رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد مسألة تقسيم المنطقة مجرد سردية عاطفية أو خطاب تعبوي، بل أصبحت حقيقة يمكن تتبعها بوضوح في أدبيات الاستعمار القديم ومراكز التفكير الحديثة، فالمشكلة لم تكن يومًا في غياب الأدلة، بل في تجاهلها أو إنكار دلالاتها المتراكمة. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، تعاملت القوى الاستعمارية مع العالم العربي والإسلامي بوصفه كتلة حضارية محتملة الخطر إذا ما توحدت سياسيًا، هذا المعنى لا يحتاج إلى جملة واحدة مقتطعة، لأنه حاضر بوضوح في تقارير وسِيَر كبار الإداريين الاستعماريين. فقد كشفت كتابات اللورد كرومر عن قناعة راسخة بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في مقاومة عسكرية مرحلية، بل في إمكانية تشكل وعي سياسي شامل داخل المجتمعات الإسلامية، وهو ما تنبأ به المفكر الهندي (لرستم كارانجيا) في كتابه «خنجر إسرائيل» في عام (١٩٥٧م)! وغيره من المفكرين والسياسيين. ومن هذه القناعة، وُلدت سياسات التفكيك لا بوصفها إجراءً مؤقتًا، بل خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد، فجاءت الاتفاقيات الكثيرة لتُعيد رسم الجغرافيا العربية بمنطق النفوذ والسيطرة لا بمنطق التاريخ أو الاجتماع، وتزرع في جسد المنطقة نوابت الأزمات مصطنعة ما زالت حتى اليوم تُنتج النزاعات بدل أن تحلّها. ومع قيام الكيان الصهيوني، انتقلت فكرة التفكيك من كونها سياسة استعمارية عامة إلى ضرورة أمنية مركزية راسخة، فالدراسات النقدية في الفكر الصهيوني، كما يوضح قادة الحركة الصهيونية وفي مقدمتهم (ديفيد بن غوريون)، فنظروا إلى غياب الوحدة العربية بوصفه شرطًا أساسيًا لاستقرار (إسرائيل)! وليست نتيجة جانبية للصراع، هذا الاستنتاج الخطير يبين لنا حقيقة أبدية وهي التطبيق لقاعدة (فرق تسد) وهو الواقع الممتد، وتطبيقه العمل بدعم الأقليات الدينية والعرقية وتحفيزها لمقاومة الوحدة العامة أو الخاصة، وإشعال الطائفية والمذهبية تمهيداً للتقسيم الجغرافي. وفي العصر الحديث، لم تعد سياسات التفكيك بحاجة إلى جيوش واحتلال مباشر، فقد انتقلت إلى أدوات أكثر نعومة، كما يظهر في تقارير مراكز التفكير الكبرى تقارير الصادرة في سنوات ٢٠٠٤ وما بعدها، فلا يخفي دعوته إلى التعامل مع الانقسامات داخل المجتمعات الإسلامية باعتبارها عنصرًا يمكن توظيفه لخدمة المصالح الاستراتيجية الغربية، تحت عناوين الإصلاح وإعادة التشكيل، ودعم التوجهات الحداثية والدينية التي تنمي بوادر التقسيم والخلاف، فالتقسيم الفكري وتحفيز الأفكار الشاذة يمهد للسيطرة فيوجهه بطريقة أخرى. فالحقيقة التي لا يجوز القفز عليها هي أن تقسيم المنطقة العربية ليس عملاً تاريخيًا عابرًا، بل منطقًا سياسيًا متكررًا، فمنطق يرى في الوحدة للأمة وأركانها خطرًا، وفي الاستقرار الحقيقي تهديدًا، وفي الصراع الداخلي أداة، وما لم ننظر لهذا الواقع بوعي وبصيرة، سيبقى التفكيك يُقدَّم لنا كل مرة باسم جديد، بينما جوهره واحد لم يتغير.
420
| 08 يناير 2026
في المسافة بين نهاية عام وبداية آخر، لا يقع التحوّل الحقيقي في تبدّل الأرقام، بل في إعادة تعريف الإنسان لعلاقته بالزمن، فالزمن في ذاته محايد، لكنه يصبح شاهدًا علينا حين نتركه يمر بلا وعي، أو شاهدًا لنا حين نحسن توجيهه، ولهذا لم يكن السؤال الجوهري عبر التاريخ: ماذا نريد؟ بل كيف نُمسك بما نريد قبل أن يذهب في النسيان؟ فحول هذا الأمر يضعنا القرآن أمام منطق صارم في فهم التغيير، حين يقرر قاعدة كلية لا تتبدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، فهذه الآية تدل بوضوح على أن التغيير الخارجي مشروط بإرادة داخلية واعية وعملٍ مقصود وليس عفوياً. وهذا الوعي بالزمن والعمر عبّر عنه الحسن البصري رحمه الله بأوجز عبارة وأعمقها دلالة، حين قال: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك»، ومن أقدم أدوات التعامل الواعي مع الزمن بعد أن علمنا أهميته وقيمته المحاسبة، والمحاسبة عند الإنسان أساسية مع نفسه وأعماله وفي حياته عموماً، ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا» ، فهذا تأصيل أثري مهم سبق كل علوم الإدارة الغربية والعربية! فتأمل..، ومن أجمل ما قرأت قديماً وأنصح به هو ما كتبه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في كتابه القيم (قيمة الزمن عند العلماء) ليؤكد هذا المعنى بعبارة علمية دقيقة، إذ يقول في كتابه قيمة الزمن عند العلماء: «هذا كتابٌ جمعتُ فيه طائفةً من كلام العلماء في قيمة الزمن، والتنبيه على شرفه، والحث على اغتنامه، والتحذير من إضاعته»، وهذا الكتاب يستحسن بعض المهتمين معه أيضاً بمطالعة كتابه الآخر (صفحات من صبر العلماء) ففيهما زاد أثري جميل لرفع الهمم وتقدير قيمة الزمن. ولا شك أننا بعد معرفة قيمة الزمن فلابد أن نذهب نحو المحاسبة، فهي القيمة التطبيقية لتقدير الزمن وأهميته ولها طرق متعددة توصلنا لنفس الغاية، ومن أهمها الكتابة، وأهميتها ليس بوصفها تسجيلًا للأحداث، بل باعتبارها فعلًا معرفيًا يعيد ترتيب الفكر ويمنع تسرّبه، وفي العصر الحديث، لم تعد هذه الفكرة مجرد حكمة تراثية، بل تحولت إلى موضوع بحث علمي، فدراسات علم النفس التنظيمي تشير إلى أن كتابة الأهداف تجعلها أوضح وأكثر قابلية للالتزام والمتابعة، ومن أجمل مقولات الرائد في علم التنمية (ستيفن كوفي)، فقد جعل هذا المعنى قاعدة في الفعالية الشخصية، حين صاغ عادته الثانية بقوله: «ابدأ بتحديد النهاية قبل أن تبدأ الطريق» وذلك في كتابه الشهير (العادات السبع للناس الأكثر فعالية) من ضمن سبع قواعد مهمة. فهكذا تتحول بداية العام من لحظة عاطفية عابرة إلى موقف معرفي وأخلاقي: وعيٌ بأن الإنسان أيام معدودة، وأن الزمن لا يمضي بالنوايا فقط، بل بالرؤية المكتوبة والمراجعة المستمرة، فالعمر مشروع، والكتابة ليست زينته بل وثيقته، ومن لا يكتب مساره بوعي، سيجد أن الأيام تجاوزته… ثم مضت.
