقية، تتشابك آمال الحاكم وطموحات شعبه وتلتقي في بوتقة من التوافق والثقة. وهذه اللحظة النادرة، تكون عندما يختار الحاكم أن يسير بين الناس، وأن يعايشهم ويلامس احتياجاتهم بصدق أبوي، حينما يتحول الحكم إلى عهد من الشفافية والمساءلة، وعندما تُصاغ القرارات برؤية بعيدة المدى تراعي خصوصيات كل مجتمع، تتشكل أسس متينة للثقة التي تمنح الشعوب الأمل وتغرس فيهم شعور الرضا عن سلطتها. فالحكم الرشيد هو الأساس الذي يضمن استقرار الشعوب وازدهارها، فهو يجمع بين الإدارة الفعّالة والشفافية، ويعزز من العلاقة بين الشعب والحاكم عبر تحقيق الرضا المتبادل. فعندما يشعر الشعب أن حكامه يراعون مصالحه ويتعاملون بصدق وعدالة، يتولد شعور بالثقة والتعاون الذي يسهم في بناء مجتمع متماسك ومستقر. ويمثل الرضا الشعبي تجاه الحاكم جوهر هذا الاستقرار، إذ يتحقق عبر استماع القادة لمطالب الناس، وتلبيتها بطرق تعكس الشفافية والمشاركة الشعبية في صنع القرار. ومن هنا، فإن تحقيق الحكم الرشيد لا يتطلب فقط الالتزام بالشفافية، بل يستوجب تبني أسلوب حكم يتوافق مع خصوصيات كل مجتمع، فهو يتطلب احترام الثقافات المحلية والتاريخ الاجتماعي، والعمل على تصميم سياسات تتناسب مع هذه الخصوصيات. فكل مجتمع يتميز بتحدياته وأولوياته، ويتطلب نمطاً للحكم يتكيف مع طبيعته الفريدة. فلذلك، فإن اعتماد نماذج حكم جاهزة دون مراعاة السياق المحلي غالباً ما يؤدي إلى مشكلات وصراعات، وقد أظهرت التجارب التاريخية أن فرض سياسات غير ملائمة قد يزيد من مشاعر الاستياء الشعبي ويعوق التنمية المستدامة. ففي هذا السياق، يُعد الحكم التشاوري نموذجاً فعالاً لتحقيق الرضا بين الشعب والحاكم، إذ يمنح المواطنين فرصة للتعبير عن آرائهم ويسهم في بناء الثقة، كما أن إشراك الشعب في اتخاذ القرارات يضمن تحقيق العدالة، حيث يُعتبر صوت الشعب في توجيه السياسات التي تؤثر على حياتهم عنصراً أساسياً لتلبية احتياجاتهم بطرق فعّالة ومستدامة. فإن الحكم الرشيد ليس مجرد إطار سياسي، بل هو أسلوب للحياة والعمل يعتمد على العدالة في توزيع الموارد والثروات الوطنية، وتوفير فرص متساوية للمواطنين، وتعزيز البيئة المستدامة. ومن خلال النظر إلى كل شعب كحالة خاصة والعمل على تحقيق رفاهيته بما يتناسب مع إمكانياته وظروفه، يكون الحكم الرشيد قد حقق التوازن بين التنمية والعدالة، وجعل الرضا المتبادل بين الشعب والحاكم ممكناً، ما يحقق الاستقرار والازدهار المستدام للمجتمعات.
