رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالعزيز السريع.. رجل المسرح النبيل

لم يكن خبر رحيل عبدالعزيز السريع خبرًا عابرًا في صباح عادي، بل كان أشبه بانطفاء مصباح قديم اعتدنا أن نستدلّ به ونحن نعبر عتمات الأسئلة الكبرى. ثمة أشخاص لا يغادرون المشهد لمجرد أنهم رحلوا، لأن حضورهم كان أعمق من الجسد، ولأن أثرهم تسرّب طويلًا إلى الوعي، وإلى اللغة، وإلى تلك المساحة الهشة التي نقف فيها بين الفن والحياة. عبدالعزيز السريع واحد من هؤلاء الذين حين يرحلون، لا يتركون فراغًا فقط، بل يتركون مسؤولية ثقيلة على من تبقى؛ أن يتذكره كما ينبغي، وأن يكتب عنه بقدر ما كتب هو عنّا. كان أبو منقذ من الذين منحوا المسرح الكويتي روحه، لا بالادعاء ولا بالصوت العالي، بل بالعمل الصبور، وبالإيمان العميق بأن الخشبة ليست مكانًا للعرض فحسب، بل مساحة للمساءلة، وللاختبار الأخلاقي، ولإعادة النظر في علاقة المرء بذاته وبالآخرين. اشتغل على المسرح بوصفه معرفة وموقفًا وفعلًا لا ينفصل عن السياق الاجتماعي والسياسي والإنساني، ولذلك لم يكن كاتبًا يُستهلك مع الزمن، بل صاحب أثر يتجدد كلما تغيّر السؤال وتبدّل المشهد. في تجربته المسرحية، لم يكن السريع يكتب ليُرضي، ولا ليؤكد ما هو سائد، بل ليزعج الثابت، وليفتح شقوقًا في السرديات المطمئنة. كانت شخصياته مشغولة بالإنسان وليس بالشعار، وبالأسئلة أكثر من الأجوبة، وبالهشاشة بوصفها جزءًا من القوة لا نقيضًا لها. ولهذا ظل حضوره فاعلًا، حتى حين خفت الضوء، وحتى حين غاب الجسد. في عام 2012، وهو يُعدّ لكتابه المهم «حديث المسرح»، وهو كتاب يُشبه سيرة فكرية بقدر ما هو تأمل نقدي في الحركة المسرحية الكويتية والخليجية والعربية، فاجأني بطلب كتابة مقدمته. حاولت التملص، لا تواضعًا مصطنعًا، ولكن حرجًا حقيقيًا من فكرة أن تكتب التلميذة مقدمة لكتاب أستاذها، فقال لي بهدوئه الذي لا يترك مساحة للاعتراض: لن يكتبها غيرك، ولن يصدر الكتاب بغيرها. وحدث ما قال. كتبت المقدمة، وكنت أعرف أنني أقدّم شهادة، وأنني أضع اسمي في مساحة أمانتها أثقل من المجاملة، وأصدق من الاحتفاء. ذلك الكتاب كان وثيقة حيّة عن مسرح عاشه السريع وشارك في صناعته وواجه من خلاله الهجوم والتهميش وسوء الفهم، كما واجه النجاح والتقدير والجدل. كان يرسم صورة واضحة للمعالم الكبرى في الحركة المسرحية في الكويت، ويضيء على رجالها ونسائها، ويستعيد تفاصيل المشهد بوصفه كائنًا حيًا، يتألم ويتعافى ويتغير، لا بوصفه أرشيفًا جامدًا. اليوم، ونحن نودّعه، نرثيه ونستعيده، ولا نغلق الصفحة قبل أن نعيد قراءتها. العزاء لابنه الأستاذ منقذ، أخي وزميلي في سنوات الدراسة الجامعية، ولابنته الغالية نادية، الصديقة النبيلة، ومستودع الطيبة والحب، ولأسرته الكريمة، ولمحبيه، وللمسرح الذي فقد أحد أنبل حرّاسه. أما هو، فيمكنه أن ينام هادئًا، لأن الكلمة التي زرعها لم تمت، ولأن أثره ما زال يقف معنا، كلما أظلم السؤال، وكلما احتجنا إلى من يذكّرنا بأن الفن ليس ترفًا، بل مسؤولية لا تسقط بالتقادم.

39

| 02 فبراير 2026

احترام رأي أم تواضع مزيف؟

نردّد بعض العبارات الشهيرة بحسن نيّة، ونرفعها إلى مقام الفضيلة، ونظنّ أننا كلما تشبّثنا بها ازددنا رقيًّا واتساعًا، غير أننا لا ننتبه إلى اللحظة الدقيقة التي تنقلب فيها هذه الفضيلة إلى عبء ثقيل، وإلى قيد ناعم يلتف حول المعنى والذات معًا. من أكثر هذه العبارات شيوعًا وأشدّها التباسًا مقولة احترام الرأي الآخر، تلك العبارة التي تبدو بريئة في ظاهرها، نبيلة في مقاصدها، لكنها في بعض السياقات تتحوّل إلى ذريعة للتراجع، وإلى مبرر صامت للتقليل من شأن أنفسنا وأفكارنا ومواقفنا، وكأن الاحترام لا يكتمل إلا على حساب ما نؤمن به. يتعلّم المرء الحوار عادة بالتجربة وبالاحتكاك وبالخطأ، ويتعلّم معه أن الإصغاء لا يعني الذوبان، والقبول لا يستلزم التنازل، والانفتاح لا يفرض تعليق العقل عند أول اختلاف. غير أن الخطاب العام، بشقّيه الثقافي والاجتماعي، نجح في ترسيخ معادلة ملتبسة مفادها أن من يتمسّك برأيه يُتّهم بالتعصّب، وأن من يدافع عن قناعته يُدرج فورًا في خانة الإقصاء، وكأن الرأي الآخر كائن هشّ يحتاج إلى حماية دائمة من أي نقاش جاد، أو من أي سؤال قلق. نقع في هذا الفخ حين نساوي بين الرأي بوصفه تعبيرًا حرًّا، وبين كل ما يُقال مهما كان سطحيًا أو مضللًا أو عديم المسؤولية. نقع فيه حين نخشى أن نبدو حادّين فنخفّف لغتنا، ونخشى أن نبدو واثقين فنعتذر عن يقيننا، ونخشى أن نبدو مختلفين فنقدّم تنازلات لا يطلبها أحد سوى خوفنا الداخلي من سوء الفهم أو من العزلة. وهنا يبدأ الاحترام في فقدان معناه الأخلاقي، ويتحوّل إلى سلوك دفاعي، وإلى نوع من المجاملة الفكرية التي لا تحمي الحقيقة ولا تصون الكرامة. الاحترام الحقيقي لا يُختبر في لحظات التوافق، بل في مناطق التوتر الهادئ، حين يقول المرء: أنا أسمعك، وأفهم منطلقك، وأختلف معك، من دون أن يشعر بالحاجة إلى تبرير اختلافه أو تليينه أو الاعتذار عنه. احترام الرأي الآخر لا يعني تعليق ميزان النقد، ولا يعني تجميد القيم، ولا يعني مساواة الجهد المعرفي بالانطباع العابر. هو اعتراف بحق الآخر في الكلام، لا بمنحه حصانة من المساءلة، وهو إقرار بوجوده، لا إلغاء لوجودي. في كثير من النقاشات، نلاحظ كيف يُطلب من أصحاب المواقف الواضحة أن يكونوا أكثر ليونة، بينما لا يُطلب من أصحاب الآراء الهشّة أن يكونوا أكثر عمقًا. يُطلب من المثقف أن يبسّط موقفه حدّ التفريغ، ومن الكاتب أن يخفّف حدّته حدّ التمييع، ومن صاحب التجربة أن يضع خبرته على الهامش كي لا يُشعر غيره بالنقص. وهكذا، باسم الاحترام، يُعاد توزيع الأدوار على نحو غير عادل، ويُكافأ التردّد، ويُشكّك في الثبات، وتُستبدل الجرأة بالحذر. ليس المطلوب أن نرفع أصواتنا، ولا أن نتحوّل إلى قضاة، ولا أن نمارس وصاية على أحد، بل المطلوب أن نستعيد ثقتنا بأن الرأي الذي يتكئ على معرفة، ويتغذّى من تجربة، ويُقال بوضوح، لا يحتاج إلى اعتذار. المطلوب أن نفصل بين الاحترام بوصفه قيمة إنسانية، وبين الخضوع بوصفه سلوكًا مكتسبًا. أن نُدرك أن التواضع لا يعني تصغير الذات، وأن اللياقة لا تعني إخفاء القناعة، وأن الحوار لا يعيش إلا حين يكون الطرفان حاضرين بكامل أصواتهم. حين نكفّ عن التقليل من شأن أنفسنا تحت لافتات براقة، وحين نعيد تعريف احترام الرأي الآخر بوصفه مساحة مشتركة لا ساحة إلغاء، نكون قد أنقذنا المعنى من التآكل، وأنقذنا أنفسنا من صمت لا يشبهنا، ومن تواضع مزيّف لا يليق بتجربة مرّت بما يكفي لتعرف أن الكلمة الواضحة، حتى حين تكون حادّة، أصدق من صمت مهذّب يخفي خوفًا لا فكرة.