315
| 01 يناير 2026
ليس اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية حدثاً لغويًا عابرًا، بل ركيزة حضارية تؤكد أن اللغة العربية ما تزال قادرة على إنتاج مشاريع معرفية كبرى، فقد توافرت الرؤية المؤسسية من دولة قطر باهتمام قيادي رفيع من سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والإرادة العلمية من فرق البحث والإعداد بتنوعاتهم، فمنذ إطلاق المشروع في 25 مايو 2013، كان واضحًا أن الهدف يتجاوز المعجم التقليدي، ليتحول إلى مشروع طويل النفس يعيد للعربية وعيها التاريخي ويضعها في سياقها الزمني الطبيعي بين لغات العالم، فقد جمع المشروع بين طول النفس بالعمل وعدم العجلة في إنجازه، وبين النجاح بعدم التوقف والتعثر. ولاحظت الحضور اللافت من منظمات ومجامع وجهات عديدة، وشخصيات متخصصة من المستشرقين والعرب، فاكتمال المعجم هو تتويج لمسار علمي تراكمي نادر، وتبين ذلك بتأكيد مدير عام «الإيسيسكو» عن المعجم: (أنه الأول من نوعه من حيث الشمول في التأريخ للكلمات العربية)، لأن المشاريع كثيراً ما تصبح مجرد أفكار أو تتعثر، وتوفرت فيه إضاءات كثيرة كما تابعت في وسائل الإعلام منها: ١- شارك فيه أكثر من ٥٠٠ لغوي وباحث من ١٧ دولة عربية من أساتذة جامعات وعلماء لغة، عملوا ضمن إطار منهجي صارم، أسفر عن قاعدة نصية رقمية ضخمة تجاوزت مليار كلمة، وأنتجت ما يزيد على ٣٠٠ ألف مدخل معجمي، توثق تاريخ الألفاظ العربية وتحولاتها الدلالية والاستعمالية عبر أكثر من عشرين قرنًا. ٢- يتميّز المعجم بتقديم قراءة موضوعية مختلفة للغة العربية؛ إذ لا ينتقي من اللغة ما استقر لاحقًا فقط، بل يتتبع الكلمة في كامل مسارها التاريخي، بما في ذلك الألفاظ التي أُقصيت أو اندثرت أو تغيّرت دلالاتها كما هو معلوم تطور اللغات. ٣- اعتمد على مصادر موثقة ومتنوعة شملت النقوش والوثائق، والنصوص الأدبية والعلمية، والمصنفات الفكرية والشرعية، كاشفًا عن الأبعاد الحضارية والفكرية التي حملتها الألفاظ في سياقاتها المختلفة، ليقدّم ما يمكن وصفه بسيرة تاريخية للكلمة العربية. ٤- أُنجز بعقلية رقمية تجعل منه قاعدة معرفية قابلة للتوظيف في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وبناء معاجم تعليمية رقمية مخصصة للمدارس والجامعات، والجدير بالذكر أن المشروع يكتسب بعدًا إضافيًا مع تزامن الإعلان عن اكتماله مع مؤتمر الذكاء الاصطناعي وخصائص اللغة العربية، في دلالة واضحة على أن المعجم لم يُبنَ للماضي وحده، بل للحاضر والمستقبل. ٥- نجح مشروع المعجم في تذويب التباينات الفكرية والمنهجية بين الباحثين المنتمين إلى مشارب متنوعة، متفوقاً على واقع شهد التفرق والخلاف العربي في ميادين أخرى، فقد اجتمعوا لأكثر من عشر سنوات في إطار علمي منضبط، أعاد الاعتبار للحوار المعرفي الرصين. إن معجم الدوحة التاريخي لا يحفظ اللغة العربية فحسب، بل يشكّل ركيزة من ركائز الهوية الثقافية، ويحفز ديمومة العمل كما نبهت وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي السيدة لولوة الخاطر في تصريح أشعرني بالتفاؤل أن اكتمال المعجم يجب أن يكون منطلقًا لمشاريع تعليمية ومعرفية أوسع.
225
| 24 ديسمبر 2025