603
| 13 نوفمبر 2024
في عالم قد تغلب فيه المظاهر على الحقائق، يظهر الصدق كقوة شفافة لدى الآخرين فتزيل الأقنعة وتظهر الإنسان على حقيقته. ومن تلك المشاعر التي يدعيها من يدعيها « حب الوطن، والإخلاص له»، فلا تكفي إن بقيت حبيسة الأفواه وإن تغنى بها من تغنى، بل تحتاج لأفعال تترجمها وتدعمها. فحين تكون مشاعر الإنسان صادقة، فإنها تجد طريقها إلى الواقع عبر الأفعال التي تجسد تلك المشاعر بوضوح وجلاء. فالأفعال هي الشاهد الصامت على ما يختلج في القلوب، تكشف بوضوح عن نوايا الإنسان وأصالته. فالذي يدعي الانتماء الوطني وهو شعور الموظف بالفخر والولاء لوطنه، فإن كان صادقاً في ذلك فإن ذلك الشعور يولد لديه دافعًا قويًا لخدمة مجتمعه وإثبات كفاءته من خلال عمله. فقد أظهرت الأبحاث أن الانتماء الوطني يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على أداء الموظفين من خلال تعزيز ارتباطهم بالمؤسسة ودفعهم لبذل أقصى جهد ممكن في أداء واجباتهم. ويعكس هذا التأثير مفهوم الهوية الوطنية لديهم. فالموظف الذي يرتبط بوطنه ارتباطا صادقا يرى أن نجاحه الشخصي يُعتبر جزءًا من نجاح المجتمع ككل، مما يعزز لديه الالتزام والمسؤولية نحو تقديم أداء متميز. وتشير دراسات قامت بها مراكز متخصصة في دراسة السلوك السياسي وعلاقته بالعمل والانتاجية لدى المواطنين بأن الموظفين الذين يملكون انتماءً وطنيًا عميقًا يتميزون بمستويات عالية من الإنتاجية والإخلاص، حيث يرتبط هذا الانتماء بزيادة الشعور بالمسؤولية تجاه جودة العمل. وكم هو جميل أن تُشجع الحكومة على تعزيز الانتماء الوطني من خلال المبادرات التعليمية والثقافية، فتخلق لدى الموظف دافعية قوية لتطوير مهاراته والمساهمة في تحقيق أهداف وطنه التنموية. وقد يُواجه الموظف تحديات عدة تؤثر على مستوى أدائه، مثل الضغوط المهنية أو قلة الموارد. ومع ذلك فإن المؤسسات الحكومية التي تعزز الانتماء الوطني في موظفيها، لديها قدرة أكبر على مساعدة الموظفين على تخطي هذه التحديات، من خلال توفير بيئة عمل داعمة تشمل برامج تطوير مهني وأنشطة تشجع على تعزيز الولاء والانتماء. لذلك تجد من المواطنين من قد يُضحّي بفرص مالية أكبر أو امتيازات شخصية غير قانونية ولا يمنعه من ذلك الا بعد ديني أو ضمير يقظ أو وطن يشعر بأن خيانته من أعاظم الأمور. وفي ذلك يعبر أبو تمام يعبر عن أهمية صدق الأفعال على صدق الأقوال: «لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ فلم يبقَ إلا صورةُ اللحمِ والدمِ»
402
| 06 نوفمبر 2024
يذكر أحد الفلاسفة واصفاً "الكلمة" ومفهومها بقوله: "تكلم حتى أراك. فالكلمات تكشف عن جوهر الشخص كما تنكشف المعادن عند صهرها." وقال آخر عن الكلمة المؤثرة: "الكلمات ليست سوى إشارات ومجازات، ولكنها تحمل في طياتها قدرًا كبيرًا من القوة والتأثير". الكلمة.. تلك الوحدة اللغوية التي تبدو في تراكيبها وصوتها بسيطة، ولكنها تحمل في طياتها قوة عظيمة قادرة على التأثير في أعمق أعماق النفس البشرية. فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل أو التعبير فحسب، بل هي مفتاح إلى العوالم الداخلية للبشر، تفتح أبواب العواطف، تُحيي الذكريات، وتشكل القيم والمعتقدات. فالكلمة، كالسهم، قد تصيب القلب بالحب والدعم، أو تجرحه بشوكة النقد والتقليل من الشأن، مما يجعلها أداة يتحكم بها الإنسان العاقل، لكنها تمتد بتأثيراتها إلى أبعد من قدرته على التنبؤ أو السيطرة. حينما ننطق بكلمة إيجابية محملة بالأمل تجاه الآخرين، فإننا نزرع بذورًا طيبة في تربة النفس لديهم. فهذه الكلمات تجد طريقها إلى قلوب الآخرين، فتُنعش أرواحهم، وتعزز ثقتهم بذواتهم، وتجعلهم يرون العالم من زاوية أكثر إشراقًا وتفاؤلاَ. إن الكلمة الجميلة هي كبذرة الحب، كلما تكررت سقيها بالتشجيع والرعاية ومواصلة الرعاية، فإن شجرتها تنمو وتستمر بالنمو الذي يدعم الفرد، وتحميه من العواصف، وتظلله حين تشتد عليه مشاق الحياة. فالكلمة العطوفة التي تملأ الروح بالأمان، أو التشجيع الصادق الذي يمنح أجنحة للخيال والطموح، تبث الحياة في النفس وتدفعها للارتقاء فوق القيود التي وضعها البشر. وعلى النقيض، فإن للكلمة الجارحة حضورًا ثقيلًا وأثرًا لا يُمحى بسهولة. إنها مثل السهم المسموم الذي يترك جرحًا عميقًا لا يندمل بسهولة، مهما حاول الزمن محوه. الكلمات القاسية تدمر النفس من الداخل، تغلق أبواب الأمل، تاركة فراغًا لا يسهل ملؤه بعد فراغه. فالفرد الذي يسمع كلمات تستهين بقدراته يتوارى في ظلال الشكوك ويعيش في رهبة من نظرة الآخرين، وقد يظل عالقًا في دائرة النقد الذاتي واللوم. هذا الأثر يتعاظم خصوصًا في مرحلة التنشئة ويبقى حمل عبئها في وعي الناشئة طيلة الأيام. فالكلمة مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق كل إنسان، لأنها تملك القدرة على تشكيل واقع حياتنا اليومية ومزاجنا وقدرتنا على مقاومة المصائر، وتصنع قالبنا النفسي كما لو كانت نحاتًا يشكل منحوتة خفية. فإن علمنا وزدنا وعيا بأثر الكلمة، نقترب من إدراك أعمق لحقيقة الإنسان وأن حياته مرهونة بما ينطق وبما يتحدث به، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم".
