رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كمْ كنتُ مبتهجاً حين علمت أنّ مجلس الشّورى الموقّر قد جعل من اللغة العربيّة والمحافظة عليها من أولى بنوده. وتضاعفت البهجة بدعوتي لحضور الجلسة الأولى والمشاركة فيها مع أخي وصديقي الأستاذ عبد العزيز بن عبد اللّه السبيعي وزير التربية الأسبق وأحد العارفين لهذه اللغة والمدركين لأهميتها والمسخّرين كلّ جهدهم للمحافظة عليها وتعزيز مكانتها، ونظر المجلس الموقّر في تفعيل قانون (7) لعام 2019 والمتعلّق بحماية اللغة العربيّة في بداية دورته رغم كثرة المهمات على جدول أعماله، ممّا يدلُّ وبشكل قاطع على إدراكه لأهمية اللغة العربيّة كعامل رئيسي في المحافظة على أمننا الثقافي.
وقد رأيتُ أنّ تسليط الضّوء في هذا المقال على بعض القضايا ذات العلاقة باللغة العربيّة في قطر حاجة مهمّة في هذه الآونة، إذ يعزّز ذلك تفاعل النخبة الثقافيّة مع توجّهات الدولة الرائدة في حماية اللغة العربيّة، وأعتقد أنّ اللغة العربيّة ليست شأنا خاصّا بالتشريعات فهي قضيّة مجتمعيّة، تؤمن بها الدّولة مؤازرة بإرادة شعبيّة في السّعي لحمايتها، وهي ليست شأنا متحفيّا يعود إلى زهْو بالماضي المجيد لأمّة ما وإنّما هي شأن وطني مرتبط بأمننا الثقافي.
لغة الدين والعلوم والحياة:
لقد كرّم اللّه عزّ وجلّ اللّغة العربيّة بأن جعلها لغةَ القرآن الكريم، ولذلك فنحنُ نُدرك أنّ هذا التّكريم يلقي علينا بمسؤوليّة رعايتها وحفظها والسّهر على نموّها واتّساع مداها بين النّاطقين بها وسائر الشّعوب، لأنّها تُعبّر عن معاشنا وتحمل آمالنا في تحقيق الخير للإنسانيّة. وهذا ما عبّرت عنه لغتنا في مختلف العصور حين حملت للبشريّة قيم الإسلام السّمحاء، ووهبتها العلوم والفكر والإبداع في شتّى المجالات، لأنّها لم تكن لُغة الدّين أو المعاملات فحسب وإنّما كانت لغة العلوم التي اهتدى بها العالم فحقّق التقدّم. ولم تكن اللغة العربية حبيسة مجالٍ ضيّق للتواصل بين أفراد المجتمع أو بين الشّعوب والأمم، بل أدّت أدوارًا أخرى فضلا عن تكوين شخصيّة الفرد وتشكيل هويّته الذّاتيّة، فهي وعاء المنجزات الحضاريّة والعلميّة للأمّة أيضا.
إنّ لكلّ لغة حياة، فهي تنمو وتحيا بفعل إصرار أبنائها على تطويرها في كلّ عصر حتّى تبقى مستمرّة مع الأجيال ومحافظة على مساهمات الأجداد. وقد أصاب اللّغة العربيّة ما أصاب الأمّة العربيّة الإسلاميّة من فتورٍ وتراجعٍ بعد أنْ أدّت دورها في عصور خلتْ كأحسن ما يكون الأداء في جميع المجالات، بدءًا بالحياة الفكريّة ومرورا بالحياة الاجتماعيّة وانتهاء بحركة الإبداع في جميع الجوانب. فلم يكتف العرب في السابق بالاستفادة من التراث اليوناني والإغريقي والهندي بل أجادوا في الإبداع من خلال لغتهم، فكانت اللغة العربيّة لغة علوم الطبّ والكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيّات وغيرها من العلوم التي انتشرت مؤلفاتها وتداولها العلماء في الشّرق والغرب، وصارت لهم مرجعا يعتدّون به.
