رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هكذا حاول اليهود استيطان سيناء.. وهكذا تَعَطّل مشروعهم

في الوقت الذي يتصدر الحديث عن المخطط الصهيوني الذي يستهدف تهجير الفلسطينيين إلى سيناء المصرية قائمة المسائل المتعلقة بالقضية الفلسطينية والحرب على غزة، يعتقد الكثيرون أن هذه الخطوة سوف تضع بها الحرب أوزارها وتنتهي عندها الأطماع الصهيونية.وهذا بلا شك جهل بطبيعة المشروع الصهيوني الإمبريالي الذي يسعى للسيطرة على هذه المنطقة بأكملها ضمن ما يعرف بدولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، فدولة الاحتلال لن يشبع جوعها سوى هذه السيطرة على دول المنطقة، ومن بين هذه المناطق سيناء المصرية، والتي تعدها الصهيونية جزءًا من دولتها اللقيطة. في كتابه «يقظة العالم اليهودي»، يقول أحد أقطاب الصهيونية إيلي ليفي أبو عسل: «وجرت أحاديث سياسية مستفيضة بين تيودور هرتزل هذا الرجل المصلح العظيم وبين الحكومة المصرية واللورد كرومر ممثل بريطانيا العظمى في وادي النيل، توالت المناقشات خلالها حول إنشاء مستعمرة يهودية في منطقة العريش». فمؤسس الصهيونية العالمية تيودور هرتزل أراد توطين أتباعه في سيناء، حتى يتخذ من سيناء نقطة وثوب إلى فلسطين. أطلق عليها تيودور هرتزل: «فلسطين المصرية»، وكانت وما تزال أحد الأحلام اليهودية القديمة التي لم تبرح نطاق تفكيرهم، فهي رابضة في الوجدان اليهودي لأنها تضم على أرضها الوادي المقدس، لذلك اتجهت أنظارهم في وقت مبكر للاستيلاء عليها.يذكر المؤرخ المصري عبد العزيز الشناوي في كتاب «الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها»، أن السلطان سليم الأول بعد أن دخل مصر، أصدر فرمانا بمنع اليهود من الهجرة إلى سيناء، ولما تولى من بعده ابنه سليمان، أصدر فرمانًا يؤكد فيه ما قرره والده في الفرمان الأول، الأمر الذي يعني أن الدولة العثمانية كانت فطنة لمحاولات الاستيطان. وفي عهد سليم الثاني بن سليمان، والذي مثّل فترة من فترات الضعف العثمانية، تمكن اليهود بزعامة رجل تُطلق عليه وثائق ذلك العصر «إبراهام اليهودي»، من الهجرة المتقطعة إلى أرض سيناء، واختاروا في هذا الوقت مدينة الطور، لأن بها ميناء يصلح لأن ترسو عليه السفن التجارية، وترتبط بريا بخطوط قوافل مع القاهرة والفرما، بمعنى عام تحتل موقعًا يُجنّبهم العزلة الدولية ويستطيعون من خلاله استقدام المزيد من المهاجرين. لكن اليهود تعرضوا لرهبان دير سانت كاترين بالأذى، ما جعلهم يرفعون شكواهم إلى السلطات العثمانية في القاهرة عن طريق المراسلات المكتوبة والمقابلات الشخصية، وكان ذلك في عهد السلطان مراد الثالث بن سليم الثاني. ولأن الدولة العثمانية كانت تمثل السلطة الإسلامية العليا في العالم الإسلامي، ومسؤولة بناء على ذلك عن أمن أصحاب الملل والطوائف الذين يعيشون تحت لوائها، فقد سارعت السلطات العثمانية في القاهرة ممثلة في الوالي النائب عن السلطان، بإصدار ثلاثة فرمانات ديوانية، تم بموجبها ترحيل المستوطنين من سيناء ومنعهم من الإقامة أو السكنى بها.ولم تكن تلك الفرمانات تتضمن رائحة طائفية ضد اليهود، بل جاء ذلك بناء على التزام العثمانيين بحماية أصحاب الملل من جهة، حيث تعرض الرهبان في المنطقة للأذى كما أسلفنا، ومن جهة أخرى جاءت كإجراء حتمي لمواجهة تكوين جيوب في الإمبراطورية معلوم أهدافها، لا سيما وأن اليهودية ديانة لا قومية، وكان اليهود يعيشون كأصحاب ديانة في شتى المجتمعات العربية والغربية، وانخرطوا وتنفذوا فيها دون الحاجة إلى فكرة وطن جامع. وفي نهايات القرن الـ 19 الميلادي ونتيجة للضعف الذي دب في الدولة العثمانية، كانت مصر خاضعة للنفوذ البريطاني، فعادت أطماع اليهود تتجه من جديد إلى أرض سيناء، وذلك بعد أن رفض السلطان العثماني عبد الحميد الثاني السماح لهم بالاستيطان في فلسطين.وكما كانت للسلطان عبد الحميد جهود قوية في عدم السماح بتكوين وطن قومي لليهود في فلسطين، عارض كذلك وبشدة توطينهم في سيناء المصرية. ومن هنا نعلم أن الأطماع الصهيونية لن تتوقف إذا ما تمت تصفية القضية الفلسطينية لا قدر الله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2232

