رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن الإنجاز القطري في تنظيم كأس العالم 2022 قائما على الأقوال والشعارات، فما أقضّ مضجع الغربيين هو استفادة القطريين من كل منجزات الحضارة الغربية على مستوى التقدم البصري والرقمي لتكون تلك الوسائل في خدمة الحقيقة، وليس الباطل، لقد كنتُ مدركا أنّ المعركة الكبرى التي سنخوضها بشرفٍ وأمانةِ من يحملُ المثل الحقيقية وليس صدى المثل، هي معركة الصورة بامتيازٍ. لقد وقع الغرب في شرك وسائله، حين داهمته الصّورة الواضحة للإنجازات القطرية، فالخطاب البصري أقدر على صدم هذا الغرب، وقديما كنا نتحدّث عن "صدمة الحداثة" منذ حملة بونابارت على مصر، والآن جدير بنا أن نتحدث عن "صدمة الغرب"، الذي اعتبر الشرق مجرَّد عالم دوني، لا يقدر المنتمون إليه بلوغ التقدم، وتهيَّأ لهم أنّ الإنسان العربي لا ينفع للإسهام في الحضارة الإنسانية، وأعتقد أن الصدمة من شأنها إسقاط تلك الصّورة التي اخترعها الغرب عنّا، وسوّقوها إلينا حتى تحدّ من عزائم الأجيال العربيّة، ولعلّ هذه الصّدمة تعيدُ الرّشد إلى النّخب الغربيّة وتذكرهم بأننا كنا في وقتٍ مضى نُهدي إليهم "الزمن" الحضاري، ولَيتهم يستحضرون ذلك الارتباك والخوف الذي شمل أجدادهم حينَ اطّلعوا على تلك الساعة الرهيبة التي أهداها هارون الرشيد إلى الملك شارلمان، ألم يحن الوقتُ بعد لتتفطّن هذه النخبة إلى أن عقارب الساعة العربيّة عادت إلى الاشتغال، وأنّ ناقوسَ العودة يُدقّ كلّ يوم من أيّام كأس العالم على أرض قطر البلد الصغير الذي حمل إلى العرب والمسلمين كافة شغف الأحلام الكبرى؟
"لتعارفوا" علّهم يُبصرون
في مقابل ذلك ماذا كانت رسالة قطر إلى أدعياء حقوق الإنسان؟ لقد عُرف القطريون منذ القديم بتواضعهم وبساطتهم، فهم لا يُكثرون في الكلام ولكنهم يعبرون عن مواقفهم بهدوء وبصدق، وهذا ما عرفه عنهم الرحالة الذين جابوا أرض قطر منذ قرون، فتواصلوا مع أهلها وخبروا طبعهم ومقوّمات شخصيتهم، ووجدوا فيهم محبة للتعرف على الثقافات، حتى أن الموانئ القطرية لم تكن مجرّد أماكن لتبادل السلع التجارية بل كانت أيضا فضاء لتبادل المعارف والتراث الإنساني من مهارات حرفية ومخزون فني شمل الطبخ والموسيقى والطب الشعبي وفنون العمارة، وغيرها من الآداب التي كانت محلّ اهتمام القطريين حكّاما وشعبا، ولم تخرج "فلسفة" المونديال لدى القطريين عن هذه القاعدة، حيثُ فاجأت قطر العالم في حفل الافتتاح بعرض فرجوي متكوّن من سبع لوحات تصويريّة تابعه المليارات من البشر، ولا يخفى البعد الرمزي لرقم سبعة لدى العرب المسلمين وفي التاريخ الإنساني عامّة، فالسّماوات والأرضون سبعة، والله خلق الكون في ستة أيام ثمّ استوى على العرش في اليوم السابع والقرآن الكريم فيه سبعة مثاني، والحجّ فيه طواف سبع مرّات، ورمي الجمرات سبع. ولا شكّ أنّ هذا الاختيار مقصود في عدد اللوحات، وهو رسالة واضحة لانتماء الإنسانيّة إلى شبكة رمزيّة واحدة، ولعلّ ما يؤكّد ذلك هو ما عبّرت عنهُ لوحة "لتعارفوا" التي اعتمدت على ثلاث فقرات، توسّطتها فقرةٌ في غاية الرمزيّة والدقة والبيان. لقد جمعت هذه الفقرة بين الشاب القطريّ غانم المفتاح والممثّل الأمريكي مورغان فريمان، في حوارٍ أذهل الأسماع وفي مشهديّة جمّدت الأبصار، فتناولت موضوع الأفكار المغلوطة حول ازدواجيّة المعايير بين الشرق والغرب، لينشأ الحوار بين الجيل العربي الجديد وبين النخب الغربيّة، بين وجهات نظر للعالم متباينة، لكنّ هذا التباين سرعان ما يتضاءلُ عندما يلتقي الجسران الضّوئيّان اللذان يقفان عليهما، في إشارة إلى تلاشي التباينات أمام فطرة الإنسان في التعارف، فالأصل هو التقارب الإنساني وليس التباعد، السّلام وليس الحرب، التعاون وليس الاقتتال، وفي لحظة خاشعةٍ يرتّل القرآن الكريم، فيتلو الشاب غانم قوله تعالى "يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شُعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم"، هكذا أنصتت المليارات من البشر لأوّل مرّة في تاريخ المونديل للقرآن يتلى على أرض عربيّة ومسلمة آمنت بأنّ قرآنها فخرٌ لأبنائها وللأمة التي تنتمي إليها، فكانت رسالة قطر إلى العالم واضحة، مبدأها "التعارف"، ممّا يعني العيش المشترك وقبول اختلاف الثقافات والتنوّع اللغوي والعرقي والديني، إنّها رسالة إلى من يتشدّقُ بشعارات التنوّع وهو أوّل من يدوس عليها.
