رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لطالما سألتُ نفسي: هل اقتصرت قناة الجزيرة منذ انبعاثها على تغيير الفضاء الإعلامي العربي؟ أم إنها وضعت بصمتها في تغيير نمط تفكيرنا تجاه أنفسنا وتجاه الآخر في وقت واحد؟ وكثيرا ما قفزت إلى ذهني قصة الكهف لأفلاطون، وأجراس السؤال تقرع على امتداد السنوات.
لقد روى أفلاطون على لسان معلمه سقراط كيف ظن مجموعة من السّجناء المقيّدين في الكهف، وخلفهم نارٌ ملتهبة، أنهم يرون الحقيقة وقد عكستها ظلالُ الأشياء على السّور. وما إن خرج أحدهم من الكهف حتّى أدرك أنّ الأشياء في الخارج تختلف عن الأشياء داخله. ويمكننا أن نقيس هذه الأمثولة على واقعنا العربي والدولي بعد أنْ ظهرت الجزيرة، فخرجت من الكهف الإعلامي لتكتشف الحقائق وتنقلها إلى الرأي العام العربي والعالمي. لم يعد بالإمكان طرح سؤال الهويّة: من نحن؟ ومن هو الآخر؟ بعيدًا عمّا قدّمته الجزيرة من إجابات وفرضيّات وتصوّرات عن هذين القطبين. فنحن نعرفُ اليوم أكثر من ذي قبل منْ نكونُ بواسطة الجزيرة.
المجتمعات التي عاشت الاستبداد تعلم جيّدا مدى تقديرها وبحثها عن الكرامة الإنسانيّة بفضل ما قدّمته الجزيرة، والرأي العام العربي تعلّم معنى أن يكون للفرد حرية الرأي والاختلاف مع غيرهِ حين وسّعت الجزيرة من أفق "الرأي والرأي الآخر". وفي الضفة الأخرى، أدرك الآخر بثقافاته المختلفة، من نكونُ، ومن يكونُ في نظرنَا، حينَ فرضت الجزيرة مقاربات جديدة للواقع العالمي ولقضايا الإنسان العربي من وجهة نظر عربيّة خالصة.
وأزعم أني عايشت الجزيرة منذ أن كانت فكرة ثم رؤية ثم واقعا، ولذلك أعي بشكل قاطع كيف كان الوضع العربي والدولي قبل الجزيرة، وما التأثير الذي أحدثته، وردود الفعل التي ترتبت عليها، والواقع الذي فرضته بعد ولادتها، والمقاومة العنيفة لأعداء القيم التي حملتها الجزيرة، ثم المحاولات لخلق منافسات لها، والدور المميز الذي تقوم به في خدمة الكلمة الحرة والمعلومة الصادقة وخدمة قضايا العدل والحرية والمساواة وتقرير المصير والوقوف إلى جانب هذه القضايا.
كنت وزيراً للإعلام حين أنشئت الجزيرة، وكانت بلادي، بقيادة الأمير الوالد صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد آنذاك، قد اختطت خطا واضحا في تبني حرية الإعلام والوقوف إلى جانب القضايا العادلة. كانت هذه القيادة مدركة لأهمية رفع القيود عن الإعلام ليتمكن من أداء دوره في التنمية ودعم قضايا الحق والعدل.
وأشير بصورة خاصة إلى الحرب اليمنية الداخلية عام 1994 التي سعت إلى فصل عرى الوحدة بين الشمال والجنوب، تلك الوحدة التي تحققت عام 1990. كـانت قطر - من منطق مصلحة اليمن ومصلحة المنطقة - حريصة على تعزيز الوحدة، واتخذت موقفا سياسيا داعما لوحدة اليمن. من الطبيعي أن يكون الإعلام أحد أسلحة هذا الدعم، وقد حاولنا ولكن ظلَّ إعلامنا دون مستوى آمال سياساتنا. وأعتقد أنّ هذا الحدث وإدراكنا للفجوة بين واقع إعلامنا ورهانات سياساتنا مثّلاَ الدافع إلى التفكير في إنجاز مشروع إعلامي يتخطى التقليدية ويصبحُ نقطة انطلاق في تاريخ الإعلام العربي والدولي.
وأشير إلى فكرة حل وزارة الإعلام التي رأى صاحب السمو أمير البلاد آنذاك إلغاءها لارتباط هذه الوزارة آنذاك في عالمنا بخنق الحريات.
