رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن الإنجاز القطري في تنظيم كأس العالم 2022 قائما على الأقوال والشعارات، فما أقضّ مضجع الغربيين هو استفادة القطريين من كل منجزات الحضارة الغربية على مستوى التقدم البصري والرقمي لتكون تلك الوسائل في خدمة الحقيقة، وليس الباطل، لقد كنتُ مدركا أنّ المعركة الكبرى التي سنخوضها بشرفٍ وأمانةِ من يحملُ المثل الحقيقية وليس صدى المثل، هي معركة الصورة بامتيازٍ. لقد وقع الغرب في شرك وسائله، حين داهمته الصّورة الواضحة للإنجازات القطرية، فالخطاب البصري أقدر على صدم هذا الغرب، وقديما كنا نتحدّث عن "صدمة الحداثة" منذ حملة بونابارت على مصر، والآن جدير بنا أن نتحدث عن "صدمة الغرب"، الذي اعتبر الشرق مجرَّد عالم دوني، لا يقدر المنتمون إليه بلوغ التقدم، وتهيَّأ لهم أنّ الإنسان العربي لا ينفع للإسهام في الحضارة الإنسانية، وأعتقد أن الصدمة من شأنها إسقاط تلك الصّورة التي اخترعها الغرب عنّا، وسوّقوها إلينا حتى تحدّ من عزائم الأجيال العربيّة، ولعلّ هذه الصّدمة تعيدُ الرّشد إلى النّخب الغربيّة وتذكرهم بأننا كنا في وقتٍ مضى نُهدي إليهم "الزمن" الحضاري، ولَيتهم يستحضرون ذلك الارتباك والخوف الذي شمل أجدادهم حينَ اطّلعوا على تلك الساعة الرهيبة التي أهداها هارون الرشيد إلى الملك شارلمان، ألم يحن الوقتُ بعد لتتفطّن هذه النخبة إلى أن عقارب الساعة العربيّة عادت إلى الاشتغال، وأنّ ناقوسَ العودة يُدقّ كلّ يوم من أيّام كأس العالم على أرض قطر البلد الصغير الذي حمل إلى العرب والمسلمين كافة شغف الأحلام الكبرى؟
"لتعارفوا" علّهم يُبصرون
في مقابل ذلك ماذا كانت رسالة قطر إلى أدعياء حقوق الإنسان؟ لقد عُرف القطريون منذ القديم بتواضعهم وبساطتهم، فهم لا يُكثرون في الكلام ولكنهم يعبرون عن مواقفهم بهدوء وبصدق، وهذا ما عرفه عنهم الرحالة الذين جابوا أرض قطر منذ قرون، فتواصلوا مع أهلها وخبروا طبعهم ومقوّمات شخصيتهم، ووجدوا فيهم محبة للتعرف على الثقافات، حتى أن الموانئ القطرية لم تكن مجرّد أماكن لتبادل السلع التجارية بل كانت أيضا فضاء لتبادل المعارف والتراث الإنساني من مهارات حرفية ومخزون فني شمل الطبخ والموسيقى والطب الشعبي وفنون العمارة، وغيرها من الآداب التي كانت محلّ اهتمام القطريين حكّاما وشعبا، ولم تخرج "فلسفة" المونديال لدى القطريين عن هذه القاعدة، حيثُ فاجأت قطر العالم في حفل الافتتاح بعرض فرجوي متكوّن من سبع لوحات تصويريّة تابعه المليارات من البشر، ولا يخفى البعد الرمزي لرقم سبعة لدى العرب المسلمين وفي التاريخ الإنساني عامّة، فالسّماوات والأرضون سبعة، والله خلق الكون في ستة أيام ثمّ استوى على العرش في اليوم السابع والقرآن الكريم فيه سبعة مثاني، والحجّ فيه طواف سبع مرّات، ورمي الجمرات سبع. ولا شكّ أنّ هذا الاختيار مقصود في عدد اللوحات، وهو رسالة واضحة لانتماء الإنسانيّة إلى شبكة رمزيّة واحدة، ولعلّ ما يؤكّد ذلك هو ما عبّرت