رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كمْ كنتُ مبتهجاً حين علمت أنّ مجلس الشّورى الموقّر قد جعل من اللغة العربيّة والمحافظة عليها من أولى بنوده. وتضاعفت البهجة بدعوتي لحضور الجلسة الأولى والمشاركة فيها مع أخي وصديقي الأستاذ عبد العزيز بن عبد اللّه السبيعي وزير التربية الأسبق وأحد العارفين لهذه اللغة والمدركين لأهميتها والمسخّرين كلّ جهدهم للمحافظة عليها وتعزيز مكانتها، ونظر المجلس الموقّر في تفعيل قانون (7) لعام 2019 والمتعلّق بحماية اللغة العربيّة في بداية دورته رغم كثرة المهمات على جدول أعماله، ممّا يدلُّ وبشكل قاطع على إدراكه لأهمية اللغة العربيّة كعامل رئيسي في المحافظة على أمننا الثقافي.
وقد رأيتُ أنّ تسليط الضّوء في هذا المقال على بعض القضايا ذات العلاقة باللغة العربيّة في قطر حاجة مهمّة في هذه الآونة، إذ يعزّز ذلك تفاعل النخبة الثقافيّة مع توجّهات الدولة الرائدة في حماية اللغة العربيّة، وأعتقد أنّ اللغة العربيّة ليست شأنا خاصّا بالتشريعات فهي قضيّة مجتمعيّة، تؤمن بها الدّولة مؤازرة بإرادة شعبيّة في السّعي لحمايتها، وهي ليست شأنا متحفيّا يعود إلى زهْو بالماضي المجيد لأمّة ما وإنّما هي شأن وطني مرتبط بأمننا الثقافي.
لغة الدين والعلوم والحياة:
لقد كرّم اللّه عزّ وجلّ اللّغة العربيّة بأن جعلها لغةَ القرآن الكريم، ولذلك فنحنُ نُدرك أنّ هذا التّكريم يلقي علينا بمسؤوليّة رعايتها وحفظها والسّهر على نموّها واتّساع مداها بين النّاطقين بها وسائر الشّعوب، لأنّها تُعبّر عن معاشنا وتحمل آمالنا في تحقيق الخير للإنسانيّة. وهذا ما عبّرت عنه لغتنا في مختلف العصور حين حملت للبشريّة قيم الإسلام السّمحاء، ووهبتها العلوم والفكر والإبداع في شتّى المجالات، لأنّها لم تكن لُغة الدّين أو المعاملات فحسب وإنّما كانت لغة العلوم التي اهتدى بها العالم فحقّق التقدّم. ولم تكن اللغة العربية حبيسة مجالٍ ضيّق للتواصل بين أفراد المجتمع أو بين الشّعوب والأمم، بل أدّت أدوارًا أخرى فضلا عن تكوين شخصيّة الفرد وتشكيل هويّته الذّاتيّة، فهي وعاء المنجزات الحضاريّة والعلميّة للأمّة أيضا.
إنّ لكلّ لغة حياة، فهي تنمو وتحيا بفعل إصرار أبنائها على تطويرها في كلّ عصر حتّى تبقى مستمرّة مع الأجيال ومحافظة على مساهمات الأجداد. وقد أصاب اللّغة العربيّة ما أصاب الأمّة العربيّة الإسلاميّة من فتورٍ وتراجعٍ بعد أنْ أدّت دورها في عصور خلتْ كأحسن ما يكون الأداء في جميع المجالات، بدءًا بالحياة الفكريّة ومرورا بالحياة الاجتماعيّة وانتهاء بحركة الإبداع في جميع الجوانب. فلم يكتف العرب في السابق بالاستفادة من التراث اليوناني والإغريقي والهندي بل أجادوا في الإبداع من خلال لغتهم، فكانت اللغة العربيّة لغة علوم الطبّ والكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيّات وغيرها من العلوم التي انتشرت مؤلفاتها وتداولها العلماء في الشّرق والغرب، وصارت لهم مرجعا يعتدّون به.