252

| 26 يناير 2026

الموناليزا حين تتكلم

عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال! بعض المحاضرات لا تنتهي أفكارها عند حدود القاعة التي تقدم فيها، بل تبدأ هناك، ثم تواصل عملها في أعماقنا بصمت. من هذا النوع كانت المحاضرة التي قدّمها الباحث الكويتي بدر العجمي قبل أيام في الكويت بعنوان «سر الموناليزا لتحقيق النجاح: انعكاس الذات بين أسرار الفن والعقل الباطن»، حيث لم تُقرأ اللوحة بوصفها أثرًا فنّيًا محفوظًا في متحف، وإنما ككائن حيّ، يختبر وعينا، ويقيس قدرتنا على النفاذ خلف السطح، وعلى تفعيل البصيرة بدل الاكتفاء بالنظر. منذ البداية، بدا واضحًا أن الحديث لن يتوقف عند جماليات الشكل ولا عند التاريخ الفني للعمل، بل سيمضي أبعد، إلى منطقة شائكة وحسّاسة، منطقة ما وراء المعنى، حيث تتقاطع ظواهر الأشياء مع بواطنها، وحيث لا يعود النجاح نتيجة رقمية أو صورة اجتماعية، بل حالة وعي، وقدرة على قراءة ما لا يُصرَّح به. كانت الموناليزا حاضرة لا كامرأة مرسومة، بل كبنية نفسية مفتوحة، وكحالة إدراكية تختبر المتلقي بقدر ما ينظر إليها. ما شدّني في طرح المحاضِر، وفي النقاشات الحيوية التي تفاعلت معه، هو هذا الإصرار الذكي على أن سرّ الموناليزا لا يكمن فيما نراه مباشرة، بل فيما نشعر به دون أن نستطيع القبض عليه لغويًا. الابتسامة ليست لغزًا بصريًا بقدر ما هي تمرين على البصيرة، على تلك القدرة الداخلية التي تلتقط الإيحاء قبل التفسير، وتقرأ الصمت قبل الكلام. وهنا، تحديدًا، تتجلّى العلاقة العميقة بين الفن والعقل الباطن، حيث لا تعمل الأشياء بمنطق مباشر، وإنما عبر طبقات من الحدس والتجربة والذاكرة. توقفت كثيرًا عند فكرة أن دافنشي لم يكن معنياً بتقديم معنى واحد، بل بتدريب العين والعقل معًا على رؤية التعدد. الخلفية الثرية، والمسارات غير المستقيمة، وتوازن الضوء والظل، كلها عناصر لا تُكمل المشهد بقدر ما تفتحه، وكأن اللوحة تقول إن الحقيقة لا تُمنح دفعة واحدة، وإن البصيرة لا تعمل إلا حين نقبل بعدم الاكتمال. هذه المقاربة، كما طُرحت في المحاضرة، أعادت تعريف النجاح بوصفه قدرة على فهم الظواهر دون الوقوع في فخها، وعلى العبور من الشكل إلى الجوهر دون تعالٍ أو ادّعاء. النقاشات التي دارت أثناء المحاضرة عمّقت هذا الفهم، خصوصًا حين جرى الربط بين البصيرة كأداة إدراك، وبين النجاح كمسار داخلي طويل. كان لافتًا كيف جرى تفكيك الفكرة الشائعة عن النجاح بوصفه وضوحًا دائمًا، واستبدالها بفكرة أكثر إنسانية، ترى في التردد، وفي السؤال، وفي المراجعة، عناصر قوة لا علامات ضعف. نجاح يشبه الموناليزا في هدوئه، وفي ثقته غير الصاخبة، وفي قدرته على الحضور بلا استعراض. في هذا السياق، بدت اللوحة أقل غموضًا وأكثر صدقًا. لم تعد لغزًا يُطلب حله، بل تجربة تُمارَس، ومساحة يتدرّب فيها المرء على قراءة نفسه. وهذا ما منح المحاضرة قيمتها الفعلية، أنها لم تفرض نتائج جاهزة، ولم تُغلق باب التأويل، بل احترمت ذكاء المتلقي، ودعته إلى تشغيل بصيرته، وإلى التفكير في علاقته بذاته، وفي الطريقة التي يرى بها الأشياء، وفي الكيفية التي يصنع بها معنى نجاحه الخاص. خرجتُ من تلك المحاضرة المطولة وأنا أكثر اقتناعًا بأن الأعمال العظيمة لا تُقاس بما تظهره، بل بما تخفيه دون أن تحجبه، وبأن الفن، حين يُقارب بوعي نقدي وإنساني، يتحوّل إلى أداة كشف داخلي. تحية لبدر العجمي على محاضرته العميقة، وعلى قدرته على تحويل لوحة أيقونية إلى مساحة تفكير حيّ، وعلى طرحه الذي أعاد الاعتبار لقوة البصيرة، وللمعنى الذي لا يُقال، وللنجاح بوصفه رحلة وعي قبل أن يكون محطة وصول.

