رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن فن تحطيم الكفاءات في كل زمان ومكان، ولا يكون إلا من الإدارة المريضة التي لا تطردك فحسب؛ بل هي أذكى من ذلك بكثير. فإن الطرد قرار قانوني قد يتبعه محاسبة، لكنها تفضل «التطفيش» الممنهج. حيث إنها تكافئ الفاشل وتدني منها المداهن، حتى يغدو الاجتهاد تهمة تطارد المخلص، فيتحول المتميز إلى منبوذ لأنه كشف عجز المحيطين به في هذه البيئة. ويصبح الإنجاز خطراً يهدد استقرار الفاشلين، لذا يتم عزل المبدع حتى يشعر بالغربة في وطنه ومكتبه. فيسجن بالإجراءات والقوانين المتقلبة لكي تضمن هذه الإدارة صمتك للأبد، وهي لا تمنعك من الاعتراض، بل تغرقك في الإجراءات والحجج بعطل البيروقراطية، كي تتعب وتستنزف طاقتك قبل أن تصل إلى مرحلة الاعتراض. ومن مكرها أنها تُبدل القوانين كل صباح؛ لا بهدف التطوير، بل ليبقى «الخوف» هو الثابت الوحيد. عندما لا يعرف الموظف ما له وما عليه نتيجة تبدل اللوائح، يصبح مرتهناً لمزاج المدير، ويتحول القانون من مسطرة للعدالة إلى سوط للترهيب. يقدس الكرسي ويهان الإنسان في أروقة هذه الإدارة المريضة، هناك صنم يُعبد يسمى «المنصب». فالإدارة هنا تُقدس الكرسي وتُهين الإنسان بابتسامة رسمية باردة. المدير لا يراك شريكاً في النجاح، بل مجرد «ترس» يمكن استبداله. هنا، يُقتل التواصل الحقيقي ويُدفن الرأي الآخر، حيث يتحوّل الصمت إلى فضيلة، والسؤال إلى جريمة تمس هيبة القيادة. سياسة التساوي والموت البطيء أخطر ما يواجه الموظف هو شعوره بانعدام العدالة. عندما تُساوي الإدارة بين من يحترق عملاً ومن يتفرّج، فإنها ترسل رسالة واضحة: الجهد لا قيمة له. هنا، يدرك الجميع أن البرود هو النجاة، فتتحول المؤسسة إلى هيكل بارد يسكنه «موظفون موتى» يؤدون الحد الأدنى من العمل للبقاء فقط. وعندما تطالب بحقك، لا تواجهك بالرفض القاطع، بل بمقصلة «التسويف». هي تؤجل حقوقك بلا إنكار، وتعدك بالفرج في كل اجتماع، وتراوغ بكلمات معسولة حتى تموت الرغبة في نفسك، ويتحول الطموح إلى رماد. في الخاتمة؛ فإن حتمية التغيير لهذه الإدارة المريضة هو العائق الأول أمام أي رؤية وطنية طموحة. وهي الفيروس الذي ينخر في جسد المؤسسات، وعلاجها لا يكون بالمسكنات أو تغيير الوجوه، بل ببناء ثقافة مؤسسية تضع «الإنسان» فوق الكرسي، والأداء فوق الولاء الضيق. إن الإدارة المريضة لا تقتلك دفعة واحدة، بل هي تدربك يومياً على الاستسلام حتى تُوقع عليه بنفسك، هي لا تكسر قلمك، لكنها تجعلك تكتب به خطابات الوداع لشغفك.
306
| 18 يناير 2026
إن العودة إلى «الأصل» في جوهر البحوث العلمية، هي بحث عن الصدق والمصداقية. ففي علم اهل الحديث، نعتمد على «السند» وعلم الرجال» لضمان أن الفكرة لم تُشوه أو تدلس. هذه هو الفكر الإيجابي واليقيني بحذافيره، حيث الرجوع للأصل وهي التي تحفظ هوية الأمم. لكن المعضلة تبدأ عندما يتحول العقل من منبع للاستنارة إلى قيد للعقل، وهنا تشوه الراديكالية. في الفكر الأصولي الأصيل، يُعتبر تقديم النقل على العقل قمة المصداقية المنهجية. فالنقل (الوحي أو النص الصحيح بسنده) يمثل «الحقيقة المطلقة» المنزهة عن الهوى البشري، بينما العقل، رغم شرفه، يظل محدوداً بظروف الزمان، والمكان، والقصور البشري. قال تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } الجاثية ٢٣. تكمن المزية الكبرى للفكر الأصولي في كونه «صمام أمان للهوية». في زمن العولمة الزاحفة التي تحاول صهر الثقافات في قالب واحد، يأتي الفكر الأصولي ليعيد الاعتبار لـ «الأصل»، مانحاً الشعوب درعاً يحميها من «الاستلاب الثقافي» و»تغريب المناهج». إن التمسك بالأصول يعني الحفاظ على اللغة والسند الأخلاقي الذي بدونه تصبح الأمة بلا ذاكرة. تقديم النقل لا يعني «إلغاء العقل»، بل يعني تحديد وظيفته. العقل في هذا المنهج هو «مجتهد في الفهم» و»بارع في القياس»، لكنه لا يملك حق معارضة «النص القطعي»من الناحية المنهجية، يقدم الفكر الأصولي نموذجاً فريداً في «المصداقية». فاعتماده على «علم الرجال» والتدقيق في «السند» هو في جوهره أرقى أنواع البحث العلمي؛ إذ يرفض أخذ المعلومات من مصادر مجهولة أو مشكوك في نزاهتها. هذه «الأصولية» هي التي تحفظ الحقائق من التزييف، وتمنع «كذب» الأيديولوجيات العابرة من اختراق الوعي الجمعي. كما يوفر الفكر الأصولي «الاستقرار النفسي والاجتماعي». في عالم «ما بعد الحقيقة» حيث تتغير القيم الأخلاقية بسرعة مربكة، يقدم الرجوع للأصل «ثوابت» صلبة تمنح الإنسان شعوراً بالمعنى والانتماء. إن «إيجابية» هذا الفكر تظهر في قدرته على بناء مجتمعات متماسكة تعتز بـ أصالتها وتستمد منها القوة لمواجهة تحديات الحاضر دون ذوبان. ينظر العقل الغربي الليبرالي إلى الأصولية (خاصة الإسلامية) بوصفها نقيضاً للحداثة. في مخايلهم، أن «الأصل» يمثل الماضي المظلم، و»العقل» يمثل المستقبل المشرق. من هنا ينطلق الغرب في محاولاته لتغيير المناهج التعليمية في الشرق؛ لزحزحة قناعة الشعوب بأن «النقل أولى من العقل». هم يرون في هذا المبدأ عائقاً أمام «التحديث» (الذي هو في الحقيقة «تغريب»). إن القول بأن اليقين العلمي يُبنى على الفكر الأصولي هو قول يرتكز على حقيقة أن العلم لا يبدأ من الفراغ. العلم الذي لا «أصل» له هو علم مضطرب لا مصداقية له.في الفيزياء والكيمياء، نحن نمارس «أصولية علمية» بامتياز. اليقين في العلم يُبنى على ثوابت (بـ المُسلمات أو البديهيات) لا تقبل الجدل،. هي حجر الزاوية في بناء أي نظام فكري أو علمي، وهي الرابط الجوهري الذي يجمع بين «الفكر الأصولي» والعلوم التجريبية. قوانين المادة والحركة والرياضيات هي «أصول» العلم. في المعمل، لا نُصدق أي نتيجة إلا إذا كانت تمتلك «سنداً» من التجربة المتكررة والبرهان القاطع. هذا هو «علم الرجال» في المختبر؛ حيث نتحقق من نزاهة الأدوات ودقة الملاحظة (المصداقية). أخيراً، الفكر الأصولي يمثل «المقاومة الثقافية» ضد الاستعمار الحديث. فمن خلال الاعتزاز بالمرجعية (سواء كانت دينية كالسلفية في صفائها، أو فكرية قومية)، تمتلك الشعوب القدرة على رفض التبعية العمياء للغرب. إنها عودة للذات ترفض أن يكون «الآخر» هو المرجع الوحيد للحقيقة، مما يفتح الباب لنهضة حقيقية تنبت من التربة الوطنية وتتغذى من جذورها العميقة.
249
| 11 يناير 2026
تعيش خريطة التجارة العالمية اليوم حالة من إعادة الضبط الكبرى، حيث لم تعد سلاسل الإمداد مجرد خطوط لنقل البضائع، بل تحولت إلى سلاح استراتيجي وأداة للضغط السياسي في صراع القوى العظمى. حيث تراقب المنطقة هذا التحول بعين فاحصة، فمنطقة الخليج العربي ليست مجرد خزان للطاقة، بل هي حلقة الوصل الأخطر في هذا السباق المحموم بين الشرق والغرب. في المفهوم الاقتصادي الحديث، لا تعد سلاسل الإمداد مجرد وسيلة لنقل البضائع، بل هي العمود الفقري الذي يربط العالم ببعضه. وهو نظام شبكي متكامل ويربط ويضم كافة الأفراد، المنظمات، الموارد، الأنشطة، والتقنيات المعنية بتحويل المواد الخام إلى منتج نهائي وتسليمه للمستهلك. تعتبر الجغرافيا السياسية للمضايق، شريان الحياة للعالم. وهي تحت تهديد التحديات السياسية والاقتصادية بشكل مستمر. حيث تظل المضايق الاستراتيجية هي نقاط الاختناق التي تحكم قبضتها على الاقتصاد العالمي. إن أي اضطراب في مضيق هرمز أو باب المندب يعني ارتباكاً فورياً في تدفقات الطاقة والسلع. وما نشهده اليوم من أحداث في اليمن ليس مجرد صراع إقليمي، بل هو تهديد مباشر لأمن الملاحة الاقتصادي في البحر الأحمر، مما يجبر السفن على الدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يرفع التكاليف ويؤجج التضخم العالمي. إنها حروب الموارد الاقتصادية والتحالفات الدولية للمصالح. لقد أعادت الحرب الروسية الأوكرانية تعريف مفاهيم الأمن الغذائي وأمن الطاقة، مما دفع القوى الكبرى للبحث عن بدائل مستقرة. وفي هذا السياق، تبرز دول الخليج كشريك لا غنى عنه للغرب الساعي لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، وللشرق (الصين) المتعطش للموارد لتغذية آلة إنتاجه الصناعية. وفي الطرف الآخر من العالم، تظل فنزويلا رغم أزماتها رقماً صعباً في معادلة النفط، حيث يتأرجح استقرار إمداداتها بين العقوبات الأمريكية والحاجة الدولية للنفط الثقيل، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد للمنافسة العالمية على الموارد. ليعيد تساؤل التنافسية القطبية لمن يحكم قبضته على العالم بنظام دولي جديد على نظام دولي متهالك تحت تهديد الحروب الدولية. ليأتي دور الحزام والطريق مقابل الممرات البديلة. وهي استراتيجية دولية أطلقتها الصين عام ٢٠١٣ عُرفت سابقاً بـ «حزام واحد، طريق واحد»، وتهدف إلى إحياء طريق الحرير القديم لربط الصين بالعالم عبر شبكة ضخمة من الموانئ، والسكك الحديدية، والطرق، والمطارات، ومشاريع الطاقة. ويتجلى ذلك بوضوح من خلال الصراع الأمريكي الصيني بوضوح من خلال هذه المبادرة. حيث تسعى بكين من خلالها لربط القارات ببعضها عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديدية التي تمر بالضرورة عبر منطقتنا. وفي المقابل، تبرز تحالفات إقليمية ودولية مدعومة من واشنطن لخلق ممرات بديلة تعيد موازين القوى. وفي المقابل برزت «نيودلهي» الهند كلاعب لا يمكن تجاوزه في إعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية. لم تعد الهند مجرد سوق ضخمة، بل تحولت إلى بديل استراتيجي مدعوم من الغرب لكسر الهيمنة الصينية على الممرات البحرية والبرية. في حين تستثمر الصين في ميناء جوادر بباكستان، ردت الهند بالاستثمار في ميناء تشابهار الإيراني لتأمين وصولها إلى وسط آسيا وأوروبا بعيداً عن السيطرة الباكستانية أو الصينية. هذا التنافس يحول المحيط الهندي إلى ساحة «شطرنج» كبرى، حيث تسعى الهند لفرض ما يسميه المحللون «مبدأ مونرو الهندي» لضمان أمن الملاحة في مجالها الحيوي. أما في شرق آسيا، فإن العلاقات المعقدة بين كوريا واليابان والصين تمثل قلب الصناعة التكنولوجية العالمية. أي توتر في هذا المثلث، سواء بسبب الخلافات التاريخية أو النزاعات الحدودية، يضرب سلاسل توريد أشباه الموصلات والإلكترونيات في مقتل، وهو ما ينعكس مباشرة على وتيرة التحول الرقمي في الخليج. إن دول الخليج لم تعد تكتفي بدور المتفرج، بل بدأت في بناء تحالفاتها الخاصة وتنويع شراكاتها بين واشنطن وبكين وموسكو. نحن اليوم في قلب معادلة «السلم والحرب»، حيث تسعى دول المنطقة لضمان تدفق التجارة عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية اللوجستية والموانئ الذكية، لتكون صمام أمان في وجه التقلبات السياسية الدولية. خلاصة القول؛ إن سلاسل الإمداد العالمية تمر اليوم عبر حقل من الألغام الجيوسياسية. وبينما تتصارع الأقطاب على النفوذ، يظل الرهان الخليجي قائماً على استثمار الموقع الاستراتيجي وتحويل التحديات إلى فرص لاستدامة النمو الاقتصادي، بعيداً عن سياسة المحاور الضيقة.
159
| 04 يناير 2026
استوقفتني قصة عابرة للمغني السابق البريطاني الشهير المعروف بـ "ستيفنز" الذي غير اسمه بعد اسلامه الى يوسف. وقد أثرت فيه قصة النبي يوسف في القرآن، وكان السبب المباشر لإسلامه أهدى له أخوه نسخة من القرآن الكريم، وقد أثرت فيه "سورة يوسف" بشكل خاص، مما أكد له أنها ليست من صنع البشر، وكان سببا في اسلامه. في احدى المقابلات الصحفية سئل ستيفنز سؤالاً استفزازياً: كيف تقبل تعدد الزوجات بعد دخولك الإسلام وانت انسان غربي متحضر؟ فرد بكلمة جعلت العالم في صمت! " سؤالك موجه لنسخة قديمة من زمن لم أكن فيه مسلماً. هل تعلم أنني لا أعرف عدد النساء اللواتي عرفتهن قبل الإسلام! بل ربما لا أعرف حتى عدد أولادي منهن! لماذا لم تسألني هذا السؤال في تلك الأيام؟!" حل الصمت على المكان ثم أكمل بهدوء المؤمن الثابت الحكيم. " اليوم أنا مسلم، ولي زوجة واحدة فقط، ولا نية لي أن أتزوج ثانية. الإسلام لم يفرض التعدد، ولكنه اباحه بشروط قاسية: العدل، والمسؤولية، ورعاية الأسرة. فهل هذا ما يخيفكم؟ ثم سأل سؤال صفعة للسائل: أم أن ما لا يقلقكم هو العالم المتحضر الذي يفاخر بالعلاقات العابرة؟ بأطفال لا يعرفون آباءهم، وآباء يموتون دون أن يعرفوا أبناءهم؟! أيهم أصلح للبشرية؟ رجل يتزوج أربعاً وتحمل مسؤوليتهن؟ ام آلاف العلاقات بلا عقد، بلا أخلاق بلا أثر، سوى الضياع؟!" كانت صفعة حضارية خالدة أيقظت العقول من غفلتها. في ظل الهرولة التقنية التي صبغت ملامح العصر، طفت على سطح المجتمعات العربية والإسلامية ظاهرة ما يُعرف في الأدبيات الغربية بـ "العلاقات العابرة ". فإن هذه العلاقات التي تتسم بضعف الالتزام وقصر الأمد، حتى باتت تطرح تساؤلات عميقة ومقلقة حول مآلات الروابط الإنسانية في ظل العولمة والغزو الثقافي التي لا تعترف بالحدود أو الخصوصيات القيمية الدينية. كما أن الظروف الاقتصادية قد تفاقم من تزايد تلك العلاقات. سواء في حالة الفقر او الغنى، فسهولة العلاقات العابرة للغني تجعله يفسق ويبحث عن اشباع شهوته وصعوبة الزواج تكون ذريعة للفقير كذلك. فإن من الناحية الاجتماعية، تفكك الأواصر واستلاب المودة، تمثل العلاقات العابرة تمرداً غير معلن على مؤسسة الزواج التقليدية والروابط الأسرية المتينة. إن خطورة هذه العلاقات تكمن في تحويل الإنسان من "كائن اجتماعي" يسعى للاستقرار وبناء أسرة، إلى "كائن استهلاكي" يبحث عن إشباع لحظي واحتياجات عاطفية أو جسدية مؤقتة. تؤدي هذه الظاهرة إلى ما يسميه علماء الاجتماع "سيولة الروابط"؛ حيث يصبح الانفصال أسهل من المواجهة، والهروب من المسؤولية سمة بارزة. هذا النمط من العلاقات يورث حالة من "الاغتراب النفسي"، إذ يجد الفرد نفسه في دائرة مفرغة من اللقاءات التي لا تترك أثراً سوى الفراغ العاطفي، مما يضعف النسيج المجتمعي الذي يقوم في أساسه على الثقة والالتزام طويل الأمد. كما أن انتشار هذه الظاهرة يساهم في تأخير سن الزواج أو العزوف عنه، مما يهدد التوازن الديموغرافي والاستقرار النفسي للأجيال الصاعدة. حيث تعيش المجتمعات الإسلامية صراعاً فكرياً بين "المرجعية الدينية" التي تعلي من شأن الميثاق الغليظ، وبين "ثقافة الوافد الغريب" التي تروج للحرية الفردية المطلقة. ففي الإسلام، لا يُنظر إلى العلاقة بين الرجل والمرأة كمجرد عقد مدني أو تلاقٍ عابر، بل هي منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، وسكن روحي قائم على "المودة والرحمة". إن الثقافة الإسلامية تضع ضوابط صارمة تهدف لحماية كرامة الإنسان، وبالأخص المرأة، من الابتذال أو التحول إلى سلعة في سوق العلاقات المؤقتة. العلاقات العابرة، بهذا المعنى، تصادم المفهوم الإسلامي لـ "العفة" و"الحياء" و"المسؤولية الاجتماعية". فالإسلام يربط العلاقة بالبناء (الأسرة)، بينما تقوم العلاقات العابرة على الهدم " الاستمتاع دون تبعات ". علاوة على ذلك، فإن الانفتاح الرقمي عبر تطبيقات التعارف قد خلق "ثقافة التوافر الدائم"، مما أفقد العلاقات قدسيتها وخصوصيتها. هذا التداخل الثقافي أدى إلى نوع من "الارتباك القيمي" لدى الشباب، الذين يجدون أنفسهم ممزقين بين الفطرة السليمة التي تطلب الاستقرار، وضغوط ثقافية تدفع نحو التجريب العبثي. إن مواجهة تمدد العلاقات العابرة لا تبدأ بالمنع الزجري فحسب، بل بإعادة إحياء القيم الأصيلة التي تجعل من العلاقة بين الرجل والمرأة مشروعاً لبناء حضارة لا مجرد لحظة عابرة. إننا بحاجة إلى خطاب اجتماعي وتربوي يجدد الاعتبار لمفهوم "الالتزام بمسؤولية الأسرة " بوصفه أعلى درجات الأخلاق، ويؤكد أن السعادة الحقيقية هي تلك التي تنمو في ظل الاستقرار والالتزام وفق المبادئ الإسلامية، بعيداً عن أوهام العلاقات التي تولد لتموت في ليلتها. إن الحفاظ على "الميثاق الغليظ" هو الحصن الأخير لمجتمعاتنا.
225
| 28 ديسمبر 2025
عاصرتُ في حياتي تحولات كبرى وأزمات عصفت بدول ومجتمعات، أجدني اليوم مدفوعاً لكتابة هذا المقال ليس من باب الرصد الإخباري، بل من باب التشريح القيمي لما نسميه "الظروف الطارئة". إنها تلك اللحظات التي يسقط فيها القناع عن الوجه الحقيقي للبشر والنظم على حد سواء. حين تتحول أخلاقيات المأزق والأزمات إلى سلاح للإذلال والتمكين. في قاموس الحياة، يُعرف "الظرف الطارئ" بأنه ما يخرج عن إرادة الإنسان وقدرته على التوقع، وهو في جوهره "قدر الله" الذي نؤمن به. لكن المشكلة لا تكمن في القدر، بل في "التعذر بالقدر". هنا يبرز الفيصل الأخلاقي بين الصدق والكذب؛ فبينما يواجه النبلاء طوارئ الحياة بشجاعة الاعتذار الصادق والبحث عن الحلول، يتخذها البعض "شماعة" للتنصل من الالتزامات، محولين الأقدار إلى وسيلة للمراوغة والخداع. هناك قاعدة فقهية وحقوقية أستعملها دائماً، والتي تقول: "الطارئ يعامل معاملة الطارئ" هي نبراس للشفافية في موضوعناً فعلاً، تهدف لرفع الحرج عن الناس. لكننا نرى اليوم تشوهاً في تطبيقها؛ حيث يتم "تأبيد" الحالة الطارئة لذريعة التجاوزات. وهنا نستحضر مفهوم "ابن السبيل" بمفهومه المعاصر؛ فهو ليس فقط المنقطع في سفره، بل هو كل من وجد نفسه في مهب ريح طارئة (اقتصادية أو سياسية) جردته من حمايته. التعامل مع هؤلاء هو الاختبار الحقيقي لمروءة المجتمعات. أما الوجه الأكثر قتامة في مشهد الطوارئ، فهو الاستغلال. إن استغلال الظروف الطارئة للضغط على أصحابها مادياً ونفسياً هو "خيانة إنسانية" مكتملة الأركان. عندما يتحول اضطرار الإنسان إلى فرصة للمساومة، أو وسيلة للانتقام والإذلال، فنحن أمام "براغماتية متوحشة" لا تعرف ديناً ولا قانوناً. إن محاولة كسر إرادة الشخص وهو في حالة ضعف طارئة هي أدنى مراتب الخصومة. ولا يتوقف هذا السلوك عند حدود الأفراد؛ بل يمتد ليتجاوز الحدود الجغرافية والدولية. لقد شهدنا كيف تُوظف الأزمات "العابرة للحدود" كأدوات للسيطرة والتمكين. تُفرض الإملاءات السياسية تحت غطاء المساعدات الإنسانية، وتُخترق سيادة الدول بحجة إدارة "الطارئ". إنها محاولة لتحويل الأزمة من عائق مؤقت إلى وسيلة دائمة للهيمنة، حيث تُبنى إمبراطوريات "التمكين" على أنقاض احتياجات الآخرين المنكوبين. إن الظروف الطارئة، مهما بلغت قسوتها، هي حالة استثنائية يجب أن تنتهي بالعودة إلى الأصل الثقافي للأمة. وإن المراهنة على كسر كرامة الإنسان أو سيادة الأوطان وقت الشدة هي مراهنة خاسرة تاريخياً. فالطارئ يزول، والضيق يتسع، لكن الوجع الذي تتركه محاولات الإذلال والانتقام يبقى وشماً في ذاكرة الشعوب، لا تمحوه السنين. في الختام، نخلص إلى أن الظروف الطارئة - بكل تعقيداتها ومآسيها - ليست إلا محطات اختبار كبرى للضمير الإنساني والعدالة. فمن اتخذ من أقدار الله مطية للتنصل من واجباته، أو جعل من حاجة الناس وسيلة للإذلال والتمكين والسيطرة، فقد خسر رهانه الأخلاقي أمام التاريخ وأمام خالقه. إن الأزمات، مهما طال أمدها، تظل حالات استثنائية ستنجلي يوماً ما، ولن يبقى منها سوى سجل المواقف؛ فإما سجلٌ من النبل والتكاتف، أو سجلٌ من الانتهازية والجور. لذا، يجب أن تظل كرامة الإنسان أسمى من أي ظرف، وسيادة الأوطان أرفع من أي استغلال، مستلهمين الصبر واليقين من قول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} سورة البقرة ١٥٥.
