رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- الموارد لا تتحول إلى نهضة إلا بقيادة وشعب ومؤسسات وإرادة
حين تضطرب المنطقة، وتشتعل الأزمات، وتعلو أصوات السياسة والحرب، تنكشف للناس حقائق كانوا يمرون بها مرور العابرين ويتعاملون معها كأنها مسلمات. وتعود بعض الأمكنة، التي ظنها البعض مجرد أسماء على الخرائط، لتظهر في حجمها الحقيقي، لا كما تبدو، بل كما تؤثر. وهكذا عادت رأس لفان إلى ذهني، لا كمكان أعرفه وأحبه فحسب، بل كرمز وطني كبير، أدركت من جديد أن قيمته تتجاوز حدود قطر إلى فضاء العالم أجمع.
ولعل القارئ يذكر أنني كتبت من قبل نصين عن ارتباطي العاطفي برأس لفان، ذلك الموضع العزيز الذي أملك فيه بيتًا ألوذ به كلما أردت صفاء النفس، وأعود إليه كلما اشتقت إلى مكان يجمع بين السكينة والجمال والوفاء. وليس البيت عندي جدرانًا وسقفًا، بل وعاء للذكريات، ورفيقًا لسنوات لا تُنسى، شهد ساعات تأمل طويلة، واحتضن صفحات كثيرة كتبتها هناك، حتى إن عددًا من كتبي وُلد بين جدرانه، وفي مقدمتها كتابي (على قدر أهل العزم) الذي قُدّر له أن يُترجم إلى اثنتي عشرة لغة، فخرج من رأس لفان حاملًا صوت واحد من أبناء قطر إلى جموع القراء في أنحاء العالم.
غير أن رأس لفان، في نظري، ليست مجرد منطقة صناعية، ولا اسمًا يرتبط في الأذهان بالطاقة وحدها، بل هي صورة مكثفة لروح قطر نفسها؛ حيث يلتقي البحر بالصحراء، ويلتقي الماضي بالمستقبل، ويلتقي جمال الطبيعة بعظمة الإنجاز.
فالبحر، في وجدان أهل هذه المنطقة، لم يكن يومًا مجرد ماء يجاور اليابسة، بل كان حياة كاملة. فقد خاض غِمَار أمواجه الآباء، ومنه طلبوا الرزق، وفي أعماقه غاصوا بحثًا عن اللؤلؤ، وعلى شواطئه انتظر الأحبة عودة السفن. وكان البحر مدرسة في الصبر والشجاعة والانضباط، ومن رَحِمَه وُلدت أغانٍ وأهازيج وقصائد لا تزال تسكن الذاكرة الخليجية إلى اليوم.
أما الصحراء، فلم تكن فراغًا قاسيًا كما يتصور من لم يعشها، بل كانت فضاءً للتربية على الجلد والكرامة والاعتماد على النفس. تشكلت فيها قيم النجدة والوفاء والكرم، وفي اتساعها تعلّم الإنسان معنى الحرية، وفي قسوتها تعلّم كيف ينتصر على الشدة. ومن بيئتها خرج شعر الحكمة، وأمثال العرب، وتجارب الصبر الطويل.
البحر والصحراء إذن لم يكونا مجرد مشهد طبيعي، بل كانا صانعي الإنسان في هذه الأرض، ومصدر رزقه، ومُلهمَي وجدانه، وحاضنَي تاريخه.
ثم شاء الله أن يعود البحر والصحراء، بعد أن كانا مصدرَي رزق الأجداد، ليكونا مرة أخرى مصدر نهضة الأحفاد. ففي الأعماق البحرية، وتحت طبقات الأرض، كان الغاز الطبيعي، هذه الثروة التي أصبحت من أهم أعمدة الحضارة الحديثة، وجعلت من رأس لفان اسمًا حاضرًا في كل حديث جاد عن الطاقة والاقتصاد.
فالغاز الطبيعي اليوم ليس موردًا عاديًا، بل شريان رئيسي للحياة المعاصرة، تُدار به محطات الكهرباء، وتُدفأ به البيوت في الشتاء، وتعمل به مصانع الحديد والأسمنت والزجاج والمواد الكيميائية، ويدخل في صناعة الأسمدة التي تقوم عليها الزراعة الحديثة، كما يدخل في صناعات البتروكيماويات والمنتجات الطبية وغيرها من مستلزمات الحياة اليومية.
وحين يضطرب سوق الغاز، لا يكون الأمر شأنًا اقتصاديًا مجردًا، بل تنعكس آثاره على حياة الناس مباشرة؛ إذ ترتفع الأسعار، وتتأثر الصناعات، وتتراجع القدرات الإنتاجية، وتضطرب الأسواق المالية، وتشعر دول بعيدة بنتائج ما يجري وإن لم تر الحقول ولا الموانئ.
ولما كان الغاز الطبيعي أقل انبعاثًا من أنواع الوقود التقليدية الأخرى، بات عنصرًا محوريًا في مرحلة الانتقال العالمي نحو طاقة أكثر كفاءة وأخف أثرًا على البيئة. ولهذا ازدادت أهمية الدول القادرة على توفيره بثقة واستقرار وانتظام.