669
| 30 أكتوبر 2024
في تراثنا العربي الكبير، تزخر الأشعار والحِكم بإبراز فضائل «القائد القدوة»، الذي لا يقود بالسلطة فقط ويكتفي بها، بل يسعى لتكون أفعاله منارة تُهتدى بها ويقتدي بها أتباعه. فالقائد القدوة هو من يتقدم الصفوف في الشدائد، ويكون في تواضعه وكبريائه ميزانًا للعدل والعدالة. فقد قال أحد الحكماء: «القائد الحق هو من يجعل من نفسه مرآةً، يرى فيها أتباعه طريقهم». فكم هو أمر جميل أن يلهم القائد الآخرين بأفعاله فيبني جسور الثقة بينهم، ويزرع في نفوسهم العزيمة والإخلاص. فلا عجب أن تقوم الإدارة الحديثة وعلم القيادة الحديث بالبحث مليا في فكرة «القائد القدوة Leadership by Examples «، فالإدارة بالقدوة تُعد واحدة من أقوى أساليب القيادة وأكثرها تأثيرًا في بيئات العمل المختلفة. ويعتمد هذا الأسلوب على أن يتصرف القائد بشكل يعكس القيم والسلوكيات والمبادئ التي يتوقع من موظفيه وأتباعه أن يلتزموا بها، بدلاً من الاكتفاء بإصدار الأوامر أو التوجيهات اللفظية، فيقوم القيادي بتقديم نموذج حي ومشاهد للسلوك المهني المنضبط، مما يجعل الموظفين يتبعون نهجه بحافز ذاتي. هذا النهج يعزز القيم التنظيمية مثل النزاهة، الالتزام، والتفاني في العمل. ونرى فيمن يمتلك هذه الخصلة أنه يُظهر صفات مثل الاجتهاد والحرص على تحقيق الأهداف التنظيمية. فعندما يشاهد الموظفون قائدهم يتحمل المسؤولية بشكل كامل ويهتم بالتفاصيل، فإنهم يشعرون بالدافع للعمل بجدية وبنفس الروح. هذا الأسلوب لا يقتصر ولا يرنو إلى زيادة الإنتاجية فحسب، بل يساهم أيضًا في تعزيز الولاء التنظيمي والانتماء للمؤسسة، حيث يشعر الموظفون بأنهم جزء من فريق يُقدّر جهودهم. الإدارة بالقدوة مقام فريد، يتطلب من القائد أن يكون مستعدًا دائمًا للعمل الجاد والحيوي وتقديم مثال يحتذى به، سواء في الأوقات العادية أو خلال الأزمات والكوارث. ونجد بعض الأبحاث تشير إلى أن الموظفين يستجيبون بشكل أكثر فعالية للقيادة التي تعتمد على الأفعال أكثر من الأقوال، فعندما يتصرف القائد بما يتفق مع ما يطلبه من الآخرين، يُظهر التزامه بالقيم التي يروج لها، مما يعزز من ثقافة العمل القائمة على الانضباط والجدية. هذه البيئة تساعد على تقليل مستويات التوتر والصراعات الداخلية، حيث يلتزم الجميع بالمعايير نفسها. لذلك نعلم يقيناً، أن الإدارة بالقدوة لا تؤدي فقط إلى تحسين أداء الأفراد، بل تساهم في بناء ثقافة تنظيمية قوية ومستدامة، مما يجعل المنظمة والمؤسسة أكثر مرونة في مواجهة التحديات المستقبلية، ويعزز التفاني والالتزام في صفوف الموظفين والأتباع.
