رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حضرتُ في بدايات انعقاد مجلس الشورى السابق نقاشًا مهمًا حول واقع اللغة العربية ومستقبلها، شارك فيه عدد من المختصين والمهتمين بالشأن الثقافي واللغوي، كان من بينهم الدكتور حمد الكواري، والأستاذ عبدالعزيز بن عبدالله بن تركي، وزير التربية والتعليم السابق، إلى جانب نخبة من المعنيين. وقد عكس ذلك النقاش وعيًا مبكرًا بأهمية اللغة العربية بوصفها ركيزة للهوية، وأداة للفكر، وجسرًا للانتماء الحضاري.
ومنذ ذلك الوقت، يلفت الانتباه تنامي الاهتمام الرسمي باللغة العربية، لا سيما في ضوء التوجهات الحديثة لوزارة التربية والتعليم، التي تعكس حرصًا واضحًا على تعزيز حضور العربية في المنظومة التعليمية. ويأتي إطلاق كرسي تميم بن حمد للغة العربية والتراث الأندلسي خطوةً ثقافية وعلمية ذات دلالة عميقة، تعكس دعم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله، للغة القرآن الكريم، وإدراكه لأهميتها الحضارية ودورها في صون الهوية الوطنية.
وعلى الجهات التنفيذية ترجمة هذا الاهتمام إلى ممارسة يومية ملموسة. فالمؤسسات الحكومية مطالَبة بأن تعكس هذا التوجه في مراسلاتها الرسمية وبيئات العمل التابعة لها، ولا سيما في الجهات التي يعمل فيها عدد كبير من غير الناطقين بالعربية، حيث يُفترض أن تكون اللغة الرسمية حاضرة في موطنها الطبيعي، لا غائبة عنه.
لكن الخلل الأعمق يبدأ من الجذور، من المراحل التعليمية الأولى، وتحديدًا من دور الحضانة ورياض الأطفال، حيث تتشكّل البذور الأولى للغة والهوية. ومن المؤسف أن كثيرًا من العاملات في هذه المؤسسات لا يتحدثن العربية، وهو ما يعني عمليًا حرمان الطفل من لغته الأم في أكثر مراحل العمر حساسية لتكوّن الملكة اللغوية.
ويزداد هذا الخلل تعقيدًا مع التركيز المبكر على اللغة الإنجليزية في الصفوف الأولى، والذي قد يأتي – في كثير من الأحيان – على حساب اللغة العربية، لا إلى جانبها. فالطفل في هذه المرحلة العمرية يكون في أمسّ الحاجة إلى ترسيخ لغته الأم بوصفها لغة التفكير والتعبير وبناء المفاهيم، في حين يمكن للغة الإنجليزية أن تُدرَّس في مراحل لاحقة من التعليم دون أن يُلحق ذلك ضررًا بمستوى إتقانها. أما تقديم لغة أجنبية على حساب اللغة الوطنية في المرحلة الابتدائية، فيؤدي عمليًا إلى إضعاف العربية في وقت كان الأجدر فيه تمكينها وترسيخها.
وتتضاعف خطورة هذا الواقع حين نسمع ما يذكره بعض المتخصصين في التربية واللغة من أن الطفل العربي يتخرج من المدرسة وفي رصيده اللغوي نحو 1500 كلمة فقط، في حين يتخرج الطفل في البيئات الغربية وهو يمتلك ما يقارب 15000 كلمة. فكيف يُنتظر من طفل بهذا الرصيد المحدود أن يكتب موضوعًا متماسكًا، أو أن يعبّر عن فكره، أو أن يمتلك أدوات التفكير والتحليل؟
هذا التراجع يعيد إلى الذاكرة ممارسات تربوية جادة كانت سائدة في ستينيات القرن الماضي، حين كانت إدارات التربية والتعليم تنظّم مسابقات مدرسية في كتابة الإنشاء لطلبة الصف السادس الابتدائي، في تدريب عملي على التعبير وبناء اللغة. والسؤال المؤلم: أين نحن اليوم من تلك المرحلة، وأين ذهبت تلك الروح التعليمية؟
وفي السياق ذاته، تُستحضر تجربة تربوية لافتة أُجريت – فيما أذكر – في الكويت خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث أُنشئت مدرسة ابتدائية نموذجية يلتزم فيها جميع المعلمين، في مختلف المواد، باستخدام اللغة العربية الفصحى مع التلاميذ منذ الصف الأول. وبعد سنتين أو ثلاث، وعند وصول التلاميذ إلى الصف الثالث الابتدائي، أصبحوا يصححون لمعلميهم أخطاءهم النحوية؛ لأن اللغة قد تشربوها بالسليقة. ولا يُعرف على وجه الدقة إن كانت تلك التجربة قد استمرت، لكنها تبقى شاهدًا عمليًا على ما تصنعه البيئة اللغوية الصحيحة.
إن إصلاح هذا الخلل يكون بإعادة ترتيب الأولويات من الصفوف الأولى، عبر التركيز المكثف على اللغة العربية بوصفها لغة التفكير والتعبير، إلى جانب العناية بحفظ القرآن الكريم لما له من أثر عميق في تقويم اللسان وتوسيع الثروة اللغوية، مستفيدين من القدرات العالية على الحفظ والاكتساب في السنوات المبكرة للتلميذ.
وهنا يبرز الدور الحاسم للجهات المختصة بمنح التراخيص والإشراف على دور الحضانة ورياض الأطفال، بضرورة اشتراط حدٍّ أدنى من الكفاءة في اللغة العربية لدى الكوادر التعليمية، لا باعتباره ترفًا ثقافيًا، بل حقًا لغويًا للطفل، ومسؤولية وطنية في صون الهوية، وترجمةً عملية لما تؤكده الدولة من اهتمام أصيل باللغة العربية بوصفها ركيزة ثقافية وحضارية لا غنى عنها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3576
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1062
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
738
| 27 أبريل 2026