رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تكن لي صلة وثيقة بكرة القدم، وحتّى في طفولتي لم أمارس هذه اللعبة الأكثر شعبيّة في العالم، كنتُ مشغولاً بالثقافة وسجالات الفكر بين المثقفين وبصراع المدارس الفكريّة العربيّة والغربيّة أكثر من اهتمامي بالبطولات الرياضيّة المحلية أو الدوليّة، ربّما أردُّ ذلك إلى طبيعة مسارات حياتي، حيثُ عشت خارج بلادي كتلميذ وكسفير أكثر من 25 عاماً متواصلة، فلم تتح لي فرصة المتابعة الدائمة لهذه الرياضة محلياً، وحتّى دوليّاً ظلّت علاقتي بكرة القدم موسميّة، تقتصر على متابعة المونديال كلّ أربع سنوات، وهي متابعة بعيدة عن الإدمان، كنتُ متيقّظاً لذلك التخوّف الذي عبّر عنه المفكّر الإيطالي إمبرتو إيكو من بعض تبعات كرة القدم على الأفراد والمجتمعات حين يسيطر عليها رأس المال دون مبالاة بالمؤثّرات الثقافيّة اللاحقة وبالمتغيرات السلوكيّة التي تفرزها، وكنتُ أُعجب بتوصيفه المازح لصلته بهذه اللعبة " ليست لديَّ ضغينة ضد كرة القدم، أما الأسباب التي تدفعني إلى عدم الذهاب إلى الملاعب، فهي ذات الأسباب التي تجعلني لا أقدم على النوم في دهاليز محطة القطار بميلانو"، ولا يعني ذلك أنني لم أكن أتابع بمتعة كبيرة مجريات بعض المباريات، فلا أحد منّا يُنكرُ سحرَ اللعبة وقدرتها على امتلاك انتباهنا واختلاس وقتنا ومُصادرة تركيزنا لفترات متفاوتة.
أعلم أنّها لعبة "خِلافيّة" لدى المثقّفين والكتّاب، بعضهم يرفض الانغماس في متابعتها وبعضهم جرّبها قبلَ أن يمدحها، حتّى أنّ بعضاً من الحائزين على جائزة نوبل للآداب استهوته كرة القدم في حياته فتعلّق بها لاعباً ومشجّعاً، ومن بينهم الكاتب الكولومبي غابريال ماركيز الذي كان ينتمي إلى فريق جونيرو الكولومبي، ونجيب محفوظ الذي غادر اللعب إلى الأدب، وألبير كامو الذي منعه المرض من الاستمرار في ممارسة اللعبة بعد أن كان حارس مرمى فريق كرة القدم بجامعة الجزائر، كثيرونَ مَن استهوتهم كرة القدم ووظّفوها في رواياتهم وأشعارهم، ألم يقل محمود درويش، مستحضراً أيقونة كرة القدم اللاعب الأرجنتيني مارادونا:"مارادونا، يا بطلي إلى أين نذهب هذا المساء؟"، ومع ذلك بقيتُ لسنوات في مكان المتفرّج الموسمي، دون أن أتوقّف طويلاً عند هذه اللعبة كظاهرة ثقافيّة عالميّة وليست حدثاً رياضيّاً فحسب.
لكنَّ حصول بلادي على استحقاق كأس العالم 2022 منذ 12 عاماً خلق حالة خاصة لي تجاوزت الاهتمام بكرة القدم إلى ما هو أهم. كنتُ أتابع استعدادات تنظيم هذا الحدث عن كثبٍ، من بناء الملاعب بشكل يتناسب مع أعلى درجات الاستدامة، وإقامة الحدائق واستحداث خطوط المترو، وتوظيف الطاقة الشمسيّة، وإنشاء بنية تحتيّة معاصرة من الطرقات الفسيحة والجسور الممتدّة والعملاقة، وتطوير مطار حمد الدولي وميناء الدوحة وغيرها من الإنجازات التي حوّل تنفيذها بلدنا إلى ورشة عمل متواصل على امتداد سنوات، كنّا جميعاً نعيش على وقعها وننظر إلى أفق موعد المونديال ونهمس في داخلنا، هل نستطيع حقّاً الإيفاء بكلّ هذه الالتزامات من أجل تقديم نسخة استثنائيّة من كأس العالم؟
من سنة إلى أخرى، أصبحتُ منشغلاً بالمونديال، حيثُ تحوّل إلى واحد من أكبر التَّحديات التي تواجهها قطر، وأدركتُ مداه العربي، وهو ما زاد من حجم المسؤوليّة على عاتق القيادة والمتدخّلين في كلّ مجالات تحقيق هذا الوعد. لم تكن صورة قطر في الميزان فحسب بل صورة كافّة العرب، ذلك ما أدركه الجميع منذ البداية، فاتسع حجم الهدف، ليكون تنظيم قطر لكأس العالم مرآة للعرب جميعاً، وبوّابة دخولهم من جديد إلى فعل الإسهام الحضاري، ولا أخفي ما كنتُ أشعر به من حماسة في أن يتحوّل كأس العالم إلى لحظة استئناف الحضارة العربيّة لمجدها. ورغم ما مرّت به قطر من ظروف صعبة في الأثناء وما واجهته من تحديات في فترة جائحة كورونا، فقد كانت الإرادة أقوى من كلّ تلك الظروف، وكنّا نشاهد ذلك السباق العمراني مع الزّمن، فملحمة التشييد شبيهة بمتابعة مباراة نهائي لكرة القدم. لقد سخّرت قطر الموارد المادية والإنسانيّة اللازمة، وعمِل فريق العمل وكلّ الجنود المجهولين وأبلوا العزيمة والمثابرة من أجل إحراز النجاح المنتظر، بثقة من يؤمن برسالة، نعم كانت مُجريات الاستعدادات تدلّ على أنّ كل القائمين عليها بصدد بذل الجهد من أجل رسالة نبيلة، ولم تكن تلك الرسالة محدودة في أفق إثبات جدارة تنظيم كأس العالم بشكل يتوافق مع ما تمّ تقديمه في ملفّ الترشّح لنيل تنظيمه عام 2010، كانت الرسالة أبعد من ذلك الوعد العملي، لقد طالت آفاقاً أخرى لم تكن في حسبان الكثيرين من المتابعين وقتها، فالقيادة السياسيّة الرشيدة في تلك اللحظة التاريخيّة لم تسعد فقط لفوز الملفّ، وحصده لأكثر أصوات التأييد، أمام منافسين أقوياء، مثل الولايات المتّحدة الأمريكية الدولة العظمى وأستراليا الدولة القارّة، بل كانت تُدرك أنّ كأس العالم ستكون بمثابة بداية جديدة لقطر ولمنطقة الشرق الأوسط وللعرب جميعاً.
من منّا قُبيلَ انطلاق المونديال بأيّام لم يشعر بأنّه يعيش على وقع المفاجآت من حين لآخر كلّما مرّ من طرق اعتاد عبورها، فتغيّرت أمامه السبل، أو ارتاد مناطق خبرها في السابق فتغيّرت ملامحها، أو باغتته معالم جديدة في غاية الجمال وقد وُلدت من رحم الأفكار العظيمة ! صرنا نكتشف بلدنا من جديد كلّما اقتربت صافرة انطلاق البطولة، أليس ذلك الاكتشاف عاملاً من عوامل تجديد الحياة وبثّ النّخوة ؟ ألم يكن الإنسان العربي بحاجة ماسة إلى تلك الشّحنة النّفسيّة التي تعيدُ إليه التفاؤل والأمل بدوره في الحضارة الإنسانيّة، وهو يبصر سواء عبر شاشات القنوات التلفزيونية أو من خلال حضوره في قطر، بأنّه من الممكن بلوغ التقدّم، والخروج من التبعيّة؟ لقد لبست قطر حلّة جديدة، ولكن أكثر دقّة، إنّها لم تتزيّن للعرس فقط بقدر ما أثبتت أنّها في طور الدّخول إلى مرحلة جديدة في مسيرة تاريخها، فالاستجابة لهذا التحدي الكبير ينقلها إلى ضفّة أخرى من الحضارة الإنسانيّة، لذلك كان من الواضح أن تتجاوز أهداف تنظيم المونديال ما هو رياضي لتلامسَ تلك الأبعاد الثقافيّة والحضاريّة التي تساهم في تعزيز الحضور القطري والعربي في العالم.
عادة ما يكون الاكتشافُ جزءاً من إحساس القادمين إلى قطر، ولكن مع كأس العالم صرنا كلّنا محظوظين بهذا الإحساس نفسه. كنتُ أصرّح لبعض الأصدقاء بأنّ قطر اليوم تسمح لنا بأن نعيد اكتشاف أنفسنا، إنّنا نستعيد تلك الجملة الأثيرة لسقراط "أيّها الإنسان اعرف نفسك بنفسك"، وما أبهى أن نقفَ على ما يميّزنا من سمات حضاريّة في هويّتنا الوطنيّة وأن نفخر بما لدينا من قيم ونحن نعرضها للزائرين على مائدة فُضولهم. ومثلما يُسرّ الزائر بما يكتشفُ فإننا نسعدُ بخيراتنا الرّمزيّة وبما بلغه بلدنا من تطور تكنولوجي وتقدّم عمراني، وبما سيغرسُ في الأجيال الجديدة من شعور بالاعتزاز بانتمائهم لوطنهم.