| 23 فبراير 2024

يوم فتحت الأمة أبوابها ليهود أوروبا

في الوقت الذي ينفذ العدو الصهيوني أبشع مجازر العصر ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ومحاولته المستميتة لتهجير هذا الشعب إلى خارج أرضه، عاد إلى ذهني موقف الأمة الإسلامية التي تعاملت بالتسامح والرحمة مع اليهود المُهجّرين من أوروبا بعد أن ذاقوا فيها الويلات. وأبدأ هذا المقال باعتراف من «حاييم وايزمان»، أول رئيس لدولة الاحتلال الإسرائيلي، على طريقة «وشهد شاهد من أهلها»، إذ يقول: «العالم الإسلامي يعامل اليهود بقدر كبير من التسامح، فقد فتحت الإمبراطورية العثمانية أبوابها لليهود عندما طردتهم من إسبانيا، ويجب على اليهود ألا ينسوا ذلك». ويقول المستشرق برنارد لويس: «ازداد عدد اليهود في إستانبول في منذ نهاية القرن الخامس عشر الميلادي بصورة خاصة، إذا جاء الكثيرون منهم من إسبانيا والبرتغال والبلاد الأوروبية الأخرى، باحثين عن مكان اللجوء إزاء اضطهاد المسيحيين لهم، إلى حكم السلاطين العثمانيين المتسامح، وتمتع اليهود والمسيحيون على السواء بحرية العبادة في إستانبول، في ظل واقع التاريخ الإسلامي والعثماني بهذا الخصوص، ومنحوا قدرا كبيرا من الحرية القومية». شهادة من مشاهير السياسة والتاريخ، تؤكد حقيقة تسامح الأمة الإسلامية التي كانت واقعة تحت خلافة العثمانيين مع غير المسلمين ومن بينهم اليهود، في الوقت الذي كانت تغلق في وجوههم أبواب أوروبا. تعود الحكاية إلى بلاد الأندلس التي ظلت تحت الحكم الإسلامي حوالي ثمانية قرون، إلى أن سقطت في قبضة المسيحي المتعصب فرديناند بعد تحالفه مع ابنة عمه إيزابيلا التي لا تقل عنه تعصبا، فإذا كان التعصب المذهبي في ذلك الوقت قد بلغ أوجه بين المذاهب المسيحية، فمن باب أولى لقى اليهود اضطهادا كبيرا مع المسلمين، إذ كان ملوك إسبانيا لا يرون لهؤلاء ولا لهؤلاء حقا في الحياة، وأقاموا محاكم التفتيش التي كان يعذب فيها المسلمون واليهود بأبشع طرق التعذيب، إلا أن المسلمين كان لهم الحظ الأوفر من هذا الاضطهاد. بعد سقوط غرناطة آخر معاقل الأندلس، قامت البحرية العثمانية تحت قيادة «كمال رئيس» بإنقاذ الآلاف من المضطهدين في الأندلس المسلمين واليهود على السواء، ونقلهم إلى أماكن آمنة خاصة في الدولة العثمانية، وأصدر فرديناند مرسوما في مارس 1492م، بنفي اليهود خارج المملكة نهائيا خوفا على الكاثوليك، وحدد لهم مهلة ثلاثة أشهر للجلاء، على ألا يأخذوا معهم الذهب والفضة. وذكرت الباحثة هيلة بنت سعد السليمي، في رسالة ماجستير بعنوان «دور اليهود في إسقاط الدولة العثمانية»، أنه بمقتضى هذا الطرد أصبح نصف مليون يهودي مشردين بلا مأوى على سواحل البحر الأبيض المتوسط، عرضة لفتك الجوع والمرض. بل ذكر لوثروب ستودارد في كتابه «حاضر العالم الإسلامي» أن عددهم كان ثمانمائة ألف يهودي. في هذا الوقت الذي كانت أوروبا تتخوف من إيواء اليهود بدافع التعصب الديني، ونظرا لما عرف عنهم من حياكة المؤامرات والفحش الربوي الذي يقوض الاقتصاد وإثارة القلاقل، فلم تفتح لهم دولة أبوابها سوى الدولة العثمانية التي استجابت لطلب الحاخامات بإيواء اليهود، وذلك في عهد السلطان بايزيد الثاني، والذي أصدر أوامره إلى حكام أقاليم الدولة العثمانية بعدم رفض اليهود أو وضع عقبات أمامهم، فتدفقوا على أراضي الدولة العثمانية، واستقروا في العديد من المدن الرئيسية مثل إسطنبول، وأدرنة، وإزمير، وسلانيك. أطلقت الدولة العثمانية الحريات الدينية لليهود، خاصة وأنهم قد شملهم «نظام الملل»، وهو نظام وضع في عهد السلطان محمد الفاتح، وفيه يتم حصر كل أصحاب ملة، ويكون لهم رئيس ديني ينظر في مسائلهم، ويقوم بالحكم في قضايا الأحوال الشخصية الخاصة بهم وفق ملتهم دون تدخل من الدولة العثمانية. إضافة إلى ذلك، انخرط اليهود بمقتضى هذه السماحة، في المجتمع العثماني في كافة جوانب الحياة، الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وتقلدوا أعلى المناصب والمناصب، وكان منهم الأطباء والتجار والأدباء... السلطان عبد الحميد الثاني كافح من أجل عدم الاستجابة للمطالب الصهيونية بإقامة وطن قومي في فلسطين، لكنه لم يكن من قبيل معاداة اليهود، فهو قد سمح لهم بالعيش في رحاب الدولة كمواطنين ورعايا كغيرهم ويتمتعون بكامل الحريات والحقوق، إلا فلسطين، لأنهم يطالبون بإقامة دولة مستقلة لهم تقوم على أساس ديني، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1575

| 16 فبراير 2024

معركة أُحد...هزيمة تربي الأمة

لم تكن مجرد هزيمة لحقت بجيش الإسلام في معركة أحد، إنما هي عاصفة داهمت الشعور وأيقظت الانتباه للتفتيش عن جوهر القضية، فقد مر عام على انتصارهم في موقعة بدر، وهم لا يزالون على الإيمان كما هم، وأعداؤهم لا يزالون على الكفر كما هم، فما الذي تغير؟ كيف انهزم جند الإيمان والتوحيد وقُتل منهم سبعون رجلًا وضُرب النبي صلى الله عليه وسلم فشُجّ وجهه وكسرت رباعيته؟ كيف؟ يتنزل القرآن بالسؤال والإجابة الشافية الكافية معًا {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [آل عمران: 165]. إنه الدرس المُكلّف، والذي ستظل كلفته محفورة في الأذهان للأمة ما دامت تطالع هذه الآيات، تربية للشخصية الإسلامية لتدرك جيدًا تأثير علاقتها بالله على مسار الحياة، وتعلم أن النصر قرين الطاعة، والهزيمة قرين المعصية، وأن الخير إنما هو من عند الله، وأن الشر إنما هو من ذوات أنفسنا، أراده الله قدرًا لكننا جعلنا من أنفسنا أسبابا له وأبوابًا إليه. الهزيمة في أحد كانت نصرًا معرفيًا وإدراكيًا، حيث أيقن المسلمون أن عصيان القلة يجد العموم مغبته، فخمسون من الرماة خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونزلوا من على الجبل لجمع الغنائم دون إذنه، تسببوا في جراح الأمة بأسرها، فهكذا هي أمة الإسلام جسد واحد، فكما أن التلف في أحد أعضاء الجسم يؤثر على سائر الجسد، وكما أن الإنسان يعاقب في النار بجسده كله على ما اقترفته بعض أعضائه من آثام، فكذلك يتأثر بقية الجسد الإسلامي بصنيع عضو منه. تعلم المسلمون من هذه الهزيمة أنه لا يكفي للمسلم أن ينتمي إلى الحق، فمجرد انتمائه للحق لا يكفل له التمكين والنصر، بل لابد من العمل بمقتضى هذا الانتماء للمنهج، والذي يتمثل في طاعة الله فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، فهكذا كان الحال معهم في معركة أحد، كانوا على الحق لكنهم لم يأخذوا بأسباب النصر، بل بدَرَ منهم ما يستدعي الهزيمة وهو مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان هذا قد حدث مع مجموعة من الرماة لم يقصدوا الخروج على طاعة نبيهم وإنما رأوا ما يحبون من الغنائم بعد فرار المشركين فظنوا أن القتال انتهى، فإن كان هذا قد حدث معهم فكيف بمن يغرقون في المخالفة ليلا ونهارا عن غير اجتهاد أو ظن منهم؟ فالنصر يأتي مع الطاعة، والهزيمة تأتي مع المعصية، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وَإِذَا كَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَكَانَ عَدُوُّهُمْ مُسْتَظْهِرًا عَلَيْهِمْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ ؛ إمَّا لِتَفْرِيطِهِمْ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَإِمَّا لِعُدْوَانِهِمْ بِتَعَدِّي الْحُدُودِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا». تعلم المسلمون أن الكبوة والأزمة هي موطن تعلم واعتبار، لا ينبغي أن يجعلها المسلم قرارًا له ويغرق في آثارها، بل عليه أن ينهض من جديد، ويستدرك ما فاته، ويتفادى أخطاء التجربة الأليمة، ولقد جاء التعقيب القرآني بعد الهزيمة ليؤكد على هذه الحقيقة، فكما كان العتاب كانت التسلية واستنهاض العزم، ومن ذلك تذكيرهم بأنهم الأعلون مهما ألمت بهم الملمات {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 139]، ومنها تذكيرهم بمُصاب أعدائهم أيضًا، فليسوا وحدهم من أُثخن فيهم، وأن الأيام دولٌ بين الناس، إضافة إلى التذكير بحكمة الله من تلك الابتلاءات، والتمحيص، واتخاذ شهداء منهم لله تعالى {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]. إن أحداث ونتائج هذه المعركة تأخذ بتلابيب أفكارنا إلى أن نتعامل في حياتنا بمنطق العضو في الجسد، فكل ما يصدر عن المسلم من سلوكيات وأنماط معيشية إنما يصب في النهاية في المسار العام للأمة بأسرها، فكل أعمال الطاعة والإصلاح هي خير للأمة، وكل أعمال العصيان والفساد هي شر للأمة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1599