أعتقد أنّ تلك اللوحة بمثابة درسٍ في الأخلاقيّة الإنسانيّة التي يفترض أن يتحلّى بها كلّ إنسان أيّا كانت ثقافته وعرقه ولونه ولغته، وتوجيه للأساس القيمي الذي تنحدر منه الرياضة باعتبارها وسيلة لتحقيق ذلك التعارف وليست أداة للفرقة وإظهار النزاعات، وفعلاً يسيرُ إيقاع كأس العالم على هذا الأساس، فلا معارك جانبيّة بين المشجّعين، ولا مظاهر للمشاحنات التي كثيرًا ما عرفتها دورات سابقة للمونديال، ولا مضايقات للنساء في الملاعب أو خارجها، ففي مونديال قطر، لا يقع الحديث عن السّلام، لأنّه واقع يعاش يوميّا، ويبصرهُ الأفّاكون قبل الأصدقاء.
المونديال ملعب حضاري
كان هناك "كأس عالم" آخر تجري مبارياته خارج الملاعب! بعض المباريات دارت على صفحات تويتر وغيرها من التطبيقات وفي الإعلام العربي والدولي وبعضها دار على هذه الأرض الطيبة ابتداء من الفرجان وانتهاء بمناطق المشجّعين والشوارع والأسواق. أيقنت تماما أنّ حدود اللعبة أوسع ممّا يتصوّر البعض، ذلك ما لم يكن لأحد أن يدركه بالعين والذّهن لو لم يكن المونديال يجري أمام ناظريه وهو متورّط في متابعته، بل ومندمج معه ومشارك في اللعبة! ففي كلّ فضاء رأيتُ مظاهر للعب الحضاري، حقّا، الحضارة خلاصة أدوار للاعبين مهرة عبر التاريخ، وما يقع في المونديال من أنشطة وتعارف وردود أفعال هو جديرٌ بالدرس لأنّه يجعلنا نؤمن بأنّ المونديال هو فرصة سانحة لا للمشاركة الرياضيّة فقط وإنّما للعب أدوار أخرى متّصلة بما هو حضاري في هذه اللحظة التاريخية المفصلية من تاريخ إنسانيّتنا، هذا ما يستحقُّ تسليط الضّوء عليه.
لننظر إلى صورة الآلاف من المصلين في أروقة ملاعب كأس العالم، حيثُ يستجيب المصلّون لنداء الصلاة، في مشهد تاريخي يقع لأول مرة في تاريخ بطولة كأس العالم، فهذه الدّورة تبوح بهويتها العربية الإسلامية، وتضع طابعها الخاصّ مثل بصمةٍ لا تُمحى، هل كان ذلك أمرا منتظرا قبل أشهر من بداية البطولة؟ كانت الملاعب مهيَّأة لذلك، ونحن نفخرُ بأن يكون للصلاة حضورها مثلما نفخر أن يرفع الأذان في كلّ مكان في الدوحة بتلك الأصوات الجميلة التي تهتزّ لها الأسماع، وكم نالت صور المصلين إعجاب وتقدير مئات الآلاف من المشجعين، فلم يجدوا تعارضا ما بين الرياضة وأداء تعاليم دين يحث المسلمين على محبّة الناس ودعوتهم لعمل ما هو نافع بالموعظة الحسنة والحكمة. وكانت صور المشجعين وهم يدخلون المساجد في قطر للتعرف على الإسلام، وللاقتراب من معمارية المعالم الدينية والاستماع إلى الدعاة مشهدا آخر لذلك التواصل السلس بين الأديان، في كنف الاحترام.
