رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ماذابعد المونديال؟ (4-4)

ماذا بعد المونديال؟ لم يكن هذا السؤال البديهي حاضرا بقوة قبل سنوات وحتى أيام قليلة من إطلاق صافرة نهاية المباراة الأخيرة. لم نفكّر كثيرًا فيما بعد نجاح قطر في تنظيم نسخة استثنائية لكأس العالم 2022، كنا نعلم مثلاً مصير تلك الملاعب الأيقونات التي شدت أنظار المليارات وعشقها المشجعون واللاعبون الخاسرون والرابحون، فملعب 974 صمّم منذ البداية ليفكَّك بالكامل، وسيقدَّم للدول التي تحتاج ملاعبها للمقاعد في إطار تنميتها، وأمَّا الملاعب الأخرى فستُفكَّك الآلاف من مقاعدها لتُخفَّض طاقتها الاستيعابية بما يكفي احتياجات الرياضة في قطر، ولتوفير جزء من البنية التحتية الرياضية للدول النامية، بالإضافة إلى أن بعض الملاعب ستشهد تغييرات إضافية، فملعب لوسيل سيُحوَّل إلى وجهة مجتمعية تضم مدارس ومتاجر ومقاهي وعيادات طبية، بينما سيضم ملعب الثمامة فرعا آخر لمستشفى «سبيتار» وفي مكان المدرجات العليا سيبنى فندق صغير، وبعد أن تُخفَّض الطاقة الاستيعابية لملعب المدينة التعليمية سيكون وجهة رياضية وترفيهية، هكذا يكون مصيرُ الملاعب التي شهدت أروع المباريات وصولات نجوم كرة القدم وأهازيج المشجعين وآمالهم، وإذا كنا نعلمُ ما ستؤول إليه هذه المعالم التي تحوَّلت إلى جزء من الذاكرة الرياضية العالمية، فإننا نُمعن النظر في مكاسب المونديال الأخرى. إنني لا أنكر ذلك الشعور الغريب الذي أحسست به كلَّما كنَّا نقترب من نهاية المونديال، فرقٌ تخسر فتغادر قطر ويُغادر عقبها أغلب مشجّعيها وفرقٌ تنتصر لتظلّ إلى آخر مباراةٍ، ومع كلّ موجة مغادرين تنتابني قشعريرة وداعٍ. حقّا، لقد ألِفت مثلما ألِف القطريون والمقيمون على أرض قطر ذلك الوئام بيننا وبين مرتادي كأس العالم، خلال شهر كامل نمَت بين الجميع صلات نفسية وثقافية راقية، لم تكن الأعلام المميزة لمنتخبات الدول المشاركة تمنعُ ذلك التواصل الخلاَّق بين الجميع، ولم تمنع الاختلافات الثقافية من تواجد الجميع على أرضية الاحترام والتقارب. لقد أفقنا جميعا بُعيْد ساعات من نهاية كأس العالم بشعور من يودِّع أحبابهُ من الأسرة الإنسانية الواسعة، بعد أن نلنا تجربة مُثلى في العيش المشترك، فقد مرَّ كأس العالم دون ذلك الشَّغَب الذي اعتدنا مشاهدته في نسخ أخرى منه في بلدان أخرى، لا عراك في الشوارع ولا مضايقات للنساء في المدرجات أو في أي مكان، ولا كلام فاحش أو سباب بين المشجعين المتنافسين، مرّ كلّ شيء بسلاسة وسلامٍ، كأنّه حلمٌ. وليس المهمّ أنّ تنظيم كأس العالم في قطر سفَّه أقوال المناوئين لهُ، ولكنَّ المهم هو ذلك الرصيد الرمزي من التجربة الاجتماعية التي استفاد منها المجتمع القطريّ أولا وقدّمت للعالم صورةً مختلفة عن الرياضة لجميع أبناء المعمورة. لقد كان الشعور بالأمان لدى كلّ مشجّع دافعا للتعرّف على ثراء المجتمع القطري وثقافته العربية الإسلامية، فقد رأى العالم كيفَ تفاعلت جماهير المشجّعين مع العلامات الثقافية القطرية من لباس وأكل ولهجة وعادات وتقاليد، بل إنني أكاد أجزم بأن هذه التجربة النفسية والفكرية التي عاشها المشجعون ستقلب الكثير من الأفكار في المستقبل عن الشّرق الأوسط وعن العرب المسلمين تخصيصًا، وسيستيقظ العديدون على خداع الأباطيل الإعلاميّة التي حاولت التشويش على سير المونديال، بذلك تسقط أقنعة الإعلام أمام انكشاف الحقائق، فلا يُمكن استبلاه العالم وشهود العيان من كلّ مكان أقروا بمتعة نجاح التجربة القطرية في تنظيم الكأس. لا أخفي على أحد أنني كنتُ أتابع خلال فترة كأس العالم، المباريات في الملاعب، ومباريات أخرى تقع خارجها بين المشجعين والقطريين والمقيمين هدفها الأساسي هو التنافس في إبداء المودَّة الإنسانية وتحقيق التقارب الثقافي وكأنه خيار الشعوب منذ القديم، أو هو قدرٌ في الجينات البشرية، ولأقل إنه من فطرة الله التي فطر عليها عباده ليتعارفوا. هكذا كسبنا التجربة المجتمعية التي سيكون لها تبعات إيجابية على المجتمع الآن وغدا، وستسم تكوين الأجيال القطرية والعربية على السواء وتهبها الأمل والتفاؤل في مستقبل أفضل، إنّني أذكر قول نيلسون مانديلا: «يمكن للرياضة أن تُحقّق الأمل حيثُ كان هناك يأس فقط»، ولا أحد ينكرُ أن اليأس كاد يلتهم الشّعوب العربيّة في إمكانية استئناف «اللعب» الحضاري والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانيّة، فقد أعادت هذه النسخة من كأس العالم الأمل من جديد في قدرة العرب على مجاراة نسق الحضارة، ولأكن أكثر جرأة في القول بأنّ هذا النجاح المستفزّ لكلّ العنصريين في العالم، مكَّن العرب والمسلمين من التخلي عن تلك الصورة التي كست تفكيرهم بشأن دورهم في العالم، وهي صورة استشراقية تعمَّد الغرب الاستعماري تصويرها لنا وإرغامنا على الاقتناع بأنها «حقيقتنا»، ولكن بئس ما كانوا يفعلون! دبلوماسية رياضية مُبهرة أكدنا في أكثر من مناسبة على عناية دولة قطر بالدبلوماسيّة الرياضيّة منذ سنوات، وأبرزنا أهمية ذلك في نطاق الدبلوماسيّة التقليديّة ومكانتها في الدبلوماسيّة الثقافيّة عموما، لإيماننا بأنّ هذه الوسائل لها نجاعة خاصّة في تأهيل الدول للعب أدوار كبرى في العالم، وإذا كان كأس العالم لكرة القدم هو المرآة الأكثر انعكاسًا لتجربة الدّول في الدبلوماسيّة الرياضيّة، فإنّ قطر سجّلت بنجاحها في التنظيم هدفًا في مرمى التقدّم. ليست