447

| 19 يناير 2026

اسمها الثاني حنجرة: سيرة شائكة وسرد جميل

حين حضرتُ افتتاح الموسم الجديد لبيت القراءة، أحد الأجنحة الحيوية لرابطة الأدباء في الكويت، قبل أيام، لم أكن أحضر جلسة قراءة عابرة أو احتفاء بكتاب جديد، بل مساحة تُعاد فيها مساءلة السرد نفسه، ودوره، وحدوده، وقدرته على إنصاف الأصوات التي عاشت طويلًا في الظل. الجلسة الجميلة التي نظّمتها وأدارتها بحبّ ووعي الكاتبة شيماء الأطرم حول رواية «اسمها الثاني حنجرة» للكاتبة المبدعة ميس خالد العثمان، بدت منذ لحظتها الأولى وكأنها امتداد طبيعي للنص الذي تناقشه، لا شرحًا له ولا ترويجًا، بل إصغاءً جماعيًا إلى حكاية شائكة ومؤلمة وجميلة في آن. كنت قد قرأت الرواية مسبقًا، وقرأت معها ذلك الإصرار الواضح من كاتبتها على أن تقدّم عملها بوصفه المسقط الروحي لحكاية الفنانة الكويتية الرائدة عائشة المرطة، لا بوصفه استعادة توثيقية باردة ولا خيالًا منفصلًا عن الواقع. ما يلفت في هذا النص منذ صفحاته الأولى أنه يرفض التصنيف السهل، فلا هو رواية تخييلية خالصة، ولا سيرة تسجيلية تقليدية، بل نص سردي هجين، يقف في المنطقة التي غالبًا ما تُهمل أو يُخشى الاقتراب منها، حيث تتداخل الذاكرة مع البحث، والحدس مع الوثيقة، والإنسان مع الرمز. اختارت ميس العثمان، بخبرتها السردية الطويلة، أن تقترب من عائشة المرطة عبر ما تسميه «ملامسة سردية»، وهي تسمية دقيقة ومعبّرة، لأنها لا تدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة، ولا تزعم إعادة بناء حياة امرأة كما كانت تمامًا، بل تسعى إلى لمس جوهرها الإنساني، والتقاط ارتجافاتها، وأسئلتها، وتناقضاتها، من دون ادعاء أو وصاية. عائشة في هذا النص ليست أيقونة غنائية مكتملة ولا صورة احتفالية مصقولة، بل امرأة كافحت كي تجد صوتها في مجتمع لم يكن مهيأً للاعتراف الكامل بالمرأة ككيان مستقل، ولا بصوتها بوصفه حقًا أصيلًا لا منّة فيه. تتحرك الرواية بوعي حاد بين التاريخ والخيال، وتستدعي عائشة بوصفها صوتًا وتجربة وجرحًا مفتوحًا، لا بوصفها اسمًا محفوظًا في ذاكرة الفن. و»الحنجرة» هنا ليست استعارة عابرة ولا رمزًا تجميليًا، بل مركز الثقل كله، موضع الصوت والاختناق معًا، والرغبة في الغناء والخوف من العلن، والتمرّد المكبوت الذي لا يجد دائمًا منفذًا. هي الاسم الثاني لعائشة لأنها عاشت حياتها في صراع دائم مع هذا الصوت، متى يُسمَع، ومتى يُخنَق، ومتى يُساء فهمه، ومتى يتحوّل من نعمة إلى عبء. اعتمدت الكاتبة على بحث طويل وشاقّ، شمل مصادر نادرة وأرشيفات قديمة وروايات متناقضة، وأعادت عبره تركيب صورة عائشة كما كانت وكما جرى تغييبها، لكن اللافت أن هذا الجهد البحثي لا يطفو على سطح النص ولا يتحوّل إلى استعراض معرفي، بل يذوب برهافة وذكاء في النسيج السردي، ويمنح الرواية كثافتها وصدقها من دون أن يثقلها. لا تسير الحكاية وفق خط زمني صارم، بل تتنقّل بين الذكريات والانفعالات والأسئلة المؤجلة، وتكشف هشاشة الشخصية وقوتها في آن، وتدع المتلقي يعيش الزمن من الداخل لا من موقع المراقب الخارجي. ومن خلال عائشة المرطة، تُنصت الرواية إلى زمن كامل؛ إلى المجتمع ونظرته للفن، وإلى علاقته الملتبسة بالصوت الأنثوي حين يخرج عن المألوف، وإلى الكلفة الإنسانية الباهظة لأن تكون مختلفًا في وقت مبكر. وهي بذلك لا تكتفي بإحياء سيرة فرد، بل تعيد مساءلة تصوراتنا المعاصرة عن ذلك الزمن، وتعرّي أوهامنا عنه، وتضعنا أمام أسئلة غير مريحة عن الذاكرة والاختيار والنسيان. «اسمها الثاني حنجرة» عمل عن الذاكرة بوصفها فعل مقاومة، وعن الصوت بوصفه قدرًا، وعن المرأة حين تُدفع إلى الهامش ثم يُطلب منها أن تكون رمزًا. وهو أيضًا عمل ذكي في توظيف اللهجة المحلية في تناغمها مع اللغة الفصيحة، من دون افتعال أو استعراض، بما يخدم الشخصية والزمن والجو العام للنص. إنها رواية تُقرأ بوصفها شهادة فنية ووجدانية، لا عن عائشة وحدها، بل عن كل صوت نسائي حاول أن يمرّ من عنق الزمان، وترك أثره رغم الخنق والتجاهل، ورغم كل ما قيل له يومًا إن الصمت أكثر أمانًا.

252

| 12 يناير 2026

قداسة الخطوة الفاصلة

هناك مسافة غير مرئية، لا تُقاس بالخطوات ولا تُرسم على الخرائط، لكنها أشد حضورًا من أي جدار. مسافة يشعر بها المرء حين يقترب أحدهم أكثر مما ينبغي، أو حين يتراجع فجأة من دون سبب ظاهر. هذه المسافة ليست برودًا ولا قسوة، بل هي ما يحفظ للروح اتساقها، وللعلاقة معناها، وللقرب قيمته الحقيقية. هي المسافة التي إن انهارت، انهار معها شيء خفي فينا، غالبًا لا ننتبه إليه إلا بعد فوات الأوان. المرء لا يُولد عارفًا بحدوده، بل يتعلمها عبر التجربة، عبر الانكسارات الصغيرة التي لا يُطلق عليها هذا الاسم، وعبر الخيبات التي لا تبدو فادحة لكنها تترك أثرًا عميقًا. نقترب أحيانًا باندفاع حسن النية، نفتح الأبواب على مصاريعها، نمنح من الداخل أكثر مما نحتمل، ثم نُفاجأ بأن ما حسبناه دفئًا صار اقتحامًا، وأن ما ظنناه أُلفة تحول إلى عبء ثقيل. عندها فقط نفهم أن المسافة ليست عائقًا، بل حماية. المسافة المقدسة لا تعني الانسحاب من الحياة، ولا العيش خلف زجاج بارد. هي أشبه بخط رفيع يرسمه المرء بين ذاته والآخرين، يسمح بالضوء ولا يسمح بالاجتياح. علاقة بلا مسافة تتحول سريعًا إلى علاقة استهلاك، يذوب فيها أحد الطرفين أو كلاهما، وتختفي فيها الملامح الفردية لصالح ذوبان مربك. القرب الحقيقي لا يلغي الحدود، بل يعترف بها ويحترمها، ويعرف أن للآخر منطقة لا تُداس حتى باسم المحبة. كثيرون يخلطون بين الصراحة والعري الكامل، وبين الثقة ورفع كل الحواجز. لكن التجربة تعلمنا أن الاحتفاظ بجزء خاص، صامت، غير متاح للجميع، ليس خيانة للعلاقة بل وفاء للنفس. هذا الجزء هو ما يجعل المرء قادرًا على العودة إلى ذاته حين تختلط الأصوات، وهو ما يمنحه توازنًا داخليًا لا تهزه تقلبات الآخرين ولا مطالبهم المتغيرة. من لا يحمي مسافته، يجد نفسه يومًا ما غريبًا عن نفسه، مستنزفًا، عاجزًا عن تفسير هذا الإرهاق العميق. المسافة أيضًا اختبار أخلاقي للعلاقات. من يحترمها، يحترمك. ومن يضيق بها، غالبًا ما يضيق بوجودك المستقل. هناك علاقات لا تحتمل أن يكون للمرء رأي مختلف، أو إيقاع خاص، أو صمت طويل. هذه العلاقات تخاف من المسافة لأنها تكشف هشاشتها، ولأنها تقوم على التملك لا على المشاركة. أما العلاقة السليمة، فتتنفس عبر هذه المسافة، وتكبر بفضلها، وتبقى قادرة على التجدد. في الحياة اليومية، تظهر قداسة المسافة في تفاصيل صغيرة: في الحق في الاعتذار عن لقاء لا طاقة له، في عدم الرد الفوري دون شعور بالذنب، في رفض التبرير المستمر، وفي القدرة على قول “لا” من دون خوف من الفقد. هذه التفاصيل ليست أنانية كما يُروَّج لها أحيانًا، بل وعي ناضج بأن العطاء الحقيقي لا يكون إلا من موقع التوازن، وأن المرء المنهك لا يمنح إلا فتات نفسه. حين يحافظ المرء على المسافة التي تليق به، يصبح حضوره أكثر صدقًا، وصوته أوضح، واختياراته أقل ارتباكًا. لا يعود محتاجًا لإثبات نفسه عبر الإفراط في القرب، ولا خائفًا من الوحدة لأن وحدته لم تعد فراغًا بل مساحة إصغاء. عندها فقط، تتحول العلاقات من ساحة استنزاف إلى مجال تفاعل حي، ومن عبء يومي إلى معنى يُضاف للحياة لا يُثقلها. المسافة بينك وبين الآخرين ليست فراغًا يجب ملؤه، بل قيمة يجب صونها. هي المساحة التي تحمي إنسانيتك من التآكل، وتمنح علاقاتك فرصة أن تكون عادلة، قابلة للاستمرار، وأقرب إلى الصدق. حافظ عليها، لا بوصفها انسحابًا، بل بوصفها اختيارًا واعيًا للحياة بكرامة داخلية، حيث يكون القرب قرارًا حرًا، لا نتيجة ذوبان.