252
| 21 ديسمبر 2025
«بكم تعلو ومنكم تنتظر» كلمات تكتب بماء الذهب من سمو الأمير حفظه الله تعالى وسدد خطاه ووفقه لكل خير. فهي أي دولة قطر تعلو بكل رجل وامرأة مهما كان دورهما ومسؤوليتهما اتجاه وطنيهما. في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، لا تحتفل قطر بتاريخها المجيد فحسب، بل تجدد عهدها المتبادل الذي قامت عليه هذه الدولة العصرية. فشعار اليوم الوطني الذي دشنه سمو الأمير، إنما هو ملهم في جوهره لكل الأجيال، وهو التعبير الأسمى والأكثر وضوحاً عن مفهوم العقد الاجتماعي؛ ذلك الاتفاق الضمني العميق الذي يربط القائد بالمواطن. إنه اعتراف متبادل بأن رفعة الوطن لا تتحقق إلا بالجهد المشترك. وهو هذا العقد الذي نتعهد بتجديده، وأركانه هي الركيزة الأساسية التي تعزز صمودنا وازدهارنا وبقاءنا. ولكن ما هو العقد الاجتماعي؟ في أبسط تعريفاته، فإن العقد الاجتماعي هو ذلك الاتفاق الضمني وغير المكتوب الذي يشكل أساس أي مجتمع مستقر. إنه ليس وثيقة ذات توقيع، بل هو قبول متبادل يبين الالتزامات المطلوبة من الحقوق والواجبات. ينص مضمون هذا العقد على أن يتنازل أفراد المجتمع طواعية عن حرياتهم الفردية المطلقة لصالح سلطة حاكمة موحدة أي الدولة. هذا التنازل لا يعتبر خسارة، بل هو استثمار؛ فمقابله تلتزم الدولة بتوفير الأمن والحماية، وإقامة العدالة، وتقديم الخدمات العامة اللازمة لاستدامة الحياة الكريمة. فلسفياً، بحث فيه مفكرون كبار مثل جون لوك وجان جاك روسو، الذين رأوا فيه الآلية الضرورية للانتقال من «حالة الطبيعة» إلى المجتمع المنظم، مما يضمن الشرعية للاستقرار والتنمية. قال تعالى {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} الأنفال ٤٦. لم يكن العقد الاجتماعي في دولتي الحبيبة حبراً على ورق، بل هو حقيقة معاشة منذ نشأتها على يد المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، والتي يكمل مسيرتها سموه. وهي تجسيد للمسؤولية المتبادلة التي أشار إليها الشعار الأميري. والذي تنبع أهمية هذا العقد من كونه المصدر الأساسي لـلعدالة الاجتماعية بين الدولة والمجتمع، مما يضمن الاستقرار العام داخل الدولة. ويحصّن الدولة ذاتياً بين أجهزة الأمن والمجتمع. حيث أن المبدأ الأساسي للعقد هو أن الأفراد يتنازلون عن حقهم في تطبيق العدالة بأيديهم “حالة الطبيعة والفوضى» لصالح مؤسسة مركزية واحدة عبر مؤسسات الدولة. وهذا النقل للسلطة يمنع الثأر والاشتباكات الفردية والجماعية، ويحول دون العودة إلى حالة النزاع كما وصفها هوبز. أما الفوائد المستفادة، فهي متعددة الأوجه وتلامس حياة كل مواطن ومقيم. فالأمن والرفاهية مرتبطان، ويتجسد التزام الدولة بتوفير الرفاه الاقتصادي وتتبلور نهضتها منذ ظهور مشتقات الطاقة خلال العقد الماضي وحتى الآن. واستثمار الثروات الطبيعية لخدمة الأجيال الحالية والمستقبلية. هذا الالتزام يعزز الشعور بالأمان الاجتماعي والاقتصادي. التنمية الشاملة: يوجب العقد على الجميع المساهمة الإيجابية في البناء. هنا، نجد رؤية قطر الوطنية 2030 كوثيقة تنفيذية لهذا العقد؛ فهي خطة عمل تهدف إلى تحقيق التنمية البشرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية. فهذه الرؤية هي دليل على وفاء القيادة بوعدها نحو مستقبل مزدهر ومستدام. حيث تبقى شواهد هذه النهضة عبر الأحداث الدولية كالمؤتمرات السياسية والاقتصادية والاحداث الرياضية كأس العرب وغيرها شاهدة على مظاهر الازدهار والنهضة بأعلى المقاييس العالمية. كما أن الهوية الوطنية والإسلامية والعربية ثابتة رغم كل الصعوبات والمتغيرات. والتكافل والتضامن مع الأمة حاضر وبقوة منذ التأسيس وحتى الآن. يرسخ العقد الاجتماعي قيم الانتماء والوحدة الوطنية، ويدعم نموذج التكافل الاجتماعي المتأصل في الثقافة القطرية، حيث الواجبات والحقوق متساوية أمام القانون لضمان العدالة الاجتماعية. إن هذا التوازن بين التزام القيادة وولاء ومشاركة المواطن والمقيم هو سر الصمود وازدهار دولتنا العزيزة حفظها الله. إن الاحتفال باليوم الوطني، في الثامن عشر من ديسمبر، يتجاوز كونه مجرد ذكرى تاريخية؛ إنه المحطة السنوية والفرصة المتجددة لتأكيد الولاء وقوة هذا العقد الاجتماعي الذي أرساه المؤسس، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، على أسس العدل والوحدة. عندما نتأمل في شعار «بكم تعلو ومنكم ننتظر» ندرك أن استمرار العقد يتطلب منا جميعاً استلهام روح المؤسس في الحفاظ على هذا الإرث الثمين. فالمواطنة ليست مجرد حقوق تُمنح، بل هي مسؤولية تجاه المجتمع والدولة. في الختام، يظل العقد الاجتماعي هو الضامن الأقوى لمستقبلنا. ولضمان ازدهار قطر، يجب علينا أن نحمل على عاتقنا واجب توريث هذا العهد المتين للأجيال القادمة، ليظلوا هم القوة الدافعة التي «بها تعلو» راية الوطن، ويستمر هذا التلاحم الفريد بين القيادة والشعب، عاماً بعد عام. شكراً سمو الأمير.
