رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

840

م. حسن الراشد

كورنيش الدوحة بين ريجيم “راشد” وعيون “مايكل جون” الزرقاء

30 سبتمبر 2025 , 03:03ص

في فجرٍ قطريّ عليل، كان البحر يلمع بألوان الشروق الحالمة، حين وصل الأوروبي الرشيق والأنيق “مايكل جون” إلى الدوحة بدعوةٍ من زميله “راشد”، وقد جمعتهما صداقة مهنية تمتد لأكثر من عقدٍ من الزمان في قيادة مشاريع صناعية ضخمة. واليوم، وقد بلغا معًا أواخر الستين من العمر، لم يكن صباحهما موعدًا لدراسة مشروع أو استعادة ذكريات الصناعة المليئة بالمتعة والصعوبة، بل كان موعدًا من نوع آخر.

“راشد”، ذو القامة المهيبة ووزنٍ يزيد على مائةٍ وعشرة كيلوغرامات، استجاب أخيرًا لنصائح الأطباء وتشجيع صديقه “مايكل”؛ فقرّر خوض رحلة ريجيم صارمة. وضعا خطة بسيطة وواضحة: نظامٌ غذائي، ونومٌ مبكر عند التاسعة مساءً، ومشيٌ يومي مع بزوغ الفجر. وما أن انطلقا معًا على المسار الساحلي حتى انبهر “مايكل” بسحر وجمال كورنيش الدوحة؛ بمياه الخليج الهادئ المتلألئة، وصفوف النخيل الفاتنة، وناطحات السحاب التي تتحدى الأفق بثقة، وكأن الكورنيش لوحةٌ تجمع بين حداثة المدينة وهدوء البحر.

لكن “مايكل”، مهندس المشاريع المتقاعد، لا يتخلّى بسهولة عن نظرته التحليلية المهنية. وبينما كان “راشد” يلهث بشدّة تحت وطأة الكيلوغرامات الزائدة، وقد بدأ العرق يتصبّب من جبينه، كان “مايكل”، بلياقته الرياضية، يواصل الركض الهادئ بثبات، وعيناه الزرقاوان تلتقطان أدقّ التفاصيل كما لو كان في جولة تدقيق وتقييم ميدانية لأحد المشاريع الصناعية. فرأى قوارب خشبية متهالكة غير مجهّزة لتوفير الراحة لمرتاديها، بألوانٍ عشوائية تجمع كل ألوان قوس قزح بلا تناغم، وسلالم صعود للسياح تبدو هشة كأنها تنتظر أول زلّة، وعمالاً يرتدون ملابس متهالكة يصعب التمييز بينهم: أبحّارة محترفون أم عمال عابرون قد لا يجيدون السباحة أو أساسيات الأمن والسلامة، ولا حتى ثقافة التعامل مع الزوار والسياح.

واصل “مايكل” رصد ملاحظاته: صيادون هواة يلقون صنّاراتهم بلا تنظيم أو مراعاة لإجراءات السلامة، تاركين على المقاعد الإسمنتية بقايا طُعم ذات رائحة نفّاذة ومخلّفات تشوّه المشهد العام وتزعج المارة. وعلى امتداد المسار تبرز قطع من البلاط غير متقنة التركيب قد تهدّد سلامة العابرين، فيما يبدو التشجير بلا رؤية جمالية أو تنسيق واضح، مع ندرة تكاد تكون معدومة للوحات الإرشادية. بدا الكورنيش في عينيه تحفة طبيعية ومعمارية… لكنه، في نظر المهندس الخبير “مايكل”، يحتاج إلى “مدير مشروع” أو مشرف حقيقي يقظ يدوّن الملاحظات الدقيقة ليُبرز جماله الكامل ويحافظ على سلامة مرتاديه وزوّاره، وخصوصًا السائحين. واستوقفته كذلك الحواجز الزجاجية الممتدة في بعض المقاطع؛ فارتسمت على وجهه نظرة متسائلة: أهو بالفعل الحلّ الأنسب لبيئةٍ تتقلب أجواؤها بين رطوبة وحرارة عالية وأحيانًا رياحٍ محمَّلة بالغبار؟ وكيف ستكون كلفة العناية بها وصيانتها مع مرور الوقت؟

بعد ساعةٍ من المشي، جلسا في مقهى يطل على الخليج الغربي لاحتساء مشروباتٍ باردة. عندها التفت “مايكل جون” إلى “راشد” بنبرة جادّة قائلاً:

“هل قام المسؤول المتخصص عن الكورنيش بتقييم وتحليل شامل لإدارة المخاطر قبل التطوير الأخير؟”

توقّف “راشد” عن ارتشاف عصيره، وحدّق في صديقه بدهشة مبتسماً:

“Are you serious… John…!

يا أبو جون… نحن في نزهة صباحية لا في جولة تفتيش لأحد المشاريع الصناعية!”

ابتسم “مايكل جون”، وفي عينيه الزرقاوين وميض خبرة راسخة يعكس سنواتٍ من التجربة، وقال بنبرةٍ تجمع حزمَ المهندس وهدوءَ المراقب:

“مستر راشد، الجمال لا يكتمل من دون مراعاة معايير الأمن والسلامة، وهذا المكان البديع يستحق دراسة شاملة لتقييم وتحليل المخاطر (Risk Assessment & Risk Analysis) تمامًا كما لو كان مشروعًا نفطيًا أو بتروكيماويًا».

ثم انحنى قليلًا إلى الأمام مستفسرًا بفضول:

“ومن هو المسؤول والمشرف المعني عن هذا الكورنيش المدهش؟”

هزّ “راشد” كتفيه وأجاب بابتسامة تجمع روح الدعابة بالتأمل: “لا أعلم على وجه الدقة… لكن يبدو أن تداخل الصلاحيات بين أكثر من مسؤول قد يفسّر بعض هذه الثغرات».

فرد “مايكل” وهو يرفع كوبه، قائلاً بثقةٍ تستند إلى خبرة وتجارب طويلة في إدارة المشاريع الضخمة:

“إنّ كورنيش الدوحة، بوصفه أحد أبرز المعالم السياحية في قطر، يحتاج إلى تقييم شامل لإدارة المخاطر (Risk Assessment) تتولاه جهة متخصصة محترفة، تضمن الإشراف عليه وتضمن السلامة لمرتاديه، وتحافظ في الوقت نفسه على استدامته وجاذبيته ومنظره الخلّاب».

وما أن همَّا بالمغادرة حتى توقّف “مايكل” فجأة، مشيراً إلى بقعٍ بنية متناثرة شاهدها على طول الأرصفة، أشبه ببصقاتٍ جافة على الأرض، وقال باستغراب:

“مستر راشد، ما سرّ هذه البقع البنية؟ وما حقيقتها؟”

ساد صمتٌ قصير، ثم ابتسم “راشد” ابتسامة مازحة وهو ينظر إلى ساعته:

“حان الوقت يا مايكل… علينا الآن أن نلحق بزيارة صديقنا خليفة، ولندع هذا اللغز للمسؤول أو المشرف! فلعله يجد له حلاً…”

ضحك “مايكل” وهو يلتقط حقيبته، بينما ظل السؤال معلّقًا كعلامة استفهام كبيرة: هل يرى المسؤول عن الكورنيش ما يراه الزائر؟ وهل يكتفي بمنظر الجمال والشكل الخارجي فقط؟

هكذا انتهى صباح الرجيم على كورنيش الدوحة بجرعةٍ من الدعابة، وتقرير هندسي غير معلن، وسؤال مفتوح قد يجد جوابه من المسؤولين الذين نأمل أن يدركوا أن “قطر تستحق الأفضل”.

اقرأ المزيد

alsharq قد تفضحنا.. ورقة منديل

كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل... اقرأ المزيد

498

| 31 ديسمبر 2025

alsharq السعودية والإمارات.. حرص على تغليب مصلحة المنطقة

جاءت البيانات الصادرة من المملكة العربية السعودية الشقيقة ودولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، بشأن التطورات والأحداث الجارية في... اقرأ المزيد

171

| 31 ديسمبر 2025

alsharq فلسطين.. خارج التقويم

اليوم نمرّر آخر ورقة في أجندة التقويم الميلادي لعام 2025، ومع سقوط الورقة الأخيرة، ينشغل كثيرون بترتيب أمنياتهم... اقرأ المزيد

144

| 31 ديسمبر 2025

مساحة إعلانية