ولم تكن اللغة العربية مجرّد ناقلٍ أمينٍ للثقافة والعلوم اليونانيّة، فهي ليست عنصرا محايدا، بلْ أخذت عمليّة النقل بُعدا إبداعيًّا، فأضاف العلماء بصْمتهم على ما ترجموه، لأنَّ من يفكّر فإنّما يفكّر من داخل اللغة، وهذا دليل على أنّ العلاقة بين اللغة والثقافة في جدل مستمرّ، فالمعارف تغتني باللغة لأنّها حمّالة للقيم، ولا يُمكن تجريدها من تلك الحُمولة القيميّة التي تحملها عبر العقود والقرون لأمّة من الأمم، ولا سبيلَ إلى اعتبار اللغة نمطا صوتيّا خاليًا من القدرات الثقافيّة في بناء الفكر.
وقد تمتّعت اللّغة العربيّة بهذه القدرة الذّاتيّة على النموّ فعبّرت عن فكر أصحابها ونظرتهم للكون، وعن مجمل القيم التي بُني عليها المجتمع العربي الإسلامي. ذلك أنّ تعامل العلماء والمفكرين العرب مع اللغة زمن الازدهار الحضاري اتّسم بالحيويّة حتّى عدّت قضاياها من قضايا المجتمع نفسه، إنّها صارت لديهم شبيهة بالوطن، وما دام كلّ فرد لهُ الحقّ في وطن، فإنّ وطنه الأوّل هو اللّغة، ومن حقّه أن يتمتّع بخيراتها وأن يشارك في بنائها. أذكر مقولة شهيرةً للفيلسوف الألماني هيدغر حينَ قال:" إنَّ لغتي هي مسكني، هي موطني ومستقرّي، هي حدود عالمي الحميم ومعالمه وتضاريسه، ومن خلال عيونها، أنظر إلى بقيّة أجزاء الكون الواسع".
وإذا كانت اللغة هي المسكن والوطن فإنّها الوتد الذي يشدّ خيمة المجتمع وهويّته، وبالتالي يعزّز ترابط الأسرة التي لا يقلّ دورها بأيّ حالٍ عنْ دور الدولة في حماية اللغة العربيّة، فتلك الأسرة التي لا تسعى إلى طبع اللغة وحبّها والحرص على تعلّمها في أبنائها منذ النشأة إنّما هي مقصّرة في حقّ هؤلاء الأبناء وفي حقّ الأمن الثقافي للوطن. وإذا كانت هذه المهمة هي مهمّة الأسرة بصورة عامّة أبا وأمّا، فإنّ دور الأمّ هنا مميّز، فتلك الأمّ التي تترك الأطفال ضحيّة للمربيات اللواتي ينتمين إلى ثقافات أخرى، مع احترامنا لهذه الثقافات، إنّما تقصّر تقصيرا لا يغتفر في حقّ أطفالها.
إنّنا نسمّي اللغة التي يتعلّمها الأطفال في نشأتهم بـ"اللغة الأم"، ولا يُمكن للأمّ أنْ تسمحَ بالتخلّي عن اللغة العربيّة لصالح لغات أخرى لأنّ اللغة ليست مجرّد أداة تواصل وإنّما هي وسيلتها لتربية أبنائها وتعليمهم قيم وطنهم وتراث أجدادهم ونظرتهم للمستقبل.
اللغة لسان الهويّة:
يمرُّ مجتمعنا الخليجي بتحدٍّ كبيرٍ للمحافظة على انتمائه العربي، ونعلم أنّ حجر الرّحى في المحافظة على أمننا الثقافي هو اللغة العربيّة، فالانفتاح الاقتصادي سمح باستقطاب العمالة من جنسيّات مختلفة ورافقه انتشار للغات الأجنبيّة، وبقدر ما يعدُّ ذلك سمةً من سمات التنوع الثقافي فإنّ هذه اللغات أضحت تنافس اللغة الأم، وفي كثيرٍ من الأحيان تتغلّب عليها، ونلاحظ هيمنة اللغة الإنجليزيّة في أكثر من مجال، وحتّى في مستوى التداول اليومي في الحياة العامّة، وهذا ما يعبّر عن مأزق حقيقي ينبغي الانتباه إليه، ووضع خطط لمواجهته.
