رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تدثرت الحركة الصهيونية منذ نشأتها برداء اليهودية لدفع اليهود إلى الاستيطان في فلسطين تحت شعار أرض المعاد، على الرغم من أن أساطين الصهيونية كانوا علمانيين إلحاديين. وإلى اليوم لا يتخلى الكيان الصهيوني عن هذا الرداء، لأن التخلي عنه بمثابة تهديد وجودي لهذه الدولة اللقيطة، ولذا لم تنفك عرى ثنائية السياسة والدين داخل دولة الاحتلال. إضافة إلى ذلك، فإن الاحتلال الصهيوني يتخذ من الدين ورقة تهديد لكل من يتصدى لسياساته تحت مظلة معاداة السامية، وليس أدل على ذلك من خطاب نتنياهو العدائي للحراك الطلابي داخل الجامعات الأمريكية تنديدا بالمجازر التي يرتكبها الاحتلال بحق قطاع غزة، حيث استخدم هذه الورقة مجددا، واتهم الطلاب بمعاداة السامية. ولطالما جاهدت الأقلام لتعزيز فكرة الفصل بين الصهيونية واليهودية، لكن الضوضاء الصهيونية عالية قامت بالتشويش على هذه الفكرة، فمعركتنا كأمة عربية وإسلامية مع الكيان ليس باعتبار الديانة اليهودية، وإلا فهناك في معظم البلدان العربية أقليات يهودية تعيش في سلام مع بقية مكونات المجتمعات، ولم يحاسبها أحد بما يرتكبه الكيان الإسرائيلي من جرائم، إنما معركتنا مع هؤلاء المحتلين الذين اغتصبوا الأرض وقمعوا أهلها. لكن الحرب على غزة، قد كفت الجميع شأن البيان، وخلعت عن الصهيونية رداءها اليهودي على مرأى ومسمع من العالم أجمع. ظهر الحراك الجاد لشرائح اليهود المتدينين التي تندد بالجرائم الإسرائيلية وتتبرأ منها، فمن صميم معتقدات هذه الفئة أنه لا يجوز وفقا للشريعة اليهودية أن تقوم لليهود دولة تجمعهم، لأنهم قد كُتب عليها الشتات في الأرض، وأي محاولة لتجميعهم في دولة واحدة بالقوة إنما هو معارضة للإرادة الإلهية. ومن الجماعات التي تمثل هذه التوجه، حركة ناطوري كارتا، وهي حركة دينية يهودية مناهضة للصهيونية، نشأت في فلسطين المحتلة وعارضت قيام دولة صهيونية، ويقدر عدد عناصرها بعشرات الآلاف، أكثرهم يعيش في نيويورك. كذلك، الجرائم الإسرائيلية التي يشاهدها كل بيت في العالم، دحضت المظلوميات الإسرائيلية التي تروج لأن العرب يضطهدون الشعب اليهودي. هذه المظلوميات قد انطلت على شعوب العالم في السابق قبل ثورة تكنولوجيا الإعلام وتحول العالم إلى قرية صغيرة بتعبير المنظّر الإعلامي الكندي مارشال ماكلوهان، خلافًا لما عليه العالم اليوم، فالجماهير صارت ترى بوضوح من هو الجزار ومن هو الضحية. لم يعد الإعلام الصهيوني القائم على الدعايات المزيفة والإشاعات والتنميط، قادرا على تجاوز وعي الشعوب، ولم يعد خطابه الديماغوجي - الذي يصور الصراع على أنه عداء العرب والمسلمين لليهود- ذا تأثير في العالم الذي كشف حجم وحشية هذا الكيان الذي لا يعرف سوى النهب والسلب والقتل والتدمير. لقد أصبحت الصهيونية عارية من اليهودية، وتلك فرصة تاريخية لنا لتعزيز فكرة الفصل بين الصهيونية واليهودية التي استغل الصهاينة الدمج بينهما، وهذا من شأنه أن يزيد من عزلة هذا الكيان المحتل عالميًا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1158
| 26 أبريل 2024
لا شك أن تزكية النفس هي طريق الفلاح، وقد أقسم الله تعالى في سورة الشمس على أن الفلاح يترتب على تزكيتها {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7- 8]. وقد اتخذ بعض الزهاد والعلماء طريقًا للتزكية يقوم على مبدأ التخلي قبل التحلي، بمعنى أن يستجمع العبد همته على التخلص من الأمراض والآفات، حتى يكون مؤهلًا لقبول غرس الإيمان وسلوك طريق التعبد لله رب العالمين. لكن هذا المسلك يحمل قدرًا كبيرا من العنت، فهو يجعل العبد واقفًا عند وضعية تنقية الحشائش الضارة دون الاهتمام بري الزرع والاهتمام بنموه. بل هو أبعد ما يكون عن القابلية للتطبيق لأنه يفترض في النفس البشرية أنها تثبت على حال، أو أنها تقف عند خطوتها الأخيرة بلا تراجع، فكيف يعرف العبد أنه تخلص بالأساس من الآفات والأمراض؟! وأما منهج التزكية الأقرب والأكثر اتباعا وسيرا على الهدي النبوي، فهو الذي يقوم على الاهتمام بالبناء الإيماني أو التحلية، مع التخلية أثناء الطريق، فيسير إلى ربه بالطاعة، فإذا ما اعترضه شيء في الطريق أو آفة قطعها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «النَّفْسُ مِثْلُ الْبَاطُوسِ - وَهُوَ جُبُّ الْقَذَرِ - كُلَّمَا نَبَشْتَهُ ظَهَرَ وَخَرَجَ. وَلَكِنْ إِنْ أَمْكَنَكَ أَنْ تَسْقَفَ عَلَيْهِ، وَتَعْبُرَهُ وَتَجُوزَهُ، فَافْعَلْ، وَلَا تَشْتَغِلْ بِنَبْشِهِ. فَإِنَّكَ لَنْ تَصِلَ إِلَى قَرَارِهِ. وَكُلَّمَا نَبَشْتَ شَيْئًا ظَهَرَ غَيْرُهُ». وهذا المنهج في التزكية يرتكز على حقيقة أن الطاعة تبني الإيمان، وكلما علا هذا الصرح واشتد، اقتلع الآفات ودواعي الشرور وأسقطها، حيث إن نور الطاعة يبدد ظلام المعصية، لذا يقول ابن القيم رحمه الله: (أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفا لا يحصيه إلا الله تعالى فمن الناس: من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس ومنهم: من نورها في قلبه كالكوكب الدري ومنهم: من نورها في قلبه كالمشعل العظيم، وآخر: كالسراج المضيء وآخر كالسراج الضعيف. ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بايمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علما وعملا ومعرفة وحالا، وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد: أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ذنبا إلا أحرقه). هذا المنهج في التزكية مستقى من النصوص النبوية الصحيحة التي تعالج الآفات بإعلاء البناء الإيماني، وهو ما نستشفه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رجلا أصاب من امرأة يعني ما دون الفاحشة فلا أدري ما بلغ غير أنه دون الزنا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) فقال يا رسول الله ألي هذه؟ قال: لمن أخذ بها). في المقابل يراعي المنهج الثاني - المستقى من النصوص النبوية - طبيعة النفس البشرية التي يعتريها الفتور والملل، وينسجم مع المنهج النبوي في التيسير على الأنام، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1470
| 19 أبريل 2024
اشتُهِر عن بعض الزهاد قولهم في المناجاة والدعاء: «ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ولكن لوجهك الكريم». وعلى مثل هذه المعاني سار كثير من المنتسبين إلى الزهد والعبادة، والذين استحدثوا مصطلح العشق الإلهي للتعبير عن المحبة بين العبد وربه، ورأوا أن العبد يعبد ربه محبة، لا يعبده خوفا من عذابه أو طمعًا في جنته. يرى هؤلاء أن من كان غايته الجنة ونعيم الجنة سيتمتع وينال من نعيمها، ومن يطلب الله فسيرفع الغطاء وتتجلى الزيادة وتظهر الحقائق، بمعنى أن من عبده سبحانه طمعا في الجنة وخوفا من النار فإن له مطلبه، يدخل الجنة وينجو من النار، لكن رؤية الله تعالى تكون لمن عبده حبًا، هكذا يدعون، فما صحة هذا الادعاء؟ المتأمل لآيات القرآن يرى أن الله تعالى عندما وصف الأنبياء الذين هم صفوة عباده، اشتملت هذه الأوصاف على عبادة الله رغبا ورهبا، كما قال عن نبي الله زكريا عليه السلام {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]. وجمع الله للعابدين بين الخوف والرجاء في قوله تعالى: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9]. بل هو سبحانه من أمر عباده بأن يعبدوه خوفا وطمعا، قال عز وجل {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } [الأعراف: 56]، والدعاء هو العبادة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولو مكث هؤلاء الدهر كله يبحثون في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله لما وجدوا ما يشير إلى أن عبادة الله لا تكون إلا محبة، ولما وجدوا ما يؤيد زعمهم أن عبادة الله خوفا من عذابه وطمعا في رحمته مقامٌ دون المقام ومنزلة دون المنزلة. ولو كان هذا الاعتقاد صحيحا وينافي المراتب العلية فكيف نفسر وجود هذا الحشد العظيم من آيات الترغيب والترهيب والوصف التفصيلي للجنة والنار ونعيم القبر وعذابه، والتي خوطبت بها الأمة على ما بها من صفوة البشر بعد الأنبياء وهم الصحابة رضوان الله عليهم والذين منهم من بشر بالجنة؟ فما ذاك إلا ليرغب العابدين ويردع المعرضين. ولو دقق هؤلاء لعلموا أنه لا تعارض بين الحب، والخوف والرجاء، والذي يرجو الله ويخافه أكثر تحقيقا للمحبة من غيره. فالواجب أن يعبد العبد ربه محبةً ورجاءً وخوفًا، فالمحبة هي أصل وجوهر العبادة، يقول ابن القيم: «الْعِبَادَةُ تَجْمَعُ أَصْلَيْنِ: غَايَةُ الْحُبِّ بِغَايَةِ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ»، فيعبد العبد المُحب المتذلل ربَّهُ خوفًا ورجاءً. وأما ادعاؤهم بأن رؤية الله في الجنة تكون لمن عبده حبا له لا خوفا ولا طمعا، فهو باطل بالدلالة القطعية للقرآن، فقد دلت النصوص القرآنية على أن أهل الجنة كلهم يرون ربهم فيها، حيث جعل حجب رؤيته عقوبة للكافرين، قال الله تعالى {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]، فالاستثناء في الرؤية وقع للكافرين وحدهم. نسأل الله تعالى أن نكون من أهل الجنة، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجه الكريم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1989
| 05 أبريل 2024
رمضان فرصة عظيمة للتغيير، وانتقال الإنسان من حال إلى حال أفضل، والتخلص من أسر العادات السيئة التي ألفها وتحاصره، فرصة للتخلص من كل معوقات سبيل الرشاد. يتضمن هذا الشهر الفضيل عوامل كثيرة بناءة، تتضافر فيما بينها؛ لتعين الإنسان على صياغة شخصيته من جديد، ويرتقي بنفسه عن الآفات، فكما أن رمضان كان محطة تغيير لأحوال الأمة بصفة عامة، عبر بدر الكبرى، وعين جالوت، والعاشر من رمضان، وغيرها من معارك الإسلام الفاصلة، فهو فرصة للفرد كذلك أن تنتقل حياته نقلة كبيرة، فيتخلص من رواسب الماضي، ويتحرر من أسر العادات السيئة، فمن هذه العوامل: جماعية الطاعة: ففي رمضان يصير الغالب على المجتمع حرصه على الطاعة والخير، فالمساجد تمتلئ، وأعمال البر يتسابق فيها المتسابقون، والأخلاق السمحة تفرض نفسها، وما ذلك إلا بما أودعه الله في هذا الشهر من بركات، وتيسيره للناس سبل الخير عن غيره من الشهور. الفضائل التي يتمثلها الكثيرون على حدة في غير رمضان، تصبح في رمضان أمرًا عامًا، وهو ما يحفز المرء على النشاط في الطاعة وإتيان الفضيلة؛ فيعلو لديه بناء الإيمان، وتُهدم الآفات. ولأن الإنسان يتأثر بمن حوله، وتحفزه مشاهد الطاعة لدى العباد، أوصى الله بالتعاون على الخير فقال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، وتضافرت الأدلة مؤكدة أهمية مصاحبة الأخيار، ففي الحديث: (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). شهر حمية: أي امتناع عن الشهوات وتحرير النفس من سطوتها، فإنما هي مادة النشوز والعصيان، فيأتي الصيام ليكسر هذه الشهوات، فيحفظ الإنسان جوارحه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: الصيام جنة؛ يستجن بها العبد من النار، وهو لي، وأنا أجزي به). قال المناوي: (شرع الصوم كسرًا لشهوات النفوس، وقطعًا لأسباب الاسترقاق والتعبد للأشياء، فإنهم لو داوموا على أغراضهم لاستعبدتهم الأشياء، وقطعتهم عن الله، والصوم يقطع أسباب التعبد لغيره، ويورث الحرية من الرق للمشتهيات؛ لأن المراد من الحرية أن يملك الأشياء لا تملكه). وبامتناع الإنسان عن الشهوات بالصوم؛ ترتقي نفسه وتسمو روحه، وكأنها تقترب من الملأ الأعلى الذين لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون؛ فيكون هذا السمو الروحي، وكسر حدة الشهوات عاملًا يخلص المرء من حصار الآفات. معونة ربانية: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء رمضان؛ فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وصُفدت