عنهُ لوحة "لتعارفوا" التي اعتمدت على ثلاث فقرات، توسّطتها فقرةٌ في غاية الرمزيّة والدقة والبيان. لقد جمعت هذه الفقرة بين الشاب القطريّ غانم المفتاح والممثّل الأمريكي مورغان فريمان، في حوارٍ أذهل الأسماع وفي مشهديّة جمّدت الأبصار، فتناولت موضوع الأفكار المغلوطة حول ازدواجيّة المعايير بين الشرق والغرب، لينشأ الحوار بين الجيل العربي الجديد وبين النخب الغربيّة، بين وجهات نظر للعالم متباينة، لكنّ هذا التباين سرعان ما يتضاءلُ عندما يلتقي الجسران الضّوئيّان اللذان يقفان عليهما، في إشارة إلى تلاشي التباينات أمام فطرة الإنسان في التعارف، فالأصل هو التقارب الإنساني وليس التباعد، السّلام وليس الحرب، التعاون وليس الاقتتال، وفي لحظة خاشعةٍ يرتّل القرآن الكريم، فيتلو الشاب غانم قوله تعالى "يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شُعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم"، هكذا أنصتت المليارات من البشر لأوّل مرّة في تاريخ المونديل للقرآن يتلى على أرض عربيّة ومسلمة آمنت بأنّ قرآنها فخرٌ لأبنائها وللأمة التي تنتمي إليها، فكانت رسالة قطر إلى العالم واضحة، مبدأها "التعارف"، ممّا يعني العيش المشترك وقبول اختلاف الثقافات والتنوّع اللغوي والعرقي والديني، إنّها رسالة إلى من يتشدّقُ بشعارات التنوّع وهو أوّل من يدوس عليها.
أعتقد أنّ تلك اللوحة بمثابة درسٍ في الأخلاقيّة الإنسانيّة التي يفترض أن يتحلّى بها كلّ إنسان أيّا كانت ثقافته وعرقه ولونه ولغته، وتوجيه للأساس القيمي الذي تنحدر منه الرياضة باعتبارها وسيلة لتحقيق ذلك التعارف وليست أداة للفرقة وإظهار النزاعات، وفعلاً يسيرُ إيقاع كأس العالم على هذا الأساس، فلا معارك جانبيّة بين المشجّعين، ولا مظاهر للمشاحنات التي كثيرًا ما عرفتها دورات سابقة للمونديال، ولا مضايقات للنساء في الملاعب أو خارجها، ففي مونديال قطر، لا يقع الحديث عن السّلام، لأنّه واقع يعاش يوميّا، ويبصرهُ الأفّاكون قبل الأصدقاء.
المونديال ملعب حضاري
كان هناك "كأس عالم" آخر تجري مبارياته خارج الملاعب! بعض المباريات دارت على صفحات تويتر وغيرها من التطبيقات وفي الإعلام العربي والدولي وبعضها دار على هذه الأرض الطيبة ابتداء من الفرجان وانتهاء بمناطق المشجّعين والشوارع والأسواق. أيقنت تماما أنّ حدود اللعبة أوسع ممّا يتصوّر البعض، ذلك ما لم يكن لأحد أن يدركه بالعين والذّهن لو لم يكن المونديال يجري أمام ناظريه وهو متورّط في متابعته، بل ومندمج معه ومشارك في اللعبة! ففي كلّ فضاء رأيتُ مظاهر للعب الحضاري، حقّا، الحضارة خلاصة أدوار للاعبين مهرة عبر التاريخ، وما يقع في المونديال من أنشطة وتعارف وردود أفعال هو جديرٌ بالدرس لأنّه يجعلنا نؤمن بأنّ المونديال هو فرصة سانحة لا للمشاركة الرياضيّة فقط وإنّما للعب أدوار أخرى متّصلة بما هو حضاري في هذه اللحظة التاريخية المفصلية من تاريخ إنسانيّتنا، هذا ما يستحقُّ تسليط الضّوء عليه.