1908
| 23 أكتوبر 2024
من المقولات الرائجة لجون ماكسويل أنه قال: «أنت لن تغير حياتك إلا إذا قمت بتغيير شيء تفعله يوميًا، فسر النجاح يكمن في الروتين اليومي». انطلاقا من هذه الكلمة نجد أن هذه الفكرة تتناغم بعمق مع الحكمة القديمة لأرسطو وما قاله: «نحن ما نفعله باستمرار، فالسؤدد ليس فعلاً، بل هو عادة للإنسان». فالعادات الصغيرة المتكررة هي التي تصنع مسار حياتنا، وتحول الطموحات إلى إنجازات ملموسة. وكنا كثيرًا ما نعتقد أن إحداث تغييرات جوهرية في حياتنا يتطلب جهودًا ضخمة وتحولات جذرية مرهقة، لكن الحقيقة الجميلة أن أكبر التأثيرات والتحولات الكبرى في حياة الآخرين يمكن أن تنبع من تغييرات صغيرة وبسيطة تُعرف بـ»العادات الدقيقة». فهذه العادات تتجسد في خطوات يومية بسيطة جدا، ولكن تزداد قوتها وتأثيرها بمرور الوقت عندما تُمارس بانتظام ملاحظ، مما يخلق تحولاً إيجابيًا مثمرا دائمًا في حياة الناس. فالعادات الدقيقة هي تلك «التغييرات الصغيرة التي يمكن دمجها بسهولة في روتين الحياة اليومي دون الحاجة إلى جهد كبير»، مثل ممارسة دقيقة واحدة من التنفس العميق قبل بدء العمل أو التفكير في اتخاذ قرار، أو شرب كوب من الماء فور الاستيقاظ وغير ذلك، فبالرغم من بساطتها، إلا أن هذه العادات البسيطة تكتسب تأثيرًا قويًا بفضل تكرارها، لتصبح أدوات فعّالة في تحقيق تحولات إيجابية على المدى الطويل. فنلاحظ أن المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه العادات الدقيقة هو مبدأ «التراكم»؛ حيث تزداد تأثيرات الأفعال الصغيرة بمرور الوقت والزمن، لتشكل في نهاية المطاف عادة ثابتة تترك أثرًا كبيرًا على حياتنا ويكون ملموسا. فمثلاً، إذا قررت قراءة صفحتين من كتاب كل يوم، ستنتهي بقراءة أكثر من 700 صفحة خلال السنة دون أن تشعر بأي إرهاق أبدا. فإن هذه القوة التراكمية تجعل من العادات الدقيقة وسيلة فعّالة لتحقيق أهدافك الكبيرة بخطوات صغيرة وثابتة. وتشير بعض الأبحاث في هذا المجال إلى أن نجاح العادات الدقيقة يعتمد على سهولتها وقدرتها على الاندماج في سلوكياتنا اليومية دون الحاجة إلى إرادة قوية لإدخالها ضمن جدول الفرد اليومي. فهذا الشعور بالإنجاز البسيط يحفزنا على الاستمرار والتقدم نحو تحقيق التحسين الذاتي اليومي. فعندما نرى نتائج ملموسة ومشاهدة أمام أعيننا، حتى وإن كانت صغيرة، فإنه تتولد لدينا الرغبة في المضي قدمًا نحو تحقيق المزيد والمزيد من الأهداف وتثبيت العادات الجيدة. ولكي تبني العادات الدقيقة في حياتك أيها القارئ، ابدأ بتحديد أهدافك الكبرى في ورقة، ثم قسمها إلى خطوات صغيرة واضحة ولها زمن محدد في بدياتها ونهايتها، وأن تكون أقرب إلى السهولة في التنفيذ قدر الاستطاعة، واعتمد على تقنية «دمج العادات» من خلال دمج العادات الجديدة مع أخرى قائمة بالفعل، كإجراء تمرين التنفس العميق أثناء شرب قهوتك الصباحية. فمن الجيد اكتساب تلك المهارة: «العادات الدقيقة»، فبالرغم من بساطتها، إلا أنها قادرة على إحداث تغييرات جوهرية في حياتك أيها القارئ إذا ما ارتبطت بالاستمرارية والالتزام.
2022
| 16 أكتوبر 2024
مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال...
10554
| 30 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية...
2571
| 30 مارس 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها...
1824
| 02 أبريل 2026
يجب أن أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن...
1572
| 31 مارس 2026
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في...
1317
| 31 مارس 2026
«اسمعوها مني صريحةً أيها العرب: «بالإسلام أعزَّكم الله»...
1254
| 02 أبريل 2026
حين ننظر للأرقام بهدوء… تتضح الصورة أكثر. إجمالي...
1110
| 02 أبريل 2026
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.....
1050
| 30 مارس 2026
يا له من بؤس ذلك الذي يقتاته أولئك...
903
| 31 مارس 2026
عندما تمر المجتمعات أو الدول بأزمات، لا يعيش...
897
| 02 أبريل 2026
«ما حكَّ جلدك مثلُ ظفرك.. فتولَّ أنت جميع...
819
| 29 مارس 2026
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتحتدم فيه الصراعات...
804
| 01 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل