رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اليوم نمرّر آخر ورقة في أجندة التقويم الميلادي لعام 2025، ومع سقوط الورقة الأخيرة، ينشغل كثيرون بترتيب أمنياتهم وصناعة ما يُعرف بالـ Vision Board؛ لوحات يكتب عليها الأهداف والطموحات والأحلام المؤجلة، وكأن العام الجديد مساحة بيضاء قابلة للتخطيط وإعادة المحاولة، هذه رفاهية يملكها من يضمن الغد، ومن يستطيع أن يحلم دون أن يخشى البقاء.
لكن التقويم لا يعمل بالمنطق ذاته في فلسطين، هنا، لا تُقاس الأعوام بما يُنجز، بل بما يُحتمل، ولا تبدأ السنة بسؤال: ماذا نريد أن نحقق؟ بل بسؤال: ماذا بقي لنا؟ فلسطين تدخل كل عام جديد مثقلة بأعوام متراكمة من الحروب المتوالية، وبكومة من الأحزان، وبالكثير من القهر والجوع والعطش والبرد والخوف وأضعافهم خذلان، وكأنها تعيش خارج الزمن العالمي، في استثناء دائم من الأمل.
ففي قطاع غزة، لا يحمل العام الجديد معنى البداية، أكثر من مليوني إنسان يدخلون عاماً آخر وسط دمار واسع، وانهيار شبه كامل لمقومات الحياة، وفق تقارير الأمم المتحدة، يعاني جميع سكان القطاع من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه مئات الآلاف خطر المجاعة الفعلية، الجوع هنا لم يعد جوعا، بل تجويع مع سبق الإصرار والترصد، سياسة ينتهجها محتل فاشي نازي، وواقع يومي يطال الأطفال قبل غيرهم.
أكثر من نصف العائلات لا تحصل إلا على وجبة واحدة غير مكتملة في اليوم، إن وُجدت، ومع تدمير الأراضي الزراعية، وتعطيل سلاسل الإمداد، وإغلاق المعابر، بات الغذاء أداة ضغط في غزة لإجبار أهلها على الهجرة طواعية، فاليوم في غزة لا يُقاس بعدد الساعات، بل بعدد ساعات الجوع والعطش التي لا تميز بين رضيع في المهد وبين طفل وبين شيخ كبير، فالجوع واحد والمعاناة واحدة والموت في غزة واحد.
وإلى جانب الجوع، يبرز العطش كوجه آخر للمأساة، فغالبية السكان لا يحصلون على الحد الأدنى من المياه الصالحة للشرب، ما يتوفر في كثير من المناطق لا يتجاوز بضع لترات للفرد يوميًا، وهي كمية لا تكفي للحياة، ولا للصحة، ولا للكرامة. هذا الشح انعكس مباشرة على انتشار الأمراض، وسوء التغذية، وتدهور الوضع الصحي، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن.
ومع دخول فصل الشتاء، تتخذ المأساة بعداً أشد قسوة، الأمطار التي يفترض أن تكون موسم خير، تحوّلت في غزة إلى عامل تهديد بل لعامل يفضي بالموت المحقق، أحياء كاملة غرقت بمياه الأمطار المختلطة بالصرف الصحي، وخيام مؤقتة لم تصمد أمام الرياح والبرد، فيما بات آلاف الفلسطينيين بلا مأوى فعلي يحميهم من قسوة الطقس، ورغم النداءات الإنسانية المتكررة، لا يزال إدخال الكرفانات والمساكن المؤقتة يواجه قيوداً مشددة، ما فاقم الأزمة مع كل منخفض جوي، هذا الواقع جعل الأطفال وكبار السن الفئة الأكثر عرضة للخطر، حيث سُجّلت حالات وفاة نتيجة البرد القارس والغرق، في ظل غياب وسائل التدفئة، ونقص الأغطية، وانعدام بنية تصريف المياه، في غزة لا يموت الناس بالقصف وحده، بل بردا، وغرقًا..أيضاً.
الشتاء هنا لا يُقاس بدرجات الحرارة، بل بعدد الخيام التي جرفتها السيول، وعدد العائلات التي قضت ليلها في العراء، وعدد الأجساد الصغيرة التي لم تحتمل البرد والرطوبة، ومع استمرار منع حلول الإيواء العاجلة، يتحول كل منخفض جوي إلى تهديد مباشر للحياة، وكأن الطبيعة نفسها أُضيفت إلى أدوات العقاب الجماعي.
وإذا ما تحدثنا عن الضفة الغربية، لا يبدو المشهد أقل قتامة، العام الجديد يُستقبل بمزيد من الاقتحامات، والاعتقالات، وهدم المنازل، وتوسّع استيطاني لا يعترف بتقويم ولا بقانون، عائلات تستفيق على هدير جرافات الاحتلال وهي تهدم منازل الفلسطينيين على رؤوسهم، وتصادر أراضيهم، وتـسر شبابهم وشيبانهم ولا تتورع في أسر أطفالهم بلا تهمة واضحة، وبلا أفق ينبئ بالخلاص.
القدس عاصمة «فلسطيننا» الأبدية، فتدخل عاماً جديداً مثقلة بسياسات التضييق والتهويد، حيث تُفرض قيود على العبادة والحركة، وتُسن قوانين تستهدف الوجود الفلسطيني ذاته، مدينة يُفترض أن تكون رمزًا للسلام، لكنها تحوّلت إلى ساحة صراع يومي على الهُوية والبقاء، فضلا عن تكرار اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال، وبإيعاز وتحريض مباشر من وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، في محاولة لفرض وقائع جديدة تمس الوضع التاريخي والقانوني، كان آخرها يوم الأول من أمس وأدوا خلالها طقوسا تلمودية علنية رافقها جولات استفزازية رافقها غناء وتصفيق.
وسط هذا كله، يواصل العالم رفع شعارات حقوق الإنسان، بينما تُترك فلسطين خارج هذا الخطاب، بيانات قلق، ومواقف رمادية، وصمت طويل أمام معاناة موثقة، ازدواجية المعايير لم تعد خفية، بل حقيقة يومية يدفع ثمنها المدنيون، ومع ذلك، لا يدخل الفلسطيني العام الجديد منكسرا بالكامل، فوسط الركام، ما زالت الحياة تُقاوم، عائلات تتقاسم القليل، وأمهات يحاولن حماية أطفالهن من البرد قبل الجوع، وشعب يصرّ على البقاء، لا لأنه واثق بعدالة العالم، بل لثقته بالله، ولأنه لم يتخلَّ يوما عن حقه في هذه الأرض.
ختاما..
وهكذا، بينما يطوي العالم صفحة 2025 ويستعد لعام جديد مليء بالأمنيات، تبقى فلسطين خارج التقويم، تحصي أيامها بالوجع، وتكتب تاريخها بالصبر، انتظارا لعام لا يكون كغيره من أعوام، عام تحت سماء الحرية، بلا قهر وبلا جوع ولا عطش ولا شهادات موت تزيد عن شهادات الميلاد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صحفية فلسطينية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
3762
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
3243
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1167
| 05 مايو 2026