| 09 فبراير 2024

الدراما العربية والطعن في العلماء.. نتائج وآثار

لست مع تقديس الرجال وإنزالهم منازل لم ينزلهم الله بها، ولست مع الطاعة المطلقة لبشر سوى المعصوم صلى الله عليه وسلم، لكنني كذلك لست مع سوء الأدب وتشويه الآخرين بآفة تعميم الأحكام. أسوق هذه المقدمة توطئة للحديث عن ظاهرة تعيشها الأمة منذ عقود، وهي تشويه الدراما العربية لصورة علماء الشريعة، وخلط الحابل بالنابل، واتخاذ منهج صدامي مع علمائه. لقد كان لمسلك التشويه الذي اتبعه القائمون على الأعمال الدرامية، لشخصية العالم أو الداعية، آثار وخيمة عمت المجتمع بأسره، ولعل من أبرز هذه النتائج: أولا: تحطيم القدوات فلكل مجتمع قدواته التي تجد مكانها في قلوب أهله، وتكون النموذج البراق الذي يحتذى به، ويتطلع النشء إلى الارتقاء لمنازل أولئك القدوات، وفي المجتمع الإسلامي تبرز أهمية رجال العلم كقدوات، انطلاقا من كون الإسلام يمثل هوية ذلك المجتمع. ومما يؤسف له أن نرى الغرب يبجل قدوات قد بزغوا في جانب واحد، بينما لهم وجوه عدة يندى لها الجبين، ويخرجون بها عن مصاف القدوات الحقيقيين، فعلى سبيل المثال يبجل الشعب الفرنسي نابليون بونابرت القائد العسكري الفذ، ويعتبرونه أحد أبرز رموزهم التاريخية، ويغضون الطرف عن وجهه الوحشي وإراقته للدماء. وفي المقابل نرى الدراما كمجال يعكس وجه نبض المجتمع، تشوه المنتصبين كقدوات من أهل العلم، وتلبسهم ثياب الجهل والنفاق والانحطاط والازدواجية والإرهاب كما أسلفنا، فماذا كانت النتيجة؟ توارت عظمة أولئك القدوات في النفوس مع ذلك الإصرار على النيل منهم، ما أدى إلى عزوف الأجيال وانصرافها عن اتباعهم. واهتزت ثقة الناس بحملة الشريعة فلم يعودوا يثقون بالكثيرين منهم، ونتج عن ذلك بحث الناس عن قدوات آخرين قد يكونون على غير الجادة. ثانيًا: الاستخفاف بشعائر الإسلام تجلى هذا الأثر بوضوح، فصرنا نرى من يتطاول مثلا على اللحية التي هي من سنن الأنبياء والمرسلين، وفي الحديث: (وفروا اللحى وأحفوا الشوارب). ثالثا: تجرئة المتهورين على العلماء فالمجتمع لا يخلو من الشخصيات المتهورة المندفعة، وعندما يتعرض هؤلاء للمواد التي تنال من أهل العلم، فإنهم يندفعون بهذا التهور لإيذائهم. ولئن كان المنحرفون في الماضي يرون تقصيرهم كلما نظروا إلى العلماء، إلا أنهم صاروا اليوم ينشدون ضالتهم في رؤية مثالب هذه الفئة في الأعمال الدرامية، فيريحهم ذلك من عناء الشعور بالتقصير، ويرون أنهم على الجادة طالما كان العلماء بهذا السوء، يؤول بهم الأمر إلى التعرض لهم بالإيذاء. رابعًا: حرمان الاستفادة من العلماء التطاول على أهل العلم يصنع حاجزا نفسيا بين المشاهد وبين تلك الشخصيات، ومن ثم فلا يستمع إلى نصائحهم ومواعظهم، فتفوته الاستفادة مما لديهم من الخير، ويصير عرضة لتلاعب المغرضين وأدعياء الإصلاح، والوقوع فريسة للأفكار الدخيلة، فلا عجب إذن أن يشرأب الإلحاد من جديد في مجتمعاتنا الإسلامية مع عزوف الشباب عن أهل العلم والدعوة نتيجة الخواء العلمي الذي تفرضه القطيعة مع تلك الفئة المؤثرة في المجتمع. خامسًا: تفكيك اللحمة المجتمعية فأهل العلم والدعوة والملتزمون بصفة عامة يمثلون شريحة كبيرة وقطاعا واسعا في المجتمع، وجزءًا أساسًا في تكوينه وتركيبته، وتشويه الرموز الدينية في الدراما العربية تخلق وتعمق من الهوة بينها وبين فئات الشعب الأخرى. والمتأمل في سور القرآن وآياته يدرك مدى حرص الإسلام على اللحمة الداخلية للمجتمع، وفي سبيل الوصول إلى ذلك اشتملت سورة الحجرات على سبيل المثال، على مجموعة من المنهيات من شأنها خلخلة الأواصر المجتمعية. فمن ذلك النهي عن السخرية والاستهزاء بالآخرين وهو ما تطفح به الأعمال الدرامية، وفي ذلك يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ}. كما نهى عن الطعن في الآخرين بقوله تعالى: { وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}، أي: «لا يعب بعضكم على بعض، واللمز: بالقول، والهمز: بالفعل، وكلاهما منهي عنه حرام، متوعد عليه بالنار، ولا يخفى على مشاهد للدراما العربية حجم اللمز والغمز فيها. وكل هذه الأمور التي تفسد العلاقات الاجتماعية وتفكك لحمة المجتمع تزخر بها الدراما بما لا يمكن أن تخطئه عين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

1422

| 26 يناير 2024

إضاءة حول مصطلح أهل السنة

قال الله تعالى {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } [الحج: 78]. ذكر بعض المفسرين أن الضمير في قوله {هو سماكم} يعود إلى إبراهيم عليه السلام، وذكر البعض الآخر وهو ما رجحه الطبري وابن كثير، أن الضمير يعود إلى الله جل جلاله، هو الذي سمى هذه الأمة بالمسلمين في الكتب السابقة وفي القرآن كذلك. وعلى كلا التفسيرين، فلا تسمية لهذه الأمة سوى (المسلمين)، ارتضاه الله لهذه الأمة، ليصبح اسمًا ووصفًا لها متلازمين، يُذكِّرها بالحنيفية السمحة، ملة أبينا إبراهيم، والتي تسلَّم نبينا صلى الله عليه وسلم لواءها ومن بعدِه أمتُه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فعلى ذلك لا يُفرقها مسميات قومية، ولا يُفتِّت أوصالها عِرقٌ أو جنسية، ولا تُشتتها لغة أو لون، ولا تذهب ريحُها بمسميات يُتعصب لها ويُنحاز لرايتها. لم يمنع الإسلام المسميات التي تعبر عن انتماءات جزئية بشكل مطلق، فقد أبقى على مسميات المهاجرين والأنصار والأوس والخزرج، لكنه قد جعل ذلك في إطار الانتماء العام لراية الإسلام العظمى، فلا يصطدم ولا يتعارض معها، وإلا صارت دعوة مفرقة مشتتة للشمل، منتنة كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم. فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنهما. قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَار! فقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنصار! وَقَالَ المُهَاجِرِيِّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنصَارِ. فَقَالَ: «دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» متفق عليه. فلا يمنع الإسلام التسمي بمسميات تعبر عن رايات جزئية تكون تعيينا لأهلها، طالما كانت سبيلا لخدمة الإسلام دون التعصب لها، ودون عقد الولاءات والبراءات عليها، وإلا صارت هذه المسميات باطلة. لكن الأصل الذي يجدر بنا جميعا الالتفاف حوله هو نبذ المسميات، فلا نتسمى إلا بما سمانا به الله تعالى {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ}. ولكن لما برزت في حقب الإسلام المختلفة فرقٌ مخالفة لأصول الدين وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكلها تنسب نفسها إلى الإسلام، رأى المتمسكون بهدْي نبيهم ومنهاجه أن يكون لهم اسمٌ يمتازون به عن أهل الأهواء، فتسموا بأهل السنة، أو أهل السنة والجماعة، والذين يمثلون الإسلام الصحيح، ذلك الاسم الذي يرادف مسمى «المسلمين»، ويعبر عن أهل الصراط المستقيم. سئل مالك رحمه الله عن السنة، فقال: «هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام:153]». وقال ابن عبد البر: «جاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله، أسألك عن مسألة أجعلك حجة فيما بيني وبين الله. قال مالك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، سل. قال: من أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي». وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم له سوى السنة. يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها». ولذا، مصطلح أهل السنة ليس مسمى يعبر عن اتجاه في إطار التعدد المقبول، فليست مذهبًا منفردا ضمن مذاهب أخرى تتبع الحق، ولا علاقة له بالتقسيم الإثني المتعارف عليه في بعض الدول على غرار: سنة، شيعة، أكراد.... إنما هو مصطلح يجسد الإسلام الصحيح الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فإما أن يكون العبد من أهل السنة، أو يكون من أهل الأهواء والبدعة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1647

| 19 يناير 2024

في ظلال «إياك نعبد وإياك نستعين»

قَالَ بعضُ أهل العلم: إنَّ اللَّهَ جَمَعَ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ فِي الْقُرْآنِ وَجَمَعَ عِلْمَ الْقُرْآنِ فِي الْمُفَصَّلِ وَجَمَعَ عِلْمَ الْمُفَصَّلِ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَجَمَعَ عِلْمَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. آية تتألف من أربع كلمات، يرددها العبد في كل ركعة ضمن فاتحة الكتاب، لتظل هذه التذكرة الربانية حاضرة في الوجدان على مدار اليوم، تلك الآية التي تمثل صميم منهج العبودية لله تعالى، فهي تتضمن العبادة والتوكل معًا، وكثيرا ما يجمع الله بينهما في القرآن الكريم، ويعلل شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك بقوله: «قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالتَّوَكُّلِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ يَجْمَعَانِ الدِّينَ كُلَّهُ». تقرر هذه الآية حقيقة التوحيد وإفراد الله عز وجل بالعبادة، فإذا نظرت إلى تقديم المفعول (إياك) قبل الفعل (نعبد)، لأدركت المغزى، إذ يفيد الخصوصية، فإن قيل (نعبد إياك) فيحتمل أن يكون المعبود هو الله وغيره، أما تقديم (إياك) فلا يحتمل المعنى سوى التوجه بالعبودية لله تبارك وتعالى وحده. وكعادة المنهج القرآني في التأكيد على وحدة أهل الإيمان الذين هم كالجسد الواحد، يردد الفرد (إياك نعبد) بصيغة الجمع، فهو يعبر عن نفسه وإخوانه من أهل الإيمان، لتظل حقيقة أمة الجسد الواحد باقية ماثلة أمام المسلم، ومن ثم فلا يبقى لديه نزعة لأن يشاقق جماعة المسلمين وخندق أهل الإيمان. ولما كان القيام بمهمة العبودية محض توفيقٍ من الله تعالى، وأن العبد يحتاج إلى معونة الله في كل شأنه وعبادته، ناسب الجمع بين العبادة والاستعانة، فيستعين العبد بربه على طاعته، ولذا كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم دبر كل صلاة (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أبو داود. (إياك نعبد) يخلع العبد على أعتابها كل قبائح الشرك والعمل لغير الله، حين يتجرد لخالقه، فلا يتجه إلا إليه، ويأخذ شهود عظمة الله ذلك العبد إلى توحيد وجهته لربه، فلا يبقى لنفسه حظٌ ولا يُمثل العباد لديه شيئًا حتى يرائي ويفعل العمل لنيل المحمدة منهم. (وإياك نستعين) تدفع عن العبد داء الكبر، عندما ينكسر لخالقه ويتوكل عليه على علمٍ ويقينٍ بأنه أضعف من أن يسير في دروب الحياة وحده بلا معين، وأنه دائما سيظل محتاجا إلى معية ربه، فلا يبقى مجالٌ لأن يقول (أنا، أنا) ولا أن يقول (بقوتي وحولي)، بل يقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في هذا المضمار: «القلب يعرض له مرضان عظيمان إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد، وهما الرياء والكبر، فدواء الرياء بـ (إياك نعبد) ودواء الكبر بـ (إياك نستعين)، وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إياك نعبد تدفع الرياء، وإياك نستعين تدفع الكبرياء». ولئن كانت الاستعانة جزءًا من العبادة، إلا أن إفرادها يبين عظم أهمية التوكل على الله تعالى، قال عنه التابعي سعيد بن جبير: «التوكل جماع الإيمان»، نسأل الله تعالى أن نكون من أهل (إياك نعبد وإياك نستعين)، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2643

| 12 يناير 2024

تبرير المعصية بالقدر فساد في التصورات

من أشد مظاهر الخلل تجاه عقيدة القضاء والقدر، القول بأن العباد ليس لهم اختيار في سلوك طريق الخير أو الشر، فيحتجّ أصحاب هذا التصور لمخالفاتهم بالقدر. وسبب هذا الخلل، الخلط بين إرادة الله الكونية وإرادته الشرعية، فالله تعالى أراد المعصية قدَرًا لحكمةٍ مقتضِية، لكنه لم يردها شرعًا ولا يحبها ولا يرضاها ونهى عن ارتكابها. قال في مختصر معارج القبول: «لو لم يقدر الله السيئات لجبر عباده كلهم على الإيمان، ولما كان هناك فريقان أحدهما يستحق الجنة والآخر يستحق النار، ولانتفت حكمة الله عز وجل من ابتلاء العباد في هذه الحياة، وهو سبحانه لم يرد هذه السيئات شرعاً بل نفر عنها وإنما شاء وقوعها في الكون مشيئة قدرية يتحقق بها عدل الله تعالى ويكون من ورائها الخير». احتجاج المذنبين على معصيتهم بأن الله قدّرها عليهم يوقعهم في تناقضات واضحة، لأنه لو كان يصلح الاحتجاج بالقدر على المعصية لكان ذلك في حق الناس جميعًا ولا يلامون عليها، فلماذا إذن لا يتعامل بهذه القناعة مع من يظلمه ويسلب حقوقه؟ أليس ذلك مقدرًا؟ فلم يُجنّ جنونه لو أخطأ أحدٌ بحقه؟ لماذا لا يقول: لا بأس فالله قدر عليّ ذلك؟! ولو كان الاحتجاج بالقدر على المعصية مقبولًا للزم أن يكون إبليس وفرعون وهامان وقارون معذورين في طغيانهم، طالما أن الله قدر ذلك، فلذلك هي دعوة باطلة يترتب عليها تعطيل الشريعة والمساواة بين الصالح والفاسد. الله سبحانه وتعالى أقدر عباده ومكنهم من أداء ما يُؤمرون به وترك ما يُنهون عنه، فيقول {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، فكيف ينهاهم عن المعصية وهم عاجزون عن التخلي عنها؟ ومن العجب أن المحتج بالقدر لمعصيته لا يفعل ذلك في الأمور الحياتية، فهو لا يقول لو أن الله كتب لي الذرية لوهبنيها دون أن يسعى للزواج، ولا يجلس المزارع في بيته ويقول لو أراد الله أن تنبت الأرض لأنبتها دون أن يبذر ويروي ويحرث، إنما يقول ذلك عندما يؤمر بالصلاة مثلا فيأبى معللًا ذلك بأن الله لو كتب عليه الصلاة لصلى. الله تعالى قدَّر المقادير بأسبابها، وجعل للعبد اختيارًا وإرادة، ولم يجبره على الطاعة ولا المعصية، وبيَّن له طريق الخير والشر، فمن سلك طريق الجنة كان من أهلها، ومن سلك طريق النار كان من أهلها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مَنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسِّرُونَ لَعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَبُيَسِّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) الآية). يحتج هؤلاء على تصورهم الفاسد بحديث: (احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسى فَقَالَ لَهُ مُوسى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسى اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلاَمِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً فَحَجَّ آدَمُ مُوسى). والاستدلال بهذا الحديث على جواز الاحتجاج بالقدر للمخالفة فيه مغالطة كبيرة، فإن آدم عليه السلام لم يحتج بالقدر على المعصية، وإنما احتج به على المصيبة، قال في شرح الطحاوية: «وَإِنَّمَا وَقَعَ اللَّوْمُ عَلَى الْمُصِيبَةِ الَّتِي أَخْرَجَتْ أَوْلَادَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَاحْتَجَّ آدَمُ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ، لَا عَلَى الْخَطِيئَةِ، فَإِنَّ الْقَدَرَ يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، لَا عِنْدَ الْمَعَائِبِ». ويقول ابن القيم: «وقد يتوجه آخر وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر». فليس لمذنب أن يجعل من القدر تبريرًا للمخالفة، وليس له أن يتخاذل في طاعة الله بحجة أن الله لو أراد لجعله من المطيعين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1968