الرياضة قطاعا هامشيّا أو رهينة مناسبات، بل هي في رؤية دولة قطر مجالٌ أساسيّ في نمط العيش قبل أن تكون مجالَ تأثير في العلاقات الدوليّة، فالمجتمع الآمن الذي أُعجب به العالم هو وليد تلك النظرة للرياضة المجتمعيّة، حيثُ أصبحت الرياضة في قطر شعارا للتعاون وليس شعارا للتنافس. لقد ظلّ العرب بعيدين عن لعب الأدوار الكبرى في الرياضة، لذلك لم تكن لديهم دبلوماسيّة رياضيّة مؤثّرة، علاوة على ضعف الدبلوماسيّة الثقافيّة، ولعلّ الدرس القطري يفتح باب التفكير من جديد في هذه الوسيلة، خاصّة بعدما أيقنت الشّعوب قبل الدّول بأنّ مكاسبها لا تُعدُّ، فقد اعتدنا أن نُرجع قوّة الدول العظمى إلى ما هو عسكري أو اقتصادي متناسين ما توليه من أهمية للقوّة الناعمة، إنّني ما زلت أذكر أحداثًا لعبت فيها الدبلوماسيّة الرياضيّة ما لم تقم به الدبلوماسيّة السياسيّة من دور في إحلال السّلام أو التقارب بين الشّعوب أو الخروج من الأزمات السياسيّة الدوليّة، ففي عام 2002 غرقت ساحل العاج في حرب أهليّة، وحين تأهّل منتخبها إلى كأس العالم لكرة القدم عام 2006 استغلّ الحدث لإطلاق نداء للسّلام، وناشد قائد الفريق ديدييه دروغبا، وكان لاعبا محترفا في صفوف نادي تشيلسي اللندني، أن يسود السّلام أبناء شعبه، قائلا: «يا رجال ونساء ساحل العاج، في الشمال والجنوب والوسط والغرب، أثبتنا اليوم أن بإمكان العاجيين أن يتعايشوا في سبيل هدف مشترك ألا وهو التأهل لكأس العالم، لقد تعاهدنا أن الاحتفال سيوحّد الناس. اليوم، نتوسّل إليكم ونحن جاثون على ركابنا، مقابل السّماح والعفو والصّفح»، ولا شكّ أنّ كلمات «دروغبا» ليست عصا سحريّة لتغيير الأوضاع في بلد نهشته الصّراعات الدمويّة، ولكنها عبّرت عن الضّمير الحيّ في الشّعب الإيفواري، ولا أحد يُنكر ما لذلك النّداء من أثرٍ في تحقيق ما فشل في تحقيقه السياسيّون الأفارقة آنذاك. لنتمعَّن في المكسب الكبير الذي حققته القضيّة الفلسطينية من جديد بفضل كأس العالم، لقد نجحت الرياضة في تذكير الرأي العالمي بعدالة القضيّة الفلسطينيّة كقضيّة إنسانيّة بشكل مبهر، فالرياضة كلّما أخلصت للمبادئ التي نهضت عليها فإنّها تكون وفيّة لكلّ قضيّة إنسانيّة، فكان رفع الراية الفلسطينيّة من قبل المشجّعين بمختلف جنسياتهم دليلاً على حضور فلسطين في الضّمائر الحية في العالم، فرفرف العلم الفلسطيني جنب الأعلام الأخرى في علامة رمزيّة لتوافق إنساني على أنّ الرياضة ليست «أفيونًا» يُلهي الشعوب عن قضايا البشر، وهذه رسالةٌ عميقة من رسائل كأس العالم قطر 2022. كأس العالم ليس التحدي الأخير نظر القطريون إلى كأس العالم باعتباره تحديا عندما أعلن الفوز بملفّ الترشّح منذ 2010، إذ تندرج استضافة المونديال في «وسم» الدولة وصورتها في العالم، فقد أخذت السياسة الخارجية القطرية الحكيمة في لعب دورٍ كبير خلال السنوات الأخيرة في جهود الوساطة المتعددة في ملفات سياسية ساخنة وشائكة من قبيل اتفاق السودان ولبنان 2008، وأفغانستان 2022، والتشاد 2022، وقد منح نجاحها كوسيط دولي في إظهار صورتها كدولة تؤمن بالسلام الدولي وتحث الأمم على تحقيقه، وليست الرياضة غير جزء من هذا الاتجاه الإستراتيجي العام لدولة قطر. ومما زاد في توسيع انتشار صورة قطر دون شك في نسخة هذه الكأس هو التطور التكنولوجي الكبير لوسائل الاتصال، حيثُ نجحت قطر في توظيف هذه الوسائل لتقديم أفضل صورة عن المونديال أوَّلا ولتقديم ثقافتها ثانيًا، فقد تناقلت جميع الوسائط الإعلامية التقليدية والجديدة وبكلّ لغات العالم ما يحدث من حلقات «المعجزة القطرية» التي سطرها القطريون فأعادت الثقة للعرب في إمكانياتهم وقدراتهم، وعاشها المتطوعون الذين قُدِّر عددهم بعشرين ألف متطوع، عن قرب وهم سيكونون سفراء للثقافة العربية. لقد استطاعت قطر أن تقدِّم الثقافة العربية خير تقديم بإنقاذها من النمطية المجحفة التي كرَّسها الغرب في إعلامه وأفلامه السينمائية، ويبدو أنّ ما حدث سيعطِّل لوقت طويل الآلة الجهنمية لفبركة الصورة الزائفة عن العرب، ولكن ينبغي استثمار هذه المكتسبات، فهي بذرة طيبة لوجهة جديدة، تحتاج إلى رعاية حتى تنمو وتتطور، فقد صار بالإمكان إيقاف تلك الآلة عن إفراز الأباطيل حول صورتنا، ليكون كأس العالم هو المرآة الحقيقية التي نرى من خلالها صورتنا، إذ نحتاج إلى نجاحات وطعم للانتصارات بعد قرون من التراخي الحضاري، وكل هذه النتائج المبهرة يمكن أن تتلاشى أو أن تدخل «متحف التاريخ» إن لم تتبعها جهود تبني على الإنجازات، فالنجاح الكبير الذي يشهد به القاصي والداني بقدر ما هو مصدر سرور وفرح فإنه يعني مزيدا من تحمُّل المسؤولية على الناجح لاستمرار النجاح واستثماره. لقد توفَّرت لبلدنا الرؤية والشجاعة لتحدي طلب استضافة المونديال، ثم تطلَّب ذلك العمل ليل نهار لبلوغ قمة النجاح المبهر، فمررنا جميعًا بتجربة ثرية بالتحديات، وقد أصبح لدولة قطر التي تميَّزت قيادتها الحكيمة بالوضوح والصبر، خبرة كبيرة لتدرك ثمن النجاح وتعرف أعداء النجاح أيضا، لذلك فإن المسيرة مستمرة للمحافظة على النجاح والانتقال إلى مراحل أخرى لمزيد كسب النجاحات، وهذا يتطلَّب خطة متكاملة واضحة المعالم للتعامل مع النجاح واستمرار تحصيله في المراحل القادمة، وشعار اليوم الوطني هذا العام منطلق وقاعدة ذهبية لاستمرار هذا النجاح (وحدتنا مصدر قوتنا). ماذا بعد المونديال؟ مسيرة النجاح والتحديات مستمرة