من العلوم المهمة التي يتراجع الاهتمام بها مع وجود حاجة ماسة في ميدان التعليم بشكل خاص، ومفيدة في كثير من شؤون الحياة بشكل عام هو علم المنطق وما يرتبط به من علوم الحجاج والمناظرة والمغالطات المنطقية، ويُعرَّف علم المنطق بأنه القواعد التي تنظّم التفكير، وتضبط مساره، وتمكّن الإنسان من الانتقال من المقدمات إلى النتائج انتقالًا صحيحًا، ومن التعريفات التي اعتمدها العلماء في المتون العلمية التقليدية هي: أنه آلة تعصم الذهن من الخطأ، وهو تعريف يعبّر عن رؤية شرعية مبكرة عند علماء الأمة بأهمية هذا العلم، وربما زاد الإمام الغزالي رحمه الله في تشدده بذلك فقال: «فمن لم يعرف المنطق فلا ثقة بعلومه»، ولكننا على أدنى مستويات الحاجة التي يتطلبها الإنسان نريد من المنطق بأن غاية تعلمه إتقان الأدوات التي تضبط النظر والاجتهاد، وقد شبّهوا حاجته للعقل كحاجة النحو للسان، فقال الإمام الأخضري رحمه الله في منظومته السُّلَّم المُنَوْرَق: فَالمَنْطِقُ لِلْجَنَانِ كَالنَّحْوِ لِلِّسَانْ يَعْصِمُ أَهْلَهُ عَنِ الخَطَا وَالزَّيْغِ وَالهَوَانْ مَنْ أَحْكَمَ الْقَوَاعِدَا وَرَتَّبَ الشَّوَارِدَا أَمِنَ الخَلَلْ وَسَارَ فِي النَّظَرِ عَلَى سَبِيلٍ مُسْتَقِلْ وهذه الأبيات تلخّص بدقّة الوظيفة العقلية للمنطق: تنقية الذهن من الخطأ، وتقويم التفكير، ومنح الإنسان منهجًا واضحًا في التصور والحكم. وعند النظر والتأمل في الواقع الاجتماعي عموماً، والواقع التعليمي بشكل خاص أضحى تعلم المنطق وما يرتبط به مهماً، ففي زمنٍ تتسارع فيه المعلومات وتتصاعد فيه الأصوات، أصبحت الحاجة إلى المنطق أكبر من أي وقت مضى، فقد ضعفت أساليب الحوار في عدد من البيئات التعليمية والمجتمعية، وسادت لغة العاطفة والغوغاء بدل لغة الدليل والمنطق والحجة، وضعفت أساليب الحجة والمناظرة السليمة، فكثير من النقاشات في المنتديات الاجتماعية والتعليمية والإعلام اليوم تقوم على الشخصنة، والتحريض، والتعميم، والانفعال، بينما تغيب أدوات التفكير المنهجي، مما يجعل الرأي العام والخاص عرضة للإثارة أكثر من الإقناع وتقريب وجهات النظر، ويكون الصوت المرتفع وربما الإساءة في وجودهم أكثر من البرهان. وهذا الضعف يظهر بوضوح في تراجع مستوى البحث العلمي والشرعي؛ إذ يفتقد بعض الباحثين إلى القدرة على تحليل المقدمات، أو التمييز بين القطعي والظني، أو كشف المغالطات، أو بناء الحجج المتماسكة، وربما يقول قائل إن السلامة في التفكير ووجود الحجج لا ترتبط حتماً بدراسة علم المنطق، فهو لا يحتاجه الذكي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقد يكون صحيحاً في بعض الجوانب ولكن الحاجة الحالية لقدر معين منه باتت أساسية، ومع أن العلوم الشرعية الكبرى كأصول الفقه، والحديث، والعقيدة ـ تعتمد بطبيعتها على التفكير المنهجي أصلاً، إلا أن غياب تدريب صريح على قواعد المنطق يجعل الطالب عاجزًا عن استثمار طاقته الذهنية بأفضل صورة. إن إدراج مقررات المنطق والتفكير النقدي في المدارس والجامعات ليس ترفًا، بل ضرورة لتأسيس عقلية علمية قادرة على الفهم والنقاش والاستدلال، فهو لا يحمل أي تعقيد فلسفي أو حساسية عقدية عندما يُدرَّس باعتباره مهارة عقلية، تمامًا كما يُدرَّس النحو لحفظ اللسان، ولا يضر أن يتغير اسمه ان كانت هناك «حساسية» من مصطلح (المنطق) إلى قواعد التفكير أو التفكير النقدي أو أسس الفهم السليم وغير ذلك، فأهمية تطبيق الفكرة أكثر من المسميات والمصطلحات (فلا مشاحة في الاصطلاح) كما هو معلوم. لذلك من الأهمية الزيادة من تطبيق هذا الموضوع ميدانياً وعملياً تشجيع المؤسسات التعليمية والمجتمعية على فنون المناظرة والحجاج، فسيفتح آفاقًا واسعة لبناء جيل يحاور بالدليل، لا بالصراخ، ويبحث عن الحقيقة بدل الانتصار للذات، ويبتعد عن لغة المغالطات المنطقية التي تعتمد على العاطفة وعد ضبط القواعد التي يتسلسل فيها الفهم، فبإحياء قواعد التفكير السليم تُبنى العقول، ويستقيم الخطاب، ويرتقي المجتمع.
225
| 01 ديسمبر 2025
لقد كانت المقالات في الصحف من أكثر الأشياء المؤثرة في صناعة الرأي العام والتوجيه المجتمعي، وكان كاتب المقال صاحب مساحة مؤثرة في مجتمعه الصغير في بلده وربما الكبير في العالم العربي والدولي، فما زلت أتذكر كيف كان كتاب المقالات يصنعون تأثيرهم النوعي في الحياة العامة بمختلف الأمور، وكيف صنعت كتاباتهم أحاديث الناس اليومية، ولكن شهد المشهد الإعلامي في ميدان المقالات في السنوات الأخيرة تحولًا عميقًا بين الصحافة المحلية التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ باتت المنصات الحديثة في طليعة مصادر الأخبار والتأثير في الرأي العام، فرغم احتفاظ الصحافة الورقية بجاذبيتها ومكانتها لدى بعض الناس، ولكن الواقع يشير إلى انتقال واضح نحو الإعلام المتجدد، وكذلك ظهر الاهتمام بالكتابات القصيرة في محتواها والمركزة في عباراتها (مثل التغريدات)، بينما ينتشر المقال الطويل بين المتخصصين والنخب أو المثير للجدل. فهذه النتيجة تؤكدها تقارير كثيرة منها: دراسة (Media Use in the Middle East) الصادرة عن جامعة نورثويسترن في قطر (2022) أن متابعة الأخبار عبر الإنترنت تجاوزت 80 % من المستخدمين، مقابل انخفاض مطّرد في قراءة الصحف الورقية خلال العقد الأخير، وأما على مستوى المنصّات فمع متابعة الناس لوسائل التواصل المتنوعة في قراءة المقالات والتعليقات ولكن يتصدّر (واتساب) المشهد بوصفه الوسيلة الأكثر انتشارًا وسرعة لنقل الأخبار والمقالات. ومع ذلك تبقى الصحافة الورقية مؤثرة بقوة داخل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، حيث يهتم بها متخذو القرار والمستشارون في متابعة القضايا المحلية والرسمية، لما تتمتع به من مصداقية رسمية، فالجدير بالذكر هنا يتّضح أن المؤسسة الصحفية الناجحة اليوم هي التي تمزج بين كل هذه الأدوات؛ فتعنى بالصحافة الورقية وتواصل نشرها بوصفها مرجعًا موثوقًا، وتعيد توظيف محتواها في قوالب مختلفة تناسب كل وسيلة جديدة، فالمحتوى العميق يُقدَّم مطبوعًا وهو ما يكون أساساً للصحيفة ويقدم لبعض المهتمين بذلك، بينما يختصر وينشر عبر إكس أو فيسبوك ويُوزّع بشكل مباشر وسريع عبر واتساب لضمان الانتشار الواسع. فمن التجارب الجيدة في مواكبة الواقع ما رأيته من إحدى الصحف بقيامهم بعمل (ريلز) مركز وبسيط يظهر به كاتب المقال ملخصاً لفكرته، ومع تطوّر الذكاء الاصطناعي بات بالإمكان أن تستفيد المؤسسات الإعلامية من أدواته في تلخيص المقالات وطريقة عرضها المتجددة وتحليل التفاعل معها، فإن مستقبل الإعلام يكمن في القدرة على دمج التقليدي الورقي بالمتجدد، وذلك لضمان استمرار التأثير والانتشار في زمن تتغير فيه أدوات التواصل بوتيرة متسارعة، فربما وأنا أنشر هذا المقال تظهر وسائل جديدة!.
