رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عَبِقٌ هُو الياسمين. لطالما داعب شذاه العذب روحها، تلك التّي كانت تهوى اقتطافه من غصنه اليافع في حديقة جدّتها، في أرض تونس الطّاهرة. كان يستهويها طِيبه، وقد فرطت صبابتها على ذلك الصّفار البهيج المنبثق من أعماقه، بل والمُتمرّد على مِثاليّة البياض، بقطرات النّدى التّي كانت مآقيه تذرفها عقب غسقٍ مُدلهّم شديد الحلكة على روحه الرّقيقة. «ثورة الياسمين حرّرت العصفور من القفص»، في مشهد هو أقرب للخيال منه للحقيقة، انتفض الشّارع التّونسي بأحراره بعد عقدين مريرين من الإسكات والتّعميم وتكميم الأفواه المستميت بل واقتلاع الرّؤوس المعارضة لنظام الحكم القمعيّ. انتفض بعد عقدين من الذلّ والإهانة، وكانت فيه أرض الله الطّاهرة خير شهيد لما شربت من دماء أُثعبت ومن دموع حارقة أسكبت وأرواحا سارت فوقها ناعية قِطعا منها، لتصبح جثثا بلا أرواح ما عادت تعرف للحياة معنى، بعد أن شهدت رحيل شطرها الآخر سلبا وقهرا وما قدرت على تحريك ساكن. الياسمين يثور! مفارقة ممّزّقة، تتوقّف عندها العقول الواعية لترى وتشهد في صمت مريع ما أصابها من ذلّ وانبساط بعد رفعة وكرامة فُرضت غصبا. الياسمين الذّي تغنّى به العاشقون - ومن هم المحبون صدقا ؟ - هم أولئك الذّين تجذّرت في أرواحهم معاني الرّفعة والأنفة أبدا. حبّ يسمو فوق معاني الحب الكلاسيكية ويحلّق بها في سماء الله، هاته الزّهرة التّي يَهتف به المتشبّعة أرواحهم عزّة وكرامة وحريّة طاهرين، وتخرُق به الصّدور الحُرّة هتافا. نعم، ذلك الوَهنُ الضّعيف، يَصرُخ ويصدَع بكل ما أوتي من حول وقوّة، فلم يتواهن لرمق، وهوالذّي يسحُق بكل هوان طاحن. أأقول أنّنا أصبحنا أهون من الياسمين؟ أو أنّ الياسمين أضحى أقوى ؟ أقول إن أسميتموها ثورة الياسمين، فإنّ فحواها ومحرّكها الدّموي هو الكرامة النّاضحة، وأنها قطعًا ثورة الحريّة والكرامة. لقد سلبوا الأرواح وسلبوا حريّة الفكر والمعتقد وكبّلوها، أشعلوا في أنفس الأبرياء النقّمة والغمّ بحديدهم ونارهم، وأشعلوا في الوطن ثورة كاملة كريمة الغاية والمبدأ، والتّي كانت شرارة ربيع زاهرعربيّ. تحنّ الأنفس الشّريفة لهذا الوهج الثّوري الذّي خبت واندثر مع مهبّ الرّياح، إلاّ أنّه وجب تجديد الإيمان الذّي يزيد وينقص مع مطبّات الحياة وما تفرضه طبيعتها من رضوخ وسكون. ولا بدّ له أن يعود، وسيعود أقوى وأعنف. وهج ثوريّ حتما من نوع فريد سيضع في أنامل الأحرار المفتاح ويقودهم لمسار طويل قطعا من النّضال والتّضحية. مشهد معتم حاليا، كئيب قطْعًا تسوده سحابة مثقلة بالهموم الأرزاء، إلاّ أنّ الغيث سيحلّ بالمنطقة، فترتوي، ويحيا الياسمين وينبثق من جديد بصفاره المتمرد على البياض بعد حلكة قاتمة. أَقول يَا سَيِّدَ العِطْرِ، يَا مَنْ فَوْحُكَ جَلَلُ، تَرَكْتَ نَفْسِيَ بَيْنَ الرُّوحِ مُرْتَبِكَةً، وَسِرْتُ كَالمَجْنُونِ أَسْأَلُ لَو تُسَنُّ !