رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تربية الأبناء بالقدوة الحسنة

كثيراً ما يستولي الخوف والقلق على المربي؛ خوفاً على أبنائه من الانفتاح الثقافي والمعرفي، والذي قد يشعر معه المربي بالعجز عن ملاحقته، وتفنيده، للاستفادة من النافع منه وتجنب الضار، وكثيراً ما يشغله سؤال: كيف يكون صاحب التأثير الأقوى على أبنائه كي يتمكن من تربيتهم وفق معايير التربية الراشدة؟. إن الإجابة هي بين جنبي المربي نفسه؛ وهي أن يتحقق فيه وصف القدوة، ويعتمد نجاحه في أداء مهمته التربوية على مدى تطبيقه «هو نفسه» لما يدعوهم إليه ويربيهم عليه، فيكون قد جمع لهم بين التلقين المستمر «شفهيا» والتطبيق الثابت «عملياً»، وعندئذ يكتسب المربي القوة الجاذبة لأبنائه وطلابه؛ إذ يمثل في أذهانهم المصداقية التي تستحق ثقتهم بجدارة وتمنحهم الأمان أكثر من أي وسيلة تأثير أخرى داخل البيت أو خارجه. إنّ القوة التربوية في (القدوة الحسنة) المتحلية بالفضائل العالية، ترجع إلى أنها تعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل من الأمور الممكنة، وأن ذلك في متناول القدرات الإنسانية، لأن شاهد الحال أقوى من شاهد المقال؛ لذلك أرسل الله تعالى إلى البشر رسلاً من جنسهم البشري ليكونوا لهم قدوة ومثالاً يُحتذى، ولقد كان أوائل هذه الأمة على دراية واعية بأهمية القدوة وتأثيرها في واقع الأطفال، وهذا الإمام الشافعي يوصي مؤدب أولاد الخليفة قائلا: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تكرهه». ولا يزال أهل التخصص يؤكدون أن أسلوب القدوة من أنجح أساليب التربية على الإطلاق، وهو من المفاهيم التربوية التي يمكن الاصطلاح عليها بـ (التربية بالنموذج)، ويعني: تجسد المفاهيم والقيم التي يتربى عليها الابن أو الطالب في شخص المربي، أو في شخص غيره ممن كان يعيش في زمان قبله، أو في زمانه المعاصر. ويعزز من أهمية التربية بالقدوة وعمق تأثيرها، الاستعداد الفطري للطفل للتقليد والمحاكاة، حيث يولد ولديه حساسية شديدة تجاه تصرفات الوالدين والكبار المحيطين به؛ فالأطفال أكثر تأثراً بالقدوة، إذ يعتقد الطفل في سنواته الأولى أن كل ما يفعله الكبار صحيح، وأن آباءهم أكمل الناس وأفضلهم، لهذا فهم يقلدونهم ويقتدون بهم تلقائياً في كل شيء. والتناقض بين القول والفعل في سلوك المربي يفسد شخصية الأطفال، ويجعل فهمهم للقيم والأخلاقيات التي يُربى عليها مضطربا، فهذا التناقض والازدواجية في شخصية المربي هو قاصمة الظهر التي تهدم معالم الفضيلة في مخيلة أبنائه وطلابه، ويصبح عندئذ ضرره على أبنائه كبيرًا؛ إذ يقدّم لنا أشخاصاً مذبذبين لا يعرفون الثبات على المبدأ، يحسنون الكلام الأجوف الخالي عن العمل والتطبيق، وذلك هو بعينه المقت الكبير الذي حذرنا الله تعالى من الوقوع فيه. ولا يكفي ذكر الفضيلة وتطبيقها مرة واحدة لكي يتعلمها الطفل، ولكن لابد أن يرى المربي يفعلها بشكل ثابت ومتكرر، لتثبت في نفس الطفل وتترسخ فيها، وهذا الأسلوب هو ما يعرف بـ (التأثير التراكمي)، حيث إن مجموعة من الأفعال المتكررة على مدى أيام أو شهور أو أعوام يكون لها من التأثير ما ليس للعارض المنقطع. خلق الكرم - مثلاً - لا يترسخ في وجدان الطفل عبر رؤية فعل الوالدين له مرة أو مرتين، وإنما يتفاعل معه تعلما وتطبيقا إذا تكرر هذا الفعل من قبل المربي، بحيث يبدو أنه سجية وطبع، وحينئذ يتعامل الطفل مع هذا الخلق على أنه هو الأصل في الإنسان. ومن النماذج العملية في توريث هذا الخلق بالقدوة العملية، ما أوْرده ابن حجر في كتابه «الإصابة في تمييز الصحابة» من خبر سعد بن عبادة الأنصاري رضي الله عنه، فقد كان مشهوراً بالجود هو وأبوه، وجده، وولده، وكان لهم أطم - صخرة كبيرة عالية - يُنَادَى عليها كل يوم: من أراد شحماً ولحماً فليأت سعداً، ثم استمر ولده محافظًا على هذا الخلق الكريم بعد وفاة والده، فكان ينادي كل ليلة: من أراد شحمًا ولحمًا فيأتِ قيسًا». فلا مفر من تمثل المربي ما يدعو أبناءه إليه واقعًا في حياته، فأعينهم على ما يفعل لا على ما يقول، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2397