علينا أنْ نعيَ بأنّ الهويّة اللغويّة جزء مهم من الهويّة الوطنيّة فاللغة عامل مباشر في بناء الهويّة لأي مجتمع إنساني، لأنّ اللّغة ليست أداة للتعبير فحسب، ولا شأنا ظرفيّا للتواصل مع الشّعوب بلْ هيَ مسألة أمن قومي يساعد على الاستقرار النفسي والاجتماعي لكلّ أفراد الوطن الواحد. إنّ اللغة هي لسانُ الهويّة، لذلك فهي ليست شأنا فرديّا، بل شأن وطني وقومي. إنّنا نستدلّ على انتماء أيّ شخص من خلال تبيّن لغته، فتمييز الهويّات يسهل من خلال معرفة لغة المتكلّم.
وإنّي أرى أنّ الصلة الجوهريّة بين اللغة والهويّة غير ذات اهتمام لشرائح اجتماعيّة واسعة في أيّامنا، عكس ما كان عليه الأمر في الزمن الاستعماري حيثُ كان الدفاع عن اللغة العربيّة جزءا من مواجهة محاولات الاستعمار في طمس الهويّة، ونعتقد أنّ بناء النهضة والتنمية للمجتمعات العربيّة هو معركة جديدة لا يُمكن أن تُخاضَ بعيدًا عن القضيّة اللغويّة. وإنّ التحديات التي نواجهها في مجتمعنا بالذّات تجعلنا أمام تهديدات كثيرَة تُضاعف منْ مسؤوليّتنا في المحافظة على اللغة العربيّة واعتبارها صمّام أمان لتفكيرنا وزادنا المعرفي وتصوّراتنا المستقبليّة بشأن تقدّم مجتمعنا.
ليكن في أذهاننا أنّ القضيّة اللغويّة مسألة استراتيجيّة لا تمسُّ قطاعا دونَ آخر، وهي لا تقتصر في قطر عن مطلب التّداول في الدّوائر الرسميّة أو الإعلاميّة، وإنّما تشمل كلّ القطاعات، فهذه اللغة التي عمّرت حوالي سبعة عشر قرنًا وهي محتفظة بنظامها الصوتي والصرفي والنحوي، لن تكونَ مجرّد وسيلة تواصل، بلْ هي كيانٌ قائم الذّات لا تُعرّف الهويّة دونه، وإن أضاعه العرب فقد أضاعوا هويّتهم التي بها يتميّزون عن سائر الأمم.
لذلك فاحترامنا للغة العربيّة يكسبنا احترام الآخرين لنا. وكلّما تشبّثنا بهذه اللّغة استطعنا المحافظة على هويّتنا التي لا تتعارض مع انفتاحنا على القيم المشتركة، بحيثُ يصبح الإنسان العربي مواطنا كونيّا باستخدامه للغته وليس بهجرها. فكلّ الشّعوب تحتفي بلغتها لأنّها علامةٌ فارقة على تمسّكها بخصوصيّتها دونَ إنكار اندماجها في ما هو مشترك في الثقافة الإنسانيّة.
الجمود مجرّد ظاهرة طارئة:
قد يمرُّ على اللّغة طورٌ من الجمود لأسباب عديدة ولكنّ لغتنا العربيّة تحمل في داخلها بذرة التحوّل، فهي لغةٌ غير منغلقة على نفسها، والدّليل على ذلك أنّها استضافت في كيانها مفردات من لغات أخرى منذ القدم، بحكم أنّ الثقافة العربيّة منفتحة وتقبل الحوار في داخلها، وهي ترى أنّ الآخر لا يقع في الخارج وإنّما هو جزء منها، تُحاورهُ وتستفيدُ منهُ وتُغنيه كذلك. ولهذا فاللّغة العربيّة حيّة وستبقى كذلك على مدى الزّمان، وكلّ المؤشّرات الدّوليّة تؤكّد استمراريّتها وبقاءها ضمن اللّغات المستقبليّة التي ستظلّ حيّة إزاء اختفاء لغات أخرى. وفي رأيي فإنّ جمود اللغة العربيّة في فترة من الفترات ليس غير طارئ، فمتى أدرك العرب دور لغتهم ومنزلتها بين سائر لغات العالم وتحدِّياتها الجديدة قياسا بتطوُّر العلوم وأنماط العيش، فإنهم قادرون على استعادة مكانتها وتجديدها، ومثلما أثرت العربيّة على مستوى المفردات والبنى اللغويّة في لغات أخرى في السابق فإنّها قادرة اليوم أنْ تلعبَ دوراً مماثلاً. لكنّ هذا التأثير لا يمكنُ أنْ يُستعاد إن لم نفحص منْ جديد واقع بيئتنا اللغويّة وننجح في الخروج من واقع التلوّث اللّغوي. وإنّنا لا ننكر مجهودات المؤسسات العلميّة اللغويّة التي تسعى إلى تطوير اللغة والخروج من أزمتها، ولكنّنا نلاحظ أنّ جملة هذه المجهودات مبعثرة وتفتقر إلى "التشبيك" فليست هناك خطة واضحة لتبادل البحوث اللغويّة بين الباحثين في المجامع اللغويّة، وتبدو المشاريع المعجميّة متناثرة أيضًا في الوطن العربي، ولا يوجد تنسيق بين المعنيين بها، وهذا يؤثّر سلبا على البيئة اللغويّة بالإضافة إلى اغتراب العربيّة في أكثر من مكان في الوطن العربي نظرا لهيمنة استعمال وتداول لغات أجنبيّة في الحياة اليوميّة العربيّة، ناهيك عن جنوح أنظمة تعليميّة كثيرة إلى تغليب اللغة الإنجليزيّة أو الفرنسيّة على اللغة الوطنيّة.
التعليم حصن اللّغة:
لا يمكن مناقشة مسألة اللغة العربية بعيداً عن التعليم في زمن العولمة المضطرب والمختلط، إذ التّعليم هو جوهر هذه اللّغة، ومن شأن تطويره أن يدعم مكانة اللّغة العربيّة بين الأجيال ويجعلها الأداة المناسبة للمساهمة في بناء الحضارة الإنسانيّة. ولذلك وجب علينا دعم التّعليم، ومن هنا تأتي نجاعة مبادرات دولة قطر في مشاريع التّعليم، حيثُ تُكسب اللّغة مكانتها المحوريّة وتجعلها أداة بناء مستقبل الإنسان لأجل رعاية القيم الإنسانيّة المشتركة. ومن الموضوعات الشّائكة المرتبطة بقضيّة اللغة والتعليم تتفرّع مشكلة تعريب العلوم التي لا تغني عن تعلّم أيّ طالبٍ لغة أجنبيّة، ولاشكّ فإنّ هذه المسألة ما تزال تتصدّر هواجس المختصين في الشأن التعليمي، وفي رأيي ينبغي أن ننظر إلى كيفيّة الاستثمار في اللغة لدى الناشئة أوّلاً، ومنح اللغة العربيّة جاذبيّتها المطلوبة لتحفيزهم على استخدامها بل والافتخار بها أيضًا، وذلك لا يقتصر فحسب على الترفيع في عدد ساعات تعليم اللغة العربيّة بل يتحدّد بتوسيع مجالات هذه اللغة لتكون لغة العلوم، وهذا طريقٌ شاقّ لكننا لا نرى أيّ موجب للتأخّر في السير فيه، فالتوفيق بين لغة هويّتنا وبين متطلّبات اقتصاد المعرفة والثورة المعلوماتيّة والثّورات العلميّة المتلاحقة أمر في غاية الأهميّة، بل هو أمر مصيري حتما.