1698

| 25 ديسمبر 2022

كأس العالم حتّى لا تكون "آفة حارتنا النسيان" 4/3

فرض كأس العالم علينا جميعًا إيقاعا خاصّا في حياتنا اليوميّة، نستيقظ لننام على وقع المباريات وما يحدثُ في محيط الملاعب وفي الشّوارع والأسواق من حركيّة ونشاط للمشجّعين، حقّا غيّر مونديال قطر عاداتي الشّخصيّة، لم يكن صائبا القول بأنّ كأس العالم مجرّد فُرجة أو منافسات رياضيّة ترفع حميّة المشجّعين أو مجرّد محرّك لاقتصاديّات مختلفة، لأنّ في هذه اللعبة ما يُغيّر حقّا الأفراد والمجتمعات. ربّما لم نكن ندرك ذلك طيلة عقود من متابعتنا لهذا الحدث ونحن أمام جهاز التلفزيون، لا نتعامل معه إلاّ كصورة مرئيّة تحرّك مخيالنا ومتعتنا، بينما اختلف الأمر ونحن نعيش في داخل الحدث وعلى مقربة ممّا يثيره من تفاصيل وكواليس وظواهر. بدا الأمر مختلفًا، بل هو إدراك آخر شبيه بنوع من التورّط وجدانيا وذهنيّا فيما يحدث لا في الملاعب وإنّما وحتّى خارجها في الشّوارع والأماكن العامة والمراكز التجاريّة والأسواق ووسائل النقل، وحتّى في الفضاءات الافتراضيّة التي يتيحها عصرنا الرقمي من جدران الفايسبوك وتغريدات تويتر وعوالم إنستغرام وغيرها من تطبيقات. هل يستطيع أحد اليوم في قطر أن يقول بأنّ المونديال مرَّ من هنا دونَ أن يثير فيه شيئا ما أو يحرّك فيه فكرة أو يدفعه لفعل شيء نبيل والعالم في ضيافته؟ لقد اتّسعت دائرة المبادرات الثقافيّة والمجتمعيّة لتكون هذه النسخة من المونديال استثنائيّة حقّا. سارعت المؤسسات الثقافيّة إلى تأثيث برامج وفعاليّات متنوّعة لفائدة المشجّعين، صارت الدوحة خليّة نحل حقيقيّة لا تهدأ، وفي كلّ يوم أتابعُ فيه المستجدّات، ينتابني الشّعور بأنّ كأس العالم تحوّل إلى حدث ثقافي، ومن بينِ ما استحسنته إقدام بعض المؤسسات الإعلاميّة على توثيق الفعاليات، وتقديم مقاربات عميقة لها، ذلك ما وقفت عليه في كتاب مهمّ للغاية أصدرته مؤسسة "العربي الجديد" تحت عنوان "سحر كرة القدم، أدباء من الشرق والغرب يحكون عن الشّغف باللعبة الأكثر بهجة"، وقد أعدّه وحرّره الأستاذ معن البياري، وضمّ الكتاب حقّا تجارب الكتّاب في علاقتهم بكرة القدم، ووجدتُ فيه بوحًا واعترافات مهمة لمبدعين من كلّ القارات حول منزلة كرة القدم في حياتهم، بعضهم تورّط في اللعبة، وبعضهم ظلّ متابعا لها ومشجّعا، والطريفُ في كلّ تلك الشّهادات اشتراكها في الإقرار بـ "السحر" الذي تمارسه الرياضة الأكثر شعبيّة في العالم، من ذلك ما ذكره الشاعر اليوناني ديمتريس أنجيلس "تكون كرة القدم تعبيرا عن شغف مازال يُوحّدنا أو يفرّقنا. بمعنى آخر، إنّها تثيرنا، تسحرنا، وتجعلنا نحسّ أنّنا أحياء، حتّى لو كانت مشاركتنا الجسديّة قليلة، وبتنا عاجزين عن فعل أيّ شيء ما عدا القفز والصياح بسبب القلق، فيما نحن نشاهد مباراة كرة قدم من الأريكة أو مدرّجات الاستاد"، حتمًا تورّطنا في هذه اللعبة بتفاوت وشعرنا بأنّا صرنا جزءا من الحدث، وفجأة تحوّل "المستهلكون للفرجة" إلى "منتجين للفرجة"، ما يتغيّر فقط هو موضوع الفرجة، وقوانين اللعب! وإذا كان الكتاب معبّرا عن تحوّل "كرة القدم" إلى جزء من حكاية كاتب، وجزءا من مسيرة حياته، بتأثيرات متفاوتة، فإنّ كرة القدم لم تستأثر بتشكيل هويّة ما للاعبين، بل استطاعت أن تساهم في كلّ دورة في إثارة موضوع "الهويات" واختلاف الثقافات، وفي هذا المونديال نجحت قطر في فرض" نمط ثقافي" يسمو بالمبادئ التي طالما رفعتها مؤسسات أمميّة، ولا نشكّ في أنّ الفعاليات الثقافيّة التي كانت تنظَّم في فضاءات عديدة عكست التنوع الثقافي بقدر ما عبّر العديد منها عن "الهويّة الثقافيّة" للبلد المستضيف، فلم تُدر قطر ظهرها لمسألة الهويّة ومقوّماتها، فقد كان من رهانات المونديال أن يقدّم القطريّون ثقافتهم وأن يُقنعوا العالم بقدرتهم على التفاعل مع من يحترمهم. سعت المؤسسات الثقافيّة إلى نشر الوعي بالثقافة الوطنية والتعبير عن التفاعل مع الثقافات الأخرى، من ذلك ما قامت به المؤسسة العامة للحي الثقافي /كتارا/، حيث نظّمت مئات الفعاليّات، وفي مختلف الأنواع الإبداعيّة، كما نظمت النسخة الثانية عشرة من مهرجان /كتارا/ الدولي للمحامل التقليدية، بالإضافة إلى مهرجان /فنون الشارع/ الذي يقام في جميع أروقتها، ويجمع الفنانين والممثلين والموسيقيين من كلّ أنحاء العالم ليقدّموا بحريّة مسؤولة إبداعهم بشكل فردي أو جماعي. ونظّمت متاحف قطر مبادرة /قطر تبدع/ بإقامة المعارض الفنية، ووضعت أكثر من ثمانين مجسّما في أنحاء قطر، وقامت مكتبة قطر الوطنيّة بإنجاز فعاليّة "تحدي المعلومات الرياضية" الذي يتطلب من الأطفال قراءة مقالات قصيرة عن الرياضة والإجابة على الأسئلة المتعلقة بها، بالإضافة إلى المعرض التوثيقي "جووول! ضربة البداية لكرة القدم في قطر" الذي يسلّط الضوء على رحلة كرة القدم وتاريخها وازدهارها في دولة قطر منذ بداياتها حتى وقتنا الحاضر. وافتتحت وزارة الثقافة المقرّ الجديد والدائم لـ"درب الساعي" في أمّ صلال محمّد، وهي منطقة تراثيّة، فأنشأت تصوّرا جديدا لتقديم الثقافة القطريّة، ولتعزيز المشاعر الوطنيّة، واستقبل "درب الساعي" ضيوف المونديال للاطلاع عن كثب على ثراء ثقافتنا الوطنيّة، ولم يقتصر هاجس التعريف بثقافتنا الوطنية على المؤسسات الرسميّة بل سارعت جميع الفئات الاجتماعيّة للتعبير عن ذلك، فتحوّل كلّ فردٍ إلى سفير لبلاده، وتُرجمان لثقافة الأجداد والآباء، فقد أبدى القطريّون ترحابا بضيوف بلدهم، رغم ما كان يروج في الإعلام الغربي من أباطيل، كان المواطنون جنب ملعب الثّمامة يستقبلون المشجّعين فيحملون الماء والفواكه والحلوى لتقديمها لهم في علامة على حسن الضيافة، وكان الأطفال في عديد الأمكنة يهدون المشجعين الورد، وأمّا المجالس فقد استقبل عددٌ كبيرٌ منها زوّار المونديال، فكانت لهم فرصة سانحة للتعرف على الثقافة القطريّة ومجالسة القطريين وتبادل الآراء، فوقفوا على تلك الوظيفة التي لعبها وما يزال المجلس في تفاعل الثقافات، واقتربوا أكثر من الآداب القطريّة فشهدوا مضامين العادات والتقاليد، بحماسة من يريد التعرف على المختلف، في سياق الكرم الذي لم يبخل القطريّون بتقديمه كلّ يوم من أيّام المونديال. كثيرًا ما كنتُ أتحدّث وأحاضر وأكتب مقالات وكتبا عن أهمية "بناء الجسور" بين الثقافات، وفي هذا المونديال العظيم وجدت حروفي وقد تحوّلت إلى حقائق، وآمنتُ أكثر بأنّ قضيّتي لم تكن مجرّد محاولات يائسة في تحقيق بعضٍ من أحلام الإنسانيّة في التقارب بين الشّعوب، فقد استطاع القطريّون بتمسّكهم بهويّتهم الوطنيّة وثقافتهم أن يبنوا ذلك الجسر الذي لم يكن يشترط كما توهّم الغربيّون تخلّي أهل الثقافات المحلية عن ثقافتهم وهويّتهم، أو أن يتبّنوا تلك المبادئ الكبرى لاحترام الآخر وحقوق الإنسان بشرط التنازل عن الهويّة الوطنيّة وقبول كلّ شيء باسم "الانبطاح والتبعيّة " للغرب ثقافيّا. هذا درسٌ جديد يقدّمه القطريّون والعرب والمشجعون من كلّ أقطار العالم الذين عاشوا التجربة الموندياليّة ليعلنوا بأنّ التعايش أمر ممكن دون شروط تفرضها رؤية منحرفة للمبادئ وتغلّب قضايا هامشيّة وفئويّة ضيقة من أجل التشويش على الحدث، ولذلك عادت من جديد أسئلة الهويّة والعلاقة الثقافيّة بين العرب والغرب، وحرّك المونديال "الذاكرة الجماعيّة " للشّعوب، لقد وجد العرب والمسلمون تخصيصا في النجاح التنظيمي المبهر لكأس العالم نوعا من استعادة الأمجاد العربيّة الإسلاميّة حين كنّا نقود ركب الحضارة، ومزيّة هذا الحدث أنّه لا يولّد ذلك الشّعور بالنخوة والاعتزاز بالانتماء لهذه الحضارة فقط وإنّما يحرّك دوافع الإبداع من جديد ويرسم أفق الأمل في استئناف ما كانت عليه حضارتنا. ولم يكن كأس العالم فرصة لترويج ثقافتنا العربيّة الإسلاميّة فحسب، بل ساهم في إيجاد أرضيّة شعبيّة للتذكير بالقضيّة الفلسطينيّة باعتبارها قضيّة إنسانيّة قبل أن تكون قضيّة سياسيّة، وحين ارتفع العلم الفلسطيني في ملاعب الدوحة وشوارعها فإنّ السّواعد التي رفعته وحملته لم تكن سواعد العرب والمسلمين فقط بل كانت سواعد المشجعين من كلّ أنحاء العالم وهذا دليل على شرعيّة هذه القضيّة، وأنّ الرياضة لا تحجب العمق الإنساني للقضايا، باعتبار أنّها تنطوي على مثل إنسانيّة قبل كلّ شيء. إنّ ما قام به كأس العالم هو أعمق ممّا يتصوّره البعض من إحصائيات ومنجزات في المباني لأنّه يتعلّق بما أسميه بـ" تحريك الدافعيّة" للذاكرة التاريخيّة، لأنّ هذه الذاكرة هي أحد المحركات لتقدّم الشّعوب، وقد عمِلت قوى غربيّة في السابق على تقويضها ولكنّ مرآة كأس العالم أثبتت أنّه لا يُمكن التلاعب بهذه الذّاكرة لذلك تُعدّ الجوانب الثقافيّة لكأس العالم هي الركائز لهذه الذّاكرة، ولئن سقطت بعض أجزاء الذّاكرة في النسيان لأسباب عديدة، فإنّ كأس العالم أعاد تنشيط ما هو قابع في النسيان أيضا ليَخرج إلى الحياة من جديد، هكذا نرى كأس العالم جسرا جديدا نحو العالم والتقدّم، وجسرا جديدا نحو ذاكرتنا الحضاريّة حتّى لا تظلّ "آفة حارتنا النسيان" كما قال نجيب محفوظ يومًا. * المقالة القادمة: وماذا ما بعد المونديال؟ مسيرة النجاح والتحديات مستمرة.