| 08 سبتمبر 2023

القناعة الزائفة

لا شك أن القناعة والرضا بما قسمه الله للإنسان وعدم التسخط عليه هو أمر عظيم محمود، جاء الإسلام بالتأكيد عليه، فقد حث عليه القرآن الكريم وتضمنته الوصايا النبوية. بيد أن كثيرا من الناس يسيء التعامل مع شأن القناعة، ويظنون أنها تتعارض مع طلب المعالي وإطلاق عنان الطموح، فقعدت بهم هممهم عن التخطيط للمستقبل وطلب الريادة والتميز والتفوق بحجة أنهم قانعون بأحوالهم راضون بما قسم الله لهم. وهذا لا ريب جهل عظيم، فالقناعة تعني الرضا وعدم التسخط على نصيب المرء ولو كان قليلا وشكر المنعم سبحانه عليها مهما قلّت، وليس معناها ألا يطمع الإنسان في فضل الله وأنعمه، وليس معناها أن يغض المرء بصره عن المستقبل، وإلا فبم نفسر ادخار النبي صلى الله عليه وسلم لأهله قوت السنة، وكيف نفهم دعاء سليمان عليه السلام ربه بأن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده! نحن نُسلم بأن الطمع والجشع خلقان ذميمان ولا شك، إلا أن علو الهمة في طلب الكمال وقوة العزيمة في تحقيق الأهداف من أهم أخلاق المؤمن الصادق، بل العاقل، كما يقول ابن الجوزي: «من أعمل فكره الصافي دلّه على طلب أشرف المقامات، ونهاه عن الرضا بالنقص في كل حال، وقد قال أبو الطيب المتنبي: ولم أر في عيوب الناس عيبا..... كنقص القادرين على التمام. فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصور للآدمي صعود السموات، لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد لرأيت المقصر في تحصيلها في حضيض، غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي له أن يطلب الممكن، والسيرة الجميلة عند الحكماء خروج الناس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل». انتهى كلام ابن الجوزي. دعانا الله تعالى إلى طلب الكمال ومعالي الأمور، فقال حاكيا عن عباده المؤمنين دعاءهم: (واجعلنا للمتقين إماما)، وقد امتلأ تاريخنا العظيم بقصص الذين كانت هممهم تناطح الجبال، فهذا هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، يحكي عن نفسه الطموحة فيقول: «إن لي نفسا تواقة، وإنها لم تعط من الدنيا شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما أعطيت ما لا أفضل منه في الدنيا: الخلافة، تاقت إلى ما هو أفضل منه: الجنة». ويشرح لنا رؤيته أكثر فيقول: «إن لي نفسا تواقة، تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك، فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، ثم تاقت نفسي إلى الجنة». وهذا المسلم الداهية أبو مسلم الخراساني الذي أسقط دولة بني أمية ووطد أركان الدولة العباسية، كانت له طموحات عظيمة ترفعه إليها همته العالية، حتى أنه عندما كان صغيرا كانت أمه تراه يتقلب على فراشه، فتقول له: أي بني، ما بك؟ فيقول: همة يا أمي تناطح الجبال. ويقول عنه الإمام الذهبي: «كان ذا شأن عجيب ونبأ غريب، رجل يذهب على حمار من الشام حتى يدخل خراسان، ثم يملك خراسان بعد تسعة أعوام، ويعود بكتائب أمثال الجبال، ويقلب دولة ويقيم دولة أخرى، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الفادحة الشديدة فلا يُرى مكتئبا». فينبغي إذن للمؤمن العاقل أن تكون له طموحات عظيمة تمكنه من تحقيق التفوق والنجاح، إرضاء لله وتحقيقا لعبودية الله في الأرض، وأن يكون صاحب همة عظيمة لا ترضى بالدون، لأنه كما يقال: «من يرمي بقوسه نحو القمر، فحتى إذا لم يصبه سيقع سهمه بين النجوم»، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2085

| 01 سبتمبر 2023

حتى تصيب الهدف

تحديد الأهداف في الحياة شيء مُجمع على لزومه للإنسان، بيْد أننا كثيرا ما نخلط بين الهدف والأحلام، فالأحلام بحرها واسع قد تتجاوز حيز المعقول والممكن ولا تحكمها ضوابط، أما الهدف فهو محكوم بمعايير وضوابط حتى يكون هدفا فعالا وليس أمنية يطلقها المرء سرًا أو جهرًا. وليس كل شيء يصلح أن يكون هدفا، وليس الهدف حالة شعورية معزولة عن عامل الوقت، لذلك لابد وأن يتسم الهدف بخصائص معينة حتى يكون فعالا: أولا: المشروعية بمعنى أن يتفق الهدف مع التشريع الإلهي، فكل هدف محرم وبال على صاحبه في الدنيا والآخرة، فإنْ يكون هدف المرء إنشاء مصنع للخمور، فعليه تبعات ذلك الأمر في حياته وبعد مماته، لذلك يقول د.عبد الكريم بكار: «الذين لا يأبهون لشرعية الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها يحيون حياة مضطربة ممزقة، تختلط فيها عوامل البناء بعوامل الهدم، الهدف غير المشروع قد يساعد على تحقيق بعض النمو في جانب من جوانب الحياة، لكنه يحط من التوازن العام للشخصية، ويفجر في داخلها صراعات مبهمة وعنيفة». ثانيا: الدقة والوضوح: لابد وأن يكون الهدف واضحا ومحددا، لا غموض فيه، فلا يصح مثلا أن يكون الهدف الحصول على وظيفة مرموقة دون تحديد، لكن تقول مثلا: هدفي أن أكون مديرا لإحدى شركات الاستثمار العقاري. يقول صاحب كتاب «حتى لا تكون كلًّا»: «من وضوح الهدف أن يكون إيجابيا لا سلبيا، أي تحدد ما تريده بوضوح، إذ أن من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس عند سؤاله عن هدف أنه يذكر لك ما لا يريده، أما ما يريده فهو غير واضح في ذهنه، أو لم يفكر فيه أصلا، ومن وضوح الهدف أن تتخيل أكبر قدر ممكن من تفاصيله كأنه منجز متحقق حاصل بين يديك». ثالثا: القابلية للتقويم والقياس فالرياضي الذي يريد اكتساب سرعة فائقة، يحدّد مسافة العدْو التي يقطعها بوقت محدد يوميا، ليستطيع مع الوقت قطع نفس المسافة في فترة زمنية أقل، وبهذا يخضع هدفه للقياس والتقويم، ما يمنحه القدرة على تحقيقه، حيث إنه كلما أدرك مدى التقدم الذي يحرزه في تلك الخطوات صوب الهدف، ارتفعت معنوياته وزادت ثقته بنفسه. رابعًا: القابلية للتحقيق فالمرأة التي تهدف إلى إنقاص وزنها بمقدار خمسين كيلو في شهر واحد، تضع هدفا غير واقعي، فهذه السمنة تكونت خلال سنوات من تراكم الدهون في الجسم، وبالتالي لن ينقص وزنها على هذا النحو الذي تريد إلا بعد فترة طويلة من ممارسة نظام غذائي ورياضة تساعدها على ذلك. ومثل هذه المرأة تحكم على نفسها بالفشل، فالطبيعي أن يمر الشهر دون أن يتحقق هدفها، فتصاب بالإحباط، وربما عزفت بشكل كلي عن بذل الجهد لإنقاص الوزن. ومن طرائف ما يروى في ذلك، أن ملكاً أثناء عودته من رحلة بمملكته الشاسعة، شعر بألم في قدميه، فقرر أن يفرش طرقات المملكة بأسرها بالجلد لئلا تتورم قدماه ثانية، فقال له الوزير: يا سيدي لم لا تغطي قدميك بالجلد؟ فالأهداف لابد لها من واقعية وإمكانية. خامسًا: مراعاة الزمن يقول الدكتور إبراهيم الفقي: «لابد لهدفك من إطار زمني، فبالوقت يمكن أن تحقق أهدافك، بالضبط مثل السماء والنجوم تتحرك جميعها جنبا إلى جنب». فينبغي أن تكون للأهداف نقطة بداية ونقطة نهاية، بوضع فترات زمنية محددة لتحقيق الأهداف، كمن يريد تعلم أساسيات البرمجة مثلا، لابد أن يضع خطة تتضمن جدولا زمنيا محددا لإنجاز هذا الهدف، أما وضع أهداف دون وضع إطار زمني لها، فهو مجرد أمنيات.ومراعاة الزمن إنما ينبع من الشعور بقيمة الوقت، ولك أن تتخيل كيف ألف أبو الوفاء بن عقيل كتاب الفنون في 400 مجلد؟ كلمة السر في ذلك مراعاته للزمن، فهو يقول: «إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره «.تلك هي أبرز سمات الهدف الفعال، وإنما يلتزمها المرء لقناعته بأهمية هذا الهدف، وبغير الأهداف لا يحيا الإنسان، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2433