لم يسبق أن تعرّضت دولة منظمة لكأس العالم لما تعرّضت له دولة قطر من تشويه، ومن المفارقات أن تشنّ جهات حملة مغرضة لا أساس لها من الصّحة في حين وجدت عند وقت الشّدة من قطر دعماً لا نظير لهُ، لقد استغربت أيّما استغراب من ذلك العنت الألماني لمسؤولين صرّحوا فجأة برفضهم لتنظيم دولة عربيّة لكأس العالم. لا شكّ أنّ الإنجاز مصحوب بأعداء له ومكائد، ولكن أن يصدر ممّن عرفوا بإيمانهم بقيمة العمل حتّى تحوّلوا إلى مضرب للأمثال، فإنّ ذلك ليدعو إلى الدّهشة ! ومرّة أخرى تثبت القيادة القطريّة حكمتها في مواجهة أيّ تحدّ، فالعلاقات الثنائيّة بين قطر وألمانيا تمتدّ إلى أكثر من أربعين سنة تغطي نطاقاً واسعاً من المجالات التجارية والثقافية، والرياضية والعلمية والسياسية وحجم التبادل التجاري بين البلدين يتزايد عاماً بعد الآخر، إلى أن بلغ 2,5 مليار يورو. وقد ساهمت قطر في إنقاذ عدد من الشركات الألمانيّة عندما واجهت أزمات مالية خطيرة من تبعات الأزمة المالية العالمية ونتيجة الغرامات الأمريكية والأوروبية بسبب فضائح الفساد والتزوير وغسيل الأموال وسوء استخدام الموارد المالية، وشاركت عشرات الشركات الألمانية في بناء مشاريع كأس العالم، وفضلاً عن ذلك بادرت قطر إلى إنشاء أوّل مركز ثقافي لها عام 2017 في قلب برلين، فكانَ "الديوان" البيت الثقافي العربي، فضاء لدعم الثقافة القطريّة والعربيّة والتعريف بها وجسراً للتقارب مع الشّعب الألماني، وقد سُعدت بزيارته وتقديم محاضرة فيه عن النسخة المترجمة إلى الألمانيّة من كتابي"على قدر أهل العزم"، ولم يخطر ببالي يومها أن تتنكّر ألمانيا لثقافتها المنفتحة فتأتي أمراً منافياً لأعراف العلاقات بين الدّول الصّديقة. والأغرب من ذلك أن استمرّ الألمان في مناسبتين أثناء كأس العالم في استفزاز الرأي العام القطري والعربي المسلم، بارتداء وزيرة الداخليّة لشارة الشّواذ، وتعمّد لاعبو الفريق الألماني تكميم أفواههم باليد قبل مباراتهم الافتتاحيّة ضد اليابان، في إشارة إلى موقف يتعارض مع مبادئ الفيفا ويضرب عرض الحائط مدوّنة القيم التي كانت ألمانيا مع نظيراتها الأوروبيين يدّعون الدفاع عنها في كلّ مناسبة.
سقط الغربيّون في اختبار قبول تنظيم دولة عربيّة لكأس العالم، وهم يشهدون مثلما يشهد العالم النجاحات المتلاحقة لهذا التنظيم. كم شعرتُ بالأسى مثل غيري من المثقّفين العرب لهذه المواقف الغربيّة الرعناء التي أعادت إلينا صورة الإمبراطوريات الاستعماريّة، فلطالما ناديتُ ببناء الجسور بدل إقامة الأسوار لكنّ مسافات الأسوار ما فتئت تزداد وترتفع، ولا يعني ذلك أنّ مساحة التفاؤل ضاقت، ولكنّ مساحة الواقعيّة اتّسعت، واتّضح لأكثر من مثقف عربي أنّ الخطاب الثقافي الغربي موغلٌ في العنصريّة رغم ما يدّعيه من احترام للثقافات ونصرةٍ للشّعوب. لقد أُريد للحملة أن تكون عاصفة تسبق انطلاق الحدث، فانقلبت على أصحابها، لتطيحَ بأهمّ ما يملكه الغرب: صورة حداثته التي أقيمت على أفكار عصر التنوير! نعم خان الغرب مرّة أخرى أفكار أولئك المفكرين الذين شكّلوا "العقل الغربي"، حيثُ يرفض الغربيّون أن يروا الحقائق أمامهم، وأن يقبلوا بنجاح قطر في تنظيم هذه الكأس، ولا يمكنني أن أُعمّم ذلك الموقف الغربي، هناك الكثيرُ من مشجعي الدول الغربيّة الذين جاؤوا إلى الدوحة، ولهم أفكار مغلوطة، فاكتشفوا ما لم يجدوه في أبواق دعاية بلدانهم، وصاروا خير سفراء لنا بين مواطنيهم وشعوبهم، ذلك هو الانتصار الحقيقي أن يُسفّه الواقع الادّعاءات الباطلة، ويقف الإنسان الغربي أمام زيف الخطاب الايديولوجي للإعلام الغربي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2667
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2037
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
723
| 25 يناير 2026