1002

| 18 ديسمبر 2022

كأس العالم سحر الصورة ينقلب على الساحر 2/3

لم يكن الإنجاز القطري في تنظيم كأس العالم 2022 قائما على الأقوال والشعارات، فما أقضّ مضجع الغربيين هو استفادة القطريين من كل منجزات الحضارة الغربية على مستوى التقدم البصري والرقمي لتكون تلك الوسائل في خدمة الحقيقة، وليس الباطل، لقد كنتُ مدركا أنّ المعركة الكبرى التي سنخوضها بشرفٍ وأمانةِ من يحملُ المثل الحقيقية وليس صدى المثل، هي معركة الصورة بامتيازٍ. لقد وقع الغرب في شرك وسائله، حين داهمته الصّورة الواضحة للإنجازات القطرية، فالخطاب البصري أقدر على صدم هذا الغرب، وقديما كنا نتحدّث عن "صدمة الحداثة" منذ حملة بونابارت على مصر، والآن جدير بنا أن نتحدث عن "صدمة الغرب"، الذي اعتبر الشرق مجرَّد عالم دوني، لا يقدر المنتمون إليه بلوغ التقدم، وتهيَّأ لهم أنّ الإنسان العربي لا ينفع للإسهام في الحضارة الإنسانية، وأعتقد أن الصدمة من شأنها إسقاط تلك الصّورة التي اخترعها الغرب عنّا، وسوّقوها إلينا حتى تحدّ من عزائم الأجيال العربيّة، ولعلّ هذه الصّدمة تعيدُ الرّشد إلى النّخب الغربيّة وتذكرهم بأننا كنا في وقتٍ مضى نُهدي إليهم "الزمن" الحضاري، ولَيتهم يستحضرون ذلك الارتباك والخوف الذي شمل أجدادهم حينَ اطّلعوا على تلك الساعة الرهيبة التي أهداها هارون الرشيد إلى الملك شارلمان، ألم يحن الوقتُ بعد لتتفطّن هذه النخبة إلى أن عقارب الساعة العربيّة عادت إلى الاشتغال، وأنّ ناقوسَ العودة يُدقّ كلّ يوم من أيّام كأس العالم على أرض قطر البلد الصغير الذي حمل إلى العرب والمسلمين كافة شغف الأحلام الكبرى؟ "لتعارفوا" علّهم يُبصرون في مقابل ذلك ماذا كانت رسالة قطر إلى أدعياء حقوق الإنسان؟ لقد عُرف القطريون منذ القديم بتواضعهم وبساطتهم، فهم لا يُكثرون في الكلام ولكنهم يعبرون عن مواقفهم بهدوء وبصدق، وهذا ما عرفه عنهم الرحالة الذين جابوا أرض قطر منذ قرون، فتواصلوا مع أهلها وخبروا طبعهم ومقوّمات شخصيتهم، ووجدوا فيهم محبة للتعرف على الثقافات، حتى أن الموانئ القطرية لم تكن مجرّد أماكن لتبادل السلع التجارية بل كانت أيضا فضاء لتبادل المعارف والتراث الإنساني من مهارات حرفية ومخزون فني شمل الطبخ والموسيقى والطب الشعبي وفنون العمارة، وغيرها من الآداب التي كانت محلّ اهتمام القطريين حكّاما وشعبا، ولم تخرج "فلسفة" المونديال لدى القطريين عن هذه القاعدة، حيثُ فاجأت قطر العالم في حفل الافتتاح بعرض فرجوي متكوّن من سبع لوحات تصويريّة تابعه المليارات من البشر، ولا يخفى البعد الرمزي لرقم سبعة لدى العرب المسلمين وفي التاريخ الإنساني عامّة، فالسّماوات والأرضون سبعة، والله خلق الكون في ستة أيام ثمّ استوى على العرش في اليوم السابع والقرآن الكريم فيه سبعة مثاني، والحجّ فيه طواف سبع مرّات، ورمي الجمرات سبع. ولا شكّ أنّ هذا الاختيار مقصود في عدد اللوحات، وهو رسالة واضحة لانتماء الإنسانيّة إلى شبكة رمزيّة واحدة، ولعلّ ما يؤكّد ذلك هو ما عبّرت عنهُ لوحة "لتعارفوا" التي اعتمدت على ثلاث فقرات، توسّطتها فقرةٌ في غاية الرمزيّة والدقة والبيان. لقد جمعت هذه الفقرة بين الشاب القطريّ غانم المفتاح والممثّل الأمريكي مورغان فريمان، في حوارٍ أذهل الأسماع وفي مشهديّة جمّدت الأبصار، فتناولت موضوع الأفكار المغلوطة حول ازدواجيّة المعايير بين الشرق والغرب، لينشأ الحوار بين الجيل العربي الجديد وبين النخب الغربيّة، بين وجهات نظر للعالم متباينة، لكنّ هذا التباين سرعان ما يتضاءلُ عندما يلتقي الجسران الضّوئيّان اللذان يقفان عليهما، في إشارة إلى تلاشي التباينات أمام فطرة الإنسان في التعارف، فالأصل هو التقارب الإنساني وليس التباعد، السّلام وليس الحرب، التعاون وليس الاقتتال، وفي لحظة خاشعةٍ يرتّل القرآن الكريم، فيتلو الشاب غانم قوله تعالى "يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شُعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم"، هكذا أنصتت المليارات من البشر لأوّل مرّة في تاريخ المونديل للقرآن يتلى على أرض عربيّة ومسلمة آمنت بأنّ قرآنها فخرٌ لأبنائها وللأمة التي تنتمي إليها، فكانت رسالة قطر إلى العالم واضحة، مبدأها "التعارف"، ممّا يعني العيش المشترك وقبول اختلاف الثقافات والتنوّع اللغوي والعرقي والديني، إنّها رسالة إلى من يتشدّقُ بشعارات التنوّع وهو أوّل من يدوس عليها. أعتقد أنّ تلك اللوحة بمثابة درسٍ في الأخلاقيّة الإنسانيّة التي يفترض أن يتحلّى بها كلّ إنسان أيّا كانت ثقافته وعرقه ولونه ولغته، وتوجيه للأساس القيمي الذي تنحدر منه الرياضة باعتبارها وسيلة لتحقيق ذلك التعارف وليست أداة للفرقة وإظهار النزاعات، وفعلاً يسيرُ إيقاع كأس العالم على هذا الأساس، فلا معارك جانبيّة بين المشجّعين، ولا مظاهر للمشاحنات التي كثيرًا ما عرفتها دورات سابقة للمونديال، ولا مضايقات للنساء في الملاعب أو خارجها، ففي مونديال قطر، لا يقع الحديث عن السّلام، لأنّه واقع يعاش يوميّا، ويبصرهُ الأفّاكون قبل الأصدقاء. المونديال ملعب حضاري كان هناك "كأس عالم" آخر تجري مبارياته خارج الملاعب! بعض المباريات دارت على صفحات تويتر وغيرها من التطبيقات وفي الإعلام العربي والدولي وبعضها دار على هذه الأرض الطيبة ابتداء من الفرجان وانتهاء بمناطق المشجّعين والشوارع والأسواق. أيقنت تماما أنّ حدود اللعبة أوسع ممّا يتصوّر البعض، ذلك ما لم يكن لأحد أن يدركه بالعين والذّهن لو لم يكن المونديال يجري أمام ناظريه وهو متورّط في متابعته، بل ومندمج معه ومشارك في اللعبة! ففي كلّ فضاء رأيتُ مظاهر للعب الحضاري، حقّا، الحضارة خلاصة أدوار للاعبين مهرة عبر التاريخ، وما يقع في المونديال من أنشطة وتعارف وردود أفعال هو جديرٌ بالدرس لأنّه يجعلنا نؤمن بأنّ المونديال هو فرصة سانحة لا للمشاركة الرياضيّة فقط وإنّما للعب أدوار أخرى متّصلة بما هو حضاري في هذه اللحظة التاريخية المفصلية من تاريخ إنسانيّتنا، هذا ما يستحقُّ تسليط الضّوء عليه. لننظر إلى صورة الآلاف من المصلين في أروقة ملاعب كأس العالم، حيثُ يستجيب المصلّون لنداء الصلاة، في مشهد تاريخي يقع لأول مرة في تاريخ بطولة كأس العالم، فهذه الدّورة تبوح بهويتها العربية الإسلامية، وتضع طابعها الخاصّ مثل بصمةٍ لا تُمحى، هل كان ذلك أمرا منتظرا قبل أشهر من بداية البطولة؟ كانت الملاعب مهيَّأة لذلك، ونحن نفخرُ بأن يكون للصلاة حضورها مثلما نفخر أن يرفع الأذان في كلّ مكان في الدوحة بتلك الأصوات الجميلة التي تهتزّ لها الأسماع، وكم نالت صور المصلين إعجاب وتقدير مئات الآلاف من المشجعين، فلم يجدوا تعارضا ما بين الرياضة وأداء تعاليم دين يحث المسلمين على محبّة الناس ودعوتهم لعمل ما هو نافع بالموعظة الحسنة والحكمة. وكانت صور المشجعين وهم يدخلون المساجد في قطر للتعرف على الإسلام، وللاقتراب من معمارية المعالم الدينية والاستماع إلى الدعاة مشهدا آخر لذلك التواصل السلس بين الأديان، في كنف الاحترام. المشجعون شاركوا بدورهم في إنتاج مشهديّة جديدة، ففي كل دورة من دورات كأس العالم، تتكاثر الصور والأيقونات التي تنتشر لتُعلي من قيمة اللاعبين أو الفرق الرياضية أو بعض المشجعين، لكنني كنتُ أرى أنّ المشهديّة التي تستأثر بالانتباه تدور أطوارها خارج الملعب، فيكون المشجعون أطرافا رئيسية فيها، ألم تستأثر صور المشجعين الذين سارعوا إلى ارتداء الغترة والعقال بالانتشار في العالم؟! ألم تعد عناصر من اللباس القطري جزءا من الاحتفاء؟! في هذه الكأس ليس هناك أيقونات صغيرة وأخرى كبيرة، ولا يختصّ المشاهير بالمشاهدة، بل أنتج المونديال أيقونات لغيرهم، هكذا ردّد رجل المترو الشاب الكيني أبو بكر عباس جملته البسيطة، "طريق المترو في هذا الاتجاه" metro this way ليرددها من بعده مئات الآلاف، صغارا وكبارًا، وتصبح مثل ترنيمة شعبية قد توحي بأنّ المونديال في نسخته القطرية العربية رسم طريقًا جديدة للعرب أجمعين، فالطريق إلى المترو هو طريق في بعده الرمزي يؤدي إلى لحظة اتصالية جديدة بالغرب وبالعالم، فاليوم تحقق للعرب ما لم يتحقق لهم من قبلُ، أن يُشعروا الغرب المتقدّم بالندية، وهي ندية لا تفيد بها درجة التنظيم فحسب، وإنّما يعدّ انتصار المنتخب المغربي وتأهّله للدور ربع النهائي كأوّل منتخب عربي يبلغ هذه المرحلة وجها آخر لتلك الندية التي تفتح أملا واسعًا لأجيال عربية في أن تبدع في مختلف المجالات، فمن حقها أن تنافس الشعوب الأخرى فيما تقدمه الحضارة الإنسانية من أدوار متاحة لمن يسعى ويبادر ويعمل بجد أيا كانت جنسيته وثقافته ولغته ومعتقداته. حقا إنّ الطريق إلى مترو الحضارة يبدأ من هنا، من دولة قطر، فقد ملت الأجيال العربية طويلاً من الشعارات، ولكن هذه المرة كانت الإنجازات تُغطي على الوعود وتفوقها. وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية

2859

| 14 ديسمبر 2022

كأس العالم فرصة سانحة للّعب 1/3

لم تكن لي صلة وثيقة بكرة القدم، وحتّى في طفولتي لم أمارس هذه اللعبة الأكثر شعبيّة في العالم، كنتُ مشغولاً بالثقافة وسجالات الفكر بين المثقفين وبصراع المدارس الفكريّة العربيّة والغربيّة أكثر من اهتمامي بالبطولات الرياضيّة المحلية أو الدوليّة، ربّما أردُّ ذلك إلى طبيعة مسارات حياتي، حيثُ عشت خارج بلادي كتلميذ وكسفير أكثر من 25 عاماً متواصلة، فلم تتح لي فرصة المتابعة الدائمة لهذه الرياضة محلياً، وحتّى دوليّاً ظلّت علاقتي بكرة القدم موسميّة، تقتصر على متابعة المونديال كلّ أربع سنوات، وهي متابعة بعيدة عن الإدمان، كنتُ متيقّظاً لذلك التخوّف الذي عبّر عنه المفكّر الإيطالي إمبرتو إيكو من بعض تبعات كرة القدم على الأفراد والمجتمعات حين يسيطر عليها رأس المال دون مبالاة بالمؤثّرات الثقافيّة اللاحقة وبالمتغيرات السلوكيّة التي تفرزها، وكنتُ أُعجب بتوصيفه المازح لصلته بهذه اللعبة " ليست لديَّ ضغينة ضد كرة القدم، أما الأسباب التي تدفعني إلى عدم الذهاب إلى الملاعب، فهي ذات الأسباب التي تجعلني لا أقدم على النوم في دهاليز محطة القطار بميلانو"، ولا يعني ذلك أنني لم أكن أتابع بمتعة كبيرة مجريات بعض المباريات، فلا أحد منّا يُنكرُ سحرَ اللعبة وقدرتها على امتلاك انتباهنا واختلاس وقتنا ومُصادرة تركيزنا لفترات متفاوتة. أعلم أنّها لعبة "خِلافيّة" لدى المثقّفين والكتّاب، بعضهم يرفض الانغماس في متابعتها وبعضهم جرّبها قبلَ أن يمدحها، حتّى أنّ بعضاً من الحائزين على جائزة نوبل للآداب استهوته كرة القدم في حياته فتعلّق بها لاعباً ومشجّعاً، ومن بينهم الكاتب الكولومبي غابريال ماركيز الذي كان ينتمي إلى فريق جونيرو الكولومبي، ونجيب محفوظ الذي غادر اللعب إلى الأدب، وألبير كامو الذي منعه المرض من الاستمرار في ممارسة اللعبة بعد أن كان حارس مرمى فريق كرة القدم بجامعة الجزائر، كثيرونَ مَن استهوتهم كرة القدم ووظّفوها في رواياتهم وأشعارهم، ألم يقل محمود درويش، مستحضراً أيقونة كرة القدم اللاعب الأرجنتيني مارادونا:"مارادونا، يا بطلي إلى أين نذهب هذا المساء؟"، ومع ذلك بقيتُ لسنوات في مكان المتفرّج الموسمي، دون أن أتوقّف طويلاً عند هذه اللعبة كظاهرة ثقافيّة عالميّة وليست حدثاً رياضيّاً فحسب. لكنَّ حصول بلادي على استحقاق كأس العالم 2022 منذ 12 عاماً خلق حالة خاصة لي تجاوزت الاهتمام بكرة القدم إلى ما هو أهم. كنتُ أتابع استعدادات تنظيم هذا الحدث عن كثبٍ، من بناء الملاعب بشكل يتناسب مع أعلى درجات الاستدامة، وإقامة الحدائق واستحداث خطوط المترو، وتوظيف الطاقة الشمسيّة، وإنشاء بنية تحتيّة معاصرة من الطرقات الفسيحة والجسور الممتدّة والعملاقة، وتطوير مطار حمد الدولي وميناء الدوحة وغيرها من الإنجازات التي حوّل تنفيذها بلدنا إلى ورشة عمل متواصل على امتداد سنوات، كنّا جميعاً نعيش على وقعها وننظر إلى أفق موعد المونديال ونهمس في داخلنا، هل نستطيع حقّاً الإيفاء بكلّ هذه الالتزامات من أجل تقديم نسخة استثنائيّة من كأس العالم؟ من سنة إلى أخرى، أصبحتُ منشغلاً بالمونديال، حيثُ تحوّل إلى واحد من أكبر التَّحديات التي تواجهها قطر، وأدركتُ مداه العربي، وهو ما زاد من حجم المسؤوليّة على عاتق القيادة والمتدخّلين في كلّ مجالات تحقيق هذا الوعد. لم تكن صورة قطر في الميزان فحسب بل صورة كافّة العرب، ذلك ما أدركه الجميع منذ البداية، فاتسع حجم الهدف، ليكون تنظيم قطر لكأس العالم مرآة للعرب جميعاً، وبوّابة دخولهم من جديد إلى فعل الإسهام الحضاري، ولا أخفي ما كنتُ أشعر به من حماسة في أن يتحوّل كأس العالم إلى لحظة استئناف الحضارة العربيّة لمجدها. ورغم ما مرّت به قطر من ظروف صعبة في الأثناء وما واجهته من تحديات في فترة جائحة كورونا، فقد كانت الإرادة أقوى من كلّ تلك الظروف، وكنّا نشاهد ذلك السباق العمراني مع الزّمن، فملحمة التشييد شبيهة بمتابعة مباراة نهائي لكرة القدم. لقد سخّرت قطر الموارد المادية والإنسانيّة اللازمة، وعمِل فريق العمل وكلّ الجنود المجهولين وأبلوا العزيمة والمثابرة من أجل إحراز النجاح المنتظر، بثقة من يؤمن برسالة، نعم كانت مُجريات الاستعدادات تدلّ على أنّ كل القائمين عليها بصدد بذل الجهد من أجل رسالة نبيلة، ولم تكن تلك الرسالة محدودة في أفق إثبات جدارة تنظيم كأس العالم بشكل يتوافق مع ما تمّ تقديمه في ملفّ الترشّح لنيل تنظيمه عام 2010، كانت الرسالة أبعد من ذلك الوعد العملي، لقد طالت آفاقاً أخرى لم تكن في حسبان الكثيرين من المتابعين وقتها، فالقيادة السياسيّة الرشيدة في تلك اللحظة التاريخيّة لم تسعد فقط لفوز الملفّ، وحصده لأكثر أصوات التأييد، أمام منافسين أقوياء، مثل الولايات المتّحدة الأمريكية الدولة العظمى وأستراليا الدولة القارّة، بل كانت تُدرك أنّ كأس العالم ستكون بمثابة بداية جديدة لقطر ولمنطقة الشرق الأوسط وللعرب جميعاً. من منّا قُبيلَ انطلاق المونديال بأيّام لم يشعر بأنّه يعيش على وقع المفاجآت من حين لآخر كلّما مرّ من طرق اعتاد عبورها، فتغيّرت أمامه السبل، أو ارتاد مناطق خبرها في السابق فتغيّرت ملامحها، أو باغتته معالم جديدة في غاية الجمال وقد وُلدت من رحم الأفكار العظيمة ! صرنا نكتشف بلدنا من جديد كلّما اقتربت صافرة انطلاق البطولة، أليس ذلك الاكتشاف عاملاً من عوامل تجديد الحياة وبثّ النّخوة ؟ ألم يكن الإنسان العربي بحاجة ماسة إلى تلك الشّحنة النّفسيّة التي تعيدُ إليه التفاؤل والأمل بدوره في الحضارة الإنسانيّة، وهو يبصر سواء عبر شاشات القنوات التلفزيونية أو من خلال حضوره في قطر، بأنّه من الممكن بلوغ التقدّم، والخروج من التبعيّة؟ لقد لبست قطر حلّة جديدة، ولكن أكثر دقّة، إنّها لم تتزيّن للعرس فقط بقدر ما أثبتت أنّها في طور الدّخول إلى مرحلة جديدة في مسيرة تاريخها، فالاستجابة لهذا التحدي الكبير ينقلها إلى ضفّة أخرى من الحضارة الإنسانيّة، لذلك كان من الواضح أن تتجاوز أهداف تنظيم المونديال ما هو رياضي لتلامسَ تلك الأبعاد الثقافيّة والحضاريّة التي تساهم في تعزيز الحضور القطري والعربي في العالم. عادة ما يكون الاكتشافُ جزءاً من إحساس القادمين إلى قطر، ولكن مع كأس العالم صرنا كلّنا محظوظين بهذا الإحساس نفسه. كنتُ أصرّح لبعض الأصدقاء بأنّ قطر اليوم تسمح لنا بأن نعيد اكتشاف أنفسنا، إنّنا نستعيد تلك الجملة الأثيرة لسقراط "أيّها الإنسان اعرف نفسك بنفسك"، وما أبهى أن نقفَ على ما يميّزنا من سمات حضاريّة في هويّتنا الوطنيّة وأن نفخر بما لدينا من قيم ونحن نعرضها للزائرين على مائدة فُضولهم. ومثلما يُسرّ الزائر بما يكتشفُ فإننا نسعدُ بخيراتنا الرّمزيّة وبما بلغه بلدنا من تطور تكنولوجي وتقدّم عمراني، وبما سيغرسُ في الأجيال الجديدة من شعور بالاعتزاز بانتمائهم لوطنهم. لم يسبق أن تعرّضت دولة منظمة لكأس العالم لما تعرّضت له دولة قطر من تشويه، ومن المفارقات أن تشنّ جهات حملة مغرضة لا أساس لها من الصّحة في حين وجدت عند وقت الشّدة من قطر دعماً لا نظير لهُ، لقد استغربت أيّما استغراب من ذلك العنت الألماني لمسؤولين صرّحوا فجأة برفضهم لتنظيم دولة عربيّة لكأس العالم. لا شكّ أنّ الإنجاز مصحوب بأعداء له ومكائد، ولكن أن يصدر ممّن عرفوا بإيمانهم بقيمة العمل حتّى تحوّلوا إلى مضرب للأمثال، فإنّ ذلك ليدعو إلى الدّهشة ! ومرّة أخرى تثبت القيادة القطريّة حكمتها في مواجهة أيّ تحدّ، فالعلاقات الثنائيّة بين قطر وألمانيا تمتدّ إلى أكثر من أربعين سنة تغطي نطاقاً واسعاً من المجالات التجارية والثقافية، والرياضية والعلمية والسياسية وحجم التبادل التجاري بين البلدين يتزايد عاماً بعد الآخر، إلى أن بلغ 2,5 مليار يورو. وقد ساهمت قطر في إنقاذ عدد من الشركات الألمانيّة عندما واجهت أزمات مالية خطيرة من تبعات الأزمة المالية العالمية ونتيجة الغرامات الأمريكية والأوروبية بسبب فضائح الفساد والتزوير وغسيل الأموال وسوء استخدام الموارد المالية، وشاركت عشرات الشركات الألمانية في بناء مشاريع كأس العالم، وفضلاً عن ذلك بادرت قطر إلى إنشاء أوّل مركز ثقافي لها عام 2017 في قلب برلين، فكانَ "الديوان" البيت الثقافي العربي، فضاء لدعم الثقافة القطريّة والعربيّة والتعريف بها وجسراً للتقارب مع الشّعب الألماني، وقد سُعدت بزيارته وتقديم محاضرة فيه عن النسخة المترجمة إلى الألمانيّة من كتابي"على قدر أهل العزم"، ولم يخطر ببالي يومها أن تتنكّر ألمانيا لثقافتها المنفتحة فتأتي أمراً منافياً لأعراف العلاقات بين الدّول الصّديقة. والأغرب من ذلك أن استمرّ الألمان في مناسبتين أثناء كأس العالم في استفزاز الرأي العام القطري والعربي المسلم، بارتداء وزيرة الداخليّة لشارة الشّواذ، وتعمّد لاعبو الفريق الألماني تكميم أفواههم باليد قبل مباراتهم الافتتاحيّة ضد اليابان، في إشارة إلى موقف يتعارض مع مبادئ الفيفا ويضرب عرض الحائط مدوّنة القيم التي كانت ألمانيا مع نظيراتها الأوروبيين يدّعون الدفاع عنها في كلّ مناسبة. سقط الغربيّون في اختبار قبول تنظيم دولة عربيّة لكأس العالم، وهم يشهدون مثلما يشهد العالم النجاحات المتلاحقة لهذا التنظيم. كم شعرتُ بالأسى مثل غيري من المثقّفين العرب لهذه المواقف الغربيّة الرعناء التي أعادت إلينا صورة الإمبراطوريات الاستعماريّة، فلطالما ناديتُ ببناء الجسور بدل إقامة الأسوار لكنّ مسافات الأسوار ما فتئت تزداد وترتفع، ولا يعني ذلك أنّ مساحة التفاؤل ضاقت، ولكنّ مساحة الواقعيّة اتّسعت، واتّضح لأكثر من مثقف عربي أنّ الخطاب الثقافي الغربي موغلٌ في العنصريّة رغم ما يدّعيه من احترام للثقافات ونصرةٍ للشّعوب. لقد أُريد للحملة أن تكون عاصفة تسبق انطلاق الحدث، فانقلبت على أصحابها، لتطيحَ بأهمّ ما يملكه الغرب: صورة حداثته التي أقيمت على أفكار عصر التنوير! نعم خان الغرب مرّة أخرى أفكار أولئك المفكرين الذين شكّلوا "العقل الغربي"، حيثُ يرفض الغربيّون أن يروا الحقائق أمامهم، وأن يقبلوا بنجاح قطر في تنظيم هذه الكأس، ولا يمكنني أن أُعمّم ذلك الموقف الغربي، هناك الكثيرُ من مشجعي الدول الغربيّة الذين جاؤوا إلى الدوحة، ولهم أفكار مغلوطة، فاكتشفوا ما لم يجدوه في أبواق دعاية بلدانهم، وصاروا خير سفراء لنا بين مواطنيهم وشعوبهم، ذلك هو الانتصار الحقيقي أن يُسفّه الواقع الادّعاءات الباطلة، ويقف الإنسان الغربي أمام زيف الخطاب الايديولوجي للإعلام الغربي.