لننظر إلى صورة الآلاف من المصلين في أروقة ملاعب كأس العالم، حيثُ يستجيب المصلّون لنداء الصلاة، في مشهد تاريخي يقع لأول مرة في تاريخ بطولة كأس العالم، فهذه الدّورة تبوح بهويتها العربية الإسلامية، وتضع طابعها الخاصّ مثل بصمةٍ لا تُمحى، هل كان ذلك أمرا منتظرا قبل أشهر من بداية البطولة؟ كانت الملاعب مهيَّأة لذلك، ونحن نفخرُ بأن يكون للصلاة حضورها مثلما نفخر أن يرفع الأذان في كلّ مكان في الدوحة بتلك الأصوات الجميلة التي تهتزّ لها الأسماع، وكم نالت صور المصلين إعجاب وتقدير مئات الآلاف من المشجعين، فلم يجدوا تعارضا ما بين الرياضة وأداء تعاليم دين يحث المسلمين على محبّة الناس ودعوتهم لعمل ما هو نافع بالموعظة الحسنة والحكمة. وكانت صور المشجعين وهم يدخلون المساجد في قطر للتعرف على الإسلام، وللاقتراب من معمارية المعالم الدينية والاستماع إلى الدعاة مشهدا آخر لذلك التواصل السلس بين الأديان، في كنف الاحترام.
المشجعون شاركوا بدورهم في إنتاج مشهديّة جديدة، ففي كل دورة من دورات كأس العالم، تتكاثر الصور والأيقونات التي تنتشر لتُعلي من قيمة اللاعبين أو الفرق الرياضية أو بعض المشجعين، لكنني كنتُ أرى أنّ المشهديّة التي تستأثر بالانتباه تدور أطوارها خارج الملعب، فيكون المشجعون أطرافا رئيسية فيها، ألم تستأثر صور المشجعين الذين سارعوا إلى ارتداء الغترة والعقال بالانتشار في العالم؟! ألم تعد عناصر من اللباس القطري جزءا من الاحتفاء؟!
في هذه الكأس ليس هناك أيقونات صغيرة وأخرى كبيرة، ولا يختصّ المشاهير بالمشاهدة، بل أنتج المونديال أيقونات لغيرهم، هكذا ردّد رجل المترو الشاب الكيني أبو بكر عباس جملته البسيطة، "طريق المترو في هذا الاتجاه" metro this way ليرددها من بعده مئات الآلاف، صغارا وكبارًا، وتصبح مثل ترنيمة شعبية قد توحي بأنّ المونديال في نسخته القطرية العربية رسم طريقًا جديدة للعرب أجمعين، فالطريق إلى المترو هو طريق في بعده الرمزي يؤدي إلى لحظة اتصالية جديدة بالغرب وبالعالم، فاليوم تحقق للعرب ما لم يتحقق لهم من قبلُ، أن يُشعروا الغرب المتقدّم بالندية، وهي ندية لا تفيد بها درجة التنظيم فحسب، وإنّما يعدّ انتصار المنتخب المغربي وتأهّله للدور ربع النهائي كأوّل منتخب عربي يبلغ هذه المرحلة وجها آخر لتلك الندية التي تفتح أملا واسعًا لأجيال عربية في أن تبدع في مختلف المجالات، فمن حقها أن تنافس الشعوب الأخرى فيما تقدمه الحضارة الإنسانية من أدوار متاحة لمن يسعى ويبادر ويعمل بجد أيا كانت جنسيته وثقافته ولغته ومعتقداته.
حقا إنّ الطريق إلى مترو الحضارة يبدأ من هنا، من دولة قطر، فقد ملت الأجيال العربية طويلاً من الشعارات، ولكن هذه المرة كانت الإنجازات تُغطي على الوعود وتفوقها.
وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية
بين الضحكة والسكوت
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف... اقرأ المزيد
207
| 29 أبريل 2026
لحظة غضب.. ودفاتر لا تغلق!
•الإنسان ليس جسدا يمضي في الحياة فحسب، بل هو حصيلة مشاعر وتجارب وذكريات، تتراكم في أعماقه عبر السنين،... اقرأ المزيد
87
| 29 أبريل 2026
الوطن بين الكذبة والحقيقة
"ماذا أنت أيها الوطن، وماذا فيك من سر يهيج كوامن الشجن، وهل أنت إلا أرض وماء؟ حقا أنت... اقرأ المزيد
111
| 29 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3633
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1065
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
741
| 27 أبريل 2026