غير أن الحديث عن الغاز القطري لا يكتمل إذا اختُصر في الأرقام والعوائد، لأن وراءه قصة تحدٍّ وطني تستحق أن تُروى.
حين قررت قطر أن تستثمر هذه الثروة على النطاق الذي نراه اليوم، لم يكن الطريق ممهدًا، ولم يكن النجاح مضمونًا. فصناعة الغاز الطبيعي المسال من أعقد الصناعات في العالم؛ إذ يتطلب الأمر استخراج الغاز، ثم معالجته، ثم تبريده إلى درجات شديدة الانخفاض ليصبح سائلًا يمكن نقله بحرًا، ثم شحنه عبر ناقلات متخصصة إلى أسواق بعيدة، ثم إعادة تحويله في موانئ الاستقبال إلى حالته الغازية ليستفاد منه.
وهذه سلسلة تحتاج إلى علم متقدم، واستثمارات هائلة، وإدارة عالية الكفاءة، ورؤية بعيدة المدى، وصبر لا يتعجل النتائج.
وكان هناك من شكك، ومن رأى أن الرهان أكبر من القدرة، ومن اعتقد أن دولة صغيرة في مساحتها وسكانها لا تستطيع أن تبني لنفسها هذا الموقع العالمي، بل إن شركات كبرى لم تُبدِ في البدايات حماسةً للدخول في مشروع رأته شديد الكلفة، بعيد الأمد، محفوفًا بالتحديات.
لكن قطر رأت ما وراء اللحظة.
رأت أن الأمم لا تصنع مستقبلها بالخوف، وأن الموارد لا تتحول إلى نهضة إلا إذا وجدت قيادةً تعرف كيف تقرأ الزمن، وشعبًا يؤمن ببلاده، ومؤسسات تتقن العمل، وإرادة لا تلتفت إلى تخذيل المثبطين.
فمضت في طريقها، بهدوء الواثق، وثبات العارف بما يريد. استثمرت في البنية التحتية، وبنت الموانئ والمنشآت، وأعدّت الكفاءات الوطنية، وأحسنت اختيار الشركاء، حتى أصبحت رأس لفان واحدة من أهم مراكز الطاقة في العالم، وأصبح اسم قطر حاضرًا بقوة في معادلات أمن الطاقة العالمي.
غير أن الذي أيقظ هذه المعاني في نفسي من جديد، وأعاد قلمي إلى رأس لفان، هو الأزمة الراهنة التي نعيشها، والتي حُشرت فيها منطقتنا بفعل من أشعل نارها ووسّع دوائرها. وفي خِضَم تلك الأحداث، جاء الاعتداء من الجار الإيراني، في مشهدٍ جَرَح قيمةَ الجِوار، وهي في ثقافتنا العربية والإسلامية ليست أمرًا عابرًا، بل خُلُقٌ رفيعٌ وحقٌ معتبرٌ ومبدأٌ قامت عليه العلاقات بين الناس قبل أن تقوم على الاتفاقيات والمواثيق.
فالجار في تراثنا يُصان حقُه، ويُراعى أمنه، ويُكفُّ الأذى عنه، لأن حسن الجوار من شيم الكرام، ومن القيم التي حضّ عليها الدين والأخلاق معًا.
وحين يُمسُّ مشروع بحجم رأس لفان، لا يكون الضررُ محصورًا في حدود دولة بعينها، بل تمتد آثاره إلى العالم كله. فتنخفض الإمدادات، وتضطرب الأسواق، وتُطفأ أنوار في أماكن، وتتوقف مصانع في أماكن أخرى، وترتفع الأسعار على شعوب لا تعرف من أين بدأ الاضطراب، لكنها تشعر بنتائجه في معيشتها اليومية.
عندها أدركت مرة أخرى أن رأس لفان ليست لنا في قطر وحدنا، وإن كانت جزءًا من روحنا وفخرنا، بل هي أيضًا رافد جوهري لاستقرار العالم الحديث. وأن ما بنته قطر هناك لم يكن خدمة لاقتصادها الوطني فحسب، بل مساهمة مسؤولة في أمن الطاقة العالمي، وفي استقرار حياة ملايين البشر.
ولهذا، حين أقف في بيتي هناك، وأتأمل البحر والصحراء من حولي، أشعر أنني لا أنظر إلى مشهدٍ طبيعيٍ خلابٍ فقط، بل إلى ملحمة وطن خالدة. هنا ذاكرة الآباء، وهنا اجتهاد الأبناء، وهنا وطن عرف كيف يحفظ جذوره وهو يُشيِّد مستقبله.
وفي رأس لفان يتأكد لي دائمًا أن من أحب أرضه بصدق، وأخلص لها عملًا، ردّت له الأرض جميل صنعه أضعافًا مضاعفة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3810
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1350
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
996
| 29 أبريل 2026