ولم تكن اللغة العربية مجرّد ناقلٍ أمينٍ للثقافة والعلوم اليونانيّة، فهي ليست عنصرا محايدا، بلْ أخذت عمليّة النقل بُعدا إبداعيًّا، فأضاف العلماء بصْمتهم على ما ترجموه، لأنَّ من يفكّر فإنّما يفكّر من داخل اللغة، وهذا دليل على أنّ العلاقة بين اللغة والثقافة في جدل مستمرّ، فالمعارف تغتني باللغة لأنّها حمّالة للقيم، ولا يُمكن تجريدها من تلك الحُمولة القيميّة التي تحملها عبر العقود والقرون لأمّة من الأمم، ولا سبيلَ إلى اعتبار اللغة نمطا صوتيّا خاليًا من القدرات الثقافيّة في بناء الفكر.
وقد تمتّعت اللّغة العربيّة بهذه القدرة الذّاتيّة على النموّ فعبّرت عن فكر أصحابها ونظرتهم للكون، وعن مجمل القيم التي بُني عليها المجتمع العربي الإسلامي. ذلك أنّ تعامل العلماء والمفكرين العرب مع اللغة زمن الازدهار الحضاري اتّسم بالحيويّة حتّى عدّت قضاياها من قضايا المجتمع نفسه، إنّها صارت لديهم شبيهة بالوطن، وما دام كلّ فرد لهُ الحقّ في وطن، فإنّ وطنه الأوّل هو اللّغة، ومن حقّه أن يتمتّع بخيراتها وأن يشارك في بنائها. أذكر مقولة شهيرةً للفيلسوف الألماني هيدغر حينَ قال:" إنَّ لغتي هي مسكني، هي موطني ومستقرّي، هي حدود عالمي الحميم ومعالمه وتضاريسه، ومن خلال عيونها، أنظر إلى بقيّة أجزاء الكون الواسع".
وإذا كانت اللغة هي المسكن والوطن فإنّها الوتد الذي يشدّ خيمة المجتمع وهويّته، وبالتالي يعزّز ترابط الأسرة التي لا يقلّ دورها بأيّ حالٍ عنْ دور الدولة في حماية اللغة العربيّة، فتلك الأسرة التي لا تسعى إلى طبع اللغة وحبّها والحرص على تعلّمها في أبنائها منذ النشأة إنّما هي مقصّرة في حقّ هؤلاء الأبناء وفي حقّ الأمن الثقافي للوطن. وإذا كانت هذه المهمة هي مهمّة الأسرة بصورة عامّة أبا وأمّا، فإنّ دور الأمّ هنا مميّز، فتلك الأمّ التي تترك الأطفال ضحيّة للمربيات اللواتي ينتمين إلى ثقافات أخرى، مع احترامنا لهذه الثقافات، إنّما تقصّر تقصيرا لا يغتفر في حقّ أطفالها.
إنّنا نسمّي اللغة التي يتعلّمها الأطفال في نشأتهم بـ"اللغة الأم"، ولا يُمكن للأمّ أنْ تسمحَ بالتخلّي عن اللغة العربيّة لصالح لغات أخرى لأنّ اللغة ليست مجرّد أداة تواصل وإنّما هي وسيلتها لتربية أبنائها وتعليمهم قيم وطنهم وتراث أجدادهم ونظرتهم للمستقبل.
اللغة لسان الهويّة:
يمرُّ مجتمعنا الخليجي بتحدٍّ كبيرٍ للمحافظة على انتمائه العربي، ونعلم أنّ حجر الرّحى في المحافظة على أمننا الثقافي هو اللغة العربيّة، فالانفتاح الاقتصادي سمح باستقطاب العمالة من جنسيّات مختلفة ورافقه انتشار للغات الأجنبيّة، وبقدر ما يعدُّ ذلك سمةً من سمات التنوع الثقافي فإنّ هذه اللغات أضحت تنافس اللغة الأم، وفي كثيرٍ من الأحيان تتغلّب عليها، ونلاحظ هيمنة اللغة الإنجليزيّة في أكثر من مجال، وحتّى في مستوى التداول اليومي في الحياة العامّة، وهذا ما يعبّر عن مأزق حقيقي ينبغي الانتباه إليه، ووضع خطط لمواجهته.
علينا أنْ نعيَ بأنّ الهويّة اللغويّة جزء مهم من الهويّة الوطنيّة فاللغة عامل مباشر في بناء الهويّة لأي مجتمع إنساني، لأنّ اللّغة ليست أداة للتعبير فحسب، ولا شأنا ظرفيّا للتواصل مع الشّعوب بلْ هيَ مسألة أمن قومي يساعد على الاستقرار النفسي والاجتماعي لكلّ أفراد الوطن الواحد. إنّ اللغة هي لسانُ الهويّة، لذلك فهي ليست شأنا فرديّا، بل شأن وطني وقومي. إنّنا نستدلّ على انتماء أيّ شخص من خلال تبيّن لغته، فتمييز الهويّات يسهل من خلال معرفة لغة المتكلّم.
وإنّي أرى أنّ الصلة الجوهريّة بين اللغة والهويّة غير ذات اهتمام لشرائح اجتماعيّة واسعة في أيّامنا، عكس ما كان عليه الأمر في الزمن الاستعماري حيثُ كان الدفاع عن اللغة العربيّة جزءا من مواجهة محاولات الاستعمار في طمس الهويّة، ونعتقد أنّ بناء النهضة والتنمية للمجتمعات العربيّة هو معركة جديدة لا يُمكن أن تُخاضَ بعيدًا عن القضيّة اللغويّة. وإنّ التحديات التي نواجهها في مجتمعنا بالذّات تجعلنا أمام تهديدات كثيرَة تُضاعف منْ مسؤوليّتنا في المحافظة على اللغة العربيّة واعتبارها صمّام أمان لتفكيرنا وزادنا المعرفي وتصوّراتنا المستقبليّة بشأن تقدّم مجتمعنا.
ليكن في أذهاننا أنّ القضيّة اللغويّة مسألة استراتيجيّة لا تمسُّ قطاعا دونَ آخر، وهي لا تقتصر في قطر عن مطلب التّداول في الدّوائر الرسميّة أو الإعلاميّة، وإنّما تشمل كلّ القطاعات، فهذه اللغة التي عمّرت حوالي سبعة عشر قرنًا وهي محتفظة بنظامها الصوتي والصرفي والنحوي، لن تكونَ مجرّد وسيلة تواصل، بلْ هي كيانٌ قائم الذّات لا تُعرّف الهويّة دونه، وإن أضاعه العرب فقد أضاعوا هويّتهم التي بها يتميّزون عن سائر الأمم.
لذلك فاحترامنا للغة العربيّة يكسبنا احترام الآخرين لنا. وكلّما تشبّثنا بهذه اللّغة استطعنا المحافظة على هويّتنا التي لا تتعارض مع انفتاحنا على القيم المشتركة، بحيثُ يصبح الإنسان العربي مواطنا كونيّا باستخدامه للغته وليس بهجرها. فكلّ الشّعوب تحتفي بلغتها لأنّها علامةٌ فارقة على تمسّكها بخصوصيّتها دونَ إنكار اندماجها في ما هو مشترك في الثقافة الإنسانيّة.
الجمود مجرّد ظاهرة طارئة:
قد يمرُّ على اللّغة طورٌ من الجمود لأسباب عديدة ولكنّ لغتنا العربيّة تحمل في داخلها بذرة التحوّل، فهي لغةٌ غير منغلقة على نفسها، والدّليل على ذلك أنّها استضافت في كيانها مفردات من لغات أخرى منذ القدم، بحكم أنّ الثقافة العربيّة منفتحة وتقبل الحوار في داخلها، وهي ترى أنّ الآخر لا يقع في الخارج وإنّما هو جزء منها، تُحاورهُ وتستفيدُ منهُ وتُغنيه كذلك. ولهذا فاللّغة العربيّة حيّة وستبقى كذلك على مدى الزّمان، وكلّ المؤشّرات الدّوليّة تؤكّد استمراريّتها وبقاءها ضمن اللّغات المستقبليّة التي ستظلّ حيّة إزاء اختفاء لغات أخرى. وفي رأيي فإنّ جمود اللغة العربيّة في فترة من الفترات ليس غير طارئ، فمتى أدرك العرب دور لغتهم ومنزلتها بين سائر لغات العالم وتحدِّياتها الجديدة قياسا بتطوُّر العلوم وأنماط العيش، فإنهم قادرون على استعادة مكانتها وتجديدها، ومثلما أثرت العربيّة على مستوى المفردات والبنى اللغويّة في لغات أخرى في السابق فإنّها قادرة اليوم أنْ تلعبَ دوراً مماثلاً. لكنّ هذا التأثير لا يمكنُ أنْ يُستعاد إن لم نفحص منْ جديد واقع بيئتنا اللغويّة وننجح في الخروج من واقع التلوّث اللّغوي. وإنّنا لا ننكر مجهودات المؤسسات العلميّة اللغويّة التي تسعى إلى تطوير اللغة والخروج من أزمتها، ولكنّنا نلاحظ أنّ جملة هذه المجهودات مبعثرة وتفتقر إلى "التشبيك" فليست هناك خطة واضحة لتبادل البحوث اللغويّة بين الباحثين في المجامع اللغويّة، وتبدو المشاريع المعجميّة متناثرة أيضًا في الوطن العربي، ولا يوجد تنسيق بين المعنيين بها، وهذا يؤثّر سلبا على البيئة اللغويّة بالإضافة إلى اغتراب العربيّة في أكثر من مكان في الوطن العربي نظرا لهيمنة استعمال وتداول لغات أجنبيّة في الحياة اليوميّة العربيّة، ناهيك عن جنوح أنظمة تعليميّة كثيرة إلى تغليب اللغة الإنجليزيّة أو الفرنسيّة على اللغة الوطنيّة.
التعليم حصن اللّغة:
لا يمكن مناقشة مسألة اللغة العربية بعيداً عن التعليم في زمن العولمة المضطرب والمختلط، إذ التّعليم هو جوهر هذه اللّغة، ومن شأن تطويره أن يدعم مكانة اللّغة العربيّة بين الأجيال ويجعلها الأداة المناسبة للمساهمة في بناء الحضارة الإنسانيّة. ولذلك وجب علينا دعم التّعليم، ومن هنا تأتي نجاعة مبادرات دولة قطر في مشاريع التّعليم، حيثُ تُكسب اللّغة مكانتها المحوريّة وتجعلها أداة بناء مستقبل الإنسان لأجل رعاية القيم الإنسانيّة المشتركة. ومن الموضوعات الشّائكة المرتبطة بقضيّة اللغة والتعليم تتفرّع مشكلة تعريب العلوم التي لا تغني عن تعلّم أيّ طالبٍ لغة أجنبيّة، ولاشكّ فإنّ هذه المسألة ما تزال تتصدّر هواجس المختصين في الشأن التعليمي، وفي رأيي ينبغي أن ننظر إلى كيفيّة الاستثمار في اللغة لدى الناشئة أوّلاً، ومنح اللغة العربيّة جاذبيّتها المطلوبة لتحفيزهم على استخدامها بل والافتخار بها أيضًا، وذلك لا يقتصر فحسب على الترفيع في عدد ساعات تعليم اللغة العربيّة بل يتحدّد بتوسيع مجالات هذه اللغة لتكون لغة العلوم، وهذا طريقٌ شاقّ لكننا لا نرى أيّ موجب للتأخّر في السير فيه، فالتوفيق بين لغة هويّتنا وبين متطلّبات اقتصاد المعرفة والثورة المعلوماتيّة والثّورات العلميّة المتلاحقة أمر في غاية الأهميّة، بل هو أمر مصيري حتما.
اللّغة مقوّم ثقافي:
تُساهم دولة قطر في مشروع العقد العربي للحقّ الثقافي الذي انطلق في عام 2018 ويستمرّ إلى غاية عام 2027، وينصّ في مبادئه على أنّ اللّغة العربيّة عنصر موحّد للثقافة العربيّة ويهدفُ إلى استخدام اللّغة العربيّة في كافّة مناحي الحياة والمحافظة عليها والإسهام في بناء الأسس اللاّزمة للنّهوض بها.
وإذا كان العقد العربي للحقّ الثقافي قد أولى اللغة العربيّة مكانتها من المشروع الثقافي عامّة، فإنني أشير إلى أنّ الوعي بالقضيّة اللغويّة في القطاع الثقافي مازال يحتاج إلى مراجعات، حيثُ يفتقد خطابنا الثقافي في المسرح والسينما وغيرها من الفنون إلى حضور هذا الوعي أمام استسهال التعامل باللهجات العامية، وإن كنا نعتبر أنّ اللهجات العامية طاقة ثقافيّة فيها الكثير من الإبداع ويظهر ذلك في الشعر والغناء والمسرح وفي سيناريو الأفلام السينمائيّة وفي الدراما التلفزيونيّة، فإنّني أخصّ بالذكر ضرورة الابتعاد عن تغليب العامية في خطابنا الثقافي حول كلّ هذه الفنون، فلا يُمكننا أن نتناول هذه الفنون بالتحليل والنقد بالعامية أيضًا، وغالبا ما يناقش الإعلاميّون والمثقفون على السّواء القضايا الثقافيّة بالعامية، وهذا تقزيم من دور اللغة العربيّة، وممّا كنتُ أستغربه أنّ من المثقفين من يكتبون كتبهم وأبحاثهم ومقالاتهم بالعربيّة الفصحى إلاّ أنّهم حينما يناقشون قضايا ما يكتبون في وسائل الإعلام يتكلّمون بالعامية!
ذلك وجه من وجوه غربة اللّغة في خطابنا الثقافي، حينَ يكون المثقّف جزءا من المشكل.
اليوم العالمي للغة العربيّة
نحتفل قريبًا مع كلّ دول العالم باليوم العالمي للّغة العربيّة الذي ينظّم كلّ عام في الثامن عشر من ديسمبر، وهو التاريخ الذي اتّخذت فيه الأمم المتّحدة عام1973 قرارها بأن تكون اللغة العربيّة لغة رسميّة سادسة في المنظّمة. ولم تدّخر المؤسسات الثقافيّة والجهات الحكوميّة في قطر جهدا في الاحتفال بهذا اليوم، من خلال الفعاليات والندوات والحملات الإلكترونيّة على منصّات التواصل الاجتماعي.
وإذ يساهم هذا الاحتفال في تعزيز مبدأ تعدد اللغات والثقافات في الأمم المتّحدة بالذّات، ويسعى إلى تعريف العالم بالتاريخ المشرّف للغة العربيّة، فإنّ عمليّة توظيف هذه الخطوة الجيّدة من قبل العرب ما تزال دون المأمول، ذلك أنّ استخدامها في المنظّمة لم يترجم حقّا منزلتها الحقيقيّة. وباعتبار العلاقة التي تجعلني أحد أبناء الأمم المتّحدة التي عملت فيها سفيرًا في نيويورك ورأستُ منظّمات كمؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) وترأست مؤتمرات ولجانا وكنت مندوبا في اليونسكو ومرشّحا لإدارتها، فقد كنتُ أُجلُّ الجهود التي قام بها رجالٌ قبلنا لتكون اللغة العربيّة لغة من لغات الأمم المتّحدة، وفي المقابل فإنّي أتألّم عندما تَجاهلَ الكثيرُ من المندوبين والمتحدّثين العرب لهذا الإنجاز لتكون بياناتهم ومداخلاتهم باللغات الأجنبيّة ممّا همّش الإنجاز وأضعف اللغة العربيّة في الأمم المتّحدة. لذلك فالعرب مقصّرون رغم الإنجازات السابقة ورغم حجم الأموال التي أنفقت في سبيل تعزيز حضور اللغة العربيّة ومن أجل أن تتحوّل إلى لغة مساوية لبقيّة اللغات المعتمدة في الأمم المتّحدة.
وبالإضافة لذلك فإنّني ألاحظ تفاوتًا في استخدم اللغات في الأجهزة الفرعيّة للأمم المتّحدة مثل صندوق الأمم المتّحدة للسكان، هيئة الأمم المتّحدة للمرأة، ومنظمة السياحة العالميّة، ومكتب الأمم المتّحدة المعنيّ بالمخدّرات والجريمة. كما تفتقر أغلب المنصّات الإعلاميّة الرسميّة الرقميّة إلى استخدام اللغة العربيّة، وهذا ما يحدُّ منْ مجال وصول الرسائل والمعلومات إلى الشّعوب العربيّة فيؤثّر بشكل سلبي على تفاعلهم مع برامج الأمم المتّحدة.
منْ أجل أفق جديد للغة العربيّة
إنّنا في قطر نمتلك الإرادة السياسيّة الكافية والقوانين الملائمة لتكون وضعيّة اللغة العربيّة أفضل ممّا هي عليه، وأرى من الواجب أنْ أقدّمَ بعضا من التوصيات التي من شأنها تطوير مكانة اللغة العربيّة، حتّى يكون تشخصينا ونقدنا مجديا، ومن هذه التوصيات:
- تفعيل القانون(7) لعام 2019 بتنفيذه وتحديد جهة تتابع هذا التنفيذ.
- أن يكون الاهتمام باللغة العربيّة من أولويّات السّاسة، لأنّ القضيّة اللغويّة مسألة سياسيّة قبلَ أنْ تكون قضيّة ثقافيّة. ولا سبيلَ إلى النهوض باللُّغة العربيّة إلاّ بوضع سياسة لغويّة وخطط لتنفيذها من خلال البرامج.
- تتعلّق السياسة اللّغويّة بدعم مكانة اللغة العربيّة من خلال سنّ القوانين ومن خلال إنشاء مؤسسات لحمايتها.
- إلزام المدارس الأجنبيّة بتخصيص حصص كافية لتدريس اللّغة العربيّة لطلابها.
- السّعي إلى الإعلاء من شأن اللغة العربيّة في التداول اليومي وفي التعليم وتشجيع المبادرات الثقافيّة والتربويّة والاجتماعيّة والإعلاميّة والمشاركة في تمويلها من قبل الهيئات ذات الصّلة.
- تطوير الوعي اللغوي لدى الإعلاميين من خلال إصدار "الدليل اللغوي" وتكثيف برامج التدريب لتحقيق الكفاية اللغويّة.
- التأكيد على دور الإعلام والمؤسسات الثقافيّة في أدائها وفي التوعية بأهمية اللغة العربيّة.
- تتحمّل مراكز الدّراسات والجامعات دوراً كبيراً في تسليط الأضواء على اللغة العربيّة وتساهم في اقتراح الوسائل لتعزيز مكانتها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وزير الدولة - رئيس مكتبة قطر الوطنية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5745
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2979
| 29 سبتمبر 2026