اللّغة مقوّم ثقافي:
تُساهم دولة قطر في مشروع العقد العربي للحقّ الثقافي الذي انطلق في عام 2018 ويستمرّ إلى غاية عام 2027، وينصّ في مبادئه على أنّ اللّغة العربيّة عنصر موحّد للثقافة العربيّة ويهدفُ إلى استخدام اللّغة العربيّة في كافّة مناحي الحياة والمحافظة عليها والإسهام في بناء الأسس اللاّزمة للنّهوض بها.
وإذا كان العقد العربي للحقّ الثقافي قد أولى اللغة العربيّة مكانتها من المشروع الثقافي عامّة، فإنني أشير إلى أنّ الوعي بالقضيّة اللغويّة في القطاع الثقافي مازال يحتاج إلى مراجعات، حيثُ يفتقد خطابنا الثقافي في المسرح والسينما وغيرها من الفنون إلى حضور هذا الوعي أمام استسهال التعامل باللهجات العامية، وإن كنا نعتبر أنّ اللهجات العامية طاقة ثقافيّة فيها الكثير من الإبداع ويظهر ذلك في الشعر والغناء والمسرح وفي سيناريو الأفلام السينمائيّة وفي الدراما التلفزيونيّة، فإنّني أخصّ بالذكر ضرورة الابتعاد عن تغليب العامية في خطابنا الثقافي حول كلّ هذه الفنون، فلا يُمكننا أن نتناول هذه الفنون بالتحليل والنقد بالعامية أيضًا، وغالبا ما يناقش الإعلاميّون والمثقفون على السّواء القضايا الثقافيّة بالعامية، وهذا تقزيم من دور اللغة العربيّة، وممّا كنتُ أستغربه أنّ من المثقفين من يكتبون كتبهم وأبحاثهم ومقالاتهم بالعربيّة الفصحى إلاّ أنّهم حينما يناقشون قضايا ما يكتبون في وسائل الإعلام يتكلّمون بالعامية!
ذلك وجه من وجوه غربة اللّغة في خطابنا الثقافي، حينَ يكون المثقّف جزءا من المشكل.
اليوم العالمي للغة العربيّة
نحتفل قريبًا مع كلّ دول العالم باليوم العالمي للّغة العربيّة الذي ينظّم كلّ عام في الثامن عشر من ديسمبر، وهو التاريخ الذي اتّخذت فيه الأمم المتّحدة عام1973 قرارها بأن تكون اللغة العربيّة لغة رسميّة سادسة في المنظّمة. ولم تدّخر المؤسسات الثقافيّة والجهات الحكوميّة في قطر جهدا في الاحتفال بهذا اليوم، من خلال الفعاليات والندوات والحملات الإلكترونيّة على منصّات التواصل الاجتماعي.
وإذ يساهم هذا الاحتفال في تعزيز مبدأ تعدد اللغات والثقافات في الأمم المتّحدة بالذّات، ويسعى إلى تعريف العالم بالتاريخ المشرّف للغة العربيّة، فإنّ عمليّة توظيف هذه الخطوة الجيّدة من قبل العرب ما تزال دون المأمول، ذلك أنّ استخدامها في المنظّمة لم يترجم حقّا منزلتها الحقيقيّة. وباعتبار العلاقة التي تجعلني أحد أبناء الأمم المتّحدة التي عملت فيها سفيرًا في نيويورك ورأستُ منظّمات كمؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) وترأست مؤتمرات ولجانا وكنت مندوبا في اليونسكو ومرشّحا لإدارتها، فقد كنتُ أُجلُّ الجهود التي قام بها رجالٌ قبلنا لتكون اللغة العربيّة لغة من لغات الأمم المتّحدة، وفي المقابل فإنّي أتألّم عندما تَجاهلَ الكثيرُ من المندوبين والمتحدّثين العرب لهذا الإنجاز لتكون بياناتهم ومداخلاتهم باللغات الأجنبيّة ممّا همّش الإنجاز وأضعف اللغة العربيّة في الأمم المتّحدة. لذلك فالعرب مقصّرون رغم الإنجازات السابقة ورغم حجم الأموال التي أنفقت في سبيل تعزيز حضور اللغة العربيّة ومن أجل أن تتحوّل إلى لغة مساوية لبقيّة اللغات المعتمدة في الأمم المتّحدة.