| 25 أغسطس 2023

خطر الغلو في الصالحين

قال الله تبارك وتعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213]، قال ابن عباس وغيره في ظلال هذه الآية: "كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ. فَاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ". فالله جل في علاه قد فطر الناس على توحيده، وظلت البشرية على تلك الفطرة الشاهدة على الوحدانية إلى أن طرأ عليها الشرك، وأول حدوثه كان في قوم نوح، عندما اتخذوا أصناما آلهة يعبدونها من دون الله. جريمة الشرك لم تحدث بين يوم وليلة، بل مهد لها الشيطان أمدًا طويلا، آخذًا الناس بمبدأ التدرج، وذلك عندما مات بعض الصالحين من قوم نوح، فسول لهم الشيطان أن ينصبوا في مجالسهم أصناما لتذكرهم بهؤلاء الصالحين فينشطوا للتأسي بهم، ففعلوا، ومع طول الأمد وتناسي العلم سوّل لهم عبادتها فعبدوها، فأرسل الله إليهم نوحا عليه السلام لردّهم إلى الصراط السوي. قال تعالى {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23].قال ابن عباس رضي الله عنها: "أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ". دخل إليهم الشيطان من هذا المدخل لعلمه أن النفوس المؤمنة تأبى مجرد التفكير في عبادة غير الله، لكنه زحف إليهم هذا الزحف الناعم، ومن هنا ندرك أن الغلو في الصالحين والمبالغة في تعظيمهم وإنزالهم مكانة ليست لهم، هو أبرز الطرق الموصلة إلى الشرك. ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم مع عظم جنابه، على تربية جيل الصحابة على النأي عن الغلو فيه ذاته، فكان يقول: (لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ) أي لا تبالغوا في مدحي فتنزلوني منزلة لم ينزلنيها الله تعالى. وعندما رجع معاذ بن جبل من الشام، سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، والذي استنكر ذلك بقوله: (ما هذا يا معاذ؟ قال:أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تفعلوا فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). فمعاذ لم يكن يقصد بسجوده للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعبده، وإنما لإظهار الاحترام والتوقير، ولكن منعه النبي صلى الله عليه وسلم حفاظا على عقيدة التوحيد، امتثالا للتشريع الذي نسخ ما كانت عليه بعض الشرائع السابقة التي كانت تتيح السجود للبشر على سبيل التحية كما في قصة نبي الله يوسف عندما سجد له أبواه. كما أكد القرآن الكريم على كون النبي صلى الله عليه وسلم بشرا، مغلقا الباب على أتباعه حتى لا يغالوا فيه، وبهذا التأكيد ينسف كل ادعاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم مخلوق من نور وجه الله، أو أنه يعلم الغيب من دون الله، فهو بشر يوحى إليه، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. فإذا كان هذا يقال بحق أحب خلق الله إلى الله، وأكثر الناس إيمانا وتقوى، فكيف يُغالى فيمن هو أقل منه شأنا! من ينظر إلى واقع أمتنا، يرى بوضوح مآلات الغلو في الصالحين وتقديسهم، فهناك من هذه الأمة من يسجدون لشيوخهم في الحياة وأمام قبورهم بعد الممات، ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحوائج والشفاء ونحوه، بل هناك من يعتقد أن إمامه يعلم الغيب من دون الله، وكل ذلك سببه تقديس هؤلاء والغلو فيهم. مهما ظهر الصلاح على الإنسان فصلاحه لنفسه، يُجزى به، لكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن نبالغ فيمن رأينا عليه الصلاح أو نغالي في تعظيمه، فهو بشر، لا يملك لنفسه الضر ولا النفع، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. [email protected]

2172

| 18 أغسطس 2023

الشباب والغريزة

من الأخطاء الجسيمة التي تقع في إطار توجيه وإرشاد الشباب، هي إعطاؤهم ذلك الانطباع بأن الغريزة الجنسية وحشٌ يصعب ترويضه، وأنهم لن يستطيعوا التعامل معها وكبح جماحها إلا بجهد مضنٍ، والأدهى من ذلك أن يتم تحقير هذه الغريزة في أعين الشباب. وهو مسلك مُحبط للشباب لا ريب، إذ يرون أنه يلزمهم للتعامل مع الشهوة والسيطرة عليها أن يكون لهم خلق الأنبياء. أول ما يجب تعزيزه في نفوس الشباب بشأن الغريزة، أن يتم تغيير مفهومهم عنها، فهي ليست عيبًا وليست قدحا في الإنسان الذي جُبل على هذه الرغبة تجاه الجنس الآخر، فهي فطرة، والفطرة ليس فيها قبيح، فالله تعالى يقول {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14]. يقول محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار محلقا حول هذه الآية: "فإن الله تعالى ما فطر الناس على شيء قبيح، وكيف يكون حب النساء في أصل الفطرة مذمومًا وهو وسيلة إتمام حكمته في بقاء نوع الإنسان". كما ينبغي أن يدرك الشباب جيدًا، أن استقامتهم على أمر العفاف وصون النفس عن العبث في هذا الشأن وتحصين أنفسهم من الوقوع في الرذيلة، أمرٌ يدخل في نطاق استطاعتهم وطاقتهم وقدرتهم، فالله تعالى هو الذي أمرهم بذلك، وهو نفسه القائل في كتابه الكريم: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فمحال أن يأمر الله تعالى الناس بالعفة وهم غير قادرين عليها، لكن الشهوة تنال من المرء عندما يفتح على نفسه أبوابها المحرمة، ويبتعد عن شريعة ربه تعالى. ومن الطرق الناجعة التي يستطيع بها الشباب التعامل مع الغريزة، تغيير الإدراك، والانتقال من منطقة التفكير في إيجاد مجال غير نظيف لها، إلى التركيز على الآثار السلبية المترتبة على ذلك، وهو ما سلكه النبي صلى الله عليه وسلم مع الشاب الذي جاء يستأذنه في الزنا وهمّ الناس أن يقعوا به، فأدناه النبي صلى الله عليه وسلم منه، ثم قال له: (أتحبه لأمك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم...). فجعله النبي صلى الله عليه وسلم لا يلتفت إلى هتاف الشهوة، وإنما التركيز على عواقب هتك الأعراض، في حين أنه لا يقبل بهتك عرضه، وربما كانت فيه إشارة وترهيب من القاعدة المطردة (الجزاء من جنس العمل). ولئن كان الإقبال على الزواج هو أول ما ينصح به الشباب لمواجهة إلحاح الغريزة، إلا أنه لا يكفل وحده منع الإنسان من الإقدام على انحرافات الغريزة، فالوقوع في الرذائل يقع في نطاق المتزوجين أيضا، لذلك لا غنى عن البناء الإيماني القائم على المداومة على طاعة الله واتقاء الذنوب، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم، يوجّه رجلًا أصاب من امرأة فيما هو دون الفاحشة، توجيها عمليا يُعلي من البناء الإيماني لديه عن طريق طاعة الله التي تحرق الشهوات، فعندما أتاه وذكر له ذلك نزل قول الله تعالى ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) فقال يا رسول الله ألي هذه؟ قال لمن أخذ بها). وهذا هو المعنى الذي دار حوله ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين عندما قال "اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه فلها نور وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفا لا يحصيه إلا الله تعالى.. وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ذنبا إلا أحرقه". نسأل الله تعالى أن يصلح شباب الأمة ويهديهم إلى سواء السبيل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. [email protected]