336

| 05 يناير 2026

يمرّ العام من دون أن ألوح له بيدي

يقترب العام من نهايته، لا بوصفه تاريخًا على الحائط، ولا رقمًا يتبدّل في أعلى الصفحة، بل ككائنٍ خفيفٍ مرّ بجانبنا من دون أن يترك ظلًا واضحًا. أفكّر في هذه الطقوس التي تعلّمناها، توديع عام واستقبال آخر، كما لو أن الزمن يقف عند العتبة وينتظر تصفيقنا أو دمعتنا أو خطاباتنا الصغيرة المعلّبة. لا أعرف تمامًا ما الذي يعنيه ذلك كلّه. ماذا يعني أن نقول “وداعًا” لشيء لم يكن يومًا كيانًا مستقلًا، ولم يكن سوى امتدادٍ متواصلٍ لحياتنا، سيولة لا يمكن القبض عليها ولا الإشارة إليها بالإصبع؟العام، حين نفكّر فيه بصدق، ليس وحدةً صلبة. هو حزمة أيام غير متساوية، بعضها ثقيل حتى يكاد يكسر الظهر، وبعضها خفيف إلى حدّ النسيان. هو ليالٍ لم نكن نريد لها أن تنتهي، وصباحات تمنّينا لو أننا لم نستيقظ فيها. ومع ذلك نصرّ، كلّما اقتربت نهايته، على اختصاره في جملة، أو منشور، أو رغبة معلّقة بين أمنيتين. كأننا نخاف مواجهة الحقيقة الأبسط؛ أن الزمن لا يلتفت إلينا، وأن المرء هو من يضفي المعنى أو يتركه يتسرّب.تربكني فكرة الاستقبال. استقبال ماذا تحديدًا؟ عام جديد؟ وهل الجديد هنا صفة حقيقية أم مجرّد مجاملة لغوية؟ الأيام القادمة لا تأتي محمّلة بالوعود، بل تأتي فارغة، حيادية، تنتظر أن نملأها بما نملك من شغف أو خيبة أو قدرة على الاحتمال. وحين نبالغ في الاحتفال، أشعر أحيانًا أننا نحاول التستّر على ارتباكنا، وعلى خوفنا من الفراغ وحاجتنا إلى وهم البداية كي نواصل السير. في نهاية كل عام، يُستدرج المرء إلى محكمة داخلية. أسئلة تتراكم بلا استئذان: ماذا فعلت؟ لماذا أخفقت؟ من خسرت؟ كيف نجوت؟ لكنني لا أثق كثيرًا في هذه المحاكمات الموسمية. الحياة لا تُقاس بدورة تقويم، ولا تُختصر في حصيلة سنوية. بعض التحوّلات يحتاج سنوات كي يُرى، وبعض الجروح لا يظهر أثرها إلا بعد زمن طويل، وبعض النجاحات لا نلتفت إليها لأنها لم تكن صاخبة بما يكفي. أفكّر في الذاكرة، وكيف تتصرّف بذكاء مريب عند نهاية الأعوام. تنتقي، وتمحو، وتلمّع، وتعيد ترتيب المشاهد بما يناسب قدرتنا على الاستمرار. ليس كل ما عشناه قابلًا للعرض في حفل الختام. هناك تفاصيل صغيرة، غير قابلة للتصنيف، هي في الحقيقة ما شكّل العام فعلًا: مكالمة لم نتوقعها، أو صمت طويل أنقذنا من قول ما نندم عليه، أو كتاب فتح نافذة في لحظة اختناق، أو خيبة علّمتنا كيف نعيد تعريف أنفسنا بلا ضجيج. ما يقلقني في هذه اللحظة الفاصلة هو الميل إلى اليقين السريع. كأننا نريد أن نعرف مسبقًا ما الذي سنكونه بعد أيام، أو كيف سيكون العام القادم أكثر لطفًا وعدلًا وقابلية للتحمّل. لكن التجربة تقول إن الزمن لا يمنح ضمانات. كل ما يقدّمه هو الاحتمال. والاحتمال، في حدّ ذاته، مسؤولية. مسؤولية أن نعيش بوعي، لا بحسابات وهمية، وأن نخفّف من قسوتنا على أنفسنا حين لا تسير الأمور وفق المخطط.لا أريد أن أودّع عامًا وكأنه عدوّ، ولا أن أستقبل آخر وكأنه منقذ. كلاهما وجهان لحركة واحدة، وأنا في قلب هذه الحركة، أتغيّر من دون إعلان رسمي، فأنضج أحيانًا، وأتعب أحيانًا أكثر. وربما الحكمة الوحيدة الممكنة هي أن نكفّ عن تحميل اللحظات أكثر مما تحتمل، وأن نسمح للزمن أن يكون ما هو عليه؛ مسارًا مفتوحًا، لا قصة مكتملة الفصول. وحين يقترب العام من نهايته، أشعر بحاجة أقل للكلام، وحاجة أكبر للإنصات. إنصات لما بقي عالقًا في الداخل، لما لم يُقل، لما لم يُفهم بعد. ربما لا يحتاج المرء إلى فكرة كبيرة، ولا إلى أمنية مصقولة، بل إلى صدق هادئ مع الذات، وإلى شجاعة الاعتراف بأننا لا نعرف، وأن هذا الجهل ليس نقصًا، بل مساحة للتعلّم.هكذا، يمرّ العام، من دون أن ألوّح له بيدي، أو أفتح ذراعيّ لعام آخر. يمرّ، كما تمرّ الحياة، خطوة بعد خطوة، وأنا أحاول فقط أن أكون أكثر انتباهًا، أقل ادّعاءً، وأقرب قليلًا إلى المعنى، إن وُجد، أو إلى السؤال، إن كان السؤال هو كل ما نملك.