189
| 24 نوفمبر 2025
شهدت حركة ترجمة الكتب الفكرية والدينية عن الإسلام تطوّرًا ملحوظًا خلال العقدين الأخيرين، خصوصًا مع صعود دور نشر عربية متخصّصة، فهذه المرحلة تختلف عن عصر الاستشراق القديم؛ وهي لا تركّز على ترجمة أعمال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بل تهدف إلى نقل الدراسات الأكاديمية الحديثة التي تنتجها الجامعات الغربية اليوم وقد برز في هذا المجال مترجمون عرب معاصرون، وللمثال د. أسامة السيد (رحمه الله) وأ. عمرو بسيوني وأ. أسامة غاوجي وغيرهم، ممن قدّموا ترجمات عالية القيمة العلمية أعادت إحياء النقاش حول قضايا التراث والتجديد، وحول هذا الموضوع أحب أن أسلط الضوء على إيجابيات الظاهرة وسلبياتها، وهي: أولاً: الإيجابيات ١ - فتح آفاق معرفية جديدة: من أبرز الأمثلة كتاب «المرجع في علم الكلام” الصادر عن الباحثة «شامكته” الألمانية، الذي ترجمه د. أسامة السيد، رحمه الله، فقد قدّم أطروحات جديدة في علم الكلام المقارن، وربط بين النقاشات القديمة والجوانب المنهجية الحديثة، كما حاز جائزة الشيخ حمد للترجمة في قطر، فهذا النوع من الترجمات يكشف للباحث العربي كيف تُقرأ موضوعات العقيدة والكلام اليوم في الجامعات الغربية بمناهج تحليلية مركّبة، ومثال آخر مهم هو كتاب «ابن تيمية” للمؤرخ الأمريكي «جون هوفر»، وترجمه أ. عمرو بسيوني، الذي يُعد من أهم الأعمال الغربية المتخصصة في تحليل فكر ابن تيمية بمنهج نقدي - تاريخي حديث وغيرهما. ٢ - نقل مشاريع بحث كبرى إلى العربية: تأتي أيضًا ترجمات كتب مثل «مغامرة الإسلام” «لمرشال هودجسون» وترجمة أسامة غاوجي، التي جرى تداولها عربيًا في السنوات الأخيرة، وهي من أعمق الدراسات التاريخية حول تطور الحضارة الإسلامية. وأما «معاجم أكسفورد”، فقد اهتمت بترجمتها كثير من الدور في دراسة ما نتج عنهم من المواضيع المتعلقة بالدراسات القرآنية، والفقهية، والنفسية، والفلسفة وغير ذلك، ولا شك أن فيها قيمة كبيرة للباحث والمهتم وغيرهما. ثانيًا: السلبيات ١ - التحيزات في التقييم دون تمحيص: بعض الترجمات تأثرت بالاستشراق القديم فنقلت رؤى مشبعة بمناهج مثل «التسييس التاريخي” أو القراءة الفينومينولوجية (تأسيس العلوم على ظواهر سابقة) للتراث الإسلامي، وهي مناهج تحتاج إلى نقد وتفكيك، وإلا تحوّلت إلى مرجعية غير منصفة لدى القراء، ولا يخفى تأثير هذه الدراسات حتى على الحداثيين العرب، كما تكمن أبرز الأخطاء في تناول الشريعة في صور منها: نَسْبُ ممارسات اجتماعية للإسلام (كما تفعل أيان هيرسي علي بخلط العادات القبلية مع الشريعة)، واقتطاع النصوص من سياقها لتصوير الجهاد كحرب مطلقة (كما يفعل سام هاريس) وغير ذلك. ٢- عدم توازن في موضوع الحركات الإسلامية: إن الكتب الغربية التي ناقشت الحركات الإسلامية في العقود الأخيرة لم تكن دائمًا على درجة عالية من النزاهة العلمية، مما جعل الصورة المقدَّمة للقارئ العربي غير متوازنة، يرجع ذلك إلى طبيعة المناهج الغربية في دراسة الظواهر السياسية والدينية، والتي تميل أحيانًا إلى التفسير الأمني الصارم، على حساب الجوانب العقدية والفقهية الداخلية للحركات!، ولكن تميز بعضهم بحياد جيد وثراء بحثي خاصة من الذين كانت دراساتهم مبنية على اللقاءات الشخصية وبذل الجهد فيها مثل (ستيفن لاكروا) في كتابه «زمن الصحوة» وغيره. ٣- خطر تراجع التأليف العربي: تدفّق الترجمات قد يُغري بالاعتماد على الإنتاج الغربي بدل إنتاج معرفة عربية أصيلة، مما يهدد مشروع بناء مدرسة فكرية عربية مستقلة، ويضعف الإبداع عند الكاتب المسلم والعربي الذي ينشغل غالباً بالدراسات التقليدية أو ترك البحث أصلاً!. إن الأمل الأكبر مع أهمية الترجمة للدراسات الأجنبية هو أن تتوازى هذه العملية مع مشروع ترجمة الإنتاج العربي إلى اللغات العالمية، وذلك حتى يستمر الفكر الإسلامي مقدماً للأعمال المستجدة والتجديدية.