1476

| 11 ديسمبر 2022

اللغة العربية #أمننا_الثقافي

كمْ كنتُ مبتهجاً حين علمت أنّ مجلس الشّورى الموقّر قد جعل من اللغة العربيّة والمحافظة عليها من أولى بنوده. وتضاعفت البهجة بدعوتي لحضور الجلسة الأولى والمشاركة فيها مع أخي وصديقي الأستاذ عبد العزيز بن عبد اللّه السبيعي وزير التربية الأسبق وأحد العارفين لهذه اللغة والمدركين لأهميتها والمسخّرين كلّ جهدهم للمحافظة عليها وتعزيز مكانتها، ونظر المجلس الموقّر في تفعيل قانون (7) لعام 2019 والمتعلّق بحماية اللغة العربيّة في بداية دورته رغم كثرة المهمات على جدول أعماله، ممّا يدلُّ وبشكل قاطع على إدراكه لأهمية اللغة العربيّة كعامل رئيسي في المحافظة على أمننا الثقافي. وقد رأيتُ أنّ تسليط الضّوء في هذا المقال على بعض القضايا ذات العلاقة باللغة العربيّة في قطر حاجة مهمّة في هذه الآونة، إذ يعزّز ذلك تفاعل النخبة الثقافيّة مع توجّهات الدولة الرائدة في حماية اللغة العربيّة، وأعتقد أنّ اللغة العربيّة ليست شأنا خاصّا بالتشريعات فهي قضيّة مجتمعيّة، تؤمن بها الدّولة مؤازرة بإرادة شعبيّة في السّعي لحمايتها، وهي ليست شأنا متحفيّا يعود إلى زهْو بالماضي المجيد لأمّة ما وإنّما هي شأن وطني مرتبط بأمننا الثقافي. لغة الدين والعلوم والحياة: لقد كرّم اللّه عزّ وجلّ اللّغة العربيّة بأن جعلها لغةَ القرآن الكريم، ولذلك فنحنُ نُدرك أنّ هذا التّكريم يلقي علينا بمسؤوليّة رعايتها وحفظها والسّهر على نموّها واتّساع مداها بين النّاطقين بها وسائر الشّعوب، لأنّها تُعبّر عن معاشنا وتحمل آمالنا في تحقيق الخير للإنسانيّة. وهذا ما عبّرت عنه لغتنا في مختلف العصور حين حملت للبشريّة قيم الإسلام السّمحاء، ووهبتها العلوم والفكر والإبداع في شتّى المجالات، لأنّها لم تكن لُغة الدّين أو المعاملات فحسب وإنّما كانت لغة العلوم التي اهتدى بها العالم فحقّق التقدّم. ولم تكن اللغة العربية حبيسة مجالٍ ضيّق للتواصل بين أفراد المجتمع أو بين الشّعوب والأمم، بل أدّت أدوارًا أخرى فضلا عن تكوين شخصيّة الفرد وتشكيل هويّته الذّاتيّة، فهي وعاء المنجزات الحضاريّة والعلميّة للأمّة أيضا. إنّ لكلّ لغة حياة، فهي تنمو وتحيا بفعل إصرار أبنائها على تطويرها في كلّ عصر حتّى تبقى مستمرّة مع الأجيال ومحافظة على مساهمات الأجداد. وقد أصاب اللّغة العربيّة ما أصاب الأمّة العربيّة الإسلاميّة من فتورٍ وتراجعٍ بعد أنْ أدّت دورها في عصور خلتْ كأحسن ما يكون الأداء في جميع المجالات، بدءًا بالحياة الفكريّة ومرورا بالحياة الاجتماعيّة وانتهاء بحركة الإبداع في جميع الجوانب. فلم يكتف العرب في السابق بالاستفادة من التراث اليوناني والإغريقي والهندي بل أجادوا في الإبداع من خلال لغتهم، فكانت اللغة العربيّة لغة علوم الطبّ والكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيّات وغيرها من العلوم التي انتشرت مؤلفاتها وتداولها العلماء في الشّرق والغرب، وصارت لهم مرجعا يعتدّون به. ولم تكن اللغة العربية مجرّد ناقلٍ أمينٍ للثقافة والعلوم اليونانيّة، فهي ليست عنصرا محايدا، بلْ أخذت عمليّة النقل بُعدا إبداعيًّا، فأضاف العلماء بصْمتهم على ما ترجموه، لأنَّ من يفكّر فإنّما يفكّر من داخل اللغة، وهذا دليل على أنّ العلاقة بين اللغة والثقافة في جدل مستمرّ، فالمعارف تغتني باللغة لأنّها حمّالة للقيم، ولا يُمكن تجريدها من تلك الحُمولة القيميّة التي تحملها عبر العقود والقرون لأمّة من الأمم، ولا سبيلَ إلى اعتبار اللغة نمطا صوتيّا خاليًا من القدرات الثقافيّة في بناء الفكر. وقد تمتّعت اللّغة العربيّة بهذه القدرة الذّاتيّة على النموّ فعبّرت عن فكر أصحابها ونظرتهم للكون، وعن مجمل القيم التي بُني عليها المجتمع العربي الإسلامي. ذلك أنّ تعامل العلماء والمفكرين العرب مع اللغة زمن الازدهار الحضاري اتّسم بالحيويّة حتّى عدّت قضاياها من قضايا المجتمع نفسه، إنّها صارت لديهم شبيهة بالوطن، وما دام كلّ فرد لهُ الحقّ في وطن، فإنّ وطنه الأوّل هو اللّغة، ومن حقّه أن يتمتّع بخيراتها وأن يشارك في بنائها. أذكر مقولة شهيرةً للفيلسوف الألماني هيدغر حينَ قال:" إنَّ لغتي هي مسكني، هي موطني ومستقرّي، هي حدود عالمي الحميم ومعالمه وتضاريسه، ومن خلال عيونها، أنظر إلى بقيّة أجزاء الكون الواسع". وإذا كانت اللغة هي المسكن والوطن فإنّها الوتد الذي يشدّ خيمة المجتمع وهويّته، وبالتالي يعزّز ترابط الأسرة التي لا يقلّ دورها بأيّ حالٍ عنْ دور الدولة في حماية اللغة العربيّة، فتلك الأسرة التي لا تسعى إلى طبع اللغة وحبّها والحرص على تعلّمها في أبنائها منذ النشأة إنّما هي مقصّرة في حقّ هؤلاء الأبناء وفي حقّ الأمن الثقافي للوطن. وإذا كانت هذه المهمة هي مهمّة الأسرة بصورة عامّة أبا وأمّا، فإنّ دور الأمّ هنا مميّز، فتلك الأمّ التي تترك الأطفال ضحيّة للمربيات اللواتي ينتمين إلى ثقافات أخرى، مع احترامنا لهذه الثقافات، إنّما تقصّر تقصيرا لا يغتفر في حقّ أطفالها. إنّنا نسمّي اللغة التي يتعلّمها الأطفال في نشأتهم بـ"اللغة الأم"، ولا يُمكن للأمّ أنْ تسمحَ بالتخلّي عن اللغة العربيّة لصالح لغات أخرى لأنّ اللغة ليست مجرّد أداة تواصل وإنّما هي وسيلتها لتربية أبنائها وتعليمهم قيم وطنهم وتراث أجدادهم ونظرتهم للمستقبل. اللغة لسان الهويّة: يمرُّ مجتمعنا الخليجي بتحدٍّ كبيرٍ للمحافظة على انتمائه العربي، ونعلم أنّ حجر الرّحى في المحافظة على أمننا الثقافي هو اللغة العربيّة، فالانفتاح الاقتصادي سمح باستقطاب العمالة من جنسيّات مختلفة ورافقه انتشار للغات الأجنبيّة، وبقدر ما يعدُّ ذلك سمةً من سمات التنوع الثقافي فإنّ هذه اللغات أضحت تنافس اللغة الأم، وفي كثيرٍ من الأحيان تتغلّب عليها، ونلاحظ هيمنة اللغة الإنجليزيّة في أكثر من مجال، وحتّى في مستوى التداول اليومي في الحياة العامّة، وهذا ما يعبّر عن مأزق حقيقي ينبغي الانتباه إليه، ووضع خطط لمواجهته. علينا أنْ نعيَ بأنّ الهويّة اللغويّة جزء مهم من الهويّة الوطنيّة فاللغة عامل مباشر في بناء الهويّة لأي مجتمع إنساني، لأنّ اللّغة ليست أداة للتعبير فحسب، ولا شأنا ظرفيّا للتواصل مع الشّعوب بلْ هيَ مسألة أمن قومي يساعد على الاستقرار النفسي والاجتماعي لكلّ أفراد الوطن الواحد. إنّ اللغة هي لسانُ الهويّة، لذلك فهي ليست شأنا فرديّا، بل شأن وطني وقومي. إنّنا نستدلّ على انتماء أيّ شخص من خلال تبيّن لغته، فتمييز الهويّات يسهل من خلال معرفة لغة المتكلّم. وإنّي أرى أنّ الصلة الجوهريّة بين اللغة والهويّة غير ذات اهتمام لشرائح اجتماعيّة واسعة في أيّامنا، عكس ما كان عليه الأمر في الزمن الاستعماري حيثُ كان الدفاع عن اللغة العربيّة جزءا من مواجهة محاولات الاستعمار في طمس الهويّة، ونعتقد أنّ بناء النهضة والتنمية للمجتمعات العربيّة هو معركة جديدة لا يُمكن أن تُخاضَ بعيدًا عن القضيّة اللغويّة. وإنّ التحديات التي نواجهها في مجتمعنا بالذّات تجعلنا أمام تهديدات كثيرَة تُضاعف منْ مسؤوليّتنا في المحافظة على اللغة العربيّة واعتبارها صمّام أمان لتفكيرنا وزادنا المعرفي وتصوّراتنا المستقبليّة بشأن تقدّم مجتمعنا. ليكن في أذهاننا أنّ القضيّة اللغويّة مسألة استراتيجيّة لا تمسُّ قطاعا دونَ آخر، وهي لا تقتصر في قطر عن مطلب التّداول في الدّوائر الرسميّة أو الإعلاميّة، وإنّما تشمل كلّ القطاعات، فهذه اللغة التي عمّرت حوالي سبعة عشر قرنًا وهي محتفظة بنظامها الصوتي والصرفي والنحوي، لن تكونَ مجرّد وسيلة تواصل، بلْ هي كيانٌ قائم الذّات لا تُعرّف الهويّة دونه، وإن أضاعه العرب فقد أضاعوا هويّتهم التي بها يتميّزون عن سائر الأمم. لذلك فاحترامنا للغة العربيّة يكسبنا احترام الآخرين لنا. وكلّما تشبّثنا بهذه اللّغة استطعنا المحافظة على هويّتنا التي لا تتعارض مع انفتاحنا على القيم المشتركة، بحيثُ يصبح الإنسان العربي مواطنا كونيّا باستخدامه للغته وليس بهجرها. فكلّ الشّعوب تحتفي بلغتها لأنّها علامةٌ فارقة على تمسّكها بخصوصيّتها دونَ إنكار اندماجها في ما هو مشترك في الثقافة الإنسانيّة. الجمود مجرّد ظاهرة طارئة: قد يمرُّ على اللّغة طورٌ من الجمود لأسباب عديدة ولكنّ لغتنا العربيّة تحمل في داخلها بذرة التحوّل، فهي لغةٌ غير منغلقة على نفسها، والدّليل على ذلك أنّها استضافت في كيانها