360
| 14 ديسمبر 2025
إن المخالفة تعتبر جزءا لا يتجزأ من طبيعة الكون والحياة. بل دليلٌ يدل على وجود الحق، ويفرق ويفصل بين الحق والباطل. وقد يكون أول شعور لصاحب الحق مع المخالف، أنه يرد العقوبة للمخالف من خلال التشهير إن كان امام الحاضرين أو اعتباره نقداً هداماً عند سوء فهم المخالف، وذلك لسوء ظن النوايا عند الحديث. ولكن التعامل الفعّال مع المخالف لا يكون من مبدأ تطبيق الحساب؛ بل يتعلق بالنقد البناء، والاحتواء العاطفي الذكي، والتحويل الإيجابي للقناعة والفكر والمعتقد. بدلاً من البدء بنقاط الخلاف، ابدأ بنقاط الالتقاء الإنسانية والوطنية والدينية الأساسية. ومثال ذلك ذكّر المخالف بالقيم التي يتفق عليها الجميع، مثل مصلحة الوطن، أو الحفاظ على النسيج الاجتماعي، أو حرمة الدماء، أو المبادئ الأخلاقية العامة. عند مواجهة المخالف، سواء كان موظفًا في مؤسستك، أو طالبًا في فصلك، أو حتى ضيفاً في مجلسك، أو إن كان فرداً مفاوضاً من دولة أخرى شقيقة او صديقة او حتى عدوة، فإن أول وأهم أداة لديك هي هدوؤك. فالغضب يُفقِدك السيطرة ويُصعِّد الموقف. امنح نفسك لحظة قبل الرد. هذا الصمت القصير هو خط الدفاع الأول عن حكمة القرار. لا تقاطع. دع المخالف يعرض وجهة نظره بالكامل. قد تكون دوافعه واضحة جدًا في طريقة شرحه. عندما يشعر أنه مسموع، تقل حدة دفاعه وتفتح الأبواب على مصراعيها للحوار البنّاء. فيجب علينا انتقاد الفعل، لا الفاعل. فقل: «هذا الإجراء غير مقبول»، ولا تقل: «أنت شخص غير مسؤول». فهذا يمنح الشخص فرصة للاعتراف بالخطأ دون الشعور بالإهانة الشخصية. فوضوح القاعدة وعدالة التطبيق، هي التي تجعل الناس يتقبلون التصحيح. خصوصاً إذا شعروا أن القاعدة التي خرقوها كانت واضحة سلفًا وأن التطبيق عادل وموحد. فيجب عليك الوصول الى حالة جدلية تخلق بيئة حوار لا رمادية، ويتأكد الجميع من خلالها من أن معرفة هدف الخلاف بالضبط والدقة الكافية، ليتم التفريق بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول. فعند الغموض يتولد التبرير. والتدرج في الحديث والإجراء، حيث لا تبدأ بأقصى أنواع الردود او ردود الفعل. بل ابدأ بالتنبيه اللفظي، ثم الإنذار الكتابي، ثم الإجراءات الأشد. وهذا هو التدرج المطلوب، والذي يُظهر أن الهدف هو التصحيح وليس الانتقام. إن التوثيق أهم أسس العدالة، فكل تسجيل لكل مخالفة وكل إجراء اتُّخذ. فإنه يحميك من اتهامات التحيز. ويُضفي طابعًا احترافيًا على العملية بأكملها سواء في حديث خلال لقاء او اجتماع او أي اجراء رسمي مكتوب. قال تعالى في أطول آياته {فَاكْتُبُوهُ} البقرة ٢٨٢. فكثير من المخالفين يجحدون الحقيقة، او يتأولون الحديث بعد ما قيل وقال. فـ»وعد الحر دينٌ عليه». إن التركيز مع المخالف يجب أن يكون على تصحيح الهدف الأسمى، وليس محاسبة الماضي، بل ضمان حاضر خالٍ من المخالفة. وذلك حتى نفتح الباب للمخالف للعودة بكرامة إلى الحق. عندما يُظهر المخالف إشارة بالتغيير، قدِّم له الدعم والثناء. فالتعزيز الإيجابي لسلوك العودة إلى المسار، له قوة أكبر بكثير من التخويف من جزاء العاقبة. إن التعامل مع المخالف هو قيادة بحد ذاتها. فهي فرصة لترسيخ القيم، لا لتصفية الحسابات. فالحوار بالحكمة والهدوء، سيجد أن أكثر المخالفين عنادًا يمكن تحويلهم إلى عنصر بنّاء وفعّال بالرغم من مخالفتهم. فيجب أن يكون الرد من جهات الاختصاص الموثوقة والرسمية، وباستخدام الحجة الدامغة والمنطقية الصحيحة، بعيدًا عن لغة الانفعال. فالتعامل مع المخالف في القضايا الدينية والسياسية يمثل قمة التحديات في هذا الصدد، لأنه يتعامل مع الهوية والمعتقدات الراسخة، وهي مناطق حساسة تثير العواطف والجمود الفكري. فيجب التمييز بين الخطاب والضرر، وهو الجوهر الذي يفرق بين حرية الرأي والتعبير، فإذا كان المخالف يعرض رأيًا مختلفًا أو تفسيرًا مغايرًا، فالتعامل الأمثل هو المناظرة الهادئة والعرض المنطقي للحجج المضادة في المكان والوقت الصحيح، لا القمع. في هذه الحالة، ففي الخلاف يأتي إثراء المعرفة. ولكن ليس كل ما يُعَلم يقال، فكثير من القول يثير الفتن. إن إظهار مبدأ أن القانون يسري على الجميع بالتساوي مع الموالي والمخالف، وهو أقوى رسالة لزرع الثقة وتقويض أسس المخالفة القائمة على الشعور بالتمييز. اما إذا تجاوز المخالف الحدود إلى التحريض على الكراهية، أو العنف المادي، أو الإخلال بأمن المجتمع وسلامته، فهنا يجب تفعيل الإجراءات القانونية والإدارية بحزم، لأن الأمر لم يعد يتعلق بالرأي بل بالسلامة العامة للمجتمع والدولة. اللهم اجعل هذا البلد آمناً وسائر بلاد المسلمين.
279
| 07 ديسمبر 2025
هل فكرتم يوماً أحبابي القراء، فيما كان هناك شيء ليس مقلداً بالكلية؟ فليس هناك شيء يأتي من العدم، فالعدم من الناحية المنطقية لن يعطي شيئاً. فعرفت البشرية حساب الأرقام مع غياب الصفر. ولم يكن هناك رمز يمثل «لا شيء»، فكانت الأنظمة تفتقر إلى مفهوم القيمة المكانية، ولم تكن الأرقام السالبة موجودة. ولم يُخترع الصفر في وقت واحد، ولكنه تطور عبر الحضارات. استخدم البابليون رمزًا للفراغ حوالي عام 300 قبل الميلاد، بينما يعود أول استخدام للهند للصفر كعدد مستقل في النظام الحسابي إلى نحو القرن الخامس قبل الميلاد. ثم انتقل هذا المفهوم إلى العالم الإسلامي، حيث طوره العالم الخوارزمي في القرن التاسع الميلادي ليصبح رمزًا دائريًا له قيمة عددية، وهو ما مهد الطريق لانتقاله إلى أوروبا وانتشاره. فليس هناك أصلي على الاطلاق، إذ لا بد من تقليد لمقلد من قبل. فالبدعة المطلقة للخالق من العدم ولا يكون المخلوق إلا مقلد. فالتقليد هو حجر الأساس الذي بنى الإبداع. قد يبدو التقليد للوهلة الأولى، نقيضًا للإبداع والابتكار. في عالمنا اليوم، تكون للأصالة والتفرد قيمة لا تنازعها قيمة، ويُنظر إلى التقليد بعين الريبة، كونه دليلًا على الكسل الفكري أو العجز عن الخلق. لكن هذا التقييم، رغم جاذبيته، يفتقر إلى فهم عميق لدور التقليد كقوة دافعة، لا مُعطّلة، للتقدم الاقتصادي والفكري. إن النظر بتمعن يكشف أن الإبداع ليس ظاهرة مطلقة، بل هو دائمًا بناءٌ متراكم على أساس من التقليد المحكم. فالتقليد ركيزة اقتصادية. حيث يُعد التقليد أداة بالغة الأهمية لزيادة الكفاءة والنمو. فلا يجب على المؤسسة او الشركة او الدولة أن تعيد اختراع العجلة! عندما تعتمد الشركات الناشئة أو الأسواق الجديدة على نموذج عمل أو تقنية جديدة أثبتت نجاحها فإنها انما اعتمدت على مبدأ التقليد، فهي تختصر دورة طويلة ومكلفة من التجربة والخطأ. هذا ما يسميه الاقتصاديون «اقتصاديات التابع السريع». فهو يخفض المخاطر والتكاليف. فالتقليد يقلل بشكل كبير من التكاليف المرتبطة بالبحث والتطوير الفاشل، وهو تبنٍ رشيد للخبرة المُحكمة. ومن