408
| 17 نوفمبر 2025
كانت المقالات في الصحف من أكثر الأشياء المؤثرة في صناعة الرأي العام والتوجيه المجتمعي، وكان كاتب المقال صاحب مساحة مؤثرة في مجتمعه الصغير في بلده وربما الكبير في العالم العربي والدولي، فما زلت أتذكر كيف كان كتاب المقالات يصنعون تأثيرهم النوعي في الحياة العامة بمختلف الأمور، وكيف صنعت كتاباتهم أحاديث الناس اليومية، ولكن شهد المشهد الإعلامي في ميدان المقالات في السنوات الأخيرة تحولًا عميقًا بين الصحافة المحلية التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ باتت المنصات الحديثة في طليعة مصادر الأخبار والتأثير في الرأي العام، فرغم احتفاظ الصحافة الورقية بجاذبيتها ومكانتها لدى بعض الناس، ولكن الواقع يشير إلى انتقال واضح نحو الإعلام المتجدد، وكذلك ظهر الاهتمام بالكتابات القصيرة في محتواها والمركزة في عباراتها (مثل التغريدات)، بينما ينتشر المقال الطويل بين المتخصصين والنخب أو المثير للجدل. فهذه النتيجة في ما تؤكدها تقارير كثيرة منها: دراسة (Media Use in the Middle East) الصادرة عن جامعة نورثويسترن في قطر (2022) إلى أن متابعة الأخبار عبر الإنترنت تجاوزت 80 % من المستخدمين، مقابل انخفاض مطرد في قراءة الصحف الورقية خلال العقد الأخير، وأما على مستوى المنصّات فمع متابعة الناس لوسائل التواصل المتنوعة في قراء المقالات والتعليقات ولكن يتصدّر (واتساب) المشهد بوصفه الوسيلة الأكثر انتشارًا وسرعة لنقل الأخبار والمقالات. ومع ذلك تبقى الصحافة الورقية مؤثرة بقوة داخل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، حيث يهتم بها متخذو القرار والمستشارون في متابعة القضايا المحلية والرسمية، لما تتمتع به من مصداقية رسمية، فالجدير بالذكر هنا يتّضح أن المؤسسة الصحفية الناجحة اليوم هي التي تمزج بين كل هذه الأدوات؛ فتعنى بالصحافة الورقية وتواصل نشرها بوصفها مرجعًا موثوقًا، وتعيد توظيف محتواها في قوالب مختلفة تناسب كل وسيلة جديدة، فالمحتوى العميق يُقدَّم مطبوعًا وهو ما يكون أساساً للصحيفة ويقدم لبعض المهتمين بذلك، بينما يختصر وينشر عبر تويتر أو فيسبوك ويُوزّع بشكل مباشر وسريع عبر واتساب لضمان الانتشار الواسع. فمن التجارب الجيدة في مواكبة الواقع ما رأيته من إحدى الصحف بقيامهم في عمل (ريلز) مركز وبسيط يظهر به كاتب المقال ملخصاً لفكرته، ومع تطوّر الذكاء الاصطناعي بات بالإمكان أن تستفيد المؤسسات الإعلامية من أدواته في تلخيص المقالات وطريقة عرضها المتجددة وتحليل التفاعل معها، فإن مستقبل الإعلام يكمن في القدرة على دمج التقليدي الورقي بالمتجدد، وذلك لضمان استمرار التأثير والانتشار في زمن تتغير فيه أدوات التواصل بوتيرة متسارعة، فربما وأنا أنشر هذا المقال تظهر وسائل جديدة!