المشجعون شاركوا بدورهم في إنتاج مشهديّة جديدة، ففي كل دورة من دورات كأس العالم، تتكاثر الصور والأيقونات التي تنتشر لتُعلي من قيمة اللاعبين أو الفرق الرياضية أو بعض المشجعين، لكنني كنتُ أرى أنّ المشهديّة التي تستأثر بالانتباه تدور أطوارها خارج الملعب، فيكون المشجعون أطرافا رئيسية فيها، ألم تستأثر صور المشجعين الذين سارعوا إلى ارتداء الغترة والعقال بالانتشار في العالم؟! ألم تعد عناصر من اللباس القطري جزءا من الاحتفاء؟!
في هذه الكأس ليس هناك أيقونات صغيرة وأخرى كبيرة، ولا يختصّ المشاهير بالمشاهدة، بل أنتج المونديال أيقونات لغيرهم، هكذا ردّد رجل المترو الشاب الكيني أبو بكر عباس جملته البسيطة، "طريق المترو في هذا الاتجاه" metro this way ليرددها من بعده مئات الآلاف، صغارا وكبارًا، وتصبح مثل ترنيمة شعبية قد توحي بأنّ المونديال في نسخته القطرية العربية رسم طريقًا جديدة للعرب أجمعين، فالطريق إلى المترو هو طريق في بعده الرمزي يؤدي إلى لحظة اتصالية جديدة بالغرب وبالعالم، فاليوم تحقق للعرب ما لم يتحقق لهم من قبلُ، أن يُشعروا الغرب المتقدّم بالندية، وهي ندية لا تفيد بها درجة التنظيم فحسب، وإنّما يعدّ انتصار المنتخب المغربي وتأهّله للدور ربع النهائي كأوّل منتخب عربي يبلغ هذه المرحلة وجها آخر لتلك الندية التي تفتح أملا واسعًا لأجيال عربية في أن تبدع في مختلف المجالات، فمن حقها أن تنافس الشعوب الأخرى فيما تقدمه الحضارة الإنسانية من أدوار متاحة لمن يسعى ويبادر ويعمل بجد أيا كانت جنسيته وثقافته ولغته ومعتقداته.
حقا إنّ الطريق إلى مترو الحضارة يبدأ من هنا، من دولة قطر، فقد ملت الأجيال العربية طويلاً من الشعارات، ولكن هذه المرة كانت الإنجازات تُغطي على الوعود وتفوقها.
وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية
النية سر القبول
إن من أعظم القضايا التي ينبغي أن تفتح بها القلوب في رمضان، وأن تراجع فيها النفوس بصدق، قضية... اقرأ المزيد
21
| 20 فبراير 2026
شذرات للصائمين
أصبح الشغل الشاغل في هذا الزمان عند كثير من الناس، إذا دخل عليهم شهر الصيام تغيرت ساعته، فأصبح... اقرأ المزيد
132
| 19 فبراير 2026
حلت السكينة
مع حلول شهر الصيام تحل معه السكينة في قلوبنا وبيوتنا ومجتمعاتنا بشكل مختلف عن سائر أيام العام؛ يقل... اقرأ المزيد
240
| 19 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6531
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
963
| 16 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها عبر الوسائط الإلكترونية والعقوبات المقررة لها والإجراءات التي تتم بشأن مكافحتها ضمن القانون رقم 14 لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، وقد أناط من أجل ذلك بجهاز النيابة العامة مهام جمع الأدلة والإثباتات حول ملابسات ارتكابها، وأوكلها سلطة التحقيق من أجل بيان الحقيقة بشأنها. ونظرا لخصوصية هذا النوع من الجرائم التي يختلف فيها مسرح الجريمة عن باقي الجرائم الأخرى، فإن إجراءات التحقيق وجمع الأدلة المثبتة لها بدورها تختلف عن الإجراءات الواجب اتباعها عند الاستقصاء عن الجرائم الأخرى. والمقصود بمسرح الجريمة هنا هو العالم الافتراضي الذي يمكن وُلُوجه عبر وسيط إلكتروني سواء عبر الإنترنت أو أي وسيلة أخرى تحقق من خلالها الفعل الجرمي الذي يصبح موضوع بحث من طرف النيابة العامة، ومن هنا