الشياطين)، وهو تصفيد حقيقي، عونًا من الله للعباد بكف شر الشياطين عنهم. ولكن كيف تُسلسل الشياطين، ونحن نرى المنكرات في رمضان؟! قد تعرض القرطبي لهذه المسألة، فقال: (فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صُفدت الشياطين لِمَ يقع ذلك؟! فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين، الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة، لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس؛ فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع فيه شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين: كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية). وعلى كل حال، فحدة تسلطهم على الإنس تنكسر أو تضعف؛ مما يفتح الطريق أمام العباد لسلوك درب الاستقامة، ويمنح العبد فرصة التخلص من حصار الآفات. اكتشاف القدرة: فالمدخن مثلًا؛ يمكث منذ طلوع الفجر إلى غروب الشمس متخليًا عن التدخين، مع أنه يرى في غير رمضان أنه لا يصبر على فراق التدخين ساعة أو ساعتين، بينما اجتاز هذه العقبة في رمضان، وإنما مقصدي أن قوة الإرادة قد بزغت عنده وقد كان يجهلها، فالإرادة التي حملته على ترك ذلك لله طوال النهار، بالإمكان أن تحمله على ترك التدخين في الليل أيضًا، خصوصًا إذا ما اغتنم ساعات الليل وعمرها بالقيام والذكر والطاعات، فإذا ما نجح في هذا الاختبار طوال شهر رمضان؛ فهذا إيذان بفك حصار الآفات، حيث إن ابتعاده شهرًا كاملًا عنها يثبت له قدرته على فراقها مدى حياته، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1017
| 29 مارس 2024
"كأنني أكلتُ"، جملة لا تُعبّر عن مجرد حالة، وإنما هي ترجمة عربية لـ "صانكي يدم"، وهو مسجد شهير في إسطنبول، حمل هذا الاسم تعبيرًا عن ملحمة بطلها رجل فقير، حرم نفسه لذائذ الدنيا من أجل بناء مسجد قربةً إلى الله، وترك أثرًا تتناقله الأجيال بسبب سيطرته على نفسه وحملها على معالي الأمور. كان الحكام العثمانيون يشيدون المساجد في كل بقعة تمتد إليها أيديهم، ويولونها اهتماما فائقًا وعلى الصعيد الشعبي أيضًا، حيث كان عامة الناس يبنون المساجد بدورهم طلبا للمثوبة، إلا أن لهذا المسجد قصة خاصة زادت من شهرته رغم أنه لا يعد من الجوامع الكبيرة. يتعلق بناء هذا المسجد بشخصية زاهد، أراد صاحبها رغم فقره الشديد أن يترك أثرًا لما بعد موته، فأقدم على فعل ما لم يقدم عليه كثير من الأثرياء، بناء مسجد بهذا الفقر وهذا الزهد. ترجع قصة بناء هذا المسجد العثماني إلى القرن السابع عشر للميلاد، وقد نقلها الأستاذ أورخان محمد علي في كتابه "روائع من التاريخ العثماني"، نقلا عن كتاب "جوامع إسطنبول"، لمؤلفه تحسين أوز، وقد ذكر أن باني هذا المسجد هو خير الدين كتشيجي أفندي، وكان يعيش في منطقة "فاتح" في إسطنبول. كان خير الدين هذا رجلا فقيرًا، كلما مر على الأسواق، واشتهت نفسه شراء فاكهة أو حلوى، قال كلمته الشهيرة "صانكي يدم"، أي "كأنني أكلت"، فبدلا من شراء ما يشتهيه يضع أموالها في صندوق خاص على سبيل الادخار. مرت الأعوام تلو الأعوام، وهو يحرم نفسه من اللذات، ويكتفي بما يقيم صلبه، حتى تجمع لديه مبلغ كبير من المال، تمكن به من بناء مسجد صغير في المحلة التي يعيش بها، ولكن لم يطلق عليه هذه التسمية، إنما أطلقها سكان الحي، حيث كانوا يعرفون قصة هذا الشخص الفقير الورع، وشأن المسجد، فأطلقوا عليه صانكي يدم. يقع هذا المسجد في أحد الأزقة في منطقة فاتح، معروف باسم "كرباجي نام"، يقبع هناك بين البيوت القديمة، وهو مبني على مساحة حوالي 100م في الداخل، ومساحته الخارجية 130م، ويتسع لمائتي مصلٍ، وبه مصلى للنساء، وتقام فيه الدروس الدينية، وقد بني من الخرسانة المسلحة، وله قباب كبيرة، وأربع قباب مغطاة بالرصاص، وتحتوي المئذنة على شرفة واحدة مبنية من الخرسانة المسلحة، وهو مسجد بسيط في عمارته، بعيد عن مظاهر الترف والفن المعماري الذي تميزت به المساجد العثمانية الكبيرة. تعرض هذا المسجد لأضرار بالغة إبان الحرب العالمية الأولى، وتعرض للدمار بسبب حريق كبير نشب به، وظل مهجورا حتى عام 1959م، إلى أن أعيد ترميمه وإصلاحه بجهود ذاتية من سكان الحي، وعلى باب هذا المسجد حجر من الرخام دوّن عليه ملخص لقصة بناء هذا المسجد "كأنني أكلت". وفي حديث سابق يعود إلى حوالي ست سنوات مضت، يقول عبد الصمد آيدن نائب مفتي منطقة الفاتح في إسطنبول، إن "خير الدين كتشيجي لجم اشتهاءات النفس البشرية، ووجهها لفعل الخير، وفي هذا عظة كبيرة". يعقب المصلح الاجتماعي بديع الزمان سعيد النورسي على قصة بناء هذا المسجد بقوله: "كلما نادت اللذائذ، ينبغي الإجابة بـ (كأنني أكلتُ)، فالذي جعل هذا دستورا له، كان بوسعه أن يأكل مسجدا سمي بـ (كأنني أكلت) فلم يأكل". لقد مات خير الدين الذي شيد المسجد، لكنه ترك بصحبة هذا المكان قيمة خيرية وإنسانية لا تنسى، فهو قد أتى ثمرة لمجاهدة النفس، وهذا أمرٌ عظيم يحتاج إلى تدبر، ينصب القدوات أمام الناس في السير على النهج ذاته، وإيثار الشأن العام على الشأن الخاص، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. [email protected]
5961
| 22 مارس 2024
لم يشرع الله عز وجل أمرًا إلا وفيه صالح العباد، علم من علم وجهل من جهل، ولو علموا غاية العبادة لازدادوا لله شكرًا، فهو سبحانه وتعالى يريد بهذه العبادة أن يرقيهم ويقربهم، ويقوي لديهم الضمير الإيماني، لتتحقق فيهم التقوى، فيصيروا أبعد عن سخط الله، فما التقوى إلا أن يجعل العبد بينه وبين ربه وقاية من العمل الصالح تقيه من عذابه. وكما أن الله تعالى بين الحكمة والغاية من تشريع النحر {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ))[الحج:37]، بيّن الحق عز وجل تلك الغاية من افتراض صيام رمضان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183]. فكيف لله الحكيم الذي لا تنفك الحكمة عن أفعاله أن يشرع للناس جوعًا وعطشًا وحرمانًا لا غاية له؟ فالله عز وجل يريد أن يهذب نفوس عباده ويرقيهم في منازل عبوديته، فما تقرقر البطن من الجوع ويبس الحلق من الظمأ في رمضان إلا سبيل التقوى. وقد يستبد الجوع بي ويهدني ظمأ ويخفت في حياتي كفاح لكن تقوى الله تحفز همتي ويشد من أزري لديك صلاح تحصل التقوى بالصيام عندما يدع العبد شهواته مختارًا، فقد ركب فيه الميل للشهوة، فكان الصيام ارتقاءً بالعبد حتى لا يميل إلى طباعه، بل هو في ذلك يتشبه بالملائكة الكرام الذين خلا تكوين خلقتهم من الشهوات. ذلك التحكم بالنفس تدريب عملي خلال الشهر على مخالفة الهوى وهو أمرٌ رتّب الله عليه دخول الجنة {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } [النازعات: 40-41]. وهذا هو لُبّ التقوى. وتحصل التقوى بالصيام لأنه يدعم مقام المراقبة، فالصيام ليس كسائر العبادات التي يطلع عليها الناس كالصلاة والحج مثلًا، بل هو سرٌ بين العبد وربه، ففي نهار رمضان لا تستطيع التمييز بين العباد من منهم صائم، ومن منهم مفطر، لذلك نسبه الله تعالى إلى نفسه في الحديث القدسي المتفق عليه (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)، ويستنبط القرطبي رحمه الله الحكمة من هذه النسبة فيقول "لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله، فأضافه الله إلى نفسه". فما من شيء يمنع العبد من تناول طعامه وشرابه خلسة إلا المراقبة وعلمِه أن الله تعالى يرى مكانه ويعلم حاله: إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب فصيام شهر على هذا النحو، يقوي جانب المراقبة لدى العبد فيعتاد مراقبة الله في جميع شؤونه وتلك هي التقوى. وتحصل التقوى بالصيام عندما يتذوق المسلم طعم الجوع والعطش، فيتذكر أن من العباد من لا يفارقهم ذلك طيلة العام وليس شهرًا واحدًا، فمن ثم يرقّ القلب الذي هو محل التقوى، وتلك حقيقة لا تحتاج إلى كثير فقه لإدراكها بقدر ما تحتاج إلى تأمّل ونظر، فشاعرٌ وأديب مثل أحمد شوقي الذي لم يكن من العلماء والفقهاء، أدرك هذه الحقيقة فقال في "أسواق الذهب" عن الصيام: "حرمان مشروع وتأديب بالجوع وخشوع وخضوع، ظاهره المشقة، وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة ويحض على الصدقة، يكسر الكبر، ويعلم الصبر، حتى إذا جاع من تعود الشبع، وحرم المترف ألوان المتع، عرف الحرمان كيف يقع، وألم الجوع إذا لذع". تلك هي الغاية من فرض الصيام الذي في ظاهره جوع وعطش، فتلك الجوائز العظيمة من العتق ومغفرة الذنوب لا تترتب على مجرد الامتناع عن الشهوات المباحة في غير رمضان دون أن يكون لها رصيد من الترجمة الواقعية لآداب العبودية، ولذا يحذر العبد أن يقع تحت طائلة الحديث النبوي الذي رواه أحمد في مسنده (رب صائم حظه من طعامه الجوع والعطش). إذا لم يكن في السمع مني تصامم وفي العين غض وفي منطقي صمتُ فحظي إذًا من صومي الجوع والظمأ فإن قلت إني صمت يومي فما صمت ُ. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. [email protected]
1647
| 15 مارس 2024
«لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأراضي المقدسة لأنها ليست ملكي، بل هي ملك شعبي، وقاتل أسلافي من أجل هذه الأرض، ورووها بدمائهم، فليحتفظ اليهود بملايينهم، إذا مزقت دولتي من الممكن الحصول على فلسطين بدون مقابل، ولكن لزم أن يبدأ التمزيق أولا في جثتنا». ذلك هو رد السلطان عبد الحميد الثاني على العروض المغرية التي طرحها أمامه مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل للسماح بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. لكنها ليست الصورة الوحيدة المعبرة عن صمود عبد الحميد الثاني أمام المشروع الصهيوني. كانت أول جهوده، بعدما اشترك اليهود في اغتيال ألكسندر الثاني قيصر روسيا 1881م، والذي ترتب عليه ممارسة الاضطهاد ضدهم، فآثر عدد منهم الهجرة إلى فلسطين. تقدمت حركة محبي صهيون إلى القنصل العثماني في ثغر أودسا بطلب منحهم تصريحا بدخول فلسطين، فجاء الرد بالرفض، ولكن باستطاعتهم أن يقيموا في غيرها بشرط أن تكون أعدادهم قليلة ويتجنسون بالجنسية العثمانية، وكانت صدمة لليهود الروس، لكنهم أعادوا المحاولة، ورغم تدخل السفير الأمريكي في إسطنبول، إلا أن التأكيد كان دائما أن هذه الإجراءات تتماشى مع السياسة العليا للدولة العثمانية. إزاء هذا الرفض، تسلل مجموعة من اليهود إلى يافا في 1882م، فأبرق الباب العالي إلى حاكم القدس بعدم السماح ليهود روسيا أو بلغاريا أو رومانيا بالهبوط لأرض فلسطين، وذات الإجراءات اتخذت بشأن إقامتهم في حيفا وبيروت واللاذقية وسائر موانئ الساحل الشامي. بعد وضوح أهداف الحركة الصهيونية في فلسطين، قام السلطان بتغيير الوضع الإداري للقدس، بما يقلب الموازين، فجعلها متصرفية خاصة تابعة للباب العالي رأسا وذلك في عام 1887م، بعد أن كانت قبل ذلك تتبع والي دمشق، وبهذا أصبح للقدس وضعيتها المتميزة، وغدت قسما إداريا قائما بذاته يتبع الباب العالي بصورة مباشرة، وكان الهدف من ذلك هو تمكن الدوائر الحكومية في العاصمة إسطنبول من إحكام المراقبة على الهجرات اليهودية. عين السلطان عبد الحميد رجلا صارما على متصرفية القدس، معروفا بحبه للعرب وعدائه للأوروبيين، وهو محمد شريف رؤوف باشا، وكان رافضا بشدة للاستيطان اليهودي، ويرسل قواته باستمرار لتعقب اليهود المقيمين بطريقة غير شرعية في القدس، ووضع الصعوبات أمام اليهود الأجانب الذين أصبحوا رعايا عثمانيين وحاولوا شراء أراض وبناء مستوطنات. ورغم جهود رؤوف باشا في منع استيطان اليهود، لم يستطع إيقاف بناء بعض المستوطنات، وذلك بسبب تدخل السفراء الأوروبيين لصالح اليهود، وبعض ضعاف النفوس من موظفي الدولة العثمانية الذين تلقوا الرشوة لتيسير الإجراءات. ولكن بعد اكتشاف الباب العالي أن الموظفين في ميناء يافا كانوا يرسلون للوالي معلومات شهرية خاطئة تفيد برحيل اليهود الذين دخلوا البلاد قبل شهر، شدد السلطان عبد الحميد