مفردات من لغات أخرى منذ القدم، بحكم أنّ الثقافة العربيّة منفتحة وتقبل الحوار في داخلها، وهي ترى أنّ الآخر لا يقع في الخارج وإنّما هو جزء منها، تُحاورهُ وتستفيدُ منهُ وتُغنيه كذلك. ولهذا فاللّغة العربيّة حيّة وستبقى كذلك على مدى الزّمان، وكلّ المؤشّرات الدّوليّة تؤكّد استمراريّتها وبقاءها ضمن اللّغات المستقبليّة التي ستظلّ حيّة إزاء اختفاء لغات أخرى. وفي رأيي فإنّ جمود اللغة العربيّة في فترة من الفترات ليس غير طارئ، فمتى أدرك العرب دور لغتهم ومنزلتها بين سائر لغات العالم وتحدِّياتها الجديدة قياسا بتطوُّر العلوم وأنماط العيش، فإنهم قادرون على استعادة مكانتها وتجديدها، ومثلما أثرت العربيّة على مستوى المفردات والبنى اللغويّة في لغات أخرى في السابق فإنّها قادرة اليوم أنْ تلعبَ دوراً مماثلاً. لكنّ هذا التأثير لا يمكنُ أنْ يُستعاد إن لم نفحص منْ جديد واقع بيئتنا اللغويّة وننجح في الخروج من واقع التلوّث اللّغوي. وإنّنا لا ننكر مجهودات المؤسسات العلميّة اللغويّة التي تسعى إلى تطوير اللغة والخروج من أزمتها، ولكنّنا نلاحظ أنّ جملة هذه المجهودات مبعثرة وتفتقر إلى "التشبيك" فليست هناك خطة واضحة لتبادل البحوث اللغويّة بين الباحثين في المجامع اللغويّة، وتبدو المشاريع المعجميّة متناثرة أيضًا في الوطن العربي، ولا يوجد تنسيق بين المعنيين بها، وهذا يؤثّر سلبا على البيئة اللغويّة بالإضافة إلى اغتراب العربيّة في أكثر من مكان في الوطن العربي نظرا لهيمنة استعمال وتداول لغات أجنبيّة في الحياة اليوميّة العربيّة، ناهيك عن جنوح أنظمة تعليميّة كثيرة إلى تغليب اللغة الإنجليزيّة أو الفرنسيّة على اللغة الوطنيّة. التعليم حصن اللّغة: لا يمكن مناقشة مسألة اللغة العربية بعيداً عن التعليم في زمن العولمة المضطرب والمختلط، إذ التّعليم هو جوهر هذه اللّغة، ومن شأن تطويره أن يدعم مكانة اللّغة العربيّة بين الأجيال ويجعلها الأداة المناسبة للمساهمة في بناء الحضارة الإنسانيّة. ولذلك وجب علينا دعم التّعليم، ومن هنا تأتي نجاعة مبادرات دولة قطر في مشاريع التّعليم، حيثُ تُكسب اللّغة مكانتها المحوريّة وتجعلها أداة بناء مستقبل الإنسان لأجل رعاية القيم الإنسانيّة المشتركة. ومن الموضوعات الشّائكة المرتبطة بقضيّة اللغة والتعليم تتفرّع مشكلة تعريب العلوم التي لا تغني عن تعلّم أيّ طالبٍ لغة أجنبيّة، ولاشكّ فإنّ هذه المسألة ما تزال تتصدّر هواجس المختصين في الشأن التعليمي، وفي رأيي ينبغي أن ننظر إلى كيفيّة الاستثمار في اللغة لدى الناشئة أوّلاً، ومنح اللغة العربيّة جاذبيّتها المطلوبة لتحفيزهم على استخدامها بل والافتخار بها أيضًا، وذلك لا يقتصر فحسب على الترفيع في عدد ساعات تعليم اللغة العربيّة بل يتحدّد بتوسيع مجالات هذه اللغة لتكون لغة العلوم، وهذا طريقٌ شاقّ لكننا لا نرى أيّ موجب للتأخّر في السير فيه، فالتوفيق بين لغة هويّتنا وبين متطلّبات اقتصاد المعرفة والثورة المعلوماتيّة والثّورات العلميّة المتلاحقة أمر في غاية الأهميّة، بل هو أمر مصيري حتما. اللّغة مقوّم ثقافي: تُساهم دولة قطر في مشروع العقد العربي للحقّ الثقافي الذي انطلق في عام 2018 ويستمرّ إلى غاية عام 2027، وينصّ في مبادئه على أنّ اللّغة العربيّة عنصر موحّد للثقافة العربيّة ويهدفُ إلى استخدام اللّغة العربيّة في كافّة مناحي الحياة والمحافظة عليها والإسهام في بناء الأسس اللاّزمة للنّهوض بها. وإذا كان العقد العربي للحقّ الثقافي قد أولى اللغة العربيّة مكانتها من المشروع الثقافي عامّة، فإنني أشير إلى أنّ الوعي بالقضيّة اللغويّة في القطاع الثقافي مازال يحتاج إلى مراجعات، حيثُ يفتقد خطابنا الثقافي في المسرح والسينما وغيرها من الفنون إلى حضور هذا الوعي أمام استسهال التعامل باللهجات العامية، وإن كنا نعتبر أنّ اللهجات العامية طاقة ثقافيّة فيها الكثير من الإبداع ويظهر ذلك في الشعر والغناء والمسرح وفي سيناريو الأفلام السينمائيّة وفي الدراما التلفزيونيّة، فإنّني أخصّ بالذكر ضرورة الابتعاد عن تغليب العامية في خطابنا الثقافي حول كلّ هذه الفنون، فلا يُمكننا أن نتناول هذه الفنون بالتحليل والنقد بالعامية أيضًا، وغالبا ما يناقش الإعلاميّون والمثقفون على السّواء القضايا الثقافيّة بالعامية، وهذا تقزيم من دور اللغة العربيّة، وممّا كنتُ أستغربه أنّ من المثقفين من يكتبون كتبهم وأبحاثهم ومقالاتهم بالعربيّة الفصحى إلاّ أنّهم حينما يناقشون قضايا ما يكتبون في وسائل الإعلام يتكلّمون بالعامية! ذلك وجه من وجوه غربة اللّغة في خطابنا الثقافي، حينَ يكون المثقّف جزءا من المشكل. اليوم العالمي للغة العربيّة نحتفل قريبًا مع كلّ دول العالم باليوم العالمي للّغة العربيّة الذي ينظّم كلّ عام في الثامن عشر من ديسمبر، وهو التاريخ الذي اتّخذت فيه الأمم المتّحدة عام1973 قرارها بأن تكون اللغة العربيّة لغة رسميّة سادسة في المنظّمة. ولم تدّخر المؤسسات الثقافيّة والجهات الحكوميّة في قطر جهدا في الاحتفال بهذا اليوم، من خلال الفعاليات والندوات والحملات الإلكترونيّة على منصّات التواصل الاجتماعي. وإذ يساهم هذا الاحتفال في تعزيز مبدأ تعدد اللغات والثقافات في الأمم المتّحدة بالذّات، ويسعى إلى تعريف العالم بالتاريخ المشرّف للغة العربيّة، فإنّ عمليّة توظيف هذه الخطوة الجيّدة من قبل العرب ما تزال دون المأمول، ذلك أنّ استخدامها في المنظّمة لم يترجم حقّا منزلتها الحقيقيّة. وباعتبار العلاقة التي تجعلني أحد أبناء الأمم المتّحدة التي عملت فيها سفيرًا في نيويورك ورأستُ منظّمات كمؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) وترأست مؤتمرات ولجانا وكنت مندوبا في اليونسكو ومرشّحا لإدارتها، فقد كنتُ أُجلُّ الجهود التي قام بها رجالٌ قبلنا لتكون اللغة العربيّة لغة من لغات الأمم المتّحدة، وفي المقابل فإنّي أتألّم عندما تَجاهلَ الكثيرُ من المندوبين والمتحدّثين العرب لهذا الإنجاز لتكون بياناتهم ومداخلاتهم باللغات الأجنبيّة ممّا همّش الإنجاز وأضعف اللغة العربيّة في الأمم المتّحدة. لذلك فالعرب مقصّرون رغم الإنجازات السابقة ورغم حجم الأموال التي أنفقت في سبيل تعزيز حضور اللغة العربيّة ومن أجل أن تتحوّل إلى لغة مساوية لبقيّة اللغات المعتمدة في الأمم المتّحدة. وبالإضافة لذلك فإنّني ألاحظ تفاوتًا في استخدم اللغات في الأجهزة الفرعيّة للأمم المتّحدة مثل صندوق الأمم المتّحدة للسكان، هيئة الأمم المتّحدة للمرأة، ومنظمة السياحة العالميّة، ومكتب الأمم المتّحدة المعنيّ بالمخدّرات والجريمة. كما تفتقر أغلب المنصّات الإعلاميّة الرسميّة الرقميّة إلى استخدام اللغة العربيّة، وهذا ما يحدُّ منْ مجال وصول الرسائل والمعلومات إلى الشّعوب العربيّة فيؤثّر بشكل سلبي على تفاعلهم مع برامج الأمم المتّحدة. منْ أجل أفق جديد للغة العربيّة إنّنا في قطر نمتلك الإرادة السياسيّة الكافية والقوانين الملائمة لتكون وضعيّة اللغة العربيّة أفضل ممّا هي عليه، وأرى من الواجب أنْ أقدّمَ بعضا من التوصيات التي من شأنها تطوير مكانة اللغة العربيّة، حتّى يكون تشخصينا ونقدنا مجديا، ومن هذه التوصيات: - تفعيل القانون(7) لعام 2019 بتنفيذه وتحديد جهة تتابع هذا التنفيذ. - أن يكون الاهتمام باللغة العربيّة من أولويّات السّاسة، لأنّ القضيّة اللغويّة مسألة سياسيّة قبلَ أنْ تكون قضيّة ثقافيّة. ولا سبيلَ إلى النهوض باللُّغة العربيّة إلاّ بوضع سياسة لغويّة وخطط لتنفيذها من خلال البرامج. - تتعلّق السياسة اللّغويّة بدعم مكانة اللغة العربيّة من خلال سنّ القوانين ومن خلال إنشاء مؤسسات لحمايتها. - إلزام المدارس الأجنبيّة بتخصيص حصص كافية لتدريس اللّغة العربيّة لطلابها. - السّعي إلى الإعلاء من شأن اللغة العربيّة في التداول اليومي وفي التعليم وتشجيع المبادرات الثقافيّة والتربويّة والاجتماعيّة والإعلاميّة والمشاركة في تمويلها من قبل الهيئات ذات الصّلة. - تطوير الوعي اللغوي لدى الإعلاميين من خلال إصدار "الدليل اللغوي" وتكثيف برامج التدريب لتحقيق الكفاية اللغويّة. - التأكيد على دور الإعلام والمؤسسات الثقافيّة في أدائها وفي التوعية بأهمية اللغة العربيّة. - تتحمّل مراكز الدّراسات والجامعات دوراً كبيراً في تسليط الأضواء على اللغة العربيّة وتساهم في اقتراح الوسائل لتعزيز مكانتها.

6063

| 08 ديسمبر 2021

الجزيرة بقعة ضوء لأحرار العالم

لطالما سألتُ نفسي: هل اقتصرت قناة الجزيرة منذ انبعاثها على تغيير الفضاء الإعلامي العربي؟ أم إنها وضعت بصمتها في تغيير نمط تفكيرنا تجاه أنفسنا وتجاه الآخر في وقت واحد؟ وكثيرا ما قفزت إلى ذهني قصة الكهف لأفلاطون، وأجراس السؤال تقرع على امتداد السنوات. لقد روى أفلاطون على لسان معلمه سقراط كيف ظن مجموعة من السّجناء المقيّدين في الكهف، وخلفهم نارٌ ملتهبة، أنهم يرون الحقيقة وقد عكستها ظلالُ الأشياء على السّور. وما إن خرج أحدهم من الكهف حتّى أدرك أنّ الأشياء في الخارج تختلف عن الأشياء داخله. ويمكننا أن نقيس هذه الأمثولة على واقعنا العربي والدولي بعد أنْ ظهرت الجزيرة، فخرجت من الكهف الإعلامي لتكتشف الحقائق وتنقلها إلى الرأي العام العربي والعالمي. لم يعد بالإمكان طرح سؤال الهويّة: من نحن؟ ومن هو الآخر؟ بعيدًا عمّا قدّمته الجزيرة من إجابات وفرضيّات وتصوّرات عن هذين القطبين. فنحن نعرفُ اليوم أكثر من ذي قبل منْ نكونُ بواسطة الجزيرة. المجتمعات التي عاشت الاستبداد تعلم جيّدا مدى تقديرها وبحثها عن الكرامة الإنسانيّة بفضل ما قدّمته الجزيرة، والرأي العام العربي تعلّم معنى أن يكون للفرد حرية الرأي والاختلاف مع غيرهِ حين وسّعت الجزيرة من أفق "الرأي والرأي الآخر". وفي الضفة الأخرى، أدرك الآخر بثقافاته المختلفة، من نكونُ، ومن يكونُ في نظرنَا، حينَ فرضت الجزيرة مقاربات جديدة للواقع العالمي ولقضايا الإنسان العربي من وجهة نظر عربيّة خالصة. وأزعم أني عايشت الجزيرة منذ أن كانت فكرة ثم رؤية ثم واقعا، ولذلك أعي بشكل قاطع كيف كان الوضع العربي والدولي قبل الجزيرة، وما التأثير الذي أحدثته، وردود الفعل التي ترتبت عليها، والواقع الذي فرضته بعد ولادتها، والمقاومة العنيفة لأعداء القيم التي حملتها الجزيرة، ثم المحاولات لخلق منافسات لها، والدور المميز الذي تقوم به في خدمة الكلمة الحرة والمعلومة الصادقة وخدمة قضايا العدل والحرية والمساواة وتقرير المصير والوقوف إلى جانب هذه القضايا. كنت وزيراً للإعلام حين أنشئت الجزيرة، وكانت بلادي، بقيادة الأمير الوالد صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد آنذاك، قد اختطت خطا واضحا في تبني حرية الإعلام والوقوف إلى جانب القضايا العادلة. كانت هذه القيادة مدركة لأهمية رفع القيود عن الإعلام ليتمكن من أداء دوره في التنمية ودعم قضايا الحق والعدل. وأشير بصورة خاصة إلى الحرب اليمنية الداخلية عام 1994 التي سعت إلى فصل عرى الوحدة بين الشمال والجنوب، تلك الوحدة التي تحققت عام 1990. كـانت قطر - من منطق مصلحة اليمن ومصلحة المنطقة - حريصة على تعزيز الوحدة، واتخذت موقفا سياسيا داعما لوحدة اليمن. من الطبيعي أن يكون الإعلام أحد أسلحة هذا الدعم، وقد حاولنا ولكن ظلَّ إعلامنا دون مستوى آمال سياساتنا. وأعتقد أنّ هذا الحدث وإدراكنا للفجوة بين واقع إعلامنا ورهانات سياساتنا مثّلاَ الدافع إلى التفكير في إنجاز مشروع إعلامي يتخطى التقليدية ويصبحُ نقطة انطلاق في تاريخ الإعلام العربي والدولي. وأشير إلى فكرة حل وزارة الإعلام التي رأى صاحب السمو أمير البلاد آنذاك إلغاءها لارتباط هذه الوزارة آنذاك في عالمنا بخنق الحريات. ألغيت الوزارة بالفعل عام 1995، ومنذ ذلك التاريخ لا وزارة إعلام في دولة قطر، وكان هذا إرهاصًا من إرهاصات بزوغ فجر جديد للإعلام يتخطى الطابع التقليدي ويشكل إيذانا بولادة عصر جديد للإعلام في منطقتنا ومن الإرهاصات والتي تمثل سعي قيادة دولة قطر لخلق واقع إعلامي حديث ومؤثر، ما شهدته إذاعة قطر حين كان للراديو تأثيره وقدرته على تخطي الحدود أكثر من التلفزيون، هو ولادة برنامج "قضايا وآراء" وهو برنامج حواري غير تقليديٍّ، وكانت إذاعة قطر أكثر الإذاعات سماعا في منطقة الخليج العربي بصورة خاصة والعالم العربي بصورة عامة، وقد طُلب منّي أن أقدِّمَ للقيادة تصوُّرا عن هذا البرنامج، وكلَّما قدَّمت تصوُّرا قيل لي: "إنه غير كاف ومطلوب هامش أكبر من حيث هامش الحرية وفي نوع الموضوعات التي تتمُّ مناقشتها"، حتى توصّلنا إلى صيغة متقدِّمة جدًّا وجريئة للغاية وغير مسبوقة. وبدأ البرنامج في عام 1994 وكان المشاركون يتردَّدون في البداية خوفا، ثم تجرَّأوا، وأصبح البرنامج نقطة تحوّلٍ من حيث موضوعاته والمشاركين فيه والإقبال عليه، وكان شعار البرنامج كلمة الإمام الشافعي المعروفة "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". وفي مهمَّة لي في بداية عام 1995 في الرياض للمشاركة في مؤتمر وزراء إعلام دول الخليج، وقد كانوا على علم أن هذا آخر مؤتمر أحضره كوزير إعلام لدولة قطر، وكانت الجلسة تشهد مداخلات لتوديعي وإذا بأحد وزراء الإعلام الخليجيين رحمه الله يتدخل ويقول: "لنا طلب أخير عندك قبل أن تترك، وهو أن تلغي برنامج قضايا وآراء في إذاعة قطر فقد أزعجنا كثيرا بهامش الحرية المتاح له وبموضوعاته التي يطرحها". أجبته - غفر الله له -: "لا أستطيع أن أعدك بهذا، بل أعدك بما هو أهم، إن هذا إلاّ بداية والخير قادم" وها هي الجزيرة تولد وتنمو كشجرة طيّبة شامخة تزداد تألقا، وتُثمرُ كلما ازدادت التَّحديات. لقد نجحت الجزيرة في إقامة الجسور، لا بين المواطن العربي وحقائق ما يدور حوله فقط، بل وجسور التواصل بيننا وبين الآخر، وبرهنت للعالم أنّ العربي، متى أراد أن يبدعَ وينجز، فإنّه قادر على ذلك، لأنّه سليل حضارة تؤمن بالعلم والعمل وتدافع عن كرامة الإنسان أينما كان، وتلك الرسالة الخالدة لديننا الحنيف. لقد حققت الجزيرة خطوات عملاقة في هذا الطريق، ومن حقّنا أن نفخر بدورها على امتداد ربع قرن. إن دور (الجزيرة) وتأثيرها ليس مقصورا على العالم العربي ولغة الضاد، بل تخطاه إلى اللغة الإنجليزية وإلى حد ما إلى لغات أخرى، ولا يغيب عن بالي أثناء حملتي لليونسكو في إفريقيا عام 2017، أن اتصل بي رئيس إفريقي ذو مكانة مرموقة وطلب مني أن أزوره في بلده، وهي من الدول التي لم أسع لزيارتها لأنه لا صوت لديها أسعى إليه. كانت آنذاك الحملة لإيقاف الجزيرة على أشدها وذهبت وزرته لأجد أن هدفه هو رسالة إلى القيادة القطرية «أننا في إفريقيا نعتمد على الجزيرة، فلا تلتفتوا لدعوات إسكاتها بل تمسكوا بها وكانوا فخورين بها". وأخيرا وليس آخرا، فإننا نعتز بنقل الجزيرة الأمين والشجاع لانتفاضة حي الشيخ جراح والأقصى وصمود غزة الأبية. تحية للجزيرة وتحية لقيادات قطر الشجاعة الداعمة لها وللعقل المبدع والمقدام الذي كان وراءها فكرة ورؤية وواقعا، ولقيادتها وإدارتها ولطاقمها المبدع والمعطاء. نائب الرئيس والعضو المنتدب في شبكة الجزيرة الإعلامية

2934

| 07 نوفمبر 2021

alsharq
أهمية الدعم الخليجي لاستقرار اليمن

بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...

1674

| 14 يناير 2026

alsharq
ضحكة تتلألأ ودمعة تختبئ

بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...

1398

| 16 يناير 2026

alsharq
لومومبا.. التمثال الحي الذي سحر العالم

اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...

861

| 11 يناير 2026

alsharq
توثيق اللحظة... حين ننسى أن نعيشها

للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...

834

| 13 يناير 2026

alsharq
رسالة عميقة عن قطر!

في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...

687

| 15 يناير 2026

alsharq
بطاقة الثقة لمعلمي الدروس الخصوصية

في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...

669

| 14 يناير 2026

alsharq
معول الهدم

لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...

615

| 12 يناير 2026

alsharq
هل الدوحة الوجهة المناسبة للعائلة الخليجية؟

لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...

588

| 16 يناير 2026

alsharq
سر نجاح أنظمة التعويضات في المؤسسات

في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...

570

| 15 يناير 2026

alsharq
هدر الكفاءات الوطنية

تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...

567

| 12 يناير 2026

alsharq
وانتهت الفُرص

ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...

558

| 15 يناير 2026

alsharq
حنين «مُعلّب».. هل نشتري تراثنا أم نعيشه؟

تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...

516

| 14 يناير 2026

أخبار محلية