3966

| 11 أغسطس 2023

مصيدة احتقار الذات

في كل مجال وميدان، يكون هناك دائما تطرف وتطرف مضاد، حتى في نظرة الإنسان إلى نفسه، هناك من يتطرف بالاغترار والعُجْب والكبر ويرفع نفسه إلى الثريا بغير وجه حق، وهناك في المقابل من يتطرف باحتقار نفسه وينزلها دائما منازل الدون والهوان. وكثيرا ما يكون الخطاب الوعظي متضمنا التحذير من الكبر، وقلما يتضمن التحذير من احتقار الذات، وهو ما ترمي إلى تناوله هذه السطور. عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يحقر أحدكم نفسه) قالوا يا رسول الله: كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: (يرى أمرا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه)، فكثير من الناس يحتقر نفسه، ويقلل من قدراته وإمكاناته إلى الحد الذي يصيبه بالإحباط والعجز، من ثم يشعر أن النجاح والتميز خلق من أجل الآخرين من القادة والعظماء وليس له، لأنه من وجهة نظره ليس أهلا لذلك النجاح، لذلك يرضى ويقبل بأي شيء، وينتظر ما تأتي به الأيام في سلبية واستسلام، دون أن يصنع لنفسه أهدافا عظيمة يسعى لتحقيقها. وليست هذه دعوى للسخط على الأقدار أو ترك القناعة، وإنما دعوة للفهم الصحيح للقضاء والقدر، والذي كان المسلمون في الصدر الأول ومن تبعهم بإحسان على وعي به، فهم يأخذون بالأسباب وينتقلون من حال إلى أخرى بعلمهم أن المقادير لها أسباب، وفي واقعة طاعون الشام التي حدثت في عهد الصحابة أمر الخليفة عمر بن الخطاب بعدم دخول الشام أو الخروج منها، فيما يعرف اليوم بالحجر الصحي، فقيل له: أفِرارا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله". وليس من المعقول أن يعيش المسلمون مشاعر العجز والفشل والإحباط ورؤية الضعف في النفس، والرضا بذلك، وهم الذين يرددون قول ربهم تعالى (واجعلنا للمتقين إماما). وليس من التقوى أو الورع أو الزهد أن يقلل الإنسان من شأن نفسه، أو يحتقرها، أو يجحف إمكاناتها وقدراتها، فهذا لم يأمر به الدين، وكثير من أبناء الأمة وقعوا ضحايا الخلط بين الكبر وبين تقدير الذات من ناحية، وبين التواضع المحمود واحتقار الذات من ناحية أخرى. الكبر هو احتقار الناس مع رد الحق وإنكاره، وهذا عند الله عز وجل جُرم عظيم، أما تقدير الذات أو الثقة بالنفس هو أن يعرف العبد ما حباه الله من إمكانات لتحقيق عبودية الله في الأرض والقيام بمهمة الاستخلاف، ويعتقد جازما أن هذه المواهب هي محض فضل من الله ومنته، فلا يركن إلى النعمة وينسى المنعم سبحانه وتعالى. وهذا أمر مطلوب بلا شك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على زرعه في نفوس أصحابه، وليس أدل على ذلك من هذه الألقاب العظيمة التي كان يطلقها على أصحابه، فيلقب أبا بكر بالصدّيق، وعمر بن الخطاب بالفاروق، وخالد بن الوليد بسيف الله المسلول، وأبا عبيدة بن الجراح بأمين الأمة، وحمزة بن عبد المطلب بأسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم كثير من صحابته الكرام، ممن رباهم النبي على عينه، فجمعوا بين تقدير الذات والثقة بالنفس الدافعة إلى معالي الأمور، وبين التواضع المحمود الذي يقيهم عاقبة الغرور والاستكبار. وأما احتقار الذات المعجز للنفس والذي يدفع إلى الفشل واليأس والإحباط، فليس من ديننا العظيم في شيء، وتأمل معي قول الله تعالى بشأن الهدهد (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به)، حيث مكث الهدهد زمنا غير بعيد، ثم حضر فعاتبه سليمان على مغيبه وتخلفه، فقال له الهدهد: علمت ما لم تعلمه من الأمر على وجه الإحاطة، وجئتك من مدينة سبأ باليمن بخبر عظيم الشأن، وأنا على يقين منه. فانظر إلى ذلك الهدهد العظيم الذي كان سببا في إيمان مملكة بأكملها، قد عرف قدر نفسه وقيمتها، ولم يحتقرها أو يقلل من شأنها، فالمسلم أولى بأن يثق فيما حباه الله من قدرات، ويتقي الوقوع في مصيدة احتقار الذات، بعيدا عن الغرور والكبر، بل يكون بين ذلك قواما، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