في تعليماته على متصرفية القدس وكل متصرفيات الدولة وسفاراتها بمنع استيطان اليهود في القدس. أوعز عبد الحميد لرجاله بتتبع الحركة الصهيونية ومراقبتها والوقوف على أهدافها، وأرسل بذلك إلى سفرائه في العواصم الأوروبية، فكانوا يرسلون له التقارير باستمرار عن الحركة، وأرسلوا مخبرين عثمانيين متنكرين إلى المؤتمرات الصهيونية وإرسال قصاصات الصحف المتعلقة بنشاطهم في أوروبا، وقام السلطان عبد الحميد باعتماد ميزانية خاصة للدعاية المضادة لتلك الحركة. قام عبد الحميد بمنع المؤتمرات الصهيونية فيها، ففي مستعمرة «زخرون يعقوب» عام 1901م، عقد أول مؤتمر صهيوني بفلسطين، لتوحيد وتنظيم صفوف يهود فلسطين على سبيل جس نبض العثمانيين، وهذا من شأنه أن يدعم الحركة الصهيونية ويشد اليهود أكثر إلى فلسطين، لكن تنبه السلطان عبد الحميد لهذه المؤامرة وأوقف هذه الأنشطة في فلسطين فلم تنعقد ثانية. تصدى السلطان عبد الحميد لمحاولة إنشاء جامعة عبرية في القدس، كان هدف الصهاينة منها استقطاب الأساتذة اليهود في جامعات العالم، لتكون هذه الجامعة وسيلة للتسلل الثقافي الصهيوني ودعامة علمية للدولة اليهودية التي يأملون في إنشائها. كان من آثار وقوف السلطان العثماني في وجه الاستيطان اليهودي في القدس، أنه تعرض لمحاولتي اغتيال، لكنه نجا منهما. فيحسب للسلطان عبد الحميد أنه أخر احتلال القدس ثلاثة عقود، قبل أن تقع في قبضة الصهاينة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
2172
| 08 مارس 2024
تحين في الثالث من مارس الذكرى المئوية على إلغاء الخلافة الإسلامية، والتي كانت نتيجة لمؤامرات مستمرة من الخارج والداخل، إضافة إلى جهود مضادة لمنع سقوطها، كان أبرزها فكرة الجامعة الإسلامية التي عمل عليها السلطان عبد الحميد الثاني. يقول المؤرخ والفيلسوف أرنولد توينبي: «إن السلطان عبد الحميد كان يهدف من سياساته الإسلامية تجميع مسلمي العالم تحت راية واحدة، وهذا لا يعني إلا هجمة مضادة، يقوم بها المسلمون ضد هجمة العالم الغربي التي استهدفت عالم المسلمين». حورب هذا المشروع بقوة من الدول الغربية التي نشأ لديها مصطلح المسألة الشرقية، والذي يعني اتفاق الدول الأوروبية وروسيا على إنهاء وجود الدولة العثمانية وبذلك يتفتت هذا العالم الإسلامي ويكون خاضعا للحركة الاستعمارية العالمية. هذا الحلم الذي راود السلطان منذ توليه الحكم كان نتيجة لقناعات تكونت على خلفية الظروف التي تمر بها الدولة العثمانية التي وصلت إلى مستوى من الضعف جعلها مطمعا للدول الغربية وروسيا. فما أن تولى السلطنة، حتى وجد أن السياسات العليا للدولة يعمل عليها وزراء متأثرون بالغرب مؤمنون بأفكاره، ودفعوا البلاد في بدايات عهد عبد الحميد إلى أتون الحرب مع روسيا في الوقت الذي تعاني فيه الدولة العثمانية من الضعف، فجعل على إثر ذلك يقوم بإقصاء المتأثرين بالأفكار الغربية، واتجه لتحييد البلاد الأوروبية في النزاع العثماني اليوناني. ونتيجة للعدوان اليوناني على الأراضي العثمانية، خاضت الدولة حربها مع اليونانيين عام 1897م، وفي غضون ثلاثة أسابيع انتصرت القوات العثمانية وشقت طريقها إلى أثينا، فاستغاث اليونانيون بروسيا وأوروبا، فأرسل القيصر الروسي نيقولا رسالة تهنئة للسلطان عبد الحميد على انتصاره بالحرب، راجيا منه ألا يتقدم أكثر من ذلك تجاه اليونان، فاستجاب عبد الحميد للوساطة الأوروبية الروسية استجابة مشروطة. لم تكن هناك فائدة مادية تذكر خرجت بها الدولة العثمانية من هذه الحرب، لكنها أحدثت صدى قويا في العالم الإسلامي، ربما يكون أحد أبرز الأسباب التي جعلت السلطان عبد الحميد يقدم على اتخاذ خطوات عملية في مشروع الجامعة الإسلامية. ففي أثناء الحرب، شكل السوريون لجانا لجمع التبرعات لمساعدة الدولة العثمانية في حربها ضد اليونانيين، وشكلوا كذلك لجان الهلال الأحمر لعلاج جرحى ومصابي الحرب. وكوّن مسلمو الهند اللجان لجمع التبرعات والمساعدات الطبية والمالية لصالح الدولة العثمانية. وبعد انتصار العثمانيين على اليونان، انهالت على قصر يلديز مقر السلطان رسائل التهنئة من بقاع العالم الإسلامي على النصر، وقام خطباء المساجد في بلاد أواسط أفريقيا والهند والمحيط الأطلسي بزف البشريات على المنابر. ومما يؤثر في هذا الشأن، قيام أمير الشعراء أحمد شوقي بتهنئة السلطان بالنصر بقوله: بسيفك يعلو الحق والحق أغلب..........وينصر دين الله أيان تضرب كما قام غيره من الشعراء بنظم القصائد في مدح عبد الحميد، وأقام مسلمو شمال أفريقيا الأفراح ابتهاجا بهذا النصر، رغم معارضة سلطات الاحتلال الفرنسي هذه الاحتفالات ووصفها بأنها تعصب ديني أعمى. هذه المشاعر التي عمت أقطار العالم الإسلامي، أكدت لدى السلطان عبد الحميد ضرورة جمع العالم الإسلامي في تكتل واحد لمواجهة التحديات الخارجية، والعمل على أن يأخذ هذا التكتل دوره في التأثير على السياسة العالمية، إضافة إلى هدف مواجهة التيارات التغريبية المتأثرة بالغرب في الداخل. ومما عمّق من فكرة الجامعة الإسلامية لدى السلطان عبد الحميد، تلاقيه في هذا الشأن مع بعض الرموز السياسية والفكرية المنادية بالجامعة الإسلامية في هذا العصر، مثل جمال الدين الأفغاني الذي التقى بالسلطان، غير أنه قد حدثت اختلافات بينهما، ومثل الزعيم السياسي المصري مصطفى كامل مؤسس الحزب الوطني وجريدة اللواء، والذي كان مؤمنا أشد الإيمان بهذه الفكرة. تلك هي عوامل وظروف ولادة فكرة الجامعة الإسلامية عند السلطان عبد الحميد، والتي لم يكتب لها النجاح بسبب المؤامرات المستمرة على الخلافة التي حاكتها الصهيونية والدول الاستعمارية والتيارات التغريبية التي كانت تنخر في جسدها، لكن بشكل عام كانت إشارة قوية إلى أن راية الإسلام كانت وستظل مؤهلة لاستيعاب أكبر تكتلات بشرية مهما اختلفت عرقياتها ولغاتها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
2259
| 01 مارس 2024