| 05 يناير 2024

آفة تضخيم الهدف

لكل إنسان أهدافه في الحياة، يستوي الناس في الأمنيات، ويختلفون في السعي والكد لبلوغ الأهداف، ومدى تجاوزهم للعقبات التي تحول بينهم وبين تحقيق أهدافهم. لكن ليست كل العقبات تأتي من الوسط المحيط أو البيئة الحاضنة، فكثير من هذه العوائق تكون داخل الإنسان ذاته، يضعها هو لنفسه من خلال تصوراته السلبية. من هذه العوائق التي يضعها الإنسان لنفسه على طريق الوصول إلى الهدف، هو آفة التضخيم، ونقصد به أن يستكبر الإنسان الأهداف والإنجازات ويستثقلها، ويظن أنها أكبر من أن يحققها، ما يشعره بالضعف والعجز أمام الإنجاز، فيقلع عن التفكير في القيام بها. ومثل هذا التفكير يعبّر عن عدم إدراك صاحبه لسنن الله في خلقه، فهو سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا وأحسن التوكل عليه، وكل الإنجازات العظيمة التي حققتها البشرية بدأت بأحلام، ظن الناس أنها من قبيل المستحيلات، ولكن مع جَلَد أصحابها وتحملهم وصبرهم، حققوا ما حلموا به. الأمر لا يحتاج إلى الكثير من العبقرية ليحقق الإنسان الأهداف والإنجازات، ولكن يحتاج إلى تصميم وعزم وإرادة صادقة، توماس أديسون مخترع المصباح الكهربائي الذي سجل 1093 براءة اختراع باسمه، لما سئل عن سر عبقريته، أجاب بأنه ليس عبقريا على الإطلاق، بل كانت درجاته الدراسية منخفضة للغاية، ولكن السر في تفوقه ونبوغه أنه يملك واحدا بالمائة من العبقرية وتسعة وتسعين في المائة من العرق والبذل والجهد والتصميم. وأعظم منه، رجل وحيد في الأربعين من عمره والعالم كله ضده ومع ذلك يقيم دولة تنتشر بين ربوع العالمين، وتغير وجه الكرة الأرضية إلى تاريخ الساعة، ويصنع أعظم أمة عرفها التاريخ، إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تكفيه هذه المعجزة بيانا على صدق رسالته. ربما يقال: هذا رسول مؤيد من عند الله، وهذا صحيح لكن ما رأيك في شاب يبلغ العشرين من عمره تطارده دولة بأكملها، فيهرب منها، وحيدا طريدا يعبر المحيط الأطلنطي بمفرده، ثم يقيم دولة في بلاد غريبة، صارت منبرا في العلم والحضارة في كل ربوع الأرض، إنه عبد الرحمن بن معاوية الملقب بصقر قريش، الذي حكم أسس الدولة الأموية في الأندلس. خرج مع أخ له لم يتجاوز الثالثة عشرة، هربا من العباسيين، فما إن وصلا شاطئ الفرات حتى أحاطوا بهما، فألقيا بنفسيهما في النهر وجدَّا في السباحة. بلغ التعب من الصغير مبلغه، ففترت همته وخارت قواه، وانخدع بالواقفين على الشاطئ يعطونه الأمان ليعود، فرجع إليهم رغم استجداء أخيه، وما كاد يصل إلى الرمال، حتى رأى عبد الرحمن أخاه وهو يذبح أمام ناظريه. وفي أفريقيا ظل عبد الرحمن مطارَدا يتنقل من بلد إلى آخر، وراح يجمع أشتات بني قومه الهاربين، واتصل بعدد كبير من قبائل البربر، وطوال هذه الفترة كان يدرس أحوال الأندلس، وما إن رتب أوراقه ونظم صفوفه، حتى توجه إلى قرطبة حاضرة الأندلس، وأقام فيها دولة فتية امتدت حضارتها عبر القرون، وصارت منارة أضاءت للشرق والغرب، ومنبعا لحضارة أوروبا الحديثة. أخبار أولي العزائم الصلبة لا تنتهي قديمًا وحديثا، لكن الشاهد من ذكر بعضها، هو التأكيد على أن صعوبة الهدف لا يعني استحالة الوصول إليه، فليس هناك محال، إلا المقطوع بأنه محال، عدا ذلك يتطلب الهدف سعيا وجهدًا وترتيبًا للأفكار وتخطيطا جيدًا للحركة. إن المرء الذي يستثقل الأهداف ويقعده صعوبة الطريق، غفل عن قوة الإنسان الكامنة التي أودعها الله عز وجل الإنسان، هو نفسه الإنسان الذي يروض الوحوش، ويبني من صخر الجبال، ويشق الأرض ويرتاد السماء، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2418

| 29 ديسمبر 2023

آفة تزيين الباطل

إن تزيين الباطل وإلباسه ثوب الحق والصحة حيلة شيطانية قديمة، مارسها الشيطان مع آدم فقال {قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120]، فأضفى على المخالفة والنهي صبغة مُحببة لئلا تنفر منها النفس، فأصبح العصيان طلبًا للخلد وملك لا يبلى، فكيف لا يُشتهى حينذاك! وهذا ما أُنبئ وأنبأ عنه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. أُشرب الناس هذه الخدعة الشيطانية على نطاق واسع، وهو مشاهد في واقعنا المعاصر، فالخمر تسمى مشروبات روحية، والشذوذ الجنسي حرية شخصية، والخلاعة فن، والربا فوائد.. إنها حيلة يراد بها قطع الروابط بين تلك المحرمات وأدلتها الشرعية، لأنهم لو سموا الفواحش باسمها لما وجد المغرضون سبيلًا لتهوينها في قلوب العباد، وما هي إلا فترة من الزمن تتربى الأجيال على تحريف مسميات الباطل، حتى تألفها وتصبح تلك المنكرات أمرًا اعتياديًا مألوفاً، فتضيع الأحكام الشرعية وتلك هي الطامة الكبرى. يقول ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان: «فتغيير صور المحرمات وأسمائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها زيادة في المفسدة التي حرمت لأجلها مع تضمنه لمخادعة الله تعالى ورسوله»، ثم يقول: «وأي فرق بين هذا وبين ما فعلته اليهود من استحلال ما حرم الله عليهم من الشحوم بتغيير اسمه وصورته فإنهم أذابوه حتى صار ودكا وباعوه وأكلوا ثمنه وقالوا: إنما أكلنا الثمن لا المثمن فلم نأكل شحما». فصنيعهم كصنيع اليهود، غضوا الطرف عن وجود المعنى المحرم، واستحلوا ما حرم الله اتكاءً على انتفاء الاسم الذي أطلقه عليه الشرع. قد طالت حرب المصطلحات هذه قلب القضايا العقدية والمنهجية والفكرية، فغدا تفريغ الدين من محتواه واختزاله في أطر ضيقة كسَمِّ الخياط وتمييع أحكامه وقبول التعددية ولو كانت إلحادًا، صار كل ذلك تنويرًا ووسطية واعتدالًا، في الوقت الذي قد يرمى المتدين المتمسك بشعائر دينه بالمتشدد المتعصب، بل تعدى إلى أكثر من ذلك، فصار من يدافع عن أرضه ضد الأعداء المحتلين إرهابيا متطرفًا، كما هو حال المقاومة الفلسطينية التي تناضل ضد المحتل الصهيوني، يلصق البعض بها تهمة الإرهاب، مع أن حقها في الدفاع عن أرضها مشروع تكفله الشرائع السماوية والقوانين الدولية وكل الأعراف الإنسانية. القاعدة الفقهية المعروفة تقول: «الْعبْرَة فِي الْعُقُود للمقاصد والمعاني، لَا للألفاظ والمباني»، فإن كان هذا هو شأن ما بين العباد، فكيف بما كان بين العباد وخالقهم من تشريعات وأحكام؟ هل يُلتفت إلى ما أحدثه الناس من مصطلحات براقة وتسمية المنكرات بها تدليسًا ويُعرض عن حقائقها؟ إنها دعوة لعدم الانسياق وراء تلك الخدعة الشيطانية، إننا مطالبون من أجل صيانة جناب الشريعة أن نسمي المنكرات باسمها، بل وبتحرير المصطلحات الوافدة التي يرددها البعض دون تمحيص، حتى تظل الأحكام الشرعية واضحة جلية كما جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إحسان الفقيه