3339

| 04 أغسطس 2023

حقيقة العبودية

من أبرز المفاهيم الإسلامية التي تم تحريف معناها واختزاله واجتثاثه، مفهوم العبودية لله رب العالمين، فما إن يذكر لفظ العبودية حتى تنصرف الأذهان إلى الصلاة والصيام والزكاة والحج والذكر والشعائر التعبدية المعروفة فحسب، فلئن كانت هذه أجل العبادات، إلا أن مفهوم العبادة أوسع وأشمل من ذلك بكثير. فالله تعالى خلق الخلق لعبادته كما دل القرآن الكريم {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، ومن أجل هذه الغاية سخر الله للإنسان ما على الأرض وما في السماء ليقوم بمهمة العبودية والاستخلاف، فهل كل ذلك من أجل بضع ركعات أو صيام النهار أو إخراج جزء يسير من المال أو قراءة القرآن وأداء الحج فحسب؟ العبادة معنى شامل لكل حركة وسكنة يؤديها الإنسان في مرضاة ربه، فهي كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة". فإذا عُلم ذلك، فإن العبادة يتسع معناها، لتشمل السمت الحسن، وبشاشة الوجه، والإصلاح بين الناس، وإتقان العمل، والنظافة، والحفاظ على البيئة، وإسعاد الآخرين، والحفاظ على الصحة، واكتساب القوة، والأخذ بأسباب الحضارة والتقدم والرقي، والتيسير على العباد، والرفق حتى مع الحيوانات، وإعمار الأرض، بل محبة الخير للناس وكراهية الشر لهم، وكل ذلك له أدلته من الكتاب والسنة، ولذا يدخل في معنى العبادة، لأنه قول أو فعل يحبه الله ويرضاه. ومن هنا ندرك كيف يكون التشجير والزرع مثلا عبادة، فقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ). لقد أدرك السابقون هذه الحقيقة، حتى إن أحدهم ربما تقرب بمشاعر الرحمة بالعباد إلى خالقه، فهذا أويس القرني من التابعين، والذي حجبه ضيق اليد عن التصدق فقال: "اللهم إني أعتذر إليك من كل كبد جائعة، ومن كل جسد عارٍ، فليس لي إلا بما على ظهري وفي بطني". وعندما كان هذا المفهوم الشامل للعبادة ماثلا أمام أعين المسلمين السابقين، برعوا في علوم الكيمياء والطب والفلك والرياضيات والصناعات وغيرها من مفردات الحضارة، فهم يتقربون إلى ربهم بتحصيل أسباب القوة والازدهار. لقد أدى اختزال مفهوم العبادة واجتثاث كثير من مفرداتها، إلى حالة التقوقع التي مرت بها الأمة في بعض عهودها، فانصرف بعض الناس عن التعاطي مع الواقع وشؤون الدنيا، بحجة التفرغ للعبادة، ولو فطنوا لمعناها الحقيقي لالتمسوا الأجر في الإعمار ورعاية شؤون الناس ومداواتهم وبناء مساكنهم وحياكة ثيابهم، وطباعة الكتب العلمية سواء كانت في علوم الدين أو الدنيا. كما أدى اختزال مفهوم العبادة، إلى حالة من الانفصام في حياة المسلمين، فيعتقد بعضهم أن كل ما عليه أن يؤديه هو الصلاة والزكاة والصيام والحج، لأنها تمثل كل العبادة وفق مفهومه القاصر، ثم على الجانب الآخر تجده يتساهل في المعاملات المالية، ولا يخالط الناس بخلق حسن، ويتكاسل عن تقديم العون لغيره، غير مدرك أن الأخلاق الحسنة من أعظم العبادات التي يتعبد بها لربه تعالى. العبادة بمعناها الشامل، تخرُج بالإنسان من محرابه إلى هذا الفضاء الرحب، لتجعله عنصرا فاعلا منتجا في مجتمعه وأمته، وتعيد صياغة سلوكياته وتنظم علاقاته مع الناس والبيئة. هذا الشمول في معنى العبادة، هو المراد من قوله تعالى {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]، عندما تكون كل حركة وسكنة وقول وعمل قربة إلى الخالق سبحانه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. [email protected]

2430

| 28 يوليو 2023

الإسلام والحضارة

معظم الأفكار التي تنادي بإقصاء المنهج الإسلامي، يربطون بينه وبين التخلف والجهل والرجعية التي تعاني منها بلادنا، ويدّعون بأنه ليس كفيلا بوضعنا على مسار السباق الحضاري، على الرغم من أن التاريخ يضم في صفحاته حضارة إسلامية ساطعة، فتحت الطريق أمام العالم بأسره للتقدم والازدهار. لقد جاء الإسلام بمنهج شامل متكامل لإسعاد البشرية، وإخراجها من الضيق إلى السعة ومن الجور إلى العدل، جاء بمنظومة عقدية تشفي النفوس الحائرة في قضية الكون، وتجيب على أسئلته الهائمة بشأن الخلق، وجاء بمنظومة من القيم والأخلاق التي تتسم بالثبات لأنها ربانية المصدر، وبالواقعية فتتناغم مع طاقات البشر وقدراتهم، وبالمرونة أيضا، فهي تراعي الحالات الخاصة، فيبيح الإسلام مثلا الكذب على الزوجة لتأليف قلبها. وجاء الإسلام كذلك إلى الإنسان بمهمة الاستخلاف وعمارة الأرض، باعتبار الإنسان موضوع الرسالة، فهو يدعو للأخذ بأسباب الحضارة والقوة وإعمار الحياة، ويعتبر ذلك من صميم العبودية التي خلق الله الناس من أجل تحقيقها، وإنك لتقرأ في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وصية عظيمة بهذا الصدد: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها). إنه يجعل من عمارة الأرض شيئا تتصل به الدنيا بالآخرة، فهما طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الجنة. هو ذلك الإسلام الذي قال لمعتنقيه {فامشوا في مناكبها} هو الذي قال {وأعدوا}، هو الذي قدم لنا في الكتاب قصة ذي القرنين بأبعادها الحضارية، والهدهد السليماني بأبعادها الإدارية والقيادية، تعليما للناس كيف بالإسلام يعيشون وبه يرتقون. ولما استمسك المسلمون الأوائل بالكتاب والسنة وعضوا عليهما بالنواجذ، أفرز ذلك حضارة إسلامية بلغت المشارق والمغارب، وقدمت أنموذجا فريدا في سياق التاريخ. وإنَّ ما أصاب الأمة من تخلف وتدهور لا يستطيع أحد إنكاره، قد أصابها بعد نأي أبنائها عن المنهج، والسير وراء كل ناعق يستورد أفكارا سادت في أرض غير الأرض، ومناخ غير المناخ، واجه بها الغرب ظرفا زمنيا قاهرًا، وواجهوا أوضاعا سيئة بحلول أخرى سيئة. العلاقة بين الإسلام والتحضر، علاقة طردية، متى تمسك به أتباعه تقدموا وازدهروا، حتى إذا ما جعلوه وراءهم ظهريا تخلفوا وتنكبوا، فهو ليس مسئولا عن التخلف، وإنما يُسأل عن ذلك من حصروه في المساجد والزوايا والتكايا، أو قالوا بأن الدين لا يصلح لهذا الزمان، أو قاموا بتفريغه واختزاله إلى علاقة بين العبد وربه. لقد أنصف بعض الكتاب والفلاسفة الغربيين عندما خرجوا عن قيود التعصب الأعمى، وأظهروا الحقيقة الساطعة بين الإسلام والتحضر والتقدم، ومن هؤلاء الفيلسوف الفرنسي «جوستاف لوبون» في كتابه «حضارة العرب» إذ يقول عن العرب: «الجامعات الأوروبية ومنها جامعة باريس عاشت مدة ستمائة عام على ترجمات كتبهم وجرت على أساليبهم في البحث، وكانت الحضارة الإسلامية من أعجب ما عرف التاريخ «. ومنهم المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» حيث تقول: «إن أوروبا مدينة للعرب وللحضارة العربية، وإن الدين الذي في عنق أوروبا وسائر القارات للعرب كبير جدا. وكان يتعين على أوروبا أن تعترف بهذا الفضل منذ زمن بعيد، لكن التعصب واختلاف العقيدة أعميا عيوننا وتركا عليها غشاوة». وفي كتابه «معالم تاريخ الإنسانية»، يقول الكاتب البريطاني هـ. ج. ويلز عن المسلمين العرب: «وتقدموا في الطب أشواطا بعيدة على الإغريق، ودرسوا علم وظائف الأعضاء،... وكان لجراحيهم دراية باستعمال التخدير، وكانوا يجرون طائفة من أصعب الجراحات المعروفة. وفي ذات الوقت التي كانت الكنيسة تحرم فيه ممارسة الطب انتظارا منها لتمام الشفاء بموجب المناسك الدينية التي يتولاها القساوسة، كان لدى العرب علم طبي حق». إنها غيض من فيض شهادات غربية بالحضارة التي قامت على الإسلام، نخاطب بها دائما المنبهرين ببريق الغرب الذين يتهمون الإسلام بالمسؤولية عن تخلفنا عن ركب الحضارة، مع أنه في الأزمان التي تمسك فيها المسلمون بهذا المنهج أقاموا حضارة أدهشت الأمم، وإننا لم نتخلف عن الركب الحضاري إلا بعدما نأينا عن التمسك بهذا المنهج الذي يوفر كل سبل التقدم والازدهار، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2562