في الوقت الذي يتصدر الحديث عن المخطط الصهيوني الذي يستهدف تهجير الفلسطينيين إلى سيناء المصرية قائمة المسائل المتعلقة بالقضية الفلسطينية والحرب على غزة، يعتقد الكثيرون أن هذه الخطوة سوف تضع بها الحرب أوزارها وتنتهي عندها الأطماع الصهيونية.وهذا بلا شك جهل بطبيعة المشروع الصهيوني الإمبريالي الذي يسعى للسيطرة على هذه المنطقة بأكملها ضمن ما يعرف بدولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، فدولة الاحتلال لن يشبع جوعها سوى هذه السيطرة على دول المنطقة، ومن بين هذه المناطق سيناء المصرية، والتي تعدها الصهيونية جزءًا من دولتها اللقيطة. في كتابه «يقظة العالم اليهودي»، يقول أحد أقطاب الصهيونية إيلي ليفي أبو عسل: «وجرت أحاديث سياسية مستفيضة بين تيودور هرتزل هذا الرجل المصلح العظيم وبين الحكومة المصرية واللورد كرومر ممثل بريطانيا العظمى في وادي النيل، توالت المناقشات خلالها حول إنشاء مستعمرة يهودية في منطقة العريش». فمؤسس الصهيونية العالمية تيودور هرتزل أراد توطين أتباعه في سيناء، حتى يتخذ من سيناء نقطة وثوب إلى فلسطين. أطلق عليها تيودور هرتزل: «فلسطين المصرية»، وكانت وما تزال أحد الأحلام اليهودية القديمة التي لم تبرح نطاق تفكيرهم، فهي رابضة في الوجدان اليهودي لأنها تضم على أرضها الوادي المقدس، لذلك اتجهت أنظارهم في وقت مبكر للاستيلاء عليها.يذكر المؤرخ المصري عبد العزيز الشناوي في كتاب «الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها»، أن السلطان سليم الأول بعد أن دخل مصر، أصدر فرمانا بمنع اليهود من الهجرة إلى سيناء، ولما تولى من بعده ابنه سليمان، أصدر فرمانًا يؤكد فيه ما قرره والده في الفرمان الأول، الأمر الذي يعني أن الدولة العثمانية كانت فطنة لمحاولات الاستيطان. وفي عهد سليم الثاني بن سليمان، والذي مثّل فترة من فترات الضعف العثمانية، تمكن اليهود بزعامة رجل تُطلق عليه وثائق ذلك العصر «إبراهام اليهودي»، من الهجرة المتقطعة إلى أرض سيناء، واختاروا في هذا الوقت مدينة الطور، لأن بها ميناء يصلح لأن ترسو عليه السفن التجارية، وترتبط بريا بخطوط قوافل مع القاهرة والفرما، بمعنى عام تحتل موقعًا يُجنّبهم العزلة الدولية ويستطيعون من خلاله استقدام المزيد من المهاجرين. لكن اليهود تعرضوا لرهبان دير سانت كاترين بالأذى، ما جعلهم يرفعون شكواهم إلى السلطات العثمانية في القاهرة عن طريق المراسلات المكتوبة والمقابلات الشخصية، وكان ذلك في عهد السلطان مراد الثالث بن سليم الثاني. ولأن الدولة العثمانية كانت تمثل السلطة الإسلامية العليا في العالم الإسلامي، ومسؤولة بناء على ذلك عن أمن أصحاب الملل والطوائف الذين يعيشون تحت لوائها، فقد سارعت السلطات العثمانية في القاهرة ممثلة في الوالي النائب عن السلطان، بإصدار ثلاثة فرمانات ديوانية، تم بموجبها ترحيل المستوطنين من سيناء ومنعهم من الإقامة أو السكنى بها.ولم تكن تلك الفرمانات تتضمن رائحة طائفية ضد اليهود، بل جاء ذلك بناء على التزام العثمانيين بحماية أصحاب الملل من جهة، حيث تعرض الرهبان في المنطقة للأذى كما أسلفنا، ومن جهة أخرى جاءت كإجراء حتمي لمواجهة تكوين جيوب في الإمبراطورية معلوم أهدافها، لا سيما وأن اليهودية ديانة لا قومية، وكان اليهود يعيشون كأصحاب ديانة في شتى المجتمعات العربية والغربية، وانخرطوا وتنفذوا فيها دون الحاجة إلى فكرة وطن جامع. وفي نهايات القرن الـ 19 الميلادي ونتيجة للضعف الذي دب في الدولة العثمانية، كانت مصر خاضعة للنفوذ البريطاني، فعادت أطماع اليهود تتجه من جديد إلى أرض سيناء، وذلك بعد أن رفض السلطان العثماني عبد الحميد الثاني السماح لهم بالاستيطان في فلسطين.وكما كانت للسلطان عبد الحميد جهود قوية في عدم السماح بتكوين وطن قومي لليهود في فلسطين، عارض كذلك وبشدة توطينهم في سيناء المصرية. ومن هنا نعلم أن الأطماع الصهيونية لن تتوقف إذا ما تمت تصفية القضية الفلسطينية لا قدر الله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
2211
| 23 فبراير 2024
في الوقت الذي ينفذ العدو الصهيوني أبشع مجازر العصر ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ومحاولته المستميتة لتهجير هذا الشعب إلى خارج أرضه، عاد إلى ذهني موقف الأمة الإسلامية التي تعاملت بالتسامح والرحمة مع اليهود المُهجّرين من أوروبا بعد أن ذاقوا فيها الويلات. وأبدأ هذا المقال باعتراف من «حاييم وايزمان»، أول رئيس لدولة الاحتلال الإسرائيلي، على طريقة «وشهد شاهد من أهلها»، إذ يقول: «العالم الإسلامي يعامل اليهود بقدر كبير من التسامح، فقد فتحت الإمبراطورية العثمانية أبوابها لليهود عندما طردتهم من إسبانيا، ويجب على اليهود ألا ينسوا ذلك». ويقول المستشرق برنارد لويس: «ازداد عدد اليهود في إستانبول في منذ نهاية القرن الخامس عشر الميلادي بصورة خاصة، إذا جاء الكثيرون منهم من إسبانيا والبرتغال والبلاد الأوروبية الأخرى، باحثين عن مكان اللجوء إزاء اضطهاد المسيحيين لهم، إلى حكم السلاطين العثمانيين المتسامح، وتمتع اليهود والمسيحيون على السواء بحرية العبادة في إستانبول، في ظل واقع التاريخ الإسلامي والعثماني بهذا الخصوص، ومنحوا قدرا كبيرا من الحرية القومية». شهادة من مشاهير السياسة والتاريخ، تؤكد حقيقة تسامح الأمة الإسلامية التي كانت واقعة تحت خلافة العثمانيين مع غير المسلمين ومن بينهم اليهود، في الوقت الذي كانت تغلق في وجوههم أبواب أوروبا. تعود الحكاية إلى بلاد الأندلس التي ظلت تحت الحكم الإسلامي حوالي ثمانية قرون، إلى أن سقطت في قبضة المسيحي المتعصب فرديناند بعد تحالفه مع ابنة عمه إيزابيلا التي لا تقل عنه تعصبا، فإذا كان التعصب المذهبي في ذلك الوقت قد بلغ أوجه بين المذاهب المسيحية، فمن باب أولى لقى اليهود اضطهادا كبيرا مع المسلمين، إذ كان ملوك إسبانيا لا يرون لهؤلاء ولا لهؤلاء حقا في الحياة، وأقاموا محاكم التفتيش التي كان يعذب فيها المسلمون واليهود بأبشع طرق التعذيب، إلا أن المسلمين كان لهم الحظ الأوفر من هذا الاضطهاد. بعد سقوط غرناطة آخر معاقل الأندلس، قامت البحرية العثمانية تحت قيادة «كمال رئيس» بإنقاذ الآلاف من المضطهدين في الأندلس المسلمين واليهود على السواء، ونقلهم إلى أماكن آمنة خاصة في الدولة العثمانية، وأصدر فرديناند مرسوما في مارس 1492م، بنفي اليهود خارج المملكة نهائيا خوفا على الكاثوليك، وحدد لهم مهلة ثلاثة أشهر للجلاء، على ألا يأخذوا معهم الذهب والفضة. وذكرت الباحثة هيلة بنت سعد السليمي، في رسالة ماجستير بعنوان «دور اليهود في إسقاط الدولة العثمانية»، أنه بمقتضى هذا الطرد أصبح نصف مليون يهودي مشردين بلا مأوى على سواحل البحر الأبيض المتوسط، عرضة لفتك الجوع والمرض. بل ذكر لوثروب ستودارد في كتابه «حاضر العالم الإسلامي» أن عددهم كان ثمانمائة ألف يهودي. في هذا الوقت الذي كانت أوروبا تتخوف من إيواء اليهود بدافع التعصب الديني، ونظرا لما عرف عنهم من حياكة المؤامرات والفحش الربوي الذي يقوض الاقتصاد وإثارة القلاقل، فلم تفتح لهم دولة أبوابها سوى الدولة العثمانية التي استجابت لطلب الحاخامات بإيواء اليهود، وذلك في عهد السلطان بايزيد الثاني، والذي أصدر أوامره إلى حكام أقاليم الدولة العثمانية بعدم رفض اليهود أو وضع عقبات أمامهم، فتدفقوا على أراضي الدولة العثمانية، واستقروا في العديد من المدن الرئيسية مثل إسطنبول، وأدرنة، وإزمير، وسلانيك. أطلقت الدولة العثمانية الحريات الدينية لليهود، خاصة وأنهم قد شملهم «نظام الملل»، وهو نظام وضع في عهد السلطان محمد الفاتح، وفيه يتم حصر كل أصحاب ملة، ويكون لهم رئيس ديني ينظر في مسائلهم، ويقوم بالحكم في قضايا الأحوال الشخصية الخاصة بهم وفق ملتهم دون تدخل من الدولة العثمانية. إضافة إلى ذلك، انخرط اليهود بمقتضى هذه السماحة، في المجتمع العثماني في كافة جوانب الحياة، الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وتقلدوا أعلى المناصب والمناصب، وكان منهم الأطباء والتجار والأدباء... السلطان عبد الحميد الثاني كافح من أجل عدم الاستجابة للمطالب الصهيونية بإقامة وطن قومي في فلسطين، لكنه لم يكن من قبيل معاداة اليهود، فهو قد سمح لهم بالعيش في رحاب الدولة كمواطنين ورعايا كغيرهم ويتمتعون بكامل الحريات والحقوق، إلا فلسطين، لأنهم يطالبون بإقامة دولة مستقلة لهم تقوم على أساس ديني، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1566
| 16 فبراير 2024
لم تكن مجرد هزيمة لحقت بجيش الإسلام في معركة أحد، إنما هي عاصفة داهمت الشعور وأيقظت الانتباه للتفتيش عن جوهر القضية، فقد مر عام على انتصارهم في موقعة بدر، وهم لا يزالون على الإيمان كما هم، وأعداؤهم لا يزالون على الكفر كما هم، فما الذي تغير؟ كيف انهزم جند الإيمان والتوحيد وقُتل منهم سبعون رجلًا وضُرب النبي صلى الله عليه وسلم فشُجّ وجهه وكسرت رباعيته؟ كيف؟ يتنزل القرآن بالسؤال والإجابة الشافية الكافية معًا {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [آل عمران: 165]. إنه الدرس المُكلّف، والذي ستظل كلفته محفورة في الأذهان للأمة ما دامت تطالع هذه الآيات، تربية للشخصية الإسلامية لتدرك جيدًا تأثير علاقتها بالله على مسار الحياة، وتعلم أن النصر قرين الطاعة، والهزيمة قرين المعصية، وأن الخير إنما هو من عند الله، وأن الشر إنما هو من ذوات أنفسنا، أراده الله قدرًا لكننا جعلنا من أنفسنا أسبابا له وأبوابًا إليه. الهزيمة في أحد كانت نصرًا معرفيًا وإدراكيًا، حيث أيقن المسلمون أن عصيان القلة يجد العموم مغبته، فخمسون من الرماة خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونزلوا من على الجبل لجمع الغنائم دون إذنه، تسببوا في جراح الأمة بأسرها، فهكذا هي أمة الإسلام جسد واحد، فكما أن التلف في أحد أعضاء الجسم يؤثر على سائر الجسد، وكما أن الإنسان يعاقب في النار بجسده كله على ما اقترفته بعض أعضائه من آثام، فكذلك يتأثر بقية الجسد الإسلامي بصنيع عضو منه. تعلم المسلمون من هذه الهزيمة أنه لا يكفي للمسلم أن ينتمي إلى الحق، فمجرد انتمائه للحق لا يكفل له التمكين والنصر، بل لابد من العمل بمقتضى هذا الانتماء للمنهج، والذي يتمثل في طاعة الله فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، فهكذا كان الحال معهم في معركة أحد، كانوا على الحق لكنهم لم يأخذوا بأسباب النصر، بل بدَرَ منهم ما يستدعي الهزيمة وهو مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان هذا قد حدث مع مجموعة من الرماة لم يقصدوا الخروج على طاعة نبيهم وإنما رأوا ما يحبون من الغنائم بعد فرار المشركين فظنوا أن القتال انتهى، فإن كان هذا قد حدث معهم فكيف بمن يغرقون في المخالفة ليلا ونهارا عن غير اجتهاد أو ظن منهم؟ فالنصر يأتي مع الطاعة، والهزيمة تأتي مع المعصية، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وَإِذَا كَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَكَانَ عَدُوُّهُمْ مُسْتَظْهِرًا عَلَيْهِمْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ ؛ إمَّا لِتَفْرِيطِهِمْ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَإِمَّا لِعُدْوَانِهِمْ بِتَعَدِّي الْحُدُودِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا». تعلم المسلمون أن الكبوة والأزمة هي موطن تعلم واعتبار، لا ينبغي أن يجعلها المسلم قرارًا له ويغرق في آثارها، بل عليه أن ينهض من جديد، ويستدرك ما فاته، ويتفادى أخطاء التجربة الأليمة، ولقد جاء التعقيب القرآني بعد الهزيمة ليؤكد على هذه الحقيقة، فكما كان العتاب كانت التسلية واستنهاض العزم، ومن ذلك تذكيرهم بأنهم الأعلون مهما ألمت بهم الملمات {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 139]، ومنها تذكيرهم بمُصاب أعدائهم أيضًا، فليسوا وحدهم من أُثخن فيهم، وأن الأيام دولٌ بين الناس، إضافة إلى التذكير بحكمة الله من تلك الابتلاءات، والتمحيص، واتخاذ شهداء منهم لله تعالى {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]. إن أحداث ونتائج هذه المعركة تأخذ بتلابيب أفكارنا إلى أن نتعامل في حياتنا بمنطق العضو في الجسد، فكل ما يصدر عن المسلم من سلوكيات وأنماط معيشية إنما يصب في النهاية في المسار العام للأمة بأسرها، فكل أعمال الطاعة والإصلاح هي خير للأمة، وكل أعمال العصيان والفساد هي شر للأمة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1587