1932

| 22 ديسمبر 2023

ضبط السلوك بين القضاء والضمير الإيماني

لئن كان المنهج الرباني أرقى وأسمى من أن يوضع مع غيره من قوانين البشر موضع المقارنة، إلا أنّ تزاحم المرجعيات النهائية في هذا العصر وكثرة أنصارها، تحتم بيان أوجه تميز هذا المنهج عن دساتير البشر التي بنيت على العقود الاجتماعية وأعراف البلاد وأهواء الرجال. ومما امتاز به التشريع في المنهج الإسلامي عن المناهج الأرضية، هو تكوين الوازع الديني والضمير الإيماني، ففي القوانين الوضعية يكون الهدف هو حفظ النظام الظاهر ومراعاة الصالح العام، والقضاء على مظاهر الانحراف المعلنة، ولا علاقة له بوأد الانحراف في نفوس البشر. وأما التشريع الإسلامي الذي يراعي مصلحة الفرد في إطار مصلحة المجموع، فإنه مع العقوبات الرادعة يخلص النفوس من سيطرة النزوات والشهوات والمادة، بربطها بالجزاء الأخروي الذي لن ينفع معه التدليس والتزوير وإخفاء الحقائق وطمسها، وهو ما لا يتوافر في القوانين البشرية التي تكتفي بالجزاء الظاهر فقط لردع الجاني عن الانحراف، دون أن تشمل منظومة قيمية تعزز من الرقابة الذاتية لدى الإنسان. عناية الإسلام بتنمية الوازع الديني إلى جانب القضاء الذي يحكم على الظاهر والدلائل والقرائن ويدع السرائر لخالقها، كان له أثر قوي في استجابة الناس إلى العمل بأوامر الله تعالى واجتناب ما نهى عنه، وذلك عندما ينتقل خوف العقاب في حس المؤمن من مجرد أذى مالي أو جسدي، إلى الخشية من عذاب أشد وأبقى في نار جهنم. القاعدة الأساسية في القضاء هي (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)، فإن المدعي تلزمه البينة وإلا ادّعى كل الحقَّ من ليس له الحق، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ لَذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ) رواه البخاري. ولكن قد يفقد المدعي البينة وهو صاحب حق، فيؤول الأمر إلى يمين المنكر، فهناك جزء في القضاء يتعلق بالضمير الإنساني. لذلك عندما يقف أهل الإيمان أمام القضاء في الخصومات، فإنهم لا تحكمهم كلمة القاضي فحسب، بل ضميرهم الإيماني ووازعهم الديني، فكما تقول القاعدة (قضاء القاضي لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا)، وهو ما أُخذ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّار» متفق عليه. وفي هذا تحذير لكل إنسان ألا يأخذ ما ليس له بحق ولو كان حكم القاضي لصالحه، لأن القاضي يحكم بحسب الظاهر لديه، ويبقى الخوف من جناب الله وتعظيمه وإجلاله وإيثار نعيم الآخرة الخالد على متاع الدنيا الزائف والعقاب الأخروي هو الرادع الأعظم لتجنب المخالفة. ومن جهة أخرى، يغرس المنهج الإسلامي أسمى المبادئ والقيم والأخلاق الحسنة في نفوس البشر، إذ جعل لها منزلة عظيمة، ورتّب على التخلق والتحلي بها مثوبة عظيمة تتوق لها النفس البشرية، فمن ثم يتحرك الإنسان في الحياة عبر منظومة قيمية وأخلاقية، تضبط سلوكياته مع الآخرين، وتجنبه أن يقع في موقع الظالم الجائر، حتى في غياب سيطرة القانون والعقاب، وهو ما امتاز به التشريع الإسلامي عن غيره، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1386

| 15 ديسمبر 2023

الأولياء بين الخرافة والدين

من هو وليّ الله؟ أهو الذي يمشي على الماء أو يطير في الهواء؟ أم هو صاحب الضريح الذي يقصده الناس لقضاء حوائجهم؟ وهل يعرف الولي علم الغيب المستقبلي؟ وهي الولاية تؤتى بالوراثة أو تحتكرها طبقة معينة من الناس؟ وهل تبيح الولاية لصاحبها ترك الفرائض بدعوى أنه قد رفع عنه التكليف وصار من الواصلين؟ إن الولاية صلة بالله لا يضع قوانينها ومعاييرها سواه وحده سبحانه وتعالى، ويتبين تعيينها من خلال نصوص الوحيين، فالله عز وجل قد عرف الولاية بقوله: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. وحول ذلك يقول ابن كثير في تفسيره: "يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، كَمَا فَسرهُمْ رَبُّهُمْ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ تَقِيًّا كَانَ لِلَّهِ وَلِيًّا". فكل من اتقى الله تعالى فهو ولي من أوليائه الصالحين الذين يحظون بمعيته، ولا يستلزم ذلك أن يكونوا من أهل الكرامات الخارقة للعادات، فاستقامته على أمر ربه تعالى هي أعظم الكرامات، فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبدا بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه، ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته". ومما ينافي التقوى والاستقامة ومن ثَم يناقض الولاية، ادعاء البعض بأنهم قد رُفع عنهم التكليف، فيتركون ما افترضه الله عليهم، وهذا محض كذب وافتراء، فسيد البشر وخير المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم خاطبه ربه قائلًا {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} وهو الموت كما ذكر المفسرون، ويتحفنا القرطبي هنا بلطيفة من لطائف تفسيره، فيقول: "فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فائدة قول: "حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" وَكَانَ قَوْلُهُ: "وَاعْبُدْ رَبَّكَ" كَافِيًا فِي الْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ. قِيلَ لَهُ: الْفَائِدَةُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: "وَاعْبُدْ رَبَّكَ" مُطْلَقًا ثُمَّ عَبَدَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ مُطِيعًا، وَإِذَا قَالَ "حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" كَانَ مَعْنَاهُ لَا تُفَارِقْ هَذَا حَتَّى تَمُوتَ. لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته رغم الأوجاع والآلام محافظًا على أداء الفريضة، وكانت الصلاة آخر وصاياه. إن الولي لا يعلم الغيب من دون الله، فالله سبحانه وتعالى لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول، سواء كان رسولا بشريًا أو رسولًا ملكيًا، ومقام النبوة حتمًا أعظم من مقام الولاية، ومع ذلك لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، بل أمره القرآن أن يبين للناس هذه الحقيقة (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ). إن كرامات الأولياء ثابتة بالكتاب والسنة وأجمعت عليها الأمة، فمنها مثلا كرامة أهل الكهف في لبثهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا في كهفهم دون طعام أو شراب، وكرامة اختصاص مريم أم المسيح عليه السلام بوجود الفاكهة في غير أوانها، وكرامة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما نادى أثناء خطبته في المدينة القائد سارية بن زنيم بأن يحتمي بالجبل وهو بالعراق، فأخبر سارية بعد مقدمه أنه سمع صوت عمر فصعد الجبل. لكن الحق الذي عليه أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أن الكرامة من فعل الله لا دخل للولي فيها وليس له كسب في الكرامة، ولا يظهرها بقصد ولا يتحكم فيها، ولا تُؤتى برياضات معينة، وهي تأتي للعبد تثبيتا وطمأنة لقلبه، لذلك قالوا إن كرامات الصحابة أقل ممن جاء بعدهم، لأنهم كانوا على إيمان أكثر رسوخا. وليس كل أمر خارق للعادة يعد كرامة أو دليلا على الولاية، فكثير منها يتلبس بأحوال شيطانية، قال الشافعي رحمه الله: "إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، فلا تغتروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة"، نسأل الله أن يقيمنا على سنة النبي صلى الله وسلم وطريقته، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