| 21 يوليو 2023

وإذا قلتم فاعدلوا

العدل جزء أصيل من رسالة الإسلام التي عبر عنها ربعي بن عامر في قولته الشهيرة: "الله ابْتَعَثنا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضيق الدنيا إلى سعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ". كثير من العباد إلا من رحم الله، يطلق لسانه بالتجريح والتشهير والنقد الهدام والحكم على الآخرين بغير ميزان العدل والقسط. وذلك الظلم فاقم من فساد العلاقات بينهم، ودب فيهم داء الاختلاف، ولذلك لا عجب أن ذهب شيخ الإسلام بن تيمية إلى أن الظلم - إضافة إلى الجهل - أبرز أسباب الفرقة والاختلاف، فقال مؤكدا على العدل في الغضب والرضا وسائر الأحوال: "الْإِنْسَانُ خُلِقَ ظَلُومًا جَهُولًا فَالْأَصْلُ فِيهِ عَدَمُ الْعِلْمِ وَمَيْلُهُ إلَى مَا يَهْوَاهُ مِنْ الشَّرِّ فَيَحْتَاجُ دَائِمًا إلَى عِلْمٍ مُفَصَّلٍ يَزُولُ بِهِ جَهْلُهُ وَعَدْلٍ فِي مَحَبَّتِهِ وَبُغْضِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَفِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَإِعْطَائِهِ وَمَنْعِهِ". وعدّ رحمه الله الظلم من أسباب سقوط الدول ورفعتها، فيقول: "عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى: "اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً". ولقد أفاض القرآن البيان في لزوم العدل قولا وفعلا مع الناس، بما يحقق الاستقرار والتواد في المجتمع الإسلامي، فمن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}، ونقل ابن كثير قولا بليغا لابْنَ مَسْعُودٍ حول هذه الآية، إذ قال: إِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ}. وأمر الله تعالى بالقسط مع كل الناس دون اعتبار صفة القرابة والدم والنسب، فقال {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}. بل أمر بالعدل مع الخصوم، فقال {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ} أي: لا يحملنكم بغض {قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا} كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط، بل كما تشهدون لوليكم، فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له، ولو كان كافرا أو مبتدعا، فإنه يجب العدل فيه. ومن أبرز مميزات المنهج الإسلامي فيما يتعلق بقيمة العدل، أنه ألزم به في التعامل مع غير المسلمين، فتراه يشهد لبعض اليهود على عدواتهم، بأداء الأمانة، فقال جل وعلا: "{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}. لذلك امتلأت صفحات التاريخ الإسلامي بقصص عظيمة في العدل مع غير المسلمين، ومن أروع الأمثلة في العهد النبوي حول العدل مع غير المسلمين، ما جاء في صحيح البخاري أن نفرًا من الأنصار (انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا، وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ: قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا، قَالُوا: مَا قَتَلْنَا وَلاَ عَلِمْنَا قَاتِلًا، فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا، فَقَالَ: «الكُبْرَ الكُبْرَ» فَقَالَ لَهُمْ: «تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ» قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: «فَيَحْلِفُونَ» قَالُوا: لاَ نَرْضَى بِأَيْمَانِ اليَهُودِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ). ومعنى الكبر الكبر: أي قدموا في الكلام أكبركم، ومعنى (يبطل دمه) أي يتركه يذهب هدرا بدون دية. فانظر إلى عظمة المنهج الإسلامي، فمع أنه قُتل في ديار خيبر، ورغم وضوح الأدلة بأن اليهود قتلوا الأنصاري، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بالقاعدة التي أرساها الإسلام في مثل هذه الحال "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، فطالب الأنصار ببذل البينة والدليل على أن اليهود هم قاتلوه، وطالب اليهود بالحلف، وحتى تطيب نفس الأنصار دفع لهم دية قتله مائة من إبل الصدقة، دون أن يتخلى عن العدل مع اليهود. لقد تفاقم واستشرى في الأمة ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (بئس مطية الرجل زعموا)، فاعتمد فئات من الناس في الحكم على الآخرين على نقل الكلام بدون تثبت وبدون برهان، فيقولون قال الناس كذا وكذا، دون مراعاة منهج الإسلام في الحكم على الآخرين، وأن الدعاوى لا تثبت إلا بيقين وبرهان. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