297

| 29 ديسمبر 2025

حين يركض النص أسرع من صاحبه: تأملات في مصير الحقوق الفكرية

لا يشبه النص، حين يُولد، أيَّ كائنٍ آخر؛ إنّه هشّ في بدايته، شديد الثقة في آن، يخرج إلى الضوء محمّلًا بذاكرة صاحبه، وبسنواتٍ من الصمت والتفكير والتردّد، ثم ما يلبث أن يجد نفسه وحيدًا في فضاء لا يعترف بالأسماء بقدر ما يحتفي بالسرعة. منذ أن صار النشر فعلًا يوميًّا، والنسخ عادةً بلا شعور بالذنب، تغيّر موقع النصّ من كونه أثرًا شخصيًّا إلى مادة سائبة، تتناقلها الأيدي كما لو أنّها بلا صاحب، أو كما لو أنّ صاحبها فكرة زائدة عن الحاجة. لم تعد الملكية الفكرية مسألة قانونية صرف، بل صارت شأنًا أخلاقيًّا يتعلّق بعلاقة المرء بجهده، وبحقه في أن يُنسب إليه ما صنعه بعقله وروحه. سرعة الاستنساخ، وخفّة الانتشار، جعلتا النصوص تُسرق من دون ضجيج، وتُعاد صياغتها بوقاحة ناعمة، تُبدّل بعض المفردات وتُبقي الجوهر، ثم تُقدَّم على أنّها اكتشاف جديد. لا أثر يُلاحق الفعل، ولا يد تُمسك به، وكأنّ الاعتداء يحدث في منطقة رمادية لا تعترف بالمسؤولية، ولا ترى في الفعل ضررًا يستحق التوقّف عنده. أمام هذا الانفلات، لم يعد المبدع مطمئنًّا إلى أن النص سيحفظ اسمه كما كان يحدث سابقًا. صار مضطرًّا إلى مراقبة حضوره، لا بدافع الغرور، بل بدافع الدفاع. يتتبّع ما يُنشر، وما يُعاد تدويره، وما يُقتطع من سياقه، ويُعاد لصقه في سياق آخر. يتحوّل الكاتب، الشاعر، الباحث، إلى حارسٍ دائم لحدوده، يراقب الشاشات كما كان يراقب الورق، لكن بقلقٍ أشدّ، لأن الانتحال لم يعد حادثة فردية، بل ممارسة جماعية تتبدّل أشكالها مع كل منصة جديدة. هنا، يفقد الإبداع شيئًا من براءته الأولى، إذ يغدو محمّلًا بهاجس الحماية، بدل أن ينصرف كلّه إلى الخلق. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل محاولات المقاومة التي ولدت من رحم التقنية نفسها. ظهرت أدوات ذكية، من بصمات رقمية وتقنيات تتبّع وتشفير، تسعى إلى ردّ الاعتبار للنصّ، أو على الأقل إلى تثبيت أثره الأول. غير أنّ هذه الأدوات، على أهميتها، تبدو أقرب إلى حلول إسعافية منها إلى إجابات نهائية. فهي تحمي الأثر، لكنها لا تعالج الذهنية التي تستخفّ بالجهد الفكري، ولا تُعيد الاعتبار للقيمة الرمزية للكتابة بوصفها فعلًا إنسانيًّا يتطلّب وقتًا ومعاناة ومسؤولية. الإشكال الأعمق يكمن في الفجوة بين سرعة الفعل الرقمي وبطء التشريع. القوانين، مهما تطوّرت، ما زالت تتحرّك بإيقاع أبطأ من النصوص التي تُسرق وتُعاد نشرها في لحظة. وبين هذا وذاك، يظلّ الحقّ معلّقًا، ينتظر اعترافًا لا يأتي دائمًا في الوقت المناسب. لا يكفي أن نملك أدوات حماية، ما لم ترافقها رؤية ثقافية تُعيد تعريف العلاقة بين المرء وما ينتجه، وتُرسّخ فكرة النسبة بوصفها جزءًا من الكرامة، لا مجرّد تفصيل إداري. والمعركة ليست بين المبدع والتقنية، بل بين الوعي والتسيّب. فالنصّ، مهما كان رقميًّا، يظلّ ابن تجربة بشرية، يحمل أثر صاحبه كما يحمل توقيعه الخفي. وحماية الحقوق الفكرية ليست دفاعًا عن الأسماء فحسب، بل عن معنى الجهد، وعن فكرة العدالة في أكثر صورها رهافة. فحين نفقد هذا المعنى، نخسر شيئًا أعمق من النصوص المسروقة؛ نخسر الثقة بأن ما نكتبه سيبقى لنا، ولو في ذاكرة اللغة. وربما يكون الامتحان الحقيقي اليوم هو قدرة المرء على الاستمرار في الكتابة رغم كل هذه الهشاشة، أن يواصل منح نصّه أقصى ما لديه، وهو يدرك أنّه قد يُنتزع من سياقه أو يُجرَّد من اسمه، ومع ذلك يختار ألا يختصر جهده ولا يساوم على صوته. فالإبداع، في جوهره، فعل ثقة مؤجَّلة، وإصرار هادئ على أن المعنى الأصيل، مهما تعرّض للتشويه، يظلّ قادرًا على أن يُعرَف، وأن يجد قارئه، ولو بعد حين.

243

| 22 ديسمبر 2025

في زحمة الصحراء!

يُخطئ كثيرون في الظنّ بأن الصحراء مجرد رمال وحصى وحرارة تُنهك الجلد وتخدع الروح، كأنها مكان مُفرغ من المعنى، أو مسرح بلا ممثلين. فالصحراء، لمن يقترب منها بحدس سليم، تُفاجئه بأنها ليست ما تبدو عليه، بل ما تستره، وتظلّ صامتة حتى تتأكد أن الناظر لا يحمل حكمًا جاهزًا، وأنه مستعدّ لأن يسمع قبل أن يرى، ويشعر قبل أن يحكم. من يقف على عتبة الصحراء، كما يقف الزائر على باب شيخ حكيم، يعرف أن الصمت ليس دائمًا علامة فراغ، بل قد يكون طريقة للامتحان. الصحراء لا تفتح صدرها لمن يمرّ بها مروراً سريعاً، ولا تمنح أسرارها لعينٍ تكتفي بمشهد السطح. إنها تطلب من الداخل إليها أن يتخفّف من ضجيجه، وأن يُصغي لما يتوارى خلف هدوئها. ولعل أول ما يتبدّى للمرء عند هذا الإصغاء أنّ الصحراء، على عكس الصورة الشائعة، مكتظة بالحياة، لا تهدأ لحظة. يكفي أن يترك المرء نفسه للحظة واحدة في هدأة فجرها ليكتشف حركة صغيرة تخرج من بين حبات الرمل، زاحفة أو طائرة أو متربصة، كأنها تُعيد بناء العالم كل يوم من جديد. الصحراء إذن ليست فراغاً، بل فضاء يختبر طبيعة العلاقة بين الأشياء حين تُنزع عنها الزخارف. هنا، في هذه الأرض التي تبدو قاسية للوهلة الأولى، تتسع المساحة للسؤال الصافي، وتنكشف طبائع البشر كما تنكشف طبائع الكائنات. حتى الريح، تلك التي يظنّها البعض مجرد دفقة عشوائية، تتصرف في الصحراء بطريقة لا تخلو من قصد خفي، فهي لا تهبّ إلا حين تحتاج الحكاية إلى حركة، ولا تسكن إلا حين تريد للرؤية أن تستقر. ولطالما تعلّم أبناء البادية أن يتابعوا حركات الرياح كما يتابع المرء رسائل صديق قديم يعرف كيف يقول الكثير من دون أن يكتب الكثير. ولعل أعمق ما في الصحراء أنها تُعيد ترتيب الزمن. في المدن، تكاد الساعة تمشي فوق صدور الناس. في الصحراء، يمشي المرء معها كتوأم رشيق، لا سابق ولا لاحق. يومها طويل بما يكفي ليشغل الخيال بما يريد، وقصير بما يكفي ليذكّر المسافر بأن الضوء لا ينتظر من يتباطأ. الليل فيها ليس امتداداً للضوء، بل عالم آخر له لغته الخاصة، إذ تتكثف فيه الأصوات، وتزداد ظلال النجوم عمقاً حتى يشعر المرء أنّ السماء أقرب من أي وقت، وأنه قادر، لو أراد، أن يمدّ يده ويلمس حواف الأبراج البعيدة. ثمّة شيء ما في الصحراء يُنضج الروح كما لو كانت جمرة في حضن الرماد. تكاد تشعر أنّ المرء، حين يطيل المكوث، يتخلّص تدريجياً من طبقات ليست له، طبقات اكتسبها بالعادة أو الخوف أو التجربة، حتى يعود أقرب إلى صورته الأولى. وإن كان ثمة درس تمنحه الصحراء لكل من يقف في حضرتها، فهو أن الحياة لا تُقاس بما يُرى فقط، بل بما يُختبر في الأعماق، وأن القسوة الظاهرة ليست دائماً علامة على غياب الرحمة، بل قد تكون طريقتها في حماية ما هو هشّ فيها. إنها تتيح للخيال أن يركض بحرية، وتسمح للذاكرة بأن تستعيد ما نُسي في زحمة الأيام. وحين يتأمل المرء تضاريس الصحراء بعمق، يدرك أن جمالها لا يكمن في شكلها، بل في قدرتها على إعادة صياغة نظرة المرء إلى العالم. من يظنّها أرضاً خالية لا يعرف أن التنوّع فيها يبدأ من أبسط عناصرها: من طريقة تشكّل الكثبان، ومن وداعة الشجيرات التي تنبت خلاف المتوقع، ومن حفيف جناح طائر صغير لا يحتاج إلى غابة كي يعلن وجوده. تلك التفاصيل التي قد تبدو عابرة تُصبح في الصحراء جوهرية، لأنها تكشف معادلة الحياة حين تتخفف من زوائد الحضارة وتترك المرء أمام جوهره الوحيد: القدرة على البقاء، والرغبة في الفهم، والإيمان بأن المعنى لا يحتاج إلى مبانٍ كي يستقرّ. الصحراء، بهذا المعنى، ليست مكاناً يختبر قسوة الطبيعة فقط، بل مختبر تكشف فيه النفس عن أشدّ أشكال هشاشتها وأقوى لحظات صلابتها. المرء فيها يسمع نفسه لأول مرة بلا ضوضاء، ويرى مساحة لا تفرض عليه مساراً محدداً، فيمشي كما لو أنه يخترع طريقه في كل خطوة. وربما لهذا السبب ظلّت الصحراء موطناً أثيراً للشعراء والمتصوفة والرحالة وكل من يبحثون عن لغة لا تنكسر أمام الأحداث، ولإحساس يحفظ للمرء كرامته أمام صمت الوجود. من يعرف الصحراء حقاً يعرف أنها ليست مكاناً للموت، بل فضاء يُذكّر بالحياة، وأنها ليست خالية كما يتوهم البعض، بل ممتلئة بما يجعل القلب يلين والعقل يصحو. وحده من يقترب منها بقلب لا يحمل فكرة مسبقة يكتشف أنها تملك روحاً حية، وأن هدوءها ليس إلا طريقة خاصة في الكلام، وأن كل ما فيها، من أفقها حتى ظلّ شجيرة منفردة، يشير إلى أن الحياة لا تحتاج إلى ازدحام كي تتجلّى، بل إلى عين تعرف كيف ترى، وقلب يعرف كيف يصبر حتى ينكشف السرّ!

402

| 15 ديسمبر 2025

أنصاف مثقفين!

حسناً.. الجاهل لا يخدع، ولا يلبس أثواب الحكمة، ولا يطالبك بأن تصفق له. أما نصف المثقف فيقف بينك وبين الحقيقة كما يقف الضباب بين العين والسماء، فيربك الرؤية من دون أن يعلن عن نفسه، ويتركك في مساحة رمادية يصعب الخلاص منها. والأخطر من ذلك أن أنصاف المثقفين غالبًا ما يتحولون إلى وسطاء سيئين بين المعرفة والناس. يقتطعون ما يناسب مزاجهم من الكتب، ويُسقطون على القضايا العامة أحكامًا هشة، ويحرّفون النقاشات إلى مناطق جانبية تُغرق الجميع في انفعالات متلاحقة، بينما تبقى القضايا الجوهرية مستبعدة أو مشوّهة. وفي كل مجتمع يتسع فيه صوت هؤلاء، تتحول الأفكار الكبرى إلى شعارات جوفاء، وتضيع التفاصيل الضرورية لبناء وعي حقيقي قادر على الفهم والتحليل واستشراف الطريق. قبل أسبوعين في معرض الكتاب في الكويت، التقيت على هامش إحدى الندوات شخصاً مشهورا في ساحة الثقافة والأدب باعتباره مثقفًا واسع الاطلاع. كان أثناء النقاش بيننا يردد عناوين كثيرة ويستعرض مقولات عديدة، لكنه سرعان ما انكشف. بدا الأمر مجرد موقف عابر، لكنه عاد ليكشف لي معنى أعمق: ثمة من يرى في الثقافة زينة اجتماعية، لا مشروعًا يوميًا يتطلب قراءة واعية، ومراجعةً للنفس، وتجربةً مع الحياة. لقد تعلّمت مع الوقت أن الثقافة ليست عدد الكتب التي يقرأها المرء، بل عدد الأسئلة التي يطرحها بعد كل قراءة، وعدد المرات التي يعيد فيها النظر في قناعاته السابقة. والمثقف الحقّ لا يخاف الاعتراف بحدود معرفته، ولا يستنكف من الإصغاء لمن هم أعمق منه خبرة أو أوسع رؤية، ولا يرى في التنوع الفكري تهديدًا، بل اتساعًا للفضاء الإنساني. أما نصف المثقف فيحمل يقينًا صلبًا لا يهتز، ويعتبر أي رأي مختلف انتقاصًا من منزلته، ويتعامل مع المعرفة كما لو أنها سلطة، لا مشروع تحرّر. وهنا يكمن الخطر؛ فالمعرفة حين تتحول إلى أداة للهيمنة تصبح مصدرًا للتعصب بدلًا من أن تكون طريقًا للارتقاء، وحين يستخدمها صاحبها لتغطية جهله بدل الاعتراف به، تنقلب إلى قناع يخدع به الآخرين ويخدع نفسه قبلهم. وليس ثمة مجتمع إلا ويحتاج إلى أصوات مختلفة، وتجارب متعددة، ورؤى تتجادل بوصفها سبيلًا للتقارب لا للحسم. لكن أي ساحة حوار تحتاج إلى قواعد تحميها من الضجيج المموّه، وإلى وعي قادر على تمييز ما هو رأي عابر، وما هو جهد معرفي يستحق أن يُصغى إليه. فحين تختلط الأصوات على نحو يجعل السطحي مساويًا للمتعمّق، والمتعجّل مساويًا للخبير، يتحول المشهد الثقافي إلى ساحة ملتبسة، تصعب فيها معرفة الاتجاه الصحيح. ولعل أحد أسباب هذا الالتباس أن بعض ما يسمى اليوم “ثقافة” لم يعد يتطلب سوى متابعة عابرة أو حفظًا لاقتباسات تُرمى في الهواء بلا سياق، بينما تختفي القراءة الجادة خلف ستار السرعة التي تفرضها الحياة الحديثة. وهنا يظهر نصف المثقف باعتباره ناتجًا طبيعيًا لثقافة سريعة الإشباع، لكنها فقيرة الجذور. ورغم كل ذلك، ما زلت أؤمن بأن الوعي الحقيقي قادر على التمييز، وأن المرء، ما إن يحرص على تربية ذائقته وتهذيب أدواته، حتى يصبح أقل عرضة للانخداع بتلك الصورة البراقة التي يروّج لها أصحاب المعرفة الناقصة. فالمعرفة رحلة طويلة تتطلب صبرًا وصدقًا مع الذات، وتواضعًا أمام عمق الحياة واتساعها، بينما نصف المعرفة قد يمنح صاحبه وهجًا سريعًا، لكنه لا يمنحه القدرة على فهم العالم أو قراءة تعقيداته. والمعرفة التي تنبع من فضول حقيقي، ومن قلب يتسع للاحتمالات، ومن عقلٍ يقدّر التفاصيل بقدر ما يقدّر الخلاصات، هي وحدها القادرة على حماية المجتمع من مخاطر الوعي الناقص. وكلما ازداد حضور هذا النوع من المعرفة، تراجعت سلطة نصف المثقف، وخفّ أثره، وانكشفت هشاشة الأسس التي يقف عليها. وهكذا، يصبح الخوف الحقيقي ليس من الجهل ذاته، بل من ذلك القناع الذي يشبه المعرفة ولا يمتلك روحها، أي من ذلك الظلّ الذي يبدو في أول وهلة مطمئنًا، لكنه يخفي وراءه مساحة من الالتباس قد تجرّ المجتمع كله نحو قراءة خاطئة للواقع.

726

| 08 ديسمبر 2025

ليلة بروين!