فوائد التقليد؛ تسريع الانتشار، حيث يضمن انتشار الابتكارات الناجحة بسرعة عبر الأسواق، مما يزيد من الإنتاجية الكلية للمجتمع والدولة. فالصين تحكم العالم اقتصادياً من سيادة الابتكار والإبداع من مبدأ التقليد. ولا تظن عزيزي القارئ أن الولايات المتحدة سادة العالم من حيث النهج الإمبريالي إلا بعد وراثته من الإمبراطورية البريطانية ومن قبلها الفرنسية. ولم يكن عصر النهضة إلا بعد تقليد العلو الإسلامي من بعد النهضة في الأندلس. فالتقليد طريقة متبعة عبر الأمم والعصور. فتصنيع سفينة شحن للغاز الطبيعي أو إدارة فرع لمصنع للطائرات العالمية لا يعد فشلًا إن أصبح حقيقة داخل بلدنا الحبيب. فالتقليد يجب أن يصبح ضرورة فكرية ورؤية وطنية. أما على الصعيد الفكري، فإن فكرة الإبداع المطلق هي مجرد وهم. لا يوجد مفكر أو فيلسوف أو فنان بدأ من فراغ تام. الإبداع هو دائمًا حوار نقدي مع ما سبقه؛ وهو محاولة لحل مشكلة تركها التقليد القديم، أو تفكيك وتركيب للأفكار الموروثة بطريقة جديدة. فمن حيث التعليم واللغة، فإن أبسط أشكال المعرفة، كالتعلم واكتساب اللغة، تبدأ بالتقليد. نحن نقلد الأصوات، ثم القواعد، ثم نبدأ بتكوين جملنا الأصلية. فالتقليد هنا هو المدخل إلى الإبداع. والتراكم المعرفي: التاريخ الفكري للبشرية هو سلسلة متصلة. تقليد أفكار أفلاطون، أو نيوتن، أو آدم سميث، لا يعني نسخها أعمى، بل يعني فهمها واستيعابها، وهذا الاستيعاب هو الذي يُمكّن المفكر التالي من تجاوزها أو بنائها. الإبداع الحقيقي لا يرفض التراث، بل يهضمه ويُحوله. فلا أصالة بدون تقليد، وإنما الأصالة أتت مع مرور الوقت، والناس أعطت الأصالة قمتها بناءً على الحاجة. فحتى أكثر الأعمال والتحف الفنية أصالة تستمد قواعدها وجمالياتها من مدارس وتقاليد سابقة. فالمخطوطات الأثرية تبني على قيمة محتواها ورغبة مورديها، والروائيون يستعيرون هياكل السرد المتوارثة مما سبقوهم. فالأصالة تكمن في التنويع البارع على أطر التقاليد الإنسانية المتوارثة منذ بدأ الخلق، وليست تأليفا عقليا ملهما من صمت مطلق. فلقد علم الخالق أبا البشرية جمعاء آدم عليه السلام أسماء كل شيءٍ في الحياة. قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} البقرة ٣١.
342
| 30 نوفمبر 2025
لابد أن جرى على مسامعكم من أحد الفتية أو الفتيات اليوم، أو من خلال ما يسمى بالجيل «زد z” أو بتسمية أخرى الـ» زومرز» Zoomers والذي يمتد ما بين ١٩٩٧ إلى ٢٠١٢. وجاءت التسمية بعد استنفاد جيل الحرف واي Y ، فكان طبيعياً أن تنتقل التسمية إلى الحرف Z زد وهذا هو الجيل الذي يعتبر المواطن الرقمي الأصيل. حيث نشأوا بالكامل في عالم الإنترنت، والهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي. يتميزون بالسرعة في معالجة المعلومات، والتعبير عن الذات ببراعة عبر المنصات الرقمية، والعملية، كما أنهم الأكثر تنوعاً عرقياً وثقافياً في التاريخ. إن التقسيم الحديث للأجيال هو بالأساس ظاهرة غربية، بدأت مع مطلع القرن العشرين، لكنها اكتسبت شهرتها الواسعة مع تحديد جيل “مولودي الانفجار السكاني Baby “Boomers والذي كان ما بين ١٩٤٦ إلى ١٩٦٤م ولكن من الذي صنف الأجيال بهذه الطريقة؟ يعود تحديد الأمر في القرن العشرين وأتت تسميات الأجيال من الولايات المتحدة، ينسب غالبًا إلى المنظرين «نيل هاو وويليام شتراوس»، من خلال دراستهما “الأجيال” التي نُشرت عام 1991 والتي أطلقا فيها على الجيل الذي خاض الحرب العالمية الثانية اسم “جيل جي آي” (Government Issue). لكن اسم “الجيل الأعظم” شاع بعد إصدار توم بروكاو كتابًا يحمل نفس الاسم. يعتبر ابن خلدون أب علم الاجتماع، وهو اول من صنف وربط الأجيال عبر التاريخ. ولكن تصنيفه ثلاثياً وكان رأسياً، أي ما يعرف «بقاعدة الأجيال الثلاثة» حيث يكون الجيل الأول جيل المؤسسين والقوة «جيل البداوة»، والجيل الثاني جيل بداية الاستقرار والمحافظة « جيل التحضر الأول»، والجيل الثالث جيل الترف والانحلال « جيل الانغماس في التحضر». إن تصنيف ابن خلدون ليس مجرد رؤية تاريخية قديمة، بل هو عدسة لتحليل المجتمعات الحديثة. إنه يذكرنا بأن قوة الأمة لا تُقاس بثروتها المادية أو تطورها التقني فحسب وهو ما قد يراه جيل Z اليوم، بل بقوة الروابط الاجتماعية والأخلاقية التي تربط أفرادها. ولكن دعوني أعزائي القراء؛ نستعرض بعض هذه سمات هذه الأجيال حسب تصنيفها وتسمياتها وأهم ما يميزها. جيل «مولودي الانفجار السكاني» Baby Boomers والذي سُمي بهذا الاسم نتيجة الزيادة الهائلة في المواليد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وهذا الجيل نشأ في فترة ازدهار اقتصادي ورفاه نسبي في الغرب. واما « الجيلX» يمتد تقريباً ما بين ١٩٦٥م وإلى ١٩٨٠م. وكانت التسمية بالأساس فيها من الغموض الذي يبدو مقصوداً ويشير إلى جيل «المجهول» أو «غير مُحدد» الهوية، حيث جاء بعد الازدهار الكبير للجيل الذي سبقه. وقد اكتسبت التسمية شعبية بعد رواية تحمل هذا الاسم. يتميز هذا الجيل بالاعتماد على الذات، والمرونة، والتشكيك في الثوابت وهم أول من عاصروا الثورة الرقمية المبكرة. أما «جيل Y» او ما يسمى بالميلينيالز Millennials» وهو الجيل الحالي الذي اصبح في سن الرشد. ويمتد ما بين الأعوام ١٩٨١ إلى العام ١٩٩٦م. واكثر ما يميز هذا الجيل هو التأقلم الفوري مع التغيير والتقنيات الحديثة والطارئة، ويسعون الى التوازن بين الحياة والعمل، ولهم حس عال بالقضايا الاجتماعية والعالمية. وأما جيل عنوان المقال؛ فلهم تسمية أخرى «الـزومرز Zoomers» وامتدادهم الزمني ما بين ١٩٩٧ إلى العام ٢٠١٢م. فهم يتميزون بالسرعة في معالجة المعلومات، والتعبير عن الذات ببراعة عبر المنصات الرقمية، والعملية، كما أنهم الأكثر تنوعاً في التاريخ. وختاماً الجيل «الفا Alpha Generation» وبدايته من العام ٢٠١٣ وما بعده. وهو أول جيل يتم تسميته باستخدام الأبجدية اليونانية، في إشارة إلى بداية دورة جديدة بعد استنفاد اللاتينية. إنهم أطفال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي و«الإنترنت المحيط». وهو الجيل الذي يتوقع له أن يكون الأكثر تعليماً وتأثراً بالتغييرات التي قد تحدث في العالم في المستقبل القريب. في النهاية؛ قد يظن البعض أن مع انتشار الانحلال الأخلاقي بين الناس وحول العالم حتى أصبحت الفطرة السليمة امراً بعيداً مع الانغماس اكثر في العالم المعلوماتي والمرئي. إن الأجيال ستواجه عالماً كارثياً شديد السواد مع ما نسمعه عن ظلال الحروب والقتل والإبادات الجماعية حول العالم. ولكن لم يأت جيل بني إسرائيل المسلم الصالح الذي فتح القدس إلى من بعد تيه قوم موسى بعد أربعين سنة، كما قال تعالى {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } المائدة ٢٦.