3180

| 14 يوليو 2023

فقه مراعاة المصالح والمفاسد عند ابن تيمية

في هذا العصر الذي ازدادت فيه مساحات الاختلاف والتعارض، كثرت الحاجة إلى الاهتمام بفقه المصالح والمفاسد، وليس ذلك مدخلا للتساهل في تطبيق الأحكام كما ينظر إليه بعض أهل الغلو، فالتشريع الإسلامي قام على تحقيق المصلحة الخالصة أو الراجحة وتجنب المفسدة. ولقد كان الاهتمام بفقه المصالح والمفاسد محل عناية واهتمام كثير من العلماء، كان من أبرزهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والذي يعد هذا المجال جزءًا أساسًا في شخصيته الإصلاحية، فكثيرا ما أصّل لهذا الفقه وتناول تطبيقاته كما دلت عليها مواقفه وسيرته. وتكمن أهمية إبراز هذا الجانب في أن الأمة بصفة عامة وكثير من العلماء بصفة خاصة يتخبطون في هذا الباب، والذي تتفرع عنه قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان من الضروري بيان الضوابط التي كان يراها شيخ الإسلام لهذه الشعيرة في ضوء مراعاة المصالح والمفاسد ومقاصد الشريعة التي يدور حولها الدين كله، وفيه كذلك رد على اتهام شيخ الإسلام بأنه صاحب منهج هدّام. ومن أقواله الدالة على مراعاته لهذا الجانب قوله في مجموع الفتاوى: "وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات. ويرى ذلك من الورع كمن يدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ويرى ذلك من الورع، ويمتنع عن قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفية ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع ". وقوله أيضا: " الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما". ومما يدل على اهتمامه بهذا الجانب جهاده تحت راية نظام سياسي يختلف معه صيانة للدولة من الأخطار الخارجية، وعلق الدكتور محمد عمارة على ذلك بقوله في تقديمه لكتاب (ابن تيمية والآخر): "كان شديد البصر والبصيرة بالمخاطر الخارجية التي تحدق بحضارة الإسلام وديار الإسلام، وفي هذا الميدان كان شديد الوعي بفقه الأولويات حتى لقد حمل السلاح وحارب الصليبيين والتتار تحت قيادة النظم السياسية التي مات في سجونها، فضرب لنا مثلا في الوعي الحضاري بفقه الأولويات لا زلنا في حاجة إلى فقهه حتى هذه اللحظات". ونرى اهتمامه بهذا الجانب ينعكس على تقديره المصلحة والمفسدة في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك ما ذكره عنه تلميذه ابن القيم في كتاب إعلام الموقعين حيث قال: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، فدعهم". كما يظهر اهتمامه بذلك الجانب في فتواه ببقاء من تولى عن حاكم ظالم بهدف تخفيف الظلم كما يظهر في مجموع الفتاوى حيث يقول: لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم ؛ ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها. ودفع أكثره باحتمال أيسره: كان ذلك حسنا مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيدا. وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد فمن طلب منه ظالم قادر وألزمه مالا فتوسط رجل بينهما ليدفع عن المظلوم كثرة الظلم وأخذ منه وأعطى الظالم مع اختياره أن لا يظلم ودفعه ذلك لو أمكن: كان محسنا ولو توسط إعانة للظالم كان مسيئا". لكن ينبغي العلم، أن تقدير المصالح والمفاسد لا يكون بالأهواء، ولكن بما يوافق الشريعة، فإذا جاء النص بترجيح مصلحة وجب العمل بها، أما الاجتهاد فإنما يكون حيث لم يرد نص يغلّب مصلحة ما، وإلا كان عبثا بالشريعة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

5085

| 07 يوليو 2023

إنكار حُجّية السنة دعوة هدّامة

جاء في الحديث النبوي: (لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا)، وهو منطق بشري معروف، ينتهجه كل من أراد تزييف الحقيقة وتحسين وجه الباطل. وعلى هذا النهج، انبرى البعض لتزيين دعوة هدامة بلباس التقوى، ونادوا بالاقتصار على القرآن ونبذ حُجّية السنة، وسموا أنفسهم بالقرآنيين من باب تحسين منهجهم والانتساب إلى القرآن. يستدلون بالآية {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}، وهذا استدلال فاسد لا ريب، فليس معنى أن القرآن تبيان لكل شيء أنه قد أحاط بجزئيات الحوادث والوقائع وفصّل أحكامها، فالقرآن لم يتعرض لكل الجزئيات والتفاصيل، وإنما بيّنها عبر مبادئ كلية وقوانين عامة وأحاط في الجملة بكل الأصول والقواعد الضرورية كأساس لكل نظام وقانون. فجاءت السنة شارحة للقرآن ومفسرة له، بل ومكملة له، كما جاء في الحديث: (أَلا إِنِّي أُوتيت الْكتاب وَمِثْلَهُ مَعَهُ). وكيف تُنكر حُجّية السنة النبوية وقد أوجب الله تعالى طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يقرب من مائة آية، فمن ذلك قوله تعالى {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا }، وقوله {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. فما جدوى الأمر بطاعة الرسول إن كان بوسعنا الاكتفاء بما جاء في القرآن؟! ثم إنه من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبين بأقواله وأعماله ما ينبغي للناس فعله إزاء الحوادث والوقائع، يستقيه من الوحي أو بالاجتهاد الذي يقومه الوحي، وحكم بين الناس في كثير من قضاياهم بأحكام لم يرد تفصيلها في القرآن الكريم، فكيف تستقيم هذه الحقائق مع هذه الدعوة. احتجوا لمسلكهم بأن السنة فيها الموضوع والضعيف، وقولهم هذا حجة عليهم، فكيف علمنا بالضعيف والموضوع لولا أن السنة معصومة، كما يقول الشاطبي في الاعتصام. وكما أن القرآن حفظه الله بنفسه دون أن يكل مهمة حفظه للعباد، فإن سنة النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال عصمها الله تعالى بأن هيأ أهل العلم الذي اعتنوا بتمييز الصحيح من السقيم ونقحوا السنة من كل دخيل، وتشددوا في قبول الرواة فيما يسمى بعلم الجرح والتعديل، فكان السهو والشك في صدق الراوي كفيلًا برد روايته. من شأن هذه الدعوة أن تُعطل معظم الأحكام الشرعية لأنها ثبتت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من القرآن الكريم الذي جاء كما أسلفنا بالقواعد والمبادئ العامة المجملة، وترَك التفصيل لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالصلاة على سبيل المثال لم يحدثنا القرآن الكريم عن أنها خمس صلوات في اليوم والليلة، ولا عدد ركعات كل صلاة، ولا كيفيتها وصفتها وما يقال في قيامها وركوعها وسجودها، ولم يحدد شروط الإمامة وغير ذلك من المسائل الكثيرة التي لم تُفصل إلا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ناظر الصحابي الجليل عمران بن حصين أحد الخائضين في هذه القضية، فقال الرجل: يَا أَبَا نجيد (يعني عمران بن حصين) إِنَّكُم تحدثوننا بِأَحَادِيث لم نجد لَهَا أصلا فِي الْقُرْآن، فَغَضب عمرَان وَقَالَ للرجل: قَرَأت الْقُرْآن؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَهَل وجدت فِيهِ صَلَاة الْعشَاء أَرْبعا وَوجدت الْمغرب ثَلَاثًا والغداة رَكْعَتَيْنِ وَالظّهْر أَرْبعا وَالْعصر أَرْبعا؟ قَالَ: لَا: قَالَ. فَعَمَّن أَخَذْتُم ذَلِك، ألستم عَنَّا أخذتموه وأخذناه عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ أوجدتم فِيهِ من كل أَرْبَعِينَ شَاة شَاة وَفِي كل كَذَا بَعِير كَذَا وفي كل كَذَا درهم كَذَا. قَالَ: لَا. قَالَ فَعَمن أَخَذْتُم ذَلِك؟ ألستم عَنَّا أخذتموه وأخذناه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَقَالَ: أوجدتم فِي الْقُرْآن: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} أوجدتم فِيهِ فطوفوا سبعا واركعوا رَكْعَتَيْنِ خلف الْمقَام، أَو وجدْتُم فِي الْقُرْآن: لَا جلب وَلَا جنب وَلَا شغار فِي الْإِسْلَام؟ أما سَمِعْتُمْ الله قَالَ فِي كِتَابه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}؟ إنها جريمة كبرى ترتكب في الأمة أن تروج الدعوة لإقصاء السنة والاكتفاء بالقرآن، وينبغي التصدي لها بالحكمة والموعظة الحسنة والتوعية بأخطارها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1560