لم تكن الأمسية الشعرية التي قدّمتها بروين حبيب في معرض الكويت الدولي للكتاب الأسبوع الماضي مجرّد لقاء أدبي عابر، بل بدت كما لو أنّها نافذة أوسع على روحٍ تتوهّج كلّما اقتربت من النار، وتهدأ كلّما صعدت بها اللغة إلى مقامٍ أعلى من احتمال المرء. كانت بروين، في تلك الليلة، تحضر بكامل هشاشتها وقوّتها معًا، بكامل ما في صوتها من غناءٍ مكسور، وما في قصائدها من قدرةٍ على تحويل الخسارات إلى معنى، والمعنى إلى دفقة حياة. كنت أعرف مسبقًا أنّ بروين لن تقدّم قصائد تُسمَع فحسب، بل قصائد تُعاش. ذلك النوع من الشعر الذي لا يمرّ على سطح القلب، بل يغوص مباشرةً في طبقاته البعيدة، ويترك هناك أثرًا لا يزول بسهولة. كلّ قصيدة ألقتها تلك الليلة كانت كأنّها شرفةٌ مفتوحة على عالمٍ آخر؛ عالم تسكنه الأمّهات المكلومات، والطفلات المقطوعات من دفء العالم، والرجال الذين غابوا قبل أن تكتمل حكاياتهم، والنساء اللواتي يتقاسمن مع الليل أسرارهنّ ويتركن للقصيدة مهمّة البوح، وعن وجع القلب كله «غزة»! في قصيدتها عن يوسف، ذلك الطفل الذي تفتّش عنه أمٌّ تحت القصف، بدا المشهد أكبر من جغرافيا القصيدة. كان يشبه صرخةً طويلة تمدّ يدها نحو العالم ولا تعود. تسأل الأمّ: “هل رأيتم ولدي؟”، وكأنّ كلّ أمّ فقدت ابنًا في غزة أو في أي أرضٍ مماثلة تجلس خلف الصوت وتردّد السؤال ذاته. شعر بروين في هذه اللحظة لا يصف الطفل، بل يعرّي الفاجعة نفسها. فالحليب البارد على المائدة، والشموع التي لم تُشعل، والدفتر الذي بقي بلا نجمة نصر… كلّها تتحوّل إلى شواهد صغيرة على غياب أكبر من أن يُفهم. أمّا في “بواكي حمزة”، فقد استعادت بروين حكاية قديمة لتقول جرحًا حديثًا. أخذت من التاريخ جملة النبي صلى الله عليه وسلم: “ولكنّ حمزة لا بواكي له”، ووضعتها في فم طفلة فلسطينية تخاطب أباها الشهيد، فتتشابك الأصوات والحقب، ويصبح الماضي طريقًا للمستقبل لا مرآةً له. فجأةً رأينا الطفلة تنوب عن نساء الأنصار، تنوح عنهم جميعًا، وتفتح للقصيدة نافذة على كلّ القبور التي لا تجد صوتًا يبكيها. وفي قصائد أخرى؛ مثل “أربع رسائل من فروغ”، كانت بروين تفتح دفترها الداخلي، الدفتر الذي لا يُقرأ عادةً إلّا على حافة الألم. تعود إلى علاقاتٍ إنسانية محطّمة، إلى عشّاق يتعثرون في طرقهم الموحلة، وإلى نساء يسقطن ويقمن، وكأنه لا خلاص إلا في الكتابة. تلك الرسائل، التي تنساب مثل نهرٍ حزين، تحمل في طيّاتها سيرة أنثى تتحدّى قدرًا لا يرحمها، وتصرّ مع ذلك على أن تجرّب كل أشكال الحب حتى نهاياته الموجعة. وفي قصيدة “البدينات الجميلات”، التي استحضرت فيها محمود درويش، تقلب بروين المعايير، وتقف ضدّ النظرة القاسية التي تُمارَس على أجساد النساء. هناك، هي واحدة من أكثر قصائدها طزاجةً ومرحًا، تتمازج فيها السخرية بالبهجة، وتتحوّل فيها الأنوثة إلى احتفال ممتدّ لا يخشى الوزن ولا المقاييس. وفي “عشتار” و “الأوراق السومرية”، ظهرت بروين في هيئتها الأسطورية؛ امرأة تخرج من عمق الميثولوجيا لتعيد كتابة مصيرها بيدها، وتواجه الوحشة بحبّ لا ينطفئ ولا يتراجع. خرجتُ من الأمسية أحمل معي شعورًا غريبًا: كأنّ بروين لم تقرأ قصائد بقدر ما رفعت ستارةً عن نفسها، وتركتنا نرى ما خلفها. كانت القصائد تضيء وتجرح وتضمّد في اللحظة نفسها، وكانت بروين، بتوازن جميل، تكتب عن الحب كما لو أنّه وطن، وعن الوطن كما لو أنّه حبيب، وعن الفقد كما لو أنّه الطريق الوحيد الذي تعلّم الشعراء المشي فيه. ولعلّ أجمل ما في الأمسية أنّها لحظة تذكّرنا بأن الشعر ما يزال قادرًا على تقليب الهواء من حولنا، وعلى إعادة تشكيل أرواحنا في كل مرّة نقف فيها على عتبة بيت من أبيات القصيدة. وهذا وحده، يكفي لتكون الأمسية واحدة من ليالي المعرض التي لا تُنسى.

357

| 01 ديسمبر 2025

نسخة قديمة جدا!

كل نسخة من معرض الكويت الدولي للكتاب تُشعرني بأنني أدخل بيتًا قديمًا أعرف تفاصيله، لكنني أكتشف في كل زيارة أن الضوء تغيّر، وأن الكتب التي اعتدت المرور عليها صارت تُحدّق فيّ بطريقتها الخاصة، كما لو أنها تنتظر هزيمتي أو انتصاري، أو على الأقل تنتظر ما الذي تبقى مني. لا أعرف سر هذا الارتباط. ربما لأن المعرض لم يكن يومًا مجرد قاعة ممتلئة برفوف وبشر، بل كان مساحة تتقاطع فيها مسارات العمر؛ تلك التي أضعتُها، وتلك التي ما زلتُ أبحث عنها بإصرار يليق بمن يعرف أن الكتب أحيانًا أكثر رحمة من الحياة. هناك دائمًا كتابٌ ما يبحث عن قارئه المفقود، وناشرٌ ما زال يؤمن بأن الحرف قادر على أن يغيّر مصير المرء حين يلامس جرحه أو حلمه، أو يوقظه من غفوته الطويلة. كنت أمشي بين الدور وكأنني أتحسس وجهي القديم. شيء في الهواء يعيد ترتيب الروح، ويجعل التعب يتراجع خطوة كي يسمح للجمال بأن يتقدم بثقة. هنا تتنفس الروح بحبر جاد، حبر يعرف أن الكلمات لا تُكتب لكي تتكدس، بل لكي تفتح شقًا صغيرًا في عتمة ما، أو لتضيء ركنًا أهمله المرء وهو يركض في حياته من دون أن يلتفت. كنت أتجول في معرض هذا العام، بلا نية واضحة ولا خريطة محددة، فقط أترك قدميّ تقودانني حيث تشتهي الورقة. وفجأة، ومن بين آلاف العناوين، لمحته: ديواني الأول، في طبعة قديمة، صادرة عن دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع، نسخة من الطبعة الثانية تحديدًا، تلك التي وافق صدورها لحظة كنت أحاول فيها أن أجد مكاني في العالم، أو على الأقل مكاني أمام اللغة. توقفت. شعرت للحظة بأن الوقت يبتلع كل الأصوات من حولي، وأن الرف الذي يحمله قد انحنى قليلًا ليقترب مني، كأنه يريد أن يهمس بشيء لم يعد أحد ينتبه له. مددت يدي بحذر غريب، كما لو أن الكتاب جسد حيّ يتنفس، أو طفل تركته قبل خمسة وثلاثين عامًا في مهد من الورق، وعدتُ فجأة لأجده يكبر بطريقته، دون أن ينتظرني. كان غلافه كما تركته تقريبًا: بسيطًا، خجولًا، لكنه يحمل عناد بداياتي وارتباكاتها، ورغبة فتاة كانت تظن أن الشعر قادر على أن يرمم ما لا يرممه العالم. أمسكته، وداهمتني كل الشجون دفعة واحدة. رأيت تلك التي كنتها: فتاة ترتجف وهي تقدّم مخطوطها الأول، تظن أن النقد يمكن أن يلتهمها، وأن المدح قد يخونها، وأن الشعر وحده هو المكان الذي لا يطرد أحدًا. تذكرت الصحف التي كتبت عن الديوان آنذاك، وتذكرت القراء الذين التقيتهم مصادفة وهم يتحدثون عنه بينما كنت أقف بينهم مجهولة. تذكرت الخوف، والفرح، والارتباك الذي رافق تلك السنوات الأولى، حين كنت أتعلم كيف أضع قلبي على الورق دون أن أنهار. الغريب أنني حين فتحت الكتاب الآن، بعد هذا العمر، لم أقرأه بعين الكاتبة التي أصبحتها، بل بعين المرء الذي يدرك أن الكلمات القديمة لا تفقد قيمتها لمجرد أن الزمن مرّ فوقها. وجدت بين الصفحات ما يشبه رسائل لم أكتبها لأحد، بل كتبتها لأحمي نفسي من هشاشتي، من ضياعي، ومن كل ما كنت أظنه أكبر من احتمالي. وكنت أبتسم كلما قرأت بيتًا أعرف أنني لم أعد أكتبه بالطريقة نفسها، لكنني لا أستطيع أن أخونه أيضًا، فهو شاهد على امرأة كانت تقف في بداية الطريق، بشجاعة لا تتكرر. لم يعد الأمر مجرد مصادفة. كان أشبه بموعد مؤجل مع ذاتي الأولى. المعرض كله اختفى في تلك اللحظة، وبقيت أنا والكتاب الذي بدأت به رحلتي، الكتاب الذي حمل بصمتي الأولى قبل أن تتشعب الأصوات وتتغير الأساليب وتتباين التجارب. شعرت بأن السنوات الطويلة انحنت أمام تلك اللحظة، وأن شيئًا بداخلي يربّت على كتفي قائلاً إن الطريق مهما طال يبدأ دائمًا بصفحة واحدة. وضعت الكتاب فوق صدري، بلا مبالغة، كمن يعيد شيئًا إلى مكانه الأصلي. ورغم ازدحام القاعة حولي، كنت أسير وفي داخلي سكون نادر. سكون يشبه اعترافًا مؤجلًا بأن المرء لا ينجو إلا حين يعود إلى النقطة التي بدأ منها، لا ليبقى فيها، بل ليطمئن أن تلك الشرارة الصغيرة التي أشعلت بداياته لم تنطفئ بعد، وأن الشعر، مهما تبدّل العالم، ما زال قادرًا على حمله إلى حيث يحسّ أنه حي بحق.