تبدأ هذه الأخيرة في التقصي عن نسبة الجريمة الإلكترونية للشخص موضوع الاتهام، وتصبح مهمتها تحديد مدى إمكانية ولوج ذلك الشخص إلى الوسيط الإلكتروني موضوع الجريمة، وهل ثبت لديها حقا ارتكابه للفعل موضوع البحث والتحقيق أم لا. ولا يمكن حدوث ذلك إلا إذا سمح القانون للنيابة العامة بالتحري والاطلاع على علاقة ذلك الشخص بالوسائط الإلكترونية، والاستعلام عن الوسائل التي يستخدمها في حياته الاعتيادية وربطها بالجريمة، حتى وإن كان ذلك يبدو فيه مساس بحياته الشخصية وأموره الخاصة به، لأن الوسائل التقليدية للبحث والتحقيق لن تفيد في الوصول إلى الحقيقة. إن بعض الجرائم الإلكترونية من أجل كشف غموضها والوصول إلى فاعليها لا يكفي فقط الاطلاع أو الاستعلام عن الوسائط الإلكترونية والوسائل الخاصة بالمتهمين، بل يستدعي الأمر أحيانا بحثا معمقا من طرف النيابة العامة لن ينجح إلا عن طريق الاحتفاظ بتلك الوسائل وحرمان المتهم منها لغاية انتهاء التحقيق بشأنها، مثل الهواتف المحمولة أو أجهزة الحاسوب أو أية وسيلة أخرى يشتبه ارتكاب الجريمة بواسطتها، بل أحيانا يتطلب البحث والتحقيق إلزام المتهم بترك حساباته على بعض مواقع التواصل مفتوحة ورهن استعمال جهات التحقيق، بل قد يكون ملزما بتزويدهم باسم المستخدم وكلمة المرور. تأكيدا لذلك فقد نصت المادة 18 من القانون رقم 14 لسنة 2014 على حق النيابة العامة في أن تأمر كل مشتبه في ارتكابه جريمة إلكترونية بتسليم أية أجهزة أو أدوات أو أية معلومات مثل بيانات المرور تفيد في الكشف عن حقيقة الجريمة، وليس له حق مواجهتها بالخصوصية أو السرية حتى لو تعلق الأمر بأسرار المهنة، اعتبارا لكون البحث والتحقيق في الجريمة الإلكترونية من النظام العام الذي يهدد المجتمع، وهو أولى بالحماية من المصلحة الشخصية أو السرية المهنية للمشتبه فيه، واعتبارا كذلك لكون النيابة العامة بصفتها ممثلة المجتمع لن يضر اطلاعها على المعطيات الشخصية للمتهم في شيء، بل المفترض أن حدود اطلاعها وبحثها سوف تتم في إطار ما يهم الجريمة موضوع الاتهام، ولا يهمها الاطلاع على باقي ما يخص حياة المشتبه فيهم. ولم يحدد القانون مددا معينة للاحتفاظ بالأجهزة المشتبه باستخدامها في ارتكاب الجرائم الإلكترونية مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب، إذا لا نجد التنصيص على أدنى مدة أو أقصاها، بل ترك المشرع المجال مفتوحا، لكنه من الناحية المنطقية فإن الاحتفاظ بتلك الأجهزة مدته مرتبطة بمدى الانتهاء من التحقيق بشأنه، فإذا تبين للنيابة العامة على سبيل المثال أن الهاتف المحمول المحتفظ به لا يحمل أي دليل أو شبهة تدين المتهم أو تفيد في الوصول إلى المتهم الحقيقي وإيضاح معالم الجريمة، يمكنها أن تعيده لمن يخصه بمجرد تأكدها من ذلك سواء تم ذلك خلال ساعات أو يوم أو أكثر، أما إذا ظهر لها أن ذلك الهاتف يحتاج مزيدا من الاستعلامات أو إعادة مخزون محذوف منه، أو الاستعانة بخبرة بشأنه وأن الأمر يتطلب أياما أو شهورا فإنه يجوز لها الاحتفاظ به طيلة تلك المدة. وإذا كانت للنيابة العامة حرية مطلقة بالتحفظ على الأجهزة والوسائل والبيانات التي تساهم في حل خيوط الجريمة الإلكترونية، فهي ملزمة في المقابل بالمحافظة على تلك الأشياء التي تحت تحفظها، بحيث لا يجوز لها محو بيانات أو تعديل معلومات أو تغييرها أو المساس بها لحين صدور قرار من الجهات القضائية بشأنها.
786
| 16 فبراير 2026