819
| 06 نوفمبر 2025
لا بد عند الحديث عن التصوف أن نوضح فارقا مهما بين شيئين: الأول هو «التصوف» الذي تختلف الناس فيه؛ فهناك الذي يشجعه ويتحمس له، وهناك الذي يعارضه، وهناك من يقف على الحياد، فالتصوف المحمود يُعد من علوم تزكية النفس، والزهد، والرقائق عبر التاريخ، وخرج من التصوف شخصيات مهمة من الكبار كعلماء ومجاهدين مثل الإمام العز بن عبد السلام، وعبد القادر الجزائري، وعمر المختار وغيرهم، وأما الثاني، فهو «التوظيف السياسي للتصوف»، وهو محور حديثنا، فهذا التوظيف يسعى لتحييد الجانب التحرري والنهضوي للدين في كل شؤون الحياة وخصوصاً في تغيير الواقع، ولكن التحييد هنا ليس عن طريق إلغاء الدين أو دوره، بل عن طريق «إعادة هندسته» وتحويله من قوة تحرّك التغيير إلى أداة لحفظ الاستقرار، ومن حالة «حيوية» إلى حالة «خنوع». وتعتمد هذه الطريقة على فكرة «التخدير»، التي تتمثل في الغوص في طقوس «شكلية» بشكل عميق مع تقديس الأولياء، وغالبًا، كثير من هذه الأفكار والطقوس ما هي إلا ثقافات خارجية، وهذا معلوم من تاريخ الإسلام بشكل عام وتاريخ الفرق الإسلامية بشكل خاص، فهم شجعوا أشكال تدين تركز فقط على الطقوس والمناسبات، مثل الموالد، وزيارة الأضرحة، وحلقات الذكر، وما يشكل الخلل هنا إن هذه الأمور تتحول من كونها ممارسات روحية لها معنى إلى هدف بحد ذاته، ونتيجة لهذا تظهر خرافات كثيرة من غير أي حدود في التفكير. فهذا الانشغال يشغل عقول الناس عن الأمور المهمة في حياتهم ومجتمعهم، وبدلاً من أن يكون الولي مثالاً يُحتذى به في العلم أو العمل الجاد، يتحول لشخص غامض وكأنه يمتلك قوى خارقة!، فالناس تدعو له وتحرص على زيارته أكثر من دعاء الله! أو زيارة بيت الله!، فلما يواجه الشخص الظلم السياسي أو الاجتماعي بدلاً من تشجيعه على العمل والجهد لتغيير واقعه، يُطلب منه الذهاب لزيارة ضريح الولي ويستغيث به حتى يحل مشكلته بمعجزة!، وهذا كله عن طريق (شيوخ التصوف الرسميين)، الذين يفترض أن يوجهوا الناس للواقع، فقاموا بتوجيههم للانتظار والمعجزات!.. المفكر أ. محمد قطب رحمه الله لاحظ هذه الظاهرة بدقة، فقد رأى أن هذا التيار يمشي جنبًا إلى جنب مع «الفكر الإرجائي» الذي يقلل من أهمية العمل كجزء من الإيمان، فخلق حالة من «الشلل السياسي» ويؤكد أن هذا الاتجاه جعل الدين يختزل في شعائر فقط، من غير روح أو تأثير حقيقي، فالنتيجة المباشرة كانت أن الناس ابتعدوا عن «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وأصبحت المظالم كأنها شيء مقدر ولا بد منه!، وفكرة «لو الله أراد لغيره» صارت مبررا لكل شيء، فهذا ما يمكن تسميته بـ»الجبرية الواقعية» بالضبط، والجبرية كما هو معلوم في تاريخ الفرق تعني فقدان الإنسان لإرادته الحرة، وهي فكرة عقائدية معروفة ترعرعت في بدايات الإسلام. وظاهرة التصوف المنحرف لفتت انتباه المستشرقين بشكل كبير، فكانوا يحاولون دراسة الشرق وفهمه، ولكن في نفس الوقت كان هدفهم السيطرة الفكرية عليه، ومن بين هؤلاء كان ماسنيون ونيكيلسون، ولخص المسار جولد تسيهر الذي ركز في تحليله على أن التصوف الذي يقدس الأولياء كثيرًا يسبب نوعًا من الخمول في الواقع بسبب التركيز المفرط على الطقوس الفردية، وتقديس الأولياء (وإن كانت حقيقة بعض هؤلاء الأولياء فيها شك بالأساس!)، إن المنهج الذي نعتمد عليه بعدما تم طرحه هو أن الإسلام يربط العبادة بالفعل نفسه فقال تعالى: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم»، كما يركز على أن التوكل الحقيقي ليس انتظاراً فقط، إنما هو الأخذ بالأسباب فكما في قوله صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكل»، فالروحانية ليست معناها أن تنعزل عن الواقع، ولكن هي القوة التي تجعلك تغيره، فالتصوف الصحيح يصنع الإنسان الذي له دور في التاريخ، وليس الإنسان الذي يصنعه التاريخ فقط.
1092
| 27 أكتوبر 2025
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1458
| 14 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...
1341
| 08 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
810
| 13 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
807
| 11 يناير 2026
سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...
618
| 08 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
612
| 14 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
597
| 12 يناير 2026
الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...
570
| 09 يناير 2026
الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...
558
| 09 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
552
| 12 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
525
| 15 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...
513
| 15 يناير 2026
مساحة إعلانية