ألغيت الوزارة بالفعل عام 1995، ومنذ ذلك التاريخ لا وزارة إعلام في دولة قطر، وكان هذا إرهاصًا من إرهاصات بزوغ فجر جديد للإعلام يتخطى الطابع التقليدي ويشكل إيذانا بولادة عصر جديد للإعلام في منطقتنا ومن الإرهاصات والتي تمثل سعي قيادة دولة قطر لخلق واقع إعلامي حديث ومؤثر، ما شهدته إذاعة قطر حين كان للراديو تأثيره وقدرته على تخطي الحدود أكثر من التلفزيون، هو ولادة برنامج "قضايا وآراء" وهو برنامج حواري غير تقليديٍّ، وكانت إذاعة قطر أكثر الإذاعات سماعا في منطقة الخليج العربي بصورة خاصة والعالم العربي بصورة عامة، وقد طُلب منّي أن أقدِّمَ للقيادة تصوُّرا عن هذا البرنامج، وكلَّما قدَّمت تصوُّرا قيل لي: "إنه غير كاف ومطلوب هامش أكبر من حيث هامش الحرية وفي نوع الموضوعات التي تتمُّ مناقشتها"، حتى توصّلنا إلى صيغة متقدِّمة جدًّا وجريئة للغاية وغير مسبوقة. وبدأ البرنامج في عام 1994 وكان المشاركون يتردَّدون في البداية خوفا، ثم تجرَّأوا، وأصبح البرنامج نقطة تحوّلٍ من حيث موضوعاته والمشاركين فيه والإقبال عليه، وكان شعار البرنامج كلمة الإمام الشافعي المعروفة "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
وفي مهمَّة لي في بداية عام 1995 في الرياض للمشاركة في مؤتمر وزراء إعلام دول الخليج، وقد كانوا على علم أن هذا آخر مؤتمر أحضره كوزير إعلام لدولة قطر، وكانت الجلسة تشهد مداخلات لتوديعي وإذا بأحد وزراء الإعلام الخليجيين رحمه الله يتدخل ويقول: "لنا طلب أخير عندك قبل أن تترك، وهو أن تلغي برنامج قضايا وآراء في إذاعة قطر فقد أزعجنا كثيرا بهامش الحرية المتاح له وبموضوعاته التي يطرحها". أجبته - غفر الله له -: "لا أستطيع أن أعدك بهذا، بل أعدك بما هو أهم، إن هذا إلاّ بداية والخير قادم" وها هي الجزيرة تولد وتنمو كشجرة طيّبة شامخة تزداد تألقا، وتُثمرُ كلما ازدادت التَّحديات.
لقد نجحت الجزيرة في إقامة الجسور، لا بين المواطن العربي وحقائق ما يدور حوله فقط، بل وجسور التواصل بيننا وبين الآخر، وبرهنت للعالم أنّ العربي، متى أراد أن يبدعَ وينجز، فإنّه قادر على ذلك، لأنّه سليل حضارة تؤمن بالعلم والعمل وتدافع عن كرامة الإنسان أينما كان، وتلك الرسالة الخالدة لديننا الحنيف. لقد حققت الجزيرة خطوات عملاقة في هذا الطريق، ومن حقّنا أن نفخر بدورها على امتداد ربع قرن.
إن دور (الجزيرة) وتأثيرها ليس مقصورا على العالم العربي ولغة الضاد، بل تخطاه إلى اللغة الإنجليزية وإلى حد ما إلى لغات أخرى، ولا يغيب عن بالي أثناء حملتي لليونسكو في إفريقيا عام 2017، أن اتصل بي رئيس إفريقي ذو مكانة مرموقة وطلب مني أن أزوره في بلده، وهي من الدول التي لم أسع لزيارتها لأنه لا صوت لديها أسعى إليه. كانت آنذاك الحملة لإيقاف الجزيرة على أشدها وذهبت وزرته لأجد أن هدفه هو رسالة إلى القيادة القطرية «أننا في إفريقيا نعتمد على الجزيرة، فلا تلتفتوا لدعوات إسكاتها بل تمسكوا بها وكانوا فخورين بها".
وأخيرا وليس آخرا، فإننا نعتز بنقل الجزيرة الأمين والشجاع لانتفاضة حي الشيخ جراح والأقصى وصمود غزة الأبية.
تحية للجزيرة وتحية لقيادات قطر الشجاعة الداعمة لها وللعقل المبدع والمقدام الذي كان وراءها فكرة ورؤية وواقعا، ولقيادتها وإدارتها ولطاقمها المبدع والمعطاء.
نائب الرئيس والعضو المنتدب في شبكة الجزيرة الإعلامية
في يناير الماضي حقق متداول مجهول أرباحًا تجاوزت 436 ألف دولار بعدما وضع ما يقارب 32 ألف دولار... اقرأ المزيد
153
| 20 مايو 2026
طافك رمضان؟ تفضل
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر،... اقرأ المزيد
237
| 19 مايو 2026
"الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت
في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة الدولي للكتاب في نسخته الحالية كمنارة فكرية تجمع صناع المعرفة... اقرأ المزيد
114
| 19 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
6027
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1794
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1275
| 18 مايو 2026