| 30 يونيو 2023

إنما تُجرى الأحكام على الظاهر

تتجلى عظمة وشمولية الدين في وضع تشريعات تفصيلية لتنظيم شؤون الناس وعلاقاتهم في المجتمع الواحد، ومن ذلك وضع قواعد للحكم على الآخرين، لئلا يُترك هذا الأمر للأهواء فيكثر الفساد في الأرض. وإن من أبرز هذه القواعد التي تمس واقع الناس بقوة، أن الأحكام لا تُجرى على النيّات والبواطن، وإنما تجرى على ظاهر أفعال الناس، لأنه لا سبيل لمعرفة بواطنهم، ولو ساغ ذلك لما كان للعدل في هذه الحياة نصيب. لم يختلف أحد من علماء المسلمين على أن الأحكام بين الناس تجرى على الظاهر، وأما السرائر فموكولة إلى الله تعالى يقضي فيها بعلمه في الدار الآخرة، كما بين الشاطبي في كتاب الموافقات: "أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما أيضا، فإن سيد البشر صلى الله عليه وسلم مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه". قطع الشرع الطريق على إيقاع الظلم على الناس بالحكم على بواطنهم، وهو أمر يظهر في اعتماد قضايا الدعاوى إلى الحديث الشريف الذي يمثل قاعدة جليلة بهذا الشأن: (البينة على من أدعى واليمين على من أنكر) رواه البخاري، فالمُنكِر الذي يلزمه اليمين ربما يقسم زورًا وباطلًا، لكن يُقبل منه ظاهره طالما أن المُدعي يفتقد البينة، وهو أمر عام، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم احتاج إلى شاهد على أنه ابتاع فرسًا من أعرابي أنكر ذلك، فلما شهد له خزيمة بن ثابت جعل شهادته بشهادة رجلين. استدل أهل العلم على أن الأحكام تجرى على الظاهر لا الباطن، بعدة أدلة، منها قول الله تبارك وتعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. قال الشوكاني:" وَالْمُرَادُ هُنَا: لَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَيْكُمْ وَاسْتَسْلَمَ: لَسْتَ مُؤْمِنًا، فَالسَّلَمُ وَالسَّلَامُ كِلَاهُمَا بِمَعْنَى الِاسْتِسْلَامِ وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ، أَيْ: لَا تَقُولُوا لِمَنْ ألقى إليكم السلام- أَيْ: كِلَمَتَهُ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ-: لَسْتَ مُؤْمِنًا وَقِيلَ: هما بمعنى التسليم، الذي هو تحية أَهْلِ الْإِسْلَامِ، ....وَالْمُرَادُ: نَهْيُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ أَنْ يُهْمِلُوا مَا جَاءَ بِهِ الْكَافِرُ مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَيَقُولُوا: إِنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بِذَلِكَ تَعَوُّذًا وَتَقِيَّةً". ولنا في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين عبرة، فقد كان يعلم نفاق بعضهم، ومع ذلك لم يعاملهم معاملة المُظهر للكفر لا في النكاح ولا المواريث ونحوهما، فكانوا يرثون من المؤمنين ويرث المؤمنون منهم، يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بعض أسمائهم لكنه حرص على تقرير هذا الأصل في التعامل مع الناس، لأنهم أمام المؤمنين يصلون صلاتهم ويستقبلون قبلتهم ويصومون كما يصومون ويحجون ويغزون. آفة الحكم على بواطن الناس واتهام نواياهم استشرت كنتيجة طبيعية للنأي عن تعاليم الشريعة، وهو باب عظيم من أبواب الشرور وتعميق الشقاق والخلاف بين الناس، فالذي يحكم على نية غيره وباطنه يظل مصرا على دعواه دون بينة لأنه انساق بهواه إلى ذلك، والذي يُوجَّه إليه الاتهام في نيته وباطنه لن يستطيع إقناع الآخر بغير ذلك، فتبقى الحقائق عالقة. الحكم على بواطن الناس جرأة وقحة على الشريعة التي أكدت على هذا الأصل، ولو ترك الشارع للناس أمر الحكم على النوايا لعاشت البشرية أسوأ كوابيسها، وضاعت الحقوق وسفكت الدماء، لكن الله تعالى حكيم، عليم بما يصلح العباد، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

4923

| 16 يونيو 2023

alsharq
شعاب بعل السامة

تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...

6846

| 23 فبراير 2026

alsharq
عندما كانوا يصومون

رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...

858

| 25 فبراير 2026

alsharq
تحديات الحضانة

تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل...

714

| 20 فبراير 2026

alsharq
زاد القلوب

كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...

681

| 20 فبراير 2026

alsharq
تفاصيل رمضانية

جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...

672

| 25 فبراير 2026

alsharq
التجارب لا تُجامِل

استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...

594

| 24 فبراير 2026

alsharq
قفزة تاريخية في السياحة

كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...

591

| 22 فبراير 2026

alsharq
سلام عليك في الغياب والحضور

لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...

546

| 23 فبراير 2026

alsharq
الجسد تحت منطق «التكميم الرقمي»

انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...

504

| 19 فبراير 2026

alsharq
هكذا يصنع الصيام مجتمعاً مترابطاً

لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...

495

| 22 فبراير 2026

alsharq
الكلمة الطيبة عبادة

الكلمة في ميزان الإسلام ليست صوتًا يذوب في...

483

| 24 فبراير 2026

alsharq
قطر ومجلس السلام

تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...

471

| 20 فبراير 2026

أخبار محلية