وبالإضافة لذلك فإنّني ألاحظ تفاوتًا في استخدم اللغات في الأجهزة الفرعيّة للأمم المتّحدة مثل صندوق الأمم المتّحدة للسكان، هيئة الأمم المتّحدة للمرأة، ومنظمة السياحة العالميّة، ومكتب الأمم المتّحدة المعنيّ بالمخدّرات والجريمة. كما تفتقر أغلب المنصّات الإعلاميّة الرسميّة الرقميّة إلى استخدام اللغة العربيّة، وهذا ما يحدُّ منْ مجال وصول الرسائل والمعلومات إلى الشّعوب العربيّة فيؤثّر بشكل سلبي على تفاعلهم مع برامج الأمم المتّحدة.
منْ أجل أفق جديد للغة العربيّة
إنّنا في قطر نمتلك الإرادة السياسيّة الكافية والقوانين الملائمة لتكون وضعيّة اللغة العربيّة أفضل ممّا هي عليه، وأرى من الواجب أنْ أقدّمَ بعضا من التوصيات التي من شأنها تطوير مكانة اللغة العربيّة، حتّى يكون تشخصينا ونقدنا مجديا، ومن هذه التوصيات:
- تفعيل القانون(7) لعام 2019 بتنفيذه وتحديد جهة تتابع هذا التنفيذ.
- أن يكون الاهتمام باللغة العربيّة من أولويّات السّاسة، لأنّ القضيّة اللغويّة مسألة سياسيّة قبلَ أنْ تكون قضيّة ثقافيّة. ولا سبيلَ إلى النهوض باللُّغة العربيّة إلاّ بوضع سياسة لغويّة وخطط لتنفيذها من خلال البرامج.
- تتعلّق السياسة اللّغويّة بدعم مكانة اللغة العربيّة من خلال سنّ القوانين ومن خلال إنشاء مؤسسات لحمايتها.
- إلزام المدارس الأجنبيّة بتخصيص حصص كافية لتدريس اللّغة العربيّة لطلابها.
- السّعي إلى الإعلاء من شأن اللغة العربيّة في التداول اليومي وفي التعليم وتشجيع المبادرات الثقافيّة والتربويّة والاجتماعيّة والإعلاميّة والمشاركة في تمويلها من قبل الهيئات ذات الصّلة.
- تطوير الوعي اللغوي لدى الإعلاميين من خلال إصدار "الدليل اللغوي" وتكثيف برامج التدريب لتحقيق الكفاية اللغويّة.
- التأكيد على دور الإعلام والمؤسسات الثقافيّة في أدائها وفي التوعية بأهمية اللغة العربيّة.
- تتحمّل مراكز الدّراسات والجامعات دوراً كبيراً في تسليط الأضواء على اللغة العربيّة وتساهم في اقتراح الوسائل لتعزيز مكانتها.
التراث الشعبي العمود الفقري للهوية الوطنية
رغم مرور فترة من انتهاء فعاليات اليوم الوطني في دولتنا الحبيبة قطر، إلا أن الاحتفالات والفعاليات التي جرت... اقرأ المزيد
21
| 19 يناير 2026
الموناليزا حين تتكلم
عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال! بعض المحاضرات لا تنتهي أفكارها عند حدود القاعة التي تقدم فيها،... اقرأ المزيد
27
| 19 يناير 2026
الله يستر من الآتي
النمط التفكيري لدول الخليج مع فائق احترامي الشديد لهم جميعاً يعتقد بأنه محمي وفي مأمن من الأحداث الخطيرة... اقرأ المزيد
27
| 19 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1710
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1428
| 16 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
834
| 13 يناير 2026