381
| 23 نوفمبر 2025
في الثامن والعشرين من أبريل المنصرم، ضرب ظلام دامس مدينة مالقا الإسبانية. حيث لا تكاد تسمع إلا زَجِّير الموج على سواحل المدينة المعتم جراء انقطاع الكهرباء، والذي كان انقطاعا هائلا ضرب دولتين من الاتحاد الأوروبي وهما إسبانيا والبرتغال. فكانت الحادثة كأنها ومضة من نهاية العالم. حصل الحادث جراء عطل فني عابر، ولكن النتائج كانت ستكون كارثية. حيث كانت تلك اللحظات من الظلام الدامس والفوضى الشاملة بمثابة لمحة صادمة عن هشاشة وجودنا الرقمي والحضاري. لقد غابت الكهرباء والإنترنت والاتصالات الهاتفية عن الملايين لساعات طويلة، مما أدى إلى شلل المطارات، وتوقف المترو، وتعطيل العمليات الحيوية في المستشفيات التي اعتمدت على مولدات الطوارئ. وشوهدت طوابير الأعداد الهائلة من الناس الساعية لأخذ النقود الممكنة من أجهزة الحاسب الآلي المعطلة، والمتاجر المغلقة وهذا ما يدعى بالهشاشة المتسلسلة؛ أي لمحة من «الانهيار الكبير» الممكن حدوثه بأي مكان في عالمنا المعاصر. إن الذي كشفت عنه الحادثة، يُرجح سببه إلى ظاهرة نادرة الحدوث لـفرط الجهد الكهربائي المتسلسل في الشبكة الأوروبية، وهذا ما يبين مدى اعتمادنا الكلي على شريان حياة واحد، ألا وهو الكهرباء. ففي غياب هذا الشريان، توقفت الحياة المدنية الحديثة. وتحول السفر إلى جحيم على عابري السبيل، وتأجلت عمليات زرع الأعضاء في المستشفيات، والأدهى من ذلك، حدوث وفيات مباشرة وغير مباشرة، بعضها نتيجة الاختناق جراء استنشاق غاز أول أكسيد الكربون من المولدات البديلة، وبعضها الآخر بسبب الحرائق الناجمة عن استخدام الشموع. حيث كان شراء الشموع بشكل جنوني بسبب العتمة من السكان في ذلك المكان. إن هذه الكارثة أثبتت أن «نهاية العالم» لا يجب أن تأتي بصورة نيزك أو حرب نووية؛ بل قد تبدأ بـخلل بسيط في البنية التحتية، يتضخم ليتحول إلى «انهيار متسلسل» يطيح بأسس مجتمعنا التكنولوجي. إن العبرة المستخلصة بالنسبة لدولتنا الحبيبة قطر، التي تعد مركزاً حيوياً عالمياً وذات بنية تحتية فائقة الحداثة، فإن درس مالقا يتجاوز حدود الجغرافيا. حيث من الضروري توفر فن إداري لإدارة المخاطر يسمى «بالمرونة الموزعة». حيث يجب أن تعتمد شبكة الطاقة على أكثر من مصدر رئيسي مركزي، مع نظام فصل وحماية متقدم يمنع الانهيار المتسلسل كالذي حصل بمالقا. ويجب أن تكون الأنظمة الحيوية، كالرعاية الصحية والمطارات، مجهزة بمولدات طوارئ لا تعمل فحسب على الكهرباء، بل يتم اختبارها بحلول طاقة ذاتية وبانتظام تحت حمل كامل مستقل. كما أن الأمن السيبراني يعتبر من الأولويات القصوى، بالرغم من أن السبب المبدئي كان فنياً، إلا أن خطر الهجمات السيبرانية على شبكات الكهرباء يبقى تهديداً وجودياً. ويجب على وكالة الأمن السيبراني والجهات ذات العلاقة أن تحصن البنية التحتية ضد أي اختراق يمكن أن يسبب هكذا كارثة. ونصيحة للجهات الإعلامية والتعليمية بتوعية الجمهور وتجهيز الورش التطبيقية بسبل البقاء والأمن والسلامة، فيجب تفعيل حملات توعية جادة تجهز المواطنين والمقيمين للتعامل مع انقطاعات طويلة الأمد، بدءاً من تخزين المياه والطعام وصولاً إلى الاستخدام الآمن للمصابيح اليدوية بالطاقات البديلة والمولدات لتفادي الحوادث المأساوية التي شهدتها إسبانيا. في النهاية، فإن حادثة مالقا تذكرنا بأننا نعيش في عصر من الوهم والهشاشة العظمى، وإن قوتنا الحقيقية لا تكمن في كمية الطاقة التي ينتجها الإنسان، بل في قدرتنا على التأقلم مع الحياة التي خلقها الخالق سبحانه وتعالى بما يرضيه. وأن العمل لن يتوقف عندما تنتهي هذه الطاقة فجأة، سيكون هناك من يأتي مرة أخرى ليقوم على إصلاح العطل وتعود الحياة لسابق عهدها. وهذه حال حياتنا الدنيا. قال تعالى {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} الحديد ٢٠
528
| 16 نوفمبر 2025
كان يا مكان في زمانٍ ما، ما يسمى بالأسرة الممتدة. والآن أعزائي القراء إذا سألت أحد الأجيال المعاصرة لزماننا فقد لا يعرف لفظة هذا الاسم فضلاً عن معناه، وحتى بعض من مرت عليه اللفظة في منهج علم الاجتماعيات فلا يتذكر! وهو عبارة عن أم وأب وجد وجدة وجد وجدة من الجهة الأخرى، وخالات وأخوال وعم وعمات والتفرعات من أبناء عمومة وأبناء خالة ومثيلاتها من صلة القرابة وهي الأسرة المثالية الصحية والتي تسمى بذلك الاسم. فهي التي كانت تحمي، فإذا ضعف الأب يقوم العم من دون أن يطلب أحد منه ذلك. فإذا ضعفت الأم تفزع الخالة وتقوم أو الخال، فللابن أو الابنة أكثر من ام وأكثر من أب، فآباؤه كلهم أعمامه وعماته، وأخواله وخالاته امهاته. بالإضافة إلى جداته وأجداده. فيكون الطفل محميا من عاقبة الأخطاء. ومع الثورة الصناعية من قبل والثورة المعلوماتية منذ بدء التسعينات من القرن الماضي وحتى ذروتها الآن، فإن حمل هذه العائلة الممتدة أصبح ثقيلا على المجتمع! فإن متطلبات البنى التحتية للحياة الصناعية من الشكل التخطيطي للمدن الحديثة كالمجمعات السكنية والفلل والشقق السكنية. فمن قبل الثورة الصناعية والحالة المعلوماتية لوسائل التواصل الاجتماعي الآن أو ما يحلو لي تسميتها بوسائل التباعد الاجتماعي! والتي أصبحت زوراً وبهتاناً مثالية لاستقلالية أو ما ظهر لاحقاً بمسمى الأسرة النووية من أب وأم وأبناء، بل التي مزقت تلك الأسرة الطيبة الممتدة والتي هي سائدة الآن والتي تشجع وما زالت تشجع تفاقم ظواهر قطيعة الرحم في مجتمعاتنا الآن. فإن تأكيد ديننا الحنيف على الرحم ليست من عبث. فلم ولن تكون تلك المواعظ من أشرف الخلق الا لمصلحة الإنسان وليست من فراغ. فغاية المولى سبحانه ورسوله هي غايات تحفظ الانسان وتحميه وتحمي ذريته من بعده. وذلك بوجود تلك الحصون المنيعة حوله. فكان الأولى الحرص على وجود تلك الأسرة وحمايتها من الانقراض من المجتمع للأبد! ومع ظهور الأسرة النووية، يأتي العم ليتدخل؛ ليُجَاب «بعدم التدخل في شؤون الأسرة إذا سمحت»! فتأتي الخالة لتتدخل؛ فتجاب « أنا أدرى بشؤون أبنائي. فيأتي العم أو الخال في مجلس فيرى أبناء اخته أو أخيه ما يكره من الأدب والأخلاق، فيرمقه بنظرة ليربيه كما كانت في عهود الأسرة الممتدة. فيقوم أخ أو أخت العم أو الخالة ولا يتعنى ليقابل ويتواصل عبر وسائل التواصل فيقول بعبارة خالية من المشاعر؛ «ما هو شأنك في أبنائي! فلا تعقدهم بكلامك الذي لا جدوى منه فأبنائي تربيتهم صالحة، ولا تتدخل في شؤنهم! وبذلك إذا سقط الأب سواءً لفاقة أو دين أو مرض أو موت تيتموا الأبناء بشكل مضاعف. إن من فوائد هذه الأسرة المنيعة ضد كل أنواع الإشكالات الأسرية عند حصول الخلافات الأسرية فإنها تحمي من الشقاق ودمار نواة تلك الأسرة الممتدة الا وهي النووية. حيث قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} ٣٥ النساء وليس الذهاب إلى القضاء عند أدنى خلاف أسري! حيث كانت تلك القلعة الشماء تحافظ على عادات وتراث التقاليد الاجتماعية والدينية في المجتمع من التأثيرات السلبية للعولمة في الثورة المعلوماتية الحالية. كما تتيح الفرصة لتصبح درعًا منيعاً ضد الأمراض النفسية والآثار السلبية لفساد المجتمع أخلاقياً. خلاصة القول؛ يجب علينا وعلى الدولة السعي لإعادة إنشاء الأسرة الممتدة مرة أخرى. فهي تلعب دورا رئيسيا في خضم الحروب العلنية والخبيثة غير العلنية من الفئات غير الإنسانية وضد الفطرة الإنسانية لزعزعة المفاهيم الطبيعية والحقيقية لأصل الخليقة الإنسانية للأسرة. فأكثر المقاصد الشيطانية هي التفريق بين المرء وزوجه سواء عن طريق السحر وغيره من الوسائل. قال صلى الله عليه وسلم: إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناه منه منزلة أعظمه فتنة. رواه مسلم.
441
| 09 نوفمبر 2025
كلنا يرجو العافية من البشر أحبابي القراء، ولكن ما هي العافية؟ فهي تعني الصحة الجسدية والعقلية والنفسية الكاملة، كما تعرف العافية في اللغة، بسلامة الإنسان من الأسقام أي الأمراض والبلايا والآفات، وتتجاوز اصطلاحاً مجرد انعدام المرض لتشمل الرفاهية العامة والنشاط والسعادة. بينما في المفهوم الحديث هي حالة شاملة تشمل جميع جوانب حياة الفرد، مثل الصحة الجسدية، والراحة النفسية، والعلاقات الاجتماعية، والنمو الفكري. وهي من المنظور المعاصر حالة شاملة تتجاوز غياب المرض لتشمل الرفاهية وتحسين نوعية الحياة بشكل عام. في دراستي لمرحلة الأستاذية في مجال إدارة الأعمال، سأل المرشد عن ماهية العافية فذكرت كل ما سبق ولكن مع إضافة الناحية الروحية. وقد فرح بتعريفي وهو من الجنسية الأسكتلندية. وهي بذلك تتكون من الروح والجسد والنفس. فهذه الثلاثية يمكن ان تجد فيها من البحوث ولا تنتهي من ذلك. ولكن يختلف البشر في اثبات الروح. فمنهم من ينفيها ويجعل العافية جزءا من الحالة النفسية والعقلية للإنسان، كالفئات العلمانية التي لا تؤمن بدين، وذلك مع نفي الروح بالكلية. ولكن الديانات المختلفة تختلف في تعريفها لماهية الروح بل وتتطرف بأن تجعل الروح تدخل وتخرج بين الأجساد ما بين الجمادات والحيوانات والنباتات والبشر أيضاً! وذلك عبر العصور كالحضارة الفرعونية والحضارات الآسيوية القديمة. وبل تتجاوز ذلك إلى التجسد اللاهوتي (أي الإله داخل الجسد)؟ ومن الأمثلة الغريبة أن روح الإنسان قد تدخل في فراشة بعد موته! ولكننا في مقالي لن نتطرق لمفهوم الروح في العقائد والديانات الأخرى، بل سوف نتقيد بمفهوم العافية في ديننا الإسلامي الحنيف. قال تعالى: {ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (٨٥) الإسراء فالروح مرتبطة بأمر الخالق، وهي من علمه ومن أمره. وهي التي تجعل الجسد والنفس يمتلآن بالحياة. وهي ليست الجسد ولا النفس. وهي بالتالي ليست مرتبطة باختيار الإنسان. وهي مرتبطة بالأمر الغيبي وليس المشاهد. ولكن الروح هي المكملة لحياة الجسد الذي هو من ماء وطين، وبدونه لا جدوى منه وهي أحد أضلاع العافية. واما ارتباط النفس بالروح أنها جزء لا يتجزأ من الروح. وهذه أضلاع العافية الأخرى. ولكن كيف يصل الإنسان إلى كمال العافية؟ فهذا السؤال كل البشر يصبون لها ولكنهم متفاوتون في السعي لها، وقد يظنون أنهم قد وصلوا لها ولكنهم قد يكونون في وهم عظيم! إن هذا الجسد والنفس هي امانة من عند الله سبحانه، ويجب على الإنسان الأخذ على عاتقه أن يصون هذه الأمانة. فإن للنفس والبدن حقاً على الله. تجد في ظاهرة مرضية تُعرّف بـ «كاروشي» وهي الموت بالإرهاق! وتنجم من ضغط العمل الطويل مما يسبب سكتات قلبية ودماغية، بالإضافة إلى حالات نفسية مؤدية إلى الانتحار بسبب ساعات العمل الطويلة والضغط الكبير. قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو وقد بلغه أنه يقوم الليل كله، ويصوم الدهر كله، ويختم القرآن في كل ليلة فقال: فلا تفعل، قم ونم، وصم وأَفطِر، فإنَّ لِجَسَدك عَليْك حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا . هناك مفهوم «التوازن بين العمل والحياة» والذي ظهر في عام ١٨١٧ من خلال روبرت أوين والذي دعا إلى ثماني ساعات من العمل وثماني ساعات من الترفيه. والذي يفصل بين العمل والحياة الشخصية للإنسان. وهو مفهوم يعني توزيع طاقتك بشكل متساوٍ بين جوانبها المختلفة مثل العمل، العلاقات، الصحة الجسدية والعقلية، والهوايات، لتحقيق الاستقرار النفسي والإنتاجية. وختاماً أعزائي فإن «العقل السليم في الجسم السليم» كما يقول المثل. فيجب أن يوازن الإنسان بين الاعتناء بالجسد من حيث الرياضة البدنية «فالوقاية خيرٌ من العلاج» والعقل غذاؤه العلم بالقراءة وطلب العلم المستمر. «فالعلم من المهد إلى اللحد». والعبادة والقرآن هي غذاء النفس والروح. وبذلك تتم العافية حيث يجب أن يوازن الإنسان في يومه بالحقوق وأن يبذل اقصى جهده بأن يوازن بين العمل وحقوق نفسه وأهله وكذلك العبادة. ويمكن ذلك بالانضباط في كل ذلك حتى يصل إلى كمال العافية. حيث كل حياة الإنسان عبادة وخير العبادة (أدومها وإن قل) رواه البخاري.
633
| 02 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1692
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...
1422
| 16 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
861
| 11 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
834
| 13 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
705
| 15 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
678
| 14 يناير 2026
لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...
645
| 16 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
615
| 12 يناير 2026
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...
597
| 15 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...
573
| 15 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
567
| 12 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
531
| 14 يناير 2026
مساحة إعلانية