273

| 24 نوفمبر 2025

كيف تحافظ على شبابك؟

منذ أن عرفت معنى الانتباه لداخل جسدي، أدركت أن الشيخوخة ليست تلك التجاعيد التي تسللت على مهل إلى وجهي، ولا خطواتي التي أصبحت تحتاج إلى مهلة أطول مني كي تستقيم، بل هي شيء أخفى من كل ذلك، شيء يشبه انطفاء مصباح صغير كان يضيء ليلي الداخلي ويمنحني سببًا إضافيًا لأواصل السير بثبات لا يخلو من عناد. هناك لحظة لا ننتبه إليها إلا بعد أن تقع، لحظة تنطفئ فيها شرارة ما؛ فإذا بالحياة تتغير في عينَي المرء من دون أن يدري كيف حدث هذا التحول. أعرف وجوهًا كثيرة ظلت محافظة على ملامح الشباب رغم السنوات، لكنها تحمل في نظراتها عتمة مَن فقد شيئًا لم يستطع تسميته. وأعرف أيضًا رجالًا ونساءً تقدم بهم الزمن واشتعل رأسهم شيبًا، ومع ذلك تلمع أرواحهم كمن خرج للتو من بداية جديدة. ليس العمر ما يصنع هشاشتنا، بل ذلك الإهمال البطيء الذي يطال أرواحنا حين نتوقف عن الإصغاء لما يجعلنا أحياء بالفعل. المرء يشيخ حين يخون نفسه، وحين يتواطأ مع التعب، وحين يتراجع عن حلم كان يحرّك الدم في عروقه، أو حين يسلّم لرتابة لا تشبهه في شيء. أحيانًا يلوّح القدر بمصباحه في وجوهنا، كأنه يحاول أن ينبّهنا لشيء ما نخفيه أو نهرب منه. وقد يمر هذا الوميض من دون أن نلحظه لأننا أصبحنا مشغولين بتبرير ما نخسره، بدلاً من التساؤل عن المساحة التي يتسرب منها الضوء الهارب. الروح تحتاج إلى رعاية أكثر مما يحتاجه الجسد، لأنها إن انطفأت فلن ينفعها أي تجميل خارجي يعيد إلى صاحبها ملامح الحياة. هناك من يحافظ على بريقه رغم كل شيء لأنه يعرف كيف يحمي تلك الشعلة القصية بداخله، يعرف أن الاستسلام هو الشيخوخة الحقيقية، وأن النبض حين يخفت لا يعود بقرار، بل بحاجة إلى مصالحة مع الذات، واستعادة ما ضاع منها خطوة بعد أخرى. وحين يجلس المرء مع نفسه بصدق، يتفحص داخله كما يتفحص بائع خبير حجرًا كريمًا، يكتشف فجأة أين تفقد أرواحنا لمعانها. ربما في تسوية غير عادلة قبلنا بها، أو في علاقة استنزفت ما لدينا من محبة ولم نملك شجاعة الانسحاب، أو في عمل يلتهم أيامنا دون أن يترك أثرًا يستحق البقاء. وربما يشيخ المرء في اللحظة التي يتوقف فيها عن الغضب تجاه الظلم، أو حين يتكاسل عن الدفاع عن ذاته، أو حين ينسى ذلك الطفل الذي كان يهرع خلف الفراشات مسحورًا بقدرة الأشياء على أن تدهشه كل يوم. ومع ذلك، ثمة ما يبعث على الاطمئنان؛ الضوء لا يموت تمامًا مهما انطفأ. قد يخفت ويتراجع ويختبئ خلف طبقات من الخيبة، لكنه يظل هناك ينتظر فرصة للعودة. يكفي أن نفتح نافذة صغيرة ليدخل من جديد، ويكفي أن نتذكر أننا لم نُخلق كي نتكيف مع العتمة، بل كي نحافظ على ذلك الوميض الذي يجعل حياتنا تستحق أن تُعاش. الشيخوخة الحقيقية ليست قدرًا محتومًا، بل خيار نرتكبه حين نتوقف عن حماية أرواحنا من البلادة، وحين ننسى أن الضوء لا يُترك وحيدًا بلا وصايا. لذلك، حين نشعر بثقل غير مفهوم، وحين يتسلل إلينا شعور بأن الأيام فقدت طعمها القديم، فلنبحث عن الشرارة التي أضعناها في زحمة الانشغالات. قد تكون كلمة صغيرة تجاهلنا قولها، أو رغبة مؤجلة تراكم عليها الغبار، أو طريقًا لم نجرؤ على عبوره. وعندما نجدها، سنعرف فورًا أن الزمن لا يستطيع أن يشيّخ الروح ما لم نسمح له بذلك، وأن الضوء، مهما خفت صوته، قادر على النهوض من جديد إذا وجد قلبًا يصغي إليه.

231

| 17 نوفمبر 2025

2916

| 28 يناير 2026

alsharq
«السنع».. ذكاؤنا العاطفي الذي لا يُدرّس في هارفارد

تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل...

2112

| 28 يناير 2026

alsharq
الشيخ جوعان.. قامة وقيمة و«قيم أولمبية»

-«الأولمبي الآسيوي».. موعد مع المجد في عهد «بوحمد»...

1059

| 29 يناير 2026

alsharq
أثرٌ بلا ضجيج.. أم ضجيجٌ بلا أثر؟

ليس كل من ارتفع صوته في بيئة العمل...

618

| 26 يناير 2026

alsharq
العربي اليهودي: سيرة هوية لا تقبل القسمة 2-2

..... نواصل الحديث حول كتاب « Three Worlds:...

579

| 30 يناير 2026

alsharq
التغيير المقبل في إيران

لا يمكن فهم التوتر الإيراني–الأمريكي بمعزل عن التحول...

522

| 01 فبراير 2026

alsharq
عنق الناقة وعنق الكلمة

لم أكتب عن النّاقة مصادفة، ولكن؛ لأنها علّمتني...

519

| 27 يناير 2026

alsharq
من الدوحة إلى آسيا.. رؤية قطرية تعيد رسم مستقبل الرياضة القارية

في محطة تاريخية جديدة للرياضة العربية، جاء فوز...

483

| 29 يناير 2026

alsharq
الشخصيات الصعبة في العمل

في بيئات العمل المتنوعة، نصادف شخصيات مختلفة في...

438

| 01 فبراير 2026

alsharq
العمل حين يصبح إنسانيًا

بعد سنوات من العمل في مناصب إدارية متعددة،...

429

| 28 يناير 2026

alsharq
الطاقة والبيانات: معادلة القوة الجديدة

تقع دول الخليج تقريبًا في منتصف المسافة بين...

384

| 26 يناير 2026

alsharq
قطر.. دبلوماسية تصنع السلام

أثبتت دولة قطر بمبادراتها الدبلوماسية أنها صوت للعقل...

366

| 27 يناير 2026

أخبار محلية