| 09 فبراير 2024
لست مع تقديس الرجال وإنزالهم منازل لم ينزلهم الله بها، ولست مع الطاعة المطلقة لبشر سوى المعصوم صلى الله عليه وسلم، لكنني كذلك لست مع سوء الأدب وتشويه الآخرين بآفة تعميم الأحكام. أسوق هذه المقدمة توطئة للحديث عن ظاهرة تعيشها الأمة منذ عقود، وهي تشويه الدراما العربية لصورة علماء الشريعة، وخلط الحابل بالنابل، واتخاذ منهج صدامي مع علمائه. لقد كان لمسلك التشويه الذي اتبعه القائمون على الأعمال الدرامية، لشخصية العالم أو الداعية، آثار وخيمة عمت المجتمع بأسره، ولعل من أبرز هذه النتائج: أولا: تحطيم القدوات فلكل مجتمع قدواته التي تجد مكانها في قلوب أهله، وتكون النموذج البراق الذي يحتذى به، ويتطلع النشء إلى الارتقاء لمنازل أولئك القدوات، وفي المجتمع الإسلامي تبرز أهمية رجال العلم كقدوات، انطلاقا من كون الإسلام يمثل هوية ذلك المجتمع. ومما يؤسف له أن نرى الغرب يبجل قدوات قد بزغوا في جانب واحد، بينما لهم وجوه عدة يندى لها الجبين، ويخرجون بها عن مصاف القدوات الحقيقيين، فعلى سبيل المثال يبجل الشعب الفرنسي نابليون بونابرت القائد العسكري الفذ، ويعتبرونه أحد أبرز رموزهم التاريخية، ويغضون الطرف عن وجهه الوحشي وإراقته للدماء. وفي المقابل نرى الدراما كمجال يعكس وجه نبض المجتمع، تشوه المنتصبين كقدوات من أهل العلم، وتلبسهم ثياب الجهل والنفاق والانحطاط والازدواجية والإرهاب كما أسلفنا، فماذا كانت النتيجة؟ توارت عظمة أولئك القدوات في النفوس مع ذلك الإصرار على النيل منهم، ما أدى إلى عزوف الأجيال وانصرافها عن اتباعهم. واهتزت ثقة الناس بحملة الشريعة فلم يعودوا يثقون بالكثيرين منهم، ونتج عن ذلك بحث الناس عن قدوات آخرين قد يكونون على غير الجادة. ثانيًا: الاستخفاف بشعائر الإسلام تجلى هذا الأثر بوضوح، فصرنا نرى من يتطاول مثلا على اللحية التي هي من سنن الأنبياء والمرسلين، وفي الحديث: (وفروا اللحى وأحفوا الشوارب). ثالثا: تجرئة المتهورين على العلماء فالمجتمع لا يخلو من الشخصيات المتهورة المندفعة، وعندما يتعرض هؤلاء للمواد التي تنال من أهل العلم، فإنهم يندفعون بهذا التهور لإيذائهم. ولئن كان المنحرفون في الماضي يرون تقصيرهم كلما نظروا إلى العلماء، إلا أنهم صاروا اليوم ينشدون ضالتهم في رؤية مثالب هذه الفئة في الأعمال الدرامية، فيريحهم ذلك من عناء الشعور بالتقصير، ويرون أنهم على الجادة طالما كان العلماء بهذا السوء، يؤول بهم الأمر إلى التعرض لهم بالإيذاء. رابعًا: حرمان الاستفادة من العلماء التطاول على أهل العلم يصنع حاجزا نفسيا بين المشاهد وبين تلك الشخصيات، ومن ثم فلا يستمع إلى نصائحهم ومواعظهم، فتفوته الاستفادة مما لديهم من الخير، ويصير عرضة لتلاعب المغرضين وأدعياء الإصلاح، والوقوع فريسة للأفكار الدخيلة، فلا عجب إذن أن يشرأب الإلحاد من جديد في مجتمعاتنا الإسلامية مع عزوف الشباب عن أهل العلم والدعوة نتيجة الخواء العلمي الذي تفرضه القطيعة مع تلك الفئة المؤثرة في المجتمع. خامسًا: تفكيك اللحمة المجتمعية فأهل العلم والدعوة والملتزمون بصفة عامة يمثلون شريحة كبيرة وقطاعا واسعا في المجتمع، وجزءًا أساسًا في تكوينه وتركيبته، وتشويه الرموز الدينية في الدراما العربية تخلق وتعمق من الهوة بينها وبين فئات الشعب الأخرى. والمتأمل في سور القرآن وآياته يدرك مدى حرص الإسلام على اللحمة الداخلية للمجتمع، وفي سبيل الوصول إلى ذلك اشتملت سورة الحجرات على سبيل المثال، على مجموعة من المنهيات من شأنها خلخلة الأواصر المجتمعية. فمن ذلك النهي عن السخرية والاستهزاء بالآخرين وهو ما تطفح به الأعمال الدرامية، وفي ذلك يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ}. كما نهى عن الطعن في الآخرين بقوله تعالى: { وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}، أي: «لا يعب بعضكم على بعض، واللمز: بالقول، والهمز: بالفعل، وكلاهما منهي عنه حرام، متوعد عليه بالنار، ولا يخفى على مشاهد للدراما العربية حجم اللمز والغمز فيها. وكل هذه الأمور التي تفسد العلاقات الاجتماعية وتفكك لحمة المجتمع تزخر بها الدراما بما لا يمكن أن تخطئه عين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
1416
| 26 يناير 2024
مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...
1287
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث...
1125
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال...
1038
| 07 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
762
| 13 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
759
| 11 يناير 2026
سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...
606
| 08 يناير 2026
الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...
561
| 09 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
558
| 12 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
546
| 12 يناير 2026
الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...
462
| 09 يناير 2026
لم تعد مسألة تقسيم المنطقة مجرد سردية عاطفية...
420
| 08 يناير 2026
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...
408
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية