رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مرزوق فليج الحربي

مساحة إعلانية

مقالات

381

مرزوق فليج الحربي

على حافة العاصفة

19 يناير 2026 , 12:53ص

في منطقة تنام وتستيقظ على إيقاع الأزمات، يقف الخليج العربي اليوم أمام واحدة من أكثر مراحله التاريخية حساسية، في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية، وتبادل الرسائل النارية بين القوى الكبرى، وعودة لغة التصعيد إلى واجهة المشهد السياسي.

فقد بدأت الولايات المتحدة بإطلاق تهديدات بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، قابلها تهديد إيراني باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة في حال التعرض لأي هجوم، الأمر الذي أعاد الأنظار مجددًا إلى دول الخليج التي

تجد نفسها اليوم في قلب معادلة دقيقة: كيف تحافظ على شراكاتها الاستراتيجية، دون أن تتحول أراضيها إلى ساحة مواجهة مفتوحة لا ناقة لها فيها ولا جمل؟

ولا سيما أن تجارب المنطقة تؤكد أن الحروب الحديثة لم تعد تُدار بالجيوش التقليدية فقط، بل بالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والضربات المفاجئة، التي لا تعترف بحدود ولا تحترم مفهوم ( الحياد ) فأي تصعيد واسع النطاق قد يتجاوز جغرافيا مناطق النزاع، ليجعل البنية التحتية الحيوية في الخليج من مطارات وموانئ ومنشآت طاقة في مرمى النيران، بما يحمله ذلك من كلفة اقتصادية وأمنية باهظة.

لكن قطر، التي أثبتت في أكثر من أزمة إقليمية قدرتها على المناورة السياسية الذكية، تمتلك اليوم فرصة حقيقية لتكريس نموذج مختلف في إدارة المخاطر. فهي من جهة شريك استراتيجي رئيسي للولايات المتحدة، وهو ما أكده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته لقاعدة العديد بقوله إن ( دولة قطر تُعد شريكًا استراتيجيًا مهمًا للولايات المتحدة ) كما وصف ترامب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بأنه ( صديق شخصي وقائد عظيم لشعبه ) ومن جهة أخرى، تحافظ الدوحة على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف الإقليمية بما في ذلك إيران وخاضت وساطات سياسية ناجحة أثبتت قدرتها على تحقيق اختراقات في ملفات معقدة، ما يمنحها هامش حركة دبلوماسي نادر في منطقة تعاني من استقطاب حاد وأحادي.

المطلوب اليوم ليس مزيدًا من القواعد ولا مزيدًا من التصعيد، بل مقاربة خليجية جديدة تضع أمن المنطقة فوق حسابات المحاور. وفي هذا السياق، يمكن لقطر، مستندة إلى دبلوماسيتها النشطة وتجاربها الناجحة في الوساطة، أن تلعب دورًا محوريًا في الدفع نحو صيغة ( تحييد الخليج ) عن صراعات الكبار عبر تكثيف جهود الوساطة وتعزيز العمل الخليجي المشترك ودعم الحلول السياسية بدل العسكرية.

كما يتطلب الأمر تعزيز مفهوم الأمن الجماعي لدول الخليج وتطوير منظومات دفاع مشترك حقيقية لا تقتصر على التنسيق الشكلي إلى جانب العمل على بناء منظومة إنذار مبكر وتحصين المنشآت النفطية والحيوية بما يقلل من كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة، ويحمي استقرار المنطقة ومصالح شعوبها. 

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في قوة السلاح وحده بل في حكمة القرار السياسي، وأن من يدفع ثمن الحروب ليس من يشعلها، بل من تقع في جغرافيته. وقطر قدرها أن تكون بين نار التصعيد وماء الدبلوماسية وهي اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بأن تمسك العصا من الوسط، حمايةً لأمنها، وصوناً لاستقرار الخليج بأكمله.

مساحة إعلانية