، ولا أجد أبلغ وأرقى مما خطّه الشّاعر عمر أبو ريشة حول رفض الاستكانة والخنوع أبدا مهما آلت الأمور لما لا تبتغيه الأنفس الحُرّة وتأمل في تحقيقه وإرساخه : (ليس عارا إنْ في النّضال عثرنا، إنّما العار في اجتناب النّضالِ)
618
| 21 نوفمبر 2025
«أريد الصّمت كي أحيا، ولكن الذّي ألقاه ينطقني، ولا ألقى سوى حزن، على حزن، على حزن»، كلمات خلّدها الفؤاد المُلوَّع للشّاعر العراقي أحمد مطر، والتّي كلّفته غاليا. كلّفته توديع مرابع صباه والإلقاء بنفسه في دائرة النّار اللاّفحة. وأيّ صمت هو يا ترى؟ أهو الصّمت المُهيب الذي يرتسم على العيون المُرهقة فيُعميها ويعُمي بصيرتها ؟ أم هو الذّي يخُتم على الشّفاه المُرتعشة ليفتك بها، فتضحى جامدة لا تنبسُ بكلمة، ولتتّجمد الأحرف معها بحزن قاتم ؟ أم هو ذلك الشّبح القاتم المخيّم على أنفسِ مَن يحسبون أنّه لا حول ولا قوّة لهم وأنّ ما بأيديهم الوهنة حيلة؟ ما تعرفه ذاتي أنّه ثِقل منُهِك لا يُطاق، يُجمّدُ الدّماء في الأوردة بكلّ ما أُوتيَ من قوّة وجبروت، ويُخفي لا مباليا صرخات مُدوّية كادت تخرق قفصَ أضلُعِ صاحبها المحمَّلِ كاهلهُ بأرزاء شديدة الوطأة.. وحش يُلقي بظلاله الشّديدة السّواد والكثيفة على كلّ بصيص أمل منير لرفض الاستكانة والخنوع أبدا. صمت هو من نوع فريد، يرتفع فوق الضّجيج، يكبّل الأيادي ويقيّدها بسلاسل اليأس والقنوط، ويخنق بشدةّ طاحنة أنين الأرواح الضّعيفة.. فتفنى أخيرا الكلمات التيّ ما فارقت الحناجر، وتتبدّد المشاعر الفيّاضة معها رويدا، وثمّ تردى الأرواح قتيلة. لتصبح ضحيّة وفريسة سهلة المُبتغى والفتك بها أمام مرأى الجمع الغفير السّاكن في مشهد مُهيب هو أقرب للسّراب منه للحقيقة المريرة. هو وشوشةُ الرمادِ المُتبقّي من حريقٍ قديمٍ لم تنطفئ جمرتُهُ بعدُ في الصّدور الحرّة. هو ظلٌُّ طويلٌ يتمدّدُ في أعماقِ الأبجديّةِ أين يعجزُ الحرفُ عن حملِ الثّقلِ. هو مرآة مُصدّعة تعكسُ صخبَ الأجساد المبتورة. هو لوحة فنيّة حزينة بكل ما تحمله الكلمة في طيّاتها، أُنجزت بفرشاة اليأس القتّال، واتّخذت العبرات المتجمدّة في مآقي الصامتين ألوان لها. ونفسي التّي لا تقو على الكثير، حرّة في سماء العربيّة والحروف، واشتهت أن لا تكون هي الأخيرة وهنة كعادتها، تتجرّع من كأس اليأس ما يعميها، واختارت حروفها أن تتجمّع لترقب - ولو بصمت - بشاعة الصمّت الحزين. ولا أجد أبلغ مما قال الشاعر فاروق جويدة ختاما لما خُطّ. «حرك شفتيك أنطق كي أنطق، أصرخ كي أصرخ ما زال لساني مصلوبا بين الكلمات.. عار أن تحيا مسجونا فوق الطرقات، عار أن تبقى تمثالا وصخورا تحكي ما قد فات خبرني ماذا قد يحكي صمت الأموات لا حي أنت.. ولا ميت وكلانا في الصمت سواء»
522
| 08 أغسطس 2025
تهتز الأرواح شوقا لمن يشاطرها مُرّ الحياة قبل حلوها، فتكون تواقة للقاء، شغوفة بالأخرى، وفيَّة بالعهد لها ولكينونتها الدائمة أبدا، ولا أتخيل وجود فرد بقلب حي فيه تتدفق الدماء الحرة لا يركن ولا يميل إلى من يحمل عنه عبئه وأرزاءه. ولكثر ما سال الحبر في أبيات العُرب والروم بغية إيصال عبق الهوى عبر ورق أملس لامس عذاب فؤاد كاتبه. ليال ظلماء يقضيها العقل وما فطره عليه خالقه مذهولا في خيلاء شطره الثاني، فيكون كل شطر السكن والسكينة لزوجه. يقول عز وجل: «وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» [الروم 21]. وما فائدة الحب - الذي ما ينفك أن يكون فيه العلقم عسلا- إن كان غير مقرون بالوفاء والبقاء على العهد وصون الفؤاد والمودة أبدا؟ هو حينها أقرب إلى تمثال جمدت فيه الدماء واضمحلت معه فتنة الصبابة المذيبة. ولئن تأملنا دواوين شعرنا العربي - الغزلي منها خاصة - لوجدناها طافقة باللوعة والتيّتم، ولوجدنا العُذّل وقتامة أرواحهم ومقتهم لمشاعر الحب الطاهرة قائمة، كرأي العين واضحة، فتراهم يخلقون من السبل ما شتى لمنع قيام ونشأة لبنة تكون الدعامة لعلاقة هي الأسمى كونيا. ومشاعر الكره يا سادة وما يتبعها في طياتها من حسد وشر قتالة لمشاعر الحب وإن كان في عيون محبّيه قويا صامدا، فلا صمود بل الفناء لهاته المشاعر المُحرم حضورها غالبا. فنجد زوجا معذبا من اﻷرواح، كل هائم في لجج السراب والهيام، ذلك وقد خال كل فرد منهما أن رياح الفرقة وهنة عاجزة عن قطع الوصال ومنعه، ولكن أنى له أن يتحمل فراقها بعد حرب كادت روحه أن تزهق في سبيل الظفر بمأربه العذب؟ وأنى لها أمام جبورتهم وقوتهم أن تصمد أمامهم وتكابد بطشهم؟ يقول أحد ضحايا الشغف وقد أعمى الهوى بصيرته واستحوذ على أصغريه: «لما تلاقينا على سفح رامة، وجدتُ بنان العامرية أحمرا» فأردفت: «أخضّبت الكف بعد فراقنا؟ « أي أحقا تزينتْ فوضعتْ الحناء بلونها البهيج المحمر وأنكرت ما كان بينهما بين ليلة وضحاها؟ أنى لها أن تبتهج روحها وأن تتزين؟ بل وكيف سولت لها نفسها نقض العهد والميثاق بكل بساطة طاحنة؟ إلا أن مفطري الفؤاد تناسى بغتة ما يلحقها هي الأخرى من مكائد وأنها سارت كثيرا على درب الأشواك الدامية وكابدت إلى أن تهاوت وخضعت لما يفرضه واقعها المرير، تخلت نعم، ولكن مرغمة. وتناست -غصبا - ما كان قائما من ود بهيّ. تناست من كان شطرها الأول، وركنت إلى شطر آخر لا تعلم ولا تفقه عن دهاليزه أمرا. فقالت «معاذ الله ذلك ما جرى!، ولكنني لما رأيتك راحلاً بكيت دمًا حتى بللت بهِ الثرى، مسحت بأطراف البنان مدامعي فصار خضاباً بالأكف كما ترى».
4026
| 20 سبتمبر 2024
لئن تأمل العبد آيات لطف خالقه من حوله حقا، لما رفع جبينه من أرضه تعالى الطاهرة شكرا وحمدا، إلا أن النفس البشرية وما يعتريها من ظلم وشرور طافقيْن - يعميان البصيرة - قابعة بالمرصاد لكيان وعقل صاحبها وسلامه. فيغط في لجج القنوط واليأس وقد خُيّل إليه أنه أشدهم ابتلاء وأكثرهم حملا للأرزاء الثقيلة الوطأة، بيد أن اللطيف الخبير قد أسبغ عليه من النعم ما شتى وكثُر. أتراه ينسى كم من ليلة عابرة مرت بعذوبة بعد أن تساقطت فيها عبرات مقلتيْه على خده لافحة روحه كالجمر؟ أتراه ينسى أياما فيها لُوّعت نفسه من فواجع الدهر القاسي ظن فيها أنه مكبّل أبدا في بحور الخيبة والخذلان؟ أتراه ينسى معجزة انبثاق الفجر من الرماد وأن عهد المعجزات قد ولى ومضى منذ غابر الأزمان؟ فلم تناسيْت -أيها المعذَّب- خلاص نفسك ونجاتها من أعتم الليالي وأحلكها وركنت إلى الشكوى والوهن؟! عُلّمنا بأن الدنيا دار كبد وشقاء، وأننا ما وُجدنا فيها إلا لنكابد الضنك ونجاهد أنفسنا عليها وعلى ما تحمله لنا أيامها في طياتها من مآس. وعلمنا كذلك أن ربي وربكم عليم لطيف بحالنا، لا يخفى عليه شيء في اﻷرض ولا في السماء، بل هو أرحم بنا من اﻷم برضيعها الذي هو فلذة كبدها الخارج من أحشائها، فكيف بالله ولله المثل الأعلى؟ ومن هذا المنظور تنبثق فكرة عدله تعالى، أولا ورحمته ثانيا. فأما عدله: فهو من أسمائه الحسنى: «العدل»، أفيعقل أن يظلم من سوى السماوات السبع الشداد وخلق الأفلاك والمجرات من العدم في تنسيق دقيق يعجز عن فهمه عقل الإنسان القاصر؟ إن التأمل في نواميس الكون المهيب آية يستنير ويسترشد بها الفرد عند حلول حلكة ظلام روحه وعقله الذي وجب أن يُعمله خاصة في كيفية التعامل والإلمام بالحوادث - سواء كانت سارة او ضارة - ليستطيع أن يكابد وأن يكمل في درب امتحانه راجيا الفوز والنصر بعد ضنك منسف للروح لا محالة، ذلك وإن نسي الفرد جوهر امتحانه، كان الفشل والندم حليفيه. وأما الرحمة، فهو الرحمن الرحيم: ومن أبسط صور التدليل العلمي على هذه الفكرة انه وجبت قراءة سورة الفاتحة-التي تستفتح بحمد الرحمن الرحيم - في كل ركعة يوميا، وقد أثبت علميا ان مجرد تكرارها شفهيا يجبر انتقال الفكرة وترسيخها بإرسالها إلى العقل الباطن حيث تتم برمجة عقل الدماغ وكيفية تسييره لحياته. ولتهوين ضنك الدنيا وحملها، فليرقب المؤمن أمور حياته من زوايا تخرج عن المألوف والاعتباطية معا. وليعلم أن أمره كله له خير، وان شتى أقداره ان وضعت نصب عينيه، لاختار ما اختاره له خالقه الخبير. وليعلم أن العليم اللطيف محيط بأنين روحه ووجعها وأنه لوعة من أقدار قاسية طاحنة. وليحمد الله ربه دائما وأبدا، وليتقه فيجعل له من عسره يسرا.
660
| 06 سبتمبر 2024
مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...
8574
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
4188
| 09 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...
1203
| 11 مارس 2026
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...
1155
| 07 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
939
| 10 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...
933
| 11 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
834
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...
699
| 11 مارس 2026
في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...
660
| 05 مارس 2026
رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...
654
| 05 مارس 2026
أقدمت إيران بعد استهداف خامنئى على توسيع نطاق...
564
| 07 مارس 2026
-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...
564
| 08 مارس 2026
مساحة إعلانية