4554

| 08 ديسمبر 2023

أفسِحوا للتائبين

قال بعض أهل الوجع: الحمد لله الذي جعل الرزق في السماء {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}، ولو كان في الأرض بيد الناس لمتنا جوعًا، الحمد لله الذي جعل التوبة بيده يفتح أبوابها ما لم تطلع الشمس من مغربها، ولم يجعلها بيد العباد وإلا هلكنا بذنوبنا وحوكمنا عليها بأثر رجعي. من منا من لم يجب داعي الهوى؟ ومن منا لم تغلبه نفسه وهو على وحدانية الله شاهد؟ لن يكون لنا وجود إذا لم نفعل، فهكذا أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» صحيح مسلم. ولقد أوجب الله التوبة على عباده جميعًا وعلّق فلاحهم عليها {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور: 31]، ومن الذنوب التي ينبغي على صاحبها أن يتوب، ذنب الظلم الذي يصدر من البعض تجاه التائب. يظلمون التائب عندما يلوحون له في الغدوة والروحة بذنوبه السابقة التي تبرأ إلى الله منها، ويعيرونه بها، ويدقون الطبول عليها حينًا بعد حين، ولو بحث هؤلاء في سيرة خير القرون، لما وجدوا هذا المسلك الجاهلي مع التائبين، فلم يعيروا أحدًا بأنه كان يسجد لصنم، فإن كان هذا الحال مع سابقة الشرك، فكيف مع سابقة ما هو دونه؟! لم يكن هذا دأبهم، بل كانوا يفرحون بتوبة العباد وانضمامهم إلى خندق التائبين، كيف لا، ورب العزة تبارك وتعالى يفرح بتوبة عبده فرحًا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله « لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كانَ رَاحِلَتُهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ كذلكَ إِذ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ «. رَوَاهُ مُسلم وقد ورد في كتاب الزهد لأحمد بن حنبل أن الحسن البصري قال «كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ قَدْ تَابَ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ». فكيف يطيق قوم قد خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم أن يعيروا إخوانهم بالذنوب؟! النيل من التائب فيه إعانة للشيطان عليه، وربما انقلب من بعد توبته ونكص على عقبيه بكلمة تخذيل من أخيه المسلم، ولذا حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسلك، فقد أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ اضْرِبُوهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ لَا تَقُولُوا هَكَذَا لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ)، وحول ذلك يقول الإمام ابن حجر رحمه الله «وَوَجْهُ عَوْنِهِمُ الشَّيْطَانَ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يُرِيدُ بِتَزْيِينِهِ لَهُ الْمَعْصِيَةَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الْخِزْيُ فَإِذَا دَعَوْا عَلَيْهِ بِالْخِزْيِ فَكَأَنَّهُمْ قَدْ حَصَّلُوا مَقْصُودَ الشَّيْطَانِ». وما أجمل كلمات ابن القيم رحمه الله وهو يحلق في كتابه الماتع «طريق الهجرتين» حول مشهد الحكمة في تخلية الله بين العبد وبين الذنب، فأورد لذلك حكمًا عظيمة جليلة، ذكر منها: «أنه يوجب له الإِحسان إلى الناس والاستغفار لإخوانه الخاطئين من المؤمنين فيصير هجِّيراه – أي عادته-: ربِّ اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، فإنه يشهد أن إخوانه الخاطئين يصابون بمثل ما أُصيب به، ويحتاجون إِلى مثل ما هو محتاج إليه، فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم يحب أن يستغفر هو لأخيه المسلم». كم من تائب بات في فراشه يتململ كالسقيم، تشق دموعه طريقها على خديه قهرًا وهو يجد إخوانًا في الإيمان يزدرونه ويحتقرونه، وينابزونه بتاريخه في مخالفة الرحمن، فيُخضعون التعامل معه لمشاعرهم لا لتعاليم دينهم، فذلك ذنب يحتاج إلى توبة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1302

| 01 ديسمبر 2023

alsharq
وثائق إبستين ووهْم التفوق الأخلاقي

عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...

14673

| 08 فبراير 2026

alsharq
الرياضة نبض الوطن الحي

يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...

1449

| 10 فبراير 2026

alsharq
ماذا بعد انتهاء الطوفان؟

لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...

807

| 10 فبراير 2026

alsharq
قطر والسعودية ركيزة للاستقرار الإقليمي

تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...

624

| 05 فبراير 2026

alsharq
التأمين الصحي 2026

لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...

594

| 11 فبراير 2026

alsharq
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟

يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...

546

| 09 فبراير 2026

alsharq
من 2012 إلى 2022

منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...

507

| 11 فبراير 2026

alsharq
الموبايل وإبستين.. الطفولة في خطر

لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...

498

| 09 فبراير 2026

alsharq
قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...

483

| 08 فبراير 2026

alsharq
«تعهيد» التربية.. حين يُربينا «الغرباء» في عقر دارنا!

راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...

456

| 12 فبراير 2026

alsharq
الجنة وطريقها..

«الآخرة التي يخشاها الجميع ستكون بين يديّ الله،...

447

| 05 فبراير 2026

alsharq
الصحة في قبضة الخوارزميات

يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...

435

| 10 فبراير 2026

أخبار محلية