رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التطوع هو أن يكرّس الإنسان وقته وجهده ويقدّم مهاراته للآخرين دون أن يكون ذلك واجبًا عليه ودون انتظار مقابل مادي. وبما أن الإنسان كائن يعيش في جماعة، فهو بحاجة إلى غيره، وتلبية احتياجات الآخرين تُسهم في تيسير الحياة. غير أن الثقافة الرأسمالية الحديثة تدفع الناس إلى الأنانية والسعي وراء المصالح الشخصية بدلاً من تغليب المصلحة الجماعية. لكن الإسلام يشجع على التطوع، كما أن الحياة المعاصرة في أمسّ الحاجة إلى الإسهام التطوعي. فالعمل من أجل مصلحة المجتمع، بدءًا من العائلة الكبرى ووصولًا إلى المجتمع العام، يُعد فضيلةً تساهم في سعادة الفرد وسلام المجتمع، وتشكل علاجًا للعديد من مشكلات المجتمع الحديث. يحظى العمل التطوعي بمكانة راسخة في التقاليد الإسلامية، ويكتسب معنى أسمى عندما يُؤدى ابتغاءً لرضا الله تعالى. ففي الحديث الشريف الذي رواه الطبراني: «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ»، وأحاديث كثيرة غيره، نجد تشجيعًا واضحًا للمؤمنين على القيام بالأعمال الخيرية غير المفروضة، أي الأعمال التطوعية. وقد نشأ عن هذا الفهم للبر عبر التاريخ الإسلامي إرثٌ وقفي قويّ، حيث كان المسلمون يتسابقون في تلبية حاجات الآخرين. واليوم، نحن بحاجة إلى إحياء هذا الإرث ونقله إلى الأجيال الجديدة. إن العمل التطوعي الذي يتم تحت تأثير الإرادة الحرة، يُسهم في تنمية الفرد على المستوى الشخصي، من خلال إكسابه مهارات التواصل والعمل الجماعي. كما يساعده على الشعور بالقيمة والمعنى، بل ويجعله أكثر امتنانًا عند رؤيته لحاجات الآخرين، مما يؤدي إلى تقليل مستويات التوتر والاكتئاب. وتشير الدراسات إلى أن المتطوعين يتمتعون بمعدلات أعلى من السعادة ومستويات أقل من الاكتئاب. علاوة على ذلك، لا يقتصر التطوع على الأثرياء أو أصحاب العلم، بل يمكن لأي شخص يمتلك وقتًا أو مهارات أن يشارك في الأعمال الخيرية. يكتسب الشباب من خلال مشاركتهم في العمل التطوعي، مهارات حياتية قيّمة تلازمهم طيلة حياتهم. كما تتيح لهم هذه التجارب فرصة التعرف على أشخاص جدد ووجهات نظر مختلفة، مما يوسّع مداركهم ويطوّر طريقة تفكيرهم تجاه العالم. ويُسهم العمل التطوعي كذلك في تنمية صفات القيادة لدى كثير من الشباب. ومن جهة أخرى، فإن العديد من الشركات والمؤسسات تُولي أهمية خاصة للتجارب التطوعية عند تقييم المتقدمين للوظائف، مما يعزّز فرصهم في الحصول على وظائف أفضل أو الترقية المهنية. والأهم من ذلك، أن الشخص الذي يقدم نفعًا للمجتمع يشعر بقيمة أكبر لذاته ويزداد احترامه لنفسه، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على صحته النفسية والعقلية. للتطوع فوائد اجتماعية كثيرة، من أبرزها إتاحة الفرصة للتواصل مع الآخرين وتكوين صداقات جديدة. ونظرًا لازدياد إدمان الهواتف والأجهزة اللوحية، يُعد العمل التطوعي فرصة ذهبية لربط الشباب ببعضهم البعض وتعزيز التفاعل الإنساني بينهم. كما أن فعل الخير يخلق علاقة قوية بين من يُقدّم المساعدة ومن يتلقاها، وبين من ينظمون الجهود لتقديم العون للآخرين. ومن خلال ذلك، يتعزز شعور الانتماء إلى المجموعة أو المجتمع، وتنمو روح التضامن. إن رعاية الناس لبعضهم البعض تُعد ضرورة دائمة في منطقتنا التي لا تخلو من الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، وهي في الوقت ذاته من أبرز نقاط قوة المجتمعات الإسلامية مقارنة بالمجتمعات الغربية. يُعد نقل الخبرات من أبرز أشكال العمل التطوعي، حيث يُساهم المهنيون الناجحون في دعم الشباب الفقراء من خلال تعليمهم وتأهيلهم لسوق العمل. كما أن تطوع المعلمين خارج أوقات الدوام للاهتمام بتعليم الشباب، أو سفر الأطباء إلى مناطق الحروب والمآسي لتقديم العلاج المجاني، يمثل دعمًا كبيرًا للصحة العامة. ومن الأمثلة الملهمة، الجهود التي تبذلها العديد من المؤسسات التطوعية التركية والقطرية لتأمين وصول المياه والأغذية لإخوانهم في أفريقيا. إضافة إلى ذلك، فإن العمل التطوعي بما يتطلبه من نشاط بدني وذهني يسهم في تحسين الصحة العامة للمواطنين، ويعزز من شعورهم بالمسؤولية والانتماء. بكل أسف، في الدول المسلمة سواء كانت غنية أو فقيرة، انتشرت عادة الاعتماد الكامل على الدولة لتلبية كافة الاحتياجات. هذا الأمر يؤدي إلى استسلام المواطنين للكسل وقلة المبادرة. رغم جودة خدمات الدولة، يبقى هناك دائمًا أشخاص داخل البلاد وخارجها يعانون من نقص في احتياجاتهم. لذلك، يلعب المتطوعون دورًا مهمًا كمكملين لهذه الخدمات، ويساهمون في التخفيف من مشكلات مثل التعليم، وحماية البيئة، ومكافحة الفقر. لذا، من الضروري نشر ثقافة التطوع التي تُعد من القيم الأساسية في تراثنا الإسلامي، لأنها لا تقتصر فقط على مساعدة الآخرين، بل تغني حياتنا الشخصية أيضًا.
495
| 30 يوليو 2025
رغم أن دول الكتلة الغربية لا تمثل سوى 12% من سكان العالم، فإنها تستحوذ على نحو نصف الدخل العالمي. إلا أن هذه الدول تواجه في الوقت الراهن أزمة سكانية متفاقمة، إذ تُعد من بين أقل الدول في معدلات النمو السكاني، مع ازديادٍ مستمر في نسبة كبار السن. جميع البلدان في الكتلة الغربية لديها معدلات خصوبة أقل من معدل التجديد البالغ 2.1 في المئة. فقد تزعزعت الحياة الأسرية كما فرضتها الثقافة الليبرالية الغربية، وانخفضت معدلات الخصوبة بشكل خطير بسبب الانحرافات الجنسية المختلفة، وبدأ عدد السكان بالتراجع في هذه الدول بالتزامن مع قلة الشباب وكثرة الشيوخ. هناك العديد من الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة، ولها نتائج خطيرة. وقد عدَّ علماء الاجتماع «التمدّن» من أبرز هذه الأسباب؛ ففي حين يرى سكان القرى العاملون في الزراعة وتربية المواشي أن كثرة الأطفال ضمانٌ للحياة، فإن تربية الأطفال في المدينة لم تعد بنفس الجاذبية. كما أن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال في الريف كان يدفع الأسر إلى إنجاب عدد أكبر من الأبناء، بينما تؤدي الخدمات الصحية المتقدمة ووسائل تنظيم النسل المتاحة في المدن إلى انخفاض عدد الأطفال المولودين. في الدول الرأسمالية المتقدمة، يُعد التعليم – وخاصةً التعليم المدفوع – عبئًا كبيرًا على كاهل الأسر، مما يجعل تربية الأطفال مسؤولية مالية ثقيلة. وتُشكّل خدمات الحضانة عبئًا إضافيًا، خصوصًا بالنسبة للأمهات العاملات والآباء من ذوي الدخل المحدود. ومع ارتفاع مستوى التعليم، وخاصة لدى النساء، يتأخر سن الزواج، وينخفض عدد الأطفال المولودين. كما تميل النساء العاملات إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال. وفي الولايات المتحدة، تؤثر قروض التعليم التي يحصل عليها الطلاب الفقراء من الدولة – والتي يتوجب سدادها لاحقًا – على خطط الزواج، وتُصعّب اتخاذ خطوة الزواج. مع ازدياد مستوى التعليم، تزداد وتيرة تبنّي الثقافة الليبرالية، ويضعف الإيمان بقيمة الأسرة وأهمية إنجاب الأطفال. فهذه الثقافة تشجّع على السعي وراء الحياة المهنية بدلاً من تكوين أسرة، وتروّج لمفاهيم مثل السفر والاستقلالية الشخصية. وفي البيئة الحضرية، ومع انتشار التعليم والإنترنت، تتراجع الالتزامات الدينية والتقاليد الاجتماعية، مما يؤدي إلى ضعف الروابط الأسرية. ونتيجة لذلك، تقلّ الضغوط أو التوقعات المرتبطة بالزواج والإنجاب. كