رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نقترب من نهاية ديسمبر. أراه منذ سنوات طويلة وقد اختلف في مصر، عما كان في سنوات استمرت حتى التسعينات من القرن الماضي. أتذكر ديسمبر محاولا الابتعاد عن السياسة. السياسة التي يطول فيها الكلام، ولا ينتهي بين الأمل والرجاء. قرأت عشرات الكتب القديمة في التاريخ، ورأيت تقريبا كل آثار مصر القديمة في جنوب وشمال البلاد، وعرفت كيف كان مجال مصر الحيوي، يمتد عبر مئات السنين، إلى الشام وأثيوبيا ومنابع النيل. ليس مهما السيادة العسكرية، لكن قوة التأثير واستعداد مصر، لمقاومة ما يمكن أن يؤذيها من تغيرات في هذا المجال. صار هذا حلما ضائعا، ومن ثم أعود إلى ديسمبر حين كان الشتاء حقيقيا، وأتمنى أن لا تقفز السياسة الداخلية حين نتحدث عن الطبيعة، لكن للأسف كثير يأخذك إلى الأسى وقليل إلى الجمال. في ديسمبر نوَّات من المطر والرياح لا ينساها الكبار من أهل الإسكندرية. نوَّات الإسكندرية التي كانت تبدأ بنوَّة "المكنسة" في نوفمبر، والتي حملت اسمها من قوتها، لأنها كانت تكنس الأرض من فرط المطر، وانتظار البالوعات له في شوق من عام إلى عام. في أول ديسمبر كانت تأتي نوَّة "قاسم"، وفي التاسع عشر أو العشرين نوَّة الفيضة الصغرى، ثم نوّة رأس السنة مع بداية يناير، وتستمر النوَّات حتى نوَّة "عوَّة" في آخر مارس، وهي النوَّة التي حملت اسمها من عواء الرياح فلا مطر. هي آخر النوَّات. والمثل السكندري يقول "نوَّة عَوَّة ما بعدها نوَّة ". المطر خير. هذا تراث الشعوب كلها، وأبرز مظاهره حين ينقطع صلاة الناس للاستسقاء. اختلفت النوَّات فصار غيابها أكثر من حضورها، ويشكو الناس أحيانا من شدة المطر فأضحك. لم يأت ذلك من فراغ، فالمناخ تغير في العالم، لكن في مصر ازداد تغيره مع ردم مساحات كبيرة من البحيرات الكبرى، مثل بحيرة مريوط وإدكو والمنزلة وغيرها، لبناء مصانع ومجمعات سكنية، فما بقي منها لا يتجاوز مساحات قليلة، وذلك ما جعل التوازن البيئي يختل أكثر. كانت الرياح القادمة إلى الإسكندرية مثلا من الغرب، تمر ببحيرة مريوط فتحمل المطر والدفء معها. الإسكندرية لمن يعرفها كانت دافئة في الشتاء. أسمع في النشرات وعلى صفحات السوشيال ميديا تحذيرات من المطر، فأضحك لأنه حين يأتي لا يتجاوز الساعة، وأتذكر أياما كان يستمر فيها المطر نصف الليل أو النهار. تغير ديسمبر ولم أعد أتذكر النوَّات معه، لكنه يحمل معه نوّات أخرى، فلا زالت الأحكام تتجدد للمحبوسين احتياطيا من كتاب ومفكرين وفنانين وغيرهم. ولقد حدث ذلك هذا الشهر أكثر من مرة. هذه النوّات التي صارت تتجدد، وتحل بهم وبالوطن كل خمسة وأربعين يوما. أتساءل إلى هذا الحد لا يريد الوطن الدفئ بأبنائه النابغين. أقول ساخرا هل أفسدنا الشتاء بالتغير البيئي، لنصنع نوَّات من الحبس في السجون. لا علاقة بين النوَّات الطبيعية والحبس، لكن كل من يعانيه من أفراد أو أهل أو أحباء، يعرف أنها النوَّات التي لا يرسلها المناخ الطبيعي. هو المناخ السياسي الظالم الذي لا يعرف أحد متي تنتهي نوَّاته، التي صارت للأسف تشمل الصيف والشتاء. هكذا كما صار لدينا شتاء تساوى مع الصيف في المناخ، ساوت النوّات السياسية المتكررة بين فصول العام. بل وشهوره. يمكن للبشر أن يتحملوا تغير الطبيعة ويستعدون له، لكن كيف يتحملون نوَّات السياسة المتكررة. كان فصل الربيع يشهد رياح الخماسين المتربة، لكنه يظل ربيعا تتفتح فيه الزهور، والآن رياح الخماسين تأتي بها السياسة الداخلية طول العام.
1389
| 18 ديسمبر 2024
كل ما رأيناه في سوريا الحبيبة بعد فتح السجون، وإخراج المعتقلين عبر عشرات السنين، كنا نعرفه. لكن أن نراه بأعيننا فلا تنتهي الدموع. أتذكر رواية الكونت دي مونت كريستو الذي سجنوه في قبو، والتي تحولت إلى فيلم مصرى لأنور وجدي هو «أمير الانتقام». كيف حين خرج وقتل أول من خانه هتف «الأول». لا أجد طريقة أخفف بها على نفسي غير تذكر التاريخ ودروسه. لكن الطغاة على مر التاريخ لا يفهمون أن هناك دائما أولا وثانيا وثالثا، سوف يتم الخلاص منهم مهما طال الزمن. الطغاة يجعلون بلادهم قبوا يسجنون فيه الشعوب، ويبنون قصورهم فوق القبو. لا يشمون حتى رائحة الموتي. أكثر من خمسين سنة قام فيها الأسد الأب وابنه بشار بقتل مئات الآلاف من الشعب السوري العظيم بالطائرات وبراميل الكيماوي، وملأ سجونه بعشرات الآلاف منهم، وتسبب الأخير في هجرة أكثر من خمسين بالمائة من الشعب، وفتح الباب لتدخل دول أخرى فانقسمت سوريا بينها، ولم يدرك أي منهما أنه لا بد من يوم محتوم تترد فيه المظالم. استطاع القاتل البشع بشار أن يهرب إلى روسيا، بينما كان مصيره الحقيقي أن يتم شنقه في ميدان عام. لا يفهم الطغاة أن الشعوب مثل طائر الفينيق، كلما تصوروا أنهم قضوا عليها، عادت إليها الروح وطارت محلقة في السماء. هذا سيحدث يوما في غزة التي يحاصرها ويقوم بالإبادة لشعبها الطغاة الصهاينة، وكل من والاهم من طغاة العالم. لا يعني انشغالنا بسوريا أننا نسينا غزة. لا معنى لأي حوار الآن عن سوريا يشوبه الخوف مما سيأتي، فالشعب الذي اقتحم السجون يضع قدمه على الطريق الصحيح، ولن يحدث شيء بفظاعة ما حدث من قبل. ليس هناك معنى للخوف من قوات الحشد الشعبي أو هيئة تحرير الشام لأن أصولهم داعشية. وسواء كان زعيمهم أحمد الشرع على حق في حديثه عن تطورهم الفكري أم لا، فالشعب السوري لن يسمح لداعش أن تتولى زمام الحياة. تلك مرحلة لن ينسى السوريون دروسها. ولن يبرر لداعش أن تعود لبيع النساء في الأسواق أن معتقلات الأسد كانت حافلة بالنساء. النساء اللاتي لا أعرف ما سر غرام الطغاة بقتلهن أو سجنهن أو اغتصابهن. النساء قوارير الأرض كما وصفهن رسولنا الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وأوصانا بهن خيرا. كيف سيقف الطغاة أمام الله وقد فعلوا ذلك بالقوارير؟ صحيح أنه الآن أمام الشعب السوري طريق طويل للاستقرار، لكن يمكن اختصاره بما غيبه الطغاة دائما، وهو الحرية للجميع، جماعات أو اتجاهات أو مذاهب، في الحوار والتعايش من أجل نهضة البلاد. أن يصل إلى الحكم من يتم اختياره بشكل حقيقي وليس بتزوير الانتخابات، وأن لا يغري الحكم من وصل إليه بقمع الآخرين، وأن يدرك أن سنواته يمكن أن تنتهي برغبة الضمائر الأخرى في الاختيار. الديمقراطية لا تحدث في يوم وليلة، لكنها طريق في كل خطوة منه مكاسب للشعب. هي طريق المدينة الفاضلة رغم أنها لا تتحقق على الأرض، لكن ما يتحقق منها في كل خطوة هو المعنى الحقيقي المنتظر، وهذا ما نسفته الانقلابات العسكرية التي بدأت في سوريا عام 1949 بانقلاب حسني الزعيم ثم تتالت في دول عربية أخرى. الانقلابات التي لم تحقق شيئا لشعوبها بوأدها طريق الليبرالية الذي كان سائدا. أعرف أن الطغاة لا يفهمون ولا يتعظون، لكن الشعب السوري عرف طريقه هذه المرة، ولدى أمل أن لا ينفتح الباب لطاغية جديد.
729
| 12 ديسمبر 2024
عشنا نعرف قيمة الأم، مصر جعلت لها عيدا في الواحد والعشرين من مارس باقتراح من الصحفي مصطفى أمين عام 1956، فكانت أول دولة في العالم في ذلك. قصص كفاح الأم من أجل أبنائها تملأ فضاء الدنيا منذ بداية التاريخ. بل كان الأبناء يُنسبون يوما لأمهاتهم، فيما عرف في تطور البشرية بالمجتمع الأمومي. وحتى بعد أن انتهت هذه الظاهرة، ظل الريف في مصر يتم نسب الابن لأبيه في الأوراق الرسمية، بينما يتم تعريفه في القرية بفلان بن فلانة. الأم هي البيت واسمها علامة عليه، بينما غياب الأب يجعل البحث عنه أساسا في اللقاء، ومن ثم صار تعريف فلان بن فلانة، يعني بيته وموطنه. في مصر الآن ظاهرة لم تتكرر بهذه القوة، وهي إضراب الدكتورة ليلي سويف عن الطعام، انتصارا لابنها الناشط السياسي والكاتب علاء عبد الفتاح. الحديث عن عائلة سويف في الثقافة والعلم المصري تاريخ وأثر لا يزول. فالدكتورة ليلي سويف هي أستاذة الرياضيات بجامعة القاهرة، وابنة الراحلة فاطمة موسى أستاذة الأدب العظيمة، والراحل مصطفى سويف مؤسس الدراسات في علم النفس الأدبي، وهي أخت الكاتبة العالمية أهداف سويف. هي أيضا زوجة الراحل الحقوقي البارز أحمد سيف الإسلام. ليلى سويف كانت من مؤسسي حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات عام 2003. وحاصلة على الجنسية البريطانية لأنها ولدت هناك، حين كان والداها يدرسان في انجلترا، لكنها لم تسع للحصول على الجنسية لأبنائها علاء ومنى وسناء وهو حق قديم لهم، إلا منذ وقت قريب حين زاد اضطهادهم وملاحقتهم بالحبس المتكرر لنشاطهم السياسي. علاء ليس مجرد ناشط سياسي أو مبرمج، لكنه أيضا مفكر رائع له إسهاماته الفكرية، ومنها كتاب «أنت لم تُهزم بعد « الذي صدر بالإنجليزية وتمت ترجمته، وكتاب «شبح الربيع». منذ أشهر قليلة فازت الكاتبة الهندية أرونداتي روي بجائزة القلم الدولي البريطانية، فتقاسمتها معه كما تنص شروط الجائزة، حيث للفائز أن يختار من يقاسمه. حين يتم نشر هذا المقال، ستكون ليلي سويف قد وصلت إلى سبعين يوما من الإضراب عن الطعام، هي التي شارف عمرها على السبعين. لقد قضى الابن علاء عشرة أعوام في السجن في قضيتين، بالتهم الشائعة مثل نشر أخبار كاذبة أو التحريض على التظاهر!. القانون يقرر أن المتهم حين يتم حبسه على ذمة قضية ما، فحين يصدر الحكم، يتم حساب الوقت الذي أمضاه قبله في المدة المقررة، وهذا لم يحدث. علاء في قضيته الأخيرة أمضى عامين في السجن قبل صدور الحكم. انتهت الخمس سنوات المقررة، لكنها صارت عند الدولة ثلاثا لأنها لم تضم العامين الأولين، ومن ثم لم يخرج. هذا ما أثار الحياة السياسية والقانونية. لم يعد أحد يقف عند الأحكام وأسبابها، فما أكثر الكلام في ذلك بلا فائدة، لكن الحديث عن تطبيق القانون، وأيضا بلا فائدة. أضربت ليلي سويف عن الطعام ولا تزال من أجل تطبيق القانون. هي أيضا لا تفكر في التهمة، ولا ما انتهى إليه الحكم. فقط تريد تطبيق القانون ويرى علاء النور. كلنا نريد ذلك. عشرات يساهمون في إضراب تضامني معها، وهذا طبيعي جدا في بلد لم تنتهِ منه روح الثورة رغم كل ما جرى. بعيدا عن ذلك أنظر إلى معنى الأم العابر للتاريخ تجسده ليلي سويف. ستكون أيقونة سياسية وهي لا تحتاج إلى ذلك، فتاريخها النضالي نعرفه جميعا، لكنها تعيد معنى الأم إلى ضمير البشر، لعله يعود إلى ضمائر حكام البلاد.
2067
| 05 ديسمبر 2024
نعرف أن التضامن مع فلسطين في مصر لم يزد عن الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي، فقط هي نقابة الصحفيين التي أقامت وتقيم أكثر من مرة مظاهرات لا تغادر بابها تتضامن مع القضية. غير ذلك أمر غير مسموح به، وينتهي بالقبض على المشاركين، حتى المرة الوحيدة التي سمحت بها الحكومة للناس بذلك، وكانت مع بداية الإبادة الجماعية في غزة من قبل الصهيونية، تم فيها القبض على بعض الشباب. جاء مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الخامس والأربعون الذي ينتهي غدا الثاني والعشرين من نوفمبر، فملأت فلسطين وغزة الفضاء. تم رفض رعاية الشركات التي على قائمة المقاطعة لدعمها لإسرائيل، ولم يكن لذلك أي أثر سلبي على المهرجان ولا قلل من فاعلياته. قام الفنان الكبير حسين فهمي رئيس المهرجان بتعليق شارة تحمل خريطة فلسطين في واجهة ثيابه، وتم توزيع هذه الشارة على المشاركين والحاضرين. الأمر لم يتوقف عند إظهار هذه الشارة التي شجعت الكثيرين على ارتداء الكوفية الفلسطينية، بل اتسع ليكون فيلم الافتتاح فلسطينيا وهو فيلم «أحلام عابرة» للمخرج الفلسطيني الكبير رشيد مشهراوي. كما كان الافتتاح بعرض فني بعنوان «أنا دمي فلسطيني» لفرقة غزة للفنون الشعبية. أكثر من ذلك أقيمت مسابقة لمجموعة من الأفلام تحت عنوان «من المسافة صفر» وهي أفلام قصيرة تم تصويرها في غزة من الهواتف النقالة، أُنجزت خلال حرب الإبادة الجماعية، ساعد رشيد مشهراوي وساهم في إنتاجها لمخرجين من قطاع غزة. أفلام مثل» جنة الجحيم» لكريم ستوم، و»سِحر» لبشار البليسي، و»صحوة» لمهدي كريرة، و» 24 ساعة» لعلاء دامو، و»قرابين» لمصطفى النبيه وغيرها كثير، فضلا عن عرض ثلاثة أفلام أخرى في برنامج «أضواء على السينما الفلسطينية» وتخصيص جائزتين للسينما الفلسطينية. لم يكن ما جرى كما يمكن أن يتصور البعض مجرد تضامن مع فلسطين والقضية الفلسطينية فقط، لكنه كان رسالة واسعة إلى العالم. كيف ؟ ببساطة تعرف أن عدد الأفلام المشاركة يصل إلى مائة وتسعين فيلما، من اثنتين وسبعين دولة من العالم والشرق الأوسط. أفلام من دول مثل فرنسا وانجلترا وأمريكا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وهولندا والهند والمغرب، وأفلام شاركت فيها دول مثل قطر والبوسنة والهرسك والأرجنتين وسويسرا وغيرها. وإذا عرفت أسماء الحاضرين من المخرجين والفنانين في كل القطاعات، كذلك الصحف العالمية ومنصات ومواقع دولية، ستدرك كيف تتسع رسالة المهرجان السياسية إلى جانب قيمته الفنية التاريخية. القيمة الفنية والتاريخية للمهرجان لها مكانها في العالم منذ نشأته، ولقد كنت حريصا منذ بدايته على حضوره، وأشعر بالأسى لعدم قدرتي هذه المرة. بل كنت في لجنة التحكيم الرئيسة له عام 2019 مع مخرجين من العالم، وفيها فاز فيلم المخرجة وكاتبة السيناريو الفلسطينية نجوي نجار بجائزة السيناريو عن فيلمها «بين السماء والأرض». حسين فهمي فنان عظيم ليس في حاجة للحديث عنه، سبق له أن استقال من كونه سفيرا للنوايا الحسنة في الأمم المتحدة عام 2006 بسبب العدوان الإسرائيلي على لبنان. ما فعله والعاملون معه من الكتاب والفنانين المصريين هذا العام، ليس لجذب الانتباه للمهرجان، لكنه إيمان تاريخي نعرفه عن كل منهم بقضايا الوطن العربي وفي قلبها فلسطين، والأدلة كثيرة على كتاباتهم وإنجازاتهم. لقد جاء المهرجان في وقت صمت عن القضية الفلسطينية في مصر فوضعها في مقدمة المشهد وأعطانا كثيرا من الأمل، أو ذكرنا بالأمل، فما يحدث حولنا من صمت أمر دخيل على تاريخنا لم تعرفه مصر من قبل، ومهما طال سينكسر.
687
| 21 نوفمبر 2024
مثلي تأخذه النوستالجيا كثيرا لأيام جميلة مضت، ليس بحكم العمر فقط لكن بحكم الحقيقة. وكما قال أحد رواد "تويتر" ذات مرة، إنه لو عادت مصر مائة عام إلى الخلف لصارت أفضل. تفاصيل ذلك كثيرة، لكني أحن إلى شخصين أحدهما خيال والثاني حقيقي، أما الخيال فهو عن أيام الشباب في سبعينيات القرن الماضي، حين كنت أعود ماشيا إلى بيتي في منطقة حدائق القبة، بعد السهر في ميدان الحسين، فأجد شخصا جالسا وحده في ميدان "عبده باشا" الخالي. كتبت وقتها متخيلا كيف فكرت أنه فقير، وتقدمت أعطيه شيئا من المال فرفض. سألته عن سر جلوسه هنا وحده دائما وسط الليل باكيا، فقال لي إنه التاريخ، ولم يعد أمامه إلا أن يبكي وحده بسبب ما لحق ويلحق به من إهانات، فكل قرار من الرئيس يعتبرونه قرارا تاريخيا وهو عادي جدا، وكل فيلم أو هدف في مباراة أو تصريح لمسؤول، وكلها أعمال عادية سينساها التاريخ. هم هكذا يحمّلونه ما لا يُحتمل. أحن إلى هذا الرجل وأتصوره لا يزال جالسا ولم ينته البكاء. أما الحقيقة فهي شاب كان معنا في أحد معسكرات منظمة الشباب عام 1968 بعد هزيمة يونيو 1967 وجاءنا باحث في علم الاجتماع يسألنا عن شعار كل منا في الحياة، لأنه يعد بحثا عن الجيل الجديد وأفكاره. قال كل منا شعاره ما بين الأمل والتفاؤل وغير ذلك، لكن ذلك الشاب قال إن شعاره هو "الخطأ"، سأله الباحث ماذا تعني، فقال إن الدولة ترفع شعار التجربة والخطأ، أي تقوم بالتجربة ثم تغيرها حين تشعر بالخطأ، وهكذا جاءت الهزيمة أمام إسرائيل، فلماذا يتعب نفسه بالتجريب ولا يذهب إلى الخطأ مباشرة؟ أتذكر ذلك الشاب، وأراه وهو يتحدث ونحن نضحك، وأنا أنظر حولي الآن لأرى كمية الأخطاء الكبيرة التي حدثت وتحدث في مصر، وانتهت إلى ما انتهينا إليه الآن. لم تجمعني الظروف بذلك الشاب رغم ما مضي من عمر، لكني لا أنساه. يبدو لي أنه قد أقام مدرسة في مكان ما لتعليم أصول الحكم. يقول لتلاميذه لا تجربوا في الحياة المصرية. اذهبوا إلى الخطأ مباشرة. وإذا سألكم أحد كيف ضاعت قيمة العملة المصرية فقولوا إن العيب في العملة فهي من ورق. وعن زيادة نسبة الجهل بسبب نقص المدارس، قولوا إن العيب في التلاميذ فهم لا يذهبون إلى المدارس، وهكذا حين يكون السؤال عن الزحام على المستشفيات بسبب نقص المستشفيات الجديدة، فالعيب في المرضى فهم يذهبون في يوم واحد. أما إذا سألكم أحد كيف يكون موقفكم محايدا في قضية فلسطين وغزة، التي كانت عبر التاريخ مجالا حيويا للحكم المصري، يحرص على وصايته أو حتي تأثيره عليها، فقولوا له المشكلة في فلسطين فهي التي اختارت أن تكون جوارنا. هكذا لن تعدموا الإجابات المقنعة عن أي شيء. المهم أنه إلى جوار ذلك تحدثوا كثيرا عن اهتمامكم الكبير بسعادة المواطن وإقامة حياة له بلا أعباء، فكثرة الحديث تجعل الأوهام حقائق، وإذا سألكم أحد لماذا لا تقرأون عشرات الحلول التي يقدمها مفكرون وكتّاب محترمون، قولوا له نحن الذين نحبكم، و"اللي إيده في المياه مش زي اللي إيده في النار" ونحن يدنا في النار من أجلكم. أتذكر ذلك الشاب الذي أضحكنا شعاره يومها، لم أكن أعرف أنه سيقيم هذه المدرسة السرية في الحكم، وسيتفوق علينا جميعا، ويجعل الخيال الساخر حقيقة مؤلمة.
534
| 14 نوفمبر 2024
في السنوات العشر السابقة تم اعتقال أعداد غفيرة من المفكرين وغير المفكرين في مصر. أعرف أنه سيأتي يوم يكتب الكثيرون عن تجربتهم. ولقد بدأ بعضهم بالفعل يكتب مثل أحمد دومة وشيماء سامي وسلافة مجدي ويحيى حسين عبد الهادي الذي تم اعتقاله مرة أخرى وعلاء عبدالفتاح وغيرهم. لكن ما تفعله الفنانة التشكيلية الرائعة نجلاء سلامة من كتابة رسائل إلى زوجها المفكر الاقتصادي عبدالخالق فاروق، أخذني إلى منطقة أخرى وهي تجليات الحب في زمن القهر. طبعا نجلاء لا تفعل ذلك وحدها، لكن تفعله أيضا رشا قنديل زوجة أحمد الطنطاوي. رشا قنديل إعلامية وباحثة شهيرة تجلت من قبل في برامج سياسية وأخبار عبر قناة البي بي سي العربية. وكذلك ندى مغيث زوجة رسام الكاريكاتير أشرف عمر وهي أستاذة للغة الصينية وتترجم عنها. رسائل الفنانة نجلاء سلامة تأتينا كل صباح وكل مساء منذ تم اعتقال عبدالخالق فاروق، فتبدأ أو تنهي يومك بالأمل، رغم اليأس حولك. هذه الرسائل تحيلني دائما إلى قصص الحب العظيمة عبر التاريخ في الشرق والغرب. قرأنا عنها وأعجبنا بها وصارت رافدا لفكرنا وثقافتنا، لكن هذه المرة عشناها. نجلاء سلامة فنانة تشكيلية ومثقفة ولابد أن تعرف أنها يمكن أن تكتب رسائلها باللغة العربية الفصحى، لكنها تكتبها كحديث مباشر لعبدالخالق فاروق الحاضر أمامها رغم الغياب. ليس الفيسبوك هو الذي يشجعها على الحديث التلقائي، لكن هو الإيمان بأن عبدالخالق فاروق أمامها. لم يعد السجن عائقا للخيال، بل صارت القوة أكبر والأمل لا ينقطع. هذه الرسائل هي فراشات طائرة في فضائنا وشهادة على عظمة نسائنا. منها مثلا: «يا صباح الخير ياللي في قلبي. عن نظرة الحب والفخر وأنا معك. فخورة بك وأتساءل ما هو الخير الذي قدمته في حياتي ليهديني إياك الله زوجا وحبيبا و صديقا وأبا. الأيام طويلة قوي مش بتعدي. تعالَ بقى نفسي اضحك زي ما كنت دايما» «يا صباح الخير يا للي في قلبي.. ليس البعد ببعد المكان. البعد بعد قلوب. لا القلوب بعدت ولا الذاكرة خانت. انتظرك تطل بسمتك التي تداوي جروحي لأختبئ داخل قلبك وأشكي الزمان و الناس». «صباح الفل والياسمين يا حبيبي.. اعتدت على قطف الفل والياسمين صباحا لأضعهم لك على الوسادة لأوقظك برائحتهم. تركت الزهور تذبل وتسقط وحدها.. أعتني بحديقتنا الصغيرة وببغاناتنا على أمل سرعة العودة.. وعندي يقين انك لن تغيب». «مساء الحرية يا عزيز عيني.. وآه من وجع نوفمبر.. نوفمبر خطوبتنا.. كتب كتابنا.. عيد ميلادي. عيد زواجنا. أول رحلاتنا سويا. كنت أسميه نوفمبر العظيم فكل يوم بمفاجأة ورحلة وهدية.. أصبح نوفمبر الأوجاع. اللهم ردك إليّ ردا جميلا استعجب له ويستعجب له كل من في السماء والأرض». وكلمة «يا عزيز عيني» التي تستخدمها أيضا رشا قنديل في أحاديثها عن أحمد الطنطاوي، تذكرنا بأول ظهور لها في أغنية سيد درويش العظيمة «يا عزيز عيني انا نفسي اروَّح بلدي.. بلدي يا بلدي والسلطة خدت ولدي» وهي الأغنية التي اطلقها سيد درويش بمناسبة خطف الفلاحين المصريين بواسطة جنود الاستعمار البريطاني أثناء الحرب العالمية الأولى، ليخدموا في معسكراتها في أوروبا والشام وغيرها عنوة، ومات منهم الآلاف. إنه تاريخ لا يُنسي لبريطانيا التي أعلنت الحماية على مصر، فأفقدتها الآلاف من أبنائها. أقول بريطانيا طبعا ولا أقول مصر. وفي النهاية فبنات إيزيس يعدن الروح إلى الوطن.
2184
| 07 نوفمبر 2024
لا أذكر من قائل عبارة حين يتكرر التاريخ يكون تافها ومثيرا للضحك. هل كان كارل ماركس أم غيره. أراحتني هذه العبارة أيام الشباب، لكن ما جرى من تكرار لم يكن مضحكا. رأينا مع انقلاب يوليو 1952 قطعا لطريق الليبرالية التي كانت تمضي فيه البلاد، ومصادرة للرأي، واعتقالات للمفكرين، تكرارا لبعض الفترات التاريخية التي حكم فيها أي ديكتاتور في مصر أو في العالم، فجاءت هزيمة 1967 تتويجا لذلك. استراح أغلبية المصريين إلى ما تفعله الدولة من مصانع ومدارس ومستشفيات، وما تفتحه من فرص عمل كبيرة، ولم ينتبه الكثيرون إلى ذلك الجانب السياسي. رأينا بعد حرب أكتوبر العظيمة التي أنستنا كل الآلام وأخذتنا إلى السماء، بداية لفتح طريق السلام مع إسرائيل، وتاريخ آخر أغرب من الخيال على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، ببدء بيع أصول الدولة من مصانع تحت شعار الانفتاح الاقتصادي. بعد مقتل السادات استمر حسني مبارك في السياسة نفسها، ولا زالت هذه السياسة المتكررة قائمة، فانتهت بحالة من الفقر لم تعرفها مصر، وديون رهيبة على مصر أن تدفعها لصندوق النقد الدولي الذي ما دخل بلدا إلا وخربها، وهكذا لم يكن التكرار مضحكا ولا مثيرا للسخرية. بل صار هذا التكرار سببا في خراب البلاد. صرنا الآن نعيش في وهم الحياة الأفضل، فتتصور الحكومة أن الإقبال الكبير على شراء شاليهات في الساحل الشمالي بملايين الجنيهات، يعنى أنه يعكس حالة الرغد التي يعيش فيها الشعب، مهملة أن من يفعلون ذلك لا يزيدون على خمسة عشر بالمائة من الشعب المصري، الذي صار أغلب شبابه الآن لا يستطيع الزواج، للارتفاع المجنون في أسعار الشقق والذهب والأثاث المنزلي. يقولون إنه انخفضت نسبة المواليد وهذا أمر طيب، ويتعامون عن أن السبب هو قلة فرص الزواج. خمسون سنة الآن من تكرار تاريخ بيع مقدرات الوطن، والنتيجة لا يراها الحكام، كأنما هي قدرنا المكتوب، بينما هي من فعل سياساتهم. الآن انتقلنا من تكرار التاريخ إلى محوه. ما يحدث من هدم للمقابر هو شكل من أشكال محو هذا التاريخ، لأن كثيرا منها مقابر لعظماء صنعوا تاريخنا. محو الأشجار التي بدأ بحجة تافهة هي أنها في شوارع تحجب الكاميرات عن التصوير، اتسع الآن إلى الحدائق التي بدأت تتحول إلى مقاهٍ ومحلات للفول والفلافل وغيرها. لكل مقبرة تاريخ ولكل حديقة تاريخ. العالم يحافظ على أشجاره، والبلاد قليلة الأشجار يزرعونها فيها بكثافة كما رأيت في دول الخليج، لكن تاريخ الحدائق في بلادنا لم يعد يعني أحدا. صارت كلمة «تطوير» حين تتعلق بالحدائق تعني قطع الأشجار العتيقة من أجل محلات الفول. آخر ما قرأت أنه بدأ قطع أشجار حديقة الأورمان. لقد أغلقوها هي وحديقة الحيوان لتطويرهما. توقعت كباري ومحلات كالعادة، لكن قطع أشجارها كما يتردد أمر فيه محو للتاريخ. الحديقة التي أقامها الخديوي إسماعيل عام 1875 وجلب لها أشجارا من كل العالم، وسميت بالأورمان وهي كلمة تركية تعني الغابة، وحافلة بمئات من أنواع الزهور. إذا كان هناك شئ مضحك في ذلك فهو النكات التي يطلقها المصريون تساعدهم على الحياة، والتي تحتاج إلى كاتب يقوم بتسجيلها ويصنفها ما بين السياسة والفلسفة. منها نكتة عن شخص يسأل آخر « فين شارع 26 يوليو» يفكر الآخر قليلا ويسأله» سنة كم؟» طبعا يوم 26 يوليو هو يوم خروج الملك فاروق وبداية العصر الجمهوري وما جرى بعده للبلاد والعباد. لقد أخذوا التاريخ يشوهونه كما شاءوا وتركوا لنا النكات.
1131
| 31 أكتوبر 2024
نشأت في بيئة بسيطة كانت القضية الوطنية هي موضوعها الأول الذي لا يختلف عليه أحد. لم يكن مَن حولي مفكرين وكتابا، لكن كانوا أهلي وسكان حي كرموز الشعبي في الإسكندرية والمدرسين في المدرسة. كان نشيدنا الصباحي في المدرسة «اسلمي يا مصر إنني الفدا» وكان من بقايا الفترة الملكية، وعرفت متأخرا أن كاتبه «مصطفى صادق الرافعي» وملحنه «صَفَر علي» في عشرينيات القرن العشرين، كانا به يواجهان الاحتلال البريطاني الذي اغتصب الأرض المصرية. تم تبديل النشيد عام 1956 بنشيد «الله أكبر» بعد العدوان الثلاثي على الأرض. وحين تم تغييره في عصر السادات بنشيد «بلادي بلادي» لم ينسَ أحد أنه النشيد الذي كتبه ولحنه سيد درويش في مواجهة الاحتلال البريطاني أيضا. لم أرَ أو أسمع أحدا يختلف مع النظام الحاكم حول الأرض. كل الخلافات في التاريخ كانت في شكل الحكم وأدواته من استبداد، وصراع من أجل حياة ليبرالية أو مشاركة شعبية، وهذا صراع شغل قرونا طويلة في العالم كله، وحدثت بسببه ثورات وانتفاضات في كل الدنيا. حين عرفت بعد هزيمة 1967 ما كان خفيا عن الاعتقالات التي قام بها نظام عبد الناصر، أدركت أن السبب لم يكن خلافا على الأرض ومواجهة الاحتلال، لكن على شكل نظام الحكم. أنهى عبد الناصر هذا الخلاف بالاعتقالات والسجون فجاءت هزيمة 1967 وكشفت هشاشة النظام الذي أقام مصانع ومزارع ومدارس ومستشفيات وغيرها أسعدت الملايين. هشاشته لأنه لم يسمح بأحزاب أو معارضة تقول له ما يمكن أن يغيب عنه، ولم يكونوا ضد مقاومة الاحتلال. هكذا الأرض التي خلقها الله، هي الأم التي تحتضننا، والتي عليها نقف وننمو ونحلِّق في الفضاء. هكذا يمكن إجمال القضية الفلسطينية باعتبارها قضية الأرض التي سرقها الصهاينة، وأي خلاف عربي على حق الفلسطينيين في أرضهم، يعني ضياع الأرض التي يقف عليها المختلف أيضا. كل الخلافات مع حماس، يجب أن تؤجل من أجل القضية الوطنية. ما يحدث الآن هو قفزة كبيرة مهما كان الثمن لأهل غزة من أجل القضية الوطنية، وليس شكل الحكم ولا النظام السياسي. لذلك حسرتي على من يهاجمون حماس وكتائب القسام ومن يشاركهم في الهجوم على المستعمرات الإسرائيلية، التي يخدعون العالم باسم المستوطنات، وهي لم تكن أبدا وطنا لهم من قبل. لقد وصل الأمر إلى أن قناة تلفزيونية عربية تذيع تقريرا تدين فيه حماس. صحيح تم حذف التقرير بعد احتجاجات كبيرة، وبعد إيقاف القناة نفسها في أكثر من بلد عربي، وصحيح أنه صدر بيان من القناة يدين صاحب التقرير، وكلنا نعرف أنه لم يفعل ذلك وحده، لكن يقفز السؤال هل أرض أي بلد عربي غير فلسطين ليست قضية شعبها الوطنية؟ هل لو تم غزو بلد عربي من الصهاينة الذين يحلمون بدولة من النيل للفرات، ستقف شعوبها تتفرج؟ وهل لن نؤيدها في حقها في المقاومة؟ صحيح أن الجامعة العربية التي كانت نتيجة نضال عظيم للدول العربية، صارت مجرد بنيان أمامه جراج سيارات، لكن هذا لا ينفي أبدا حق الشعوب العربية في مقاومة الصهاينة، وكل خلاف على شكل الحكم بعد الاستقلال كما قلت وقال غيري ممن يدركون هذه الحقيقة مؤجل. إن ما تفعله حماس أو من يقاومون إسرائيل، هو قضية وطنية تتعلق بالأرض وتحريرها لا بشكل الحكم ونظامه. إذا لم تعجبكم حماس فاصمتوا، واتركوا الفرصة لفرسان الوطن يحققون عودته بعودة أرضهم. عودة الأم المسروقة.
1098
| 24 أكتوبر 2024
صرح رئيس الوزراء في مصر عن الحروب التي تحدث حولنا، وكيف في حالة توسعها سيكون اقتصادنا اقتصاد حرب. أثارني التصريح وأعادني أربعين سنة تقريبا إلى الخلف، وكيف بدأت سياسة الرئيس أنور السادات التي أسماها الانفتاح الاقتصادي، وكنا انتهينا من حرب أكتوبر وانسحبت إسرائيل من سيناء. أي أنها السياسة التي رافقت السلام ولا تزال ترافقه حتى الآن، فمن يومها لم ندخل حربا. أبرز ملامح هذه السياسة هي البدء في بيع شركات القطاع العام بحجة تشجيع القطاع الخاص، رغم أن تشجيع القطاع الخاص لا يعني التخلى عما أقامته الدولة من مشروعات صناعية عظيمة. مشت السياسة ولا تزال وآخر مشاهدها إغلاق مصانع مثل الحديد والصلب وراكتا للورق في الأشهر الأخيرة. أسماء المصانع بالمئات راحت كلها وهدمت من أجل بناء عمارات أو مولات. حين بدأت حرب أوكرانيا ارتفعت أسعار القمح في مصر ومن ثم الخبز، لأننا نستورد القمح منها، رغم أن الأسعار لم ترتفع في أوكرانيا. نسمع ونقرأ عن مزارع سمكية، فترتفع أسعار الأسماك إلى السماء، وتتسرب الأخبار عن فشل المشروع. هكذا صار الغلاء سمة النظام السياسي، وحين يتحدثون عن الأسباب يقولون لأننا لم نبنِ مصانع، بينما هم يهدمون المصانع ويبيعون أرضها. صار الطريق لذلك واضحا منذ سنوات طويلة، وهو تعيين مسؤول عن المصنع يتسبب في خسارته، فيتم بيعه ثم هدمه. وأخيرا يتناثر الحديث عن أننا نحن الشعب نتسبب في استيراد بضائع استهلاكية بملايين الجنيهات مثل ورق الفويل والجبنة الفلمنك والهواتف المحمولة وغيرها، وكأننا منعناهم من إعطاء فرصة للمصانع في إنتاج ذلك أو غيره. يقولون إن الحل هو الصناعة بينما بيع المصانع ثم هدمها مستمر. مصانع قليلة اشترتها دولة الإمارات أو استحوذت على غالبية أسهمها بعد أن حققت خسائر كبيرة، مثل شركة موبكو للأسمدة وأبوقير للأسمدة والشركة الشرقية للدخان، فقفزت أرباحها إلى السماء، والسؤال كيف خسرت معنا وكسبت معهم. أليس هو إهمالنا وتقصيرنا في الإدارة السبب؟ من يختار المديرين والمسؤولين؟ هذه الأمور كلها هي السبب فيما وصلنا إليه في زمن السلام، وليست أبدا بسبب الحرب. لقد عشت أيام هزيمة 1967 وأيام حرب الاستنزاف وأيام حرب أكتوبر، ولم تكن هناك أزمة اقتصادية في عمل المصانع، ولا في المأكولات إلا في أشياء قليلة ارتفع سعرها مثل السكر والأرز، وكانت تتوفر في الجمعيات التعاونية، والطوابير عليها تنتهي بسرعة، فالدولة تستورد ما نقص منها. انتهت المشكلة التي عادت مع سياسة الانفتاح وما جرى للمصانع، ثم ما جرى من تحول ملايين الأفدنة من الأرض الزراعية إلى مبانٍ. أعذار كثيرة تقدمها الدولة باعتبارها سببا في الأزمات وارتفاع الأسعار، وكلها من صنع سياستها، والاستمرار في السياسات الاقتصادية السابقة، لكن في كل حديث الشعب هو السبب. بعد الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف السبعينيات دخلنا حروبا عديدة مع إسرائيل أعوام 1948- 1956- 1967- 1973 إلى جوار حرب اليمن، ولم تشهد الأسعار ارتفاعا هاما إلا في زمن السلام للأسباب التي ذكرتها، كأن الدولة وجدت لها عدوا جديدا تحاربه هو الشعب، فراحت تعمل على هدم مصانعه وتبوير أرضه الزراعية. أتذكر مظاهرت عام 1977 وشعاراتها ومنها "سيد مرعي يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه" وسيد مرعي كان رئيس مجلس الشعب. الآن أكثر من ثلاثمائة جنيه. رغم ذلك أحمد الله أننا لا ندخل حربا، وإلا كانت سببا ينتظرونه للقضاء على كل ما بقي من أصول الدولة، هم الذين يقضون على كل ذلكفيزمنالسلام.
1311
| 17 أكتوبر 2024
في كل عام يحتفل المصريون بذكرى السادس من أكتوبر عام 1973، يأخذ الاحتفال شكلين، الأول شعبي على السوشيال ميديا، والثاني رسمي في الإذاعة والتليفزيون. في الرسمي نشاهد شيئا من خطب الرئيس السادات، وشيئا من مشاهد العبور العامة. في الشعبي نرى احتفالا كأنه استعادة ليوم البعث، ترندات من نوع أذكر صورة لا تنساها من الحرب، وبها نجد مئات الصور تتداعى للعبور وللأسرى الإسرائيليين. أو أذكر شخصية لا تنساها، وتتداعى أيضا أسماء أبطال القوات المسلحة من قياداتها، مثل المشير أحمد إسماعيل والفريق سعد الدين الشاذلي والمشير محمد الجمسي والمشير محمد على فهمي والمشير فؤاد ذكري وحسني مبارك والسادات، والقادة الآخرين لتفريعات القوات، ومعها آلاف الصور لضباط وجنود يضعها أبناؤهم الأحياء أو إخوتهم أو من بقي منهم. تشعر مع الصور غير الرسمية أن مصر كلها كانت على الجبهة. ولأني حضرت هذه الأيام، كما حضرت هزيمة 1967، يأخذني الحنين إلى أيام أكتوبر. ورغم دراستي وقراءاتي فيما حدث أثناءها من توقف عن الحرب عدة أيام بعد العبور، مما أعطى فرصة لإسرائيل أن تنفرد بجبهة الجولان الشمالية، فتعيد الجيش السوري وتحتل الجولان من جديد، ثم تعود إلى مصر التي تأخرت في تطوير الهجوم، فتخسر مصر عددا كبيرا من دباباتها في أول مجابهة بعد هذا التوقف، الذي كان بأمر من السادات. رغم معرفتي أن ذلك كان نقطة تحول كبيرة انتهت إلى الثغرة التي نفذ منها جنود إسرائيليون، ثم اتفاق وقف إطلاق النار، ثم ما تداعى بعد ذلك من عملية السلام التي انتهت بمعاهدة كامب ديفيد، وبعودة ما بقي من سيناء وإن بشروط مجحفة كتحديد عدد القوات في الخطوط الأخيرة، وأن يكونوا بلا دبابات أو مدافع وغير ذلك، إلا أنه في النهاية «سينا رجعت كاملة لينا ومصر اليوم في عيد» هذه الأغنية تظل علامة ولا تقل قيمتها مع الزمن. رغم موافقة السادات على الشروط الإسرائيلية وغير ذلك، إلا أني أرى صورة السادات في لقائه مع بيجن في تل أبيب، حين يقول بيجن في الحوار التليفزوني أتمنى أن يدعوني السادات لزيارة مصر، فيقول السادات «سأدعوك طبعا ونلتقي في سيناء». يتساءل بيجن مندهشا ماذا تقول؟ يرد السادات قائلا «سيناء». وكانت المفاوضات لم تبدأ بعد لاسترداد ما تبقى من سيناء. يعجبني ذكاء السادات وأنسى ما حدث منه أثناء الحرب وبعدها. ولا يتوقف المصريون عن الدعابة والنكت ففي صورة فوتوشوب تقول جولدا مائير «خط بارليف لا تهدمه غير قنبلة ذرية» فيقول السادات «هدمناه بخرطوم مياه». وطبعا كلنا نعرف حكاية المياه التي توصل إليها اللواء باقي زكي يوسف والتي أذابت الحائط الترابي الصلد، ونفذت منه القوات بعد عبور القناة، ولم تكن إسرائيل أبدا تتوقع أن يهدم الخط بالمياه. وكذلك دعابة الجنود الأسرى الإسرائيليين الذين تمت إعادتهم إلى بلادهم وهم يرتدون البيجامات الكستور. الدعابة تقول «عندنا لسه كستور كتير يا إسرائيل» وهكذا. في الحقيقة تجاوز الأمر النوستالجيا إلى اليقين بسهولة هزيمة إسرائيل. ورغم أن مصر الآن في موقع آخر بعد معاهدة السلام، لكن الاحتفاء الشعبي يوضح ذلك واستعدادنا له. خمسة وأربعون عاما على معاهدة السلام والمصريون لا ينسون عدوهم الأكبر إسرائيل. أقفز إلى السابع من أكتوبر وما يحدث في غزة ثم لبنان تنفيذا لشهوة نتنياهو النازية، وأذكركم بمدن القناة التي دمرتها إسرائيل في الحرب وهاجر أهلها وبقيت فيها المقاومة، وفي النهاية تمت هزيمة إسرائيل وعادت المدن إلى مجدها.
636
| 10 أكتوبر 2024
قد يأتي عليك وقت ترى فيه الأساطير تحلق حولك، ولأنك تعرف أن الأساطير هي رموز لمعان بين الخير والشر، تمر عليها وتتعظ. الأساطير لم يبقَ منها غير حكايات في شكل ملاحم، أو صور رسمها فنانون، أو منحوتات لأبطالها وشخصياتها، لكن لا حقيقة باقية تشهد على وجود أحد منهم. الأمثلة كثيرة يمكن ذكرها مرورا بالملاحم اليونانية والمصرية والأشورية والسومرية، وغيرها في العالم. أبشع الأساطير في العصر الحديث هي أسطورة شعب الله المختار، وأن لإسرائيل أرض الميعاد في فلسطين، والدولة من النيل إلى الفرات. كلنا ولو بقليل من العلم، نعرف كيف نشأت إسرائيل ككيان تركته وراءها بريطانيا في الشرق الأوسط المحتل، ليبقى في صراعات لا تنتهي. كل حكاياتهم التي ذاعت خلال ذلك منذ نهايات القرن التاسع عشر عن فلسطين كذب، ففلسطين مثل غيرها من الدول العربية كانت ملاذا لليهود، من محارق أوربا في إسبانيا وفرنسا وروسيا ثم ألمانيا لهم. من أبشع ما قيل أن الفلسطينيين باعوا كثيرا من أرضهم لليهود، بينما الحقيقة أن ذلك لم يحدث، ومن باع لليهود هي القنصليات الأجنبية، ورغم ذلك ما باعوه لا يصل إلى عشرة بالمائة من أرض فلسطين. كلنا نعرف ما فعله اليهود من مستعمرات يسمونها مستوطنات وإبادة جماعية للسكان الأصليين، وكيف جاء تقسيم فلسطين بين دولتين مع قرارات الأمم المتحدة بعد حرب عام 1948 وظلت إسرائيل رغم ذلك تناور ولا تعترف بدولة فلسطينية، وشنت حروبا على مصر وسوريا والأردن رغم أن قرار التقسيم كان جناية على الحقيقة. يمر كل هذا الزمن يدفع ثمنه أهل فلسطين، ويقاومون كثيرا في انتفاضات وثورات، ولا ينتهي الأمر لا بدولتين، ولا دولة واحدة للجميع تحت ظل العدل والمساواة. نصل إلى ما نحن فيه في غزة ثم الهجوم على لبنان، ويحتفل أكثر من مائة ألف صهيوني بالمزامير أمام الحائط الخرافي حائط المبكى، باعتبار أن القدس لهم. تقتل إسرائيل قيادات من فلسطين ومن حزب الله في لبنان، ثم تقتل السيد حسن نصر الله أمين الحزب، وهنا يظهر الشامتون في مقتله، كأن ذلك الهدف لإسرائيل ليس ضد محور للمقاومة، وكأنها دخلت المعركة بين السنة والشيعة، انتقاما مما فعله حزب الله في سوريا لوأد الثورة على بشار الأسد، بينما ما جرى خطوة في الشعار الذي صار يرفعه نتنياهو لكسب رضاء المعارضين له، ويحقق لهم اسطورة أرض الميعاد من النيل إلى الفرات. بالضبط كما قال الاستاذ جابر الحرمي في تغريدة له على تويتر موجزها: «الكيان الصهيوني لم يُقدِم على اغتيال حسن نصرالله انتقاما للأبرياء من الشعب السوري الشقيق، أو دفاعا عنهم، ويجب ألا يعمينا ذلك عن المشروع الصهيوني، ففلسطين وغزة هي البداية». ينسى الشامتون أن عشرات الآلاف من السنة، وحتى من المسحيين، قد قتلوا في غزة ولبنان. نتنياهو بتوسيع الإبادة للعرب يحاول أن يخفي إخفاقه في غزة، فرغم كل دمار لم يستسلم أهلها ولا جنودها. وأيّ عاقل يعرف أن نتنياهو لن يقف عند ذلك وسيتسع، ولقد بدأ الغزو البري لجنوب لبنان وأنا أكتب هذا المقال. مجنون يصدق أنه يحقق أرض الميعاد، ويأتي شامتون، مع تقديري لمأساتهم في سوريا التي لا يوافق عليها أيّ عاقل، يشمتون في حسن نصر الله، كأن مقتله لا يواكبه تدمير لبنان. للأسف عشت لأرى زمنا تصبح إسرائيل فيه هي المُخلِص للسنة، ومادامت إيران صامتة، فربما يقفز من يعتبر إسرائيل أيضا، هي المهدي المنتظر، بينما تحقق إسرائيل أسطورتها.
639
| 03 أكتوبر 2024
تابعت في ألم ما فعلته إسرائيل بأجهزة "البيجر" التي انفجرت في حامليها من أعضاء حزب الله في بيروت، فأصابت حوالي ألفين ومات عدد يزيد على العشرة، وبين المصابين خمسمائة حالة خطرة. كانت صدمتي في أن الحرب مع إسرائيل قد أخذت شكلا غير متوقع وهو الوصول إلى حياة الناس عن طريق أجهزة الاتصال الحديثة. أثير كلام كثير حول السبب، وهل الأجهزة من البداية بها مواد متفجرة، أم هي على اتصال بمركز يستطيع الإشارة إليها أن تنفجر. إلى جانبه هل تم الإعداد لذلك مبكرا في الدولة المصدرة التي لم يستقر عليها الرأي، هل هي في آسيا مثل تايوان أم أوروبا مثل المجر. ظلت صدمتي بما حدث باعتباره تطورا غير متوقع في الحروب، خاصة أنه وصل إلى ما يحمله أي شخص قد لا يكون له علاقة بالسياسة أو الحرب، وسألت نفسي هل يمكن أن يحدث هذا في بقية أنواع الأجهزة وما أكثرها. من هو صاحب هذه الفكرة الجهنمية في القتل غير المتوقع للبشر. نعرف جيدا أن هذه الأجهزة مهما ابتعدت عن مصدِّريها تظل مجالا للتجسس على حامليها، فكل أحاديثهم عليها لا تضيع. بل كل المواقع مثل الفيسبوك وتويتر وغيرها عليها كل المعلومات عن مستخدميها، ونحن نعرف ذلك ولا نهتم، لأنه من ناحية لا يمكن الحياة الآن بدونها، ومن ناحية أخرى ليس في حياة الأغلبية من البشر ما يخيف. حتى فكرة أنه على كل بلد أن تصنع أجهزتها حتى تتجنب التجسس لا تصلح رغم أهميتها، لأن كثيرا من الحكومات تتجسس بدورها على المستخدمين. صارت مراقبة المواقع وصفحات السوشيال ميديا مثل مراقبة الصحف، لأنها صارت الصحف التي تصدر بعيدا عن الحكومات. مرة أخرى أقول إن ما أثارني هو تعمد قتل المدنيين بهذه الطريقة. حقا إسرائيل لا تتوقف عن قتل المدنيين في غزة، فهي حتى الآن لا تعرف أين هم العسكريون من كتائب القسام، لكن وصل ما تعتبره جبروتا إلى المدنيين بلا غارات. يحدث هذا والعالم يقف يتفرج ودوله المؤثرة رافعة شعار الديمقراطية لم تحتج. أن تصل الفُرجة بالدول الكبرى في العالم إلى هذه الدرجة من الاستهانة بالمدنيين ليس جديدا منذ بدأت الحرب على غزة، ويؤكده ما حدث ويحدث في لبنان الآن من غارات إسرائيلية. لكن ما حدث تأكيد على أننا في مرحلة جديدة لم يعرفها التاريخ من قبل. على طول التاريخ هناك إمبراطوريات زحفت على غيرها وقتلت شعبها جنودا ومدنيين والعالم غائب عن الأخبار، لكن أن يحدث هذا التطور في القتل على مرأى من العالم، فهي مرحلة جديدة تعجز أقذر الكلمات عن توصيفها. هل يتصور هؤلاء أن التاريخ سينتهي إلى ما يريدون؟ هل انتهت الحرب على غزة باستسلام غزة رغم مضي عام كامل؟ أليس هذا فشلا كاملا لإسرائيل يمكن أن يفسر ما حدث بأجهزة البيجر كنوع من إعلان الحضور بما لا تتوقعون. ورغم ما حدث بعد ذلك من غارات بين إسرائيل وحزب الله فلا يجب أن ننسى السؤال، إلى أين سنصل في هذا العالم ودوله الكبرى تغلق عينيها عما جرى، ولا تعتبره إرهابا وتجاوزا إنسانيا لم تعرفه البشرية، وتصم آذانها كأن شيئا لم يحدث، فلا تتوقف عن دعم الصهاينة ولا توريد السلاح لهم مثلا. هل تنتظر هذه الدول الديمقراطية في بلادها من فضلك، أن تقوم الأحزاب المتنافسة فيها إلى تفجير أعضاء بعضها بما يحملونه من أجهزة اتصال، ولا تكتفي بالتجسسحتىتتعظ؟
2241
| 26 سبتمبر 2024
مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...
3030
| 23 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة...
1089
| 29 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...
789
| 24 مايو 2026
في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...
654
| 26 مايو 2026
وقفت قطر مع العراق مواقف الأخوة العربية الصادقة...
648
| 26 مايو 2026
لماذا يقبل الناس على مثقف أدنى من مثقف...
630
| 26 مايو 2026
منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...
627
| 23 مايو 2026
كثيرون ينتظرون أن تبدأ حياتهم المهنية بفرصة جاهزة...
615
| 25 مايو 2026
كل عام يختلف بشكل متغاير وبثوب جديد، ليصبح...
585
| 23 مايو 2026
يعكس الاتصال الهاتفي بين حضرة صاحب السمو الشيخ...
585
| 27 مايو 2026
حياتنا في مساحاتها الواسعة تحتاج لمن يحفزها ويبعث...
570
| 28 مايو 2026
مع إسدال الستار على فعاليات معرض الدوحة الدولي...
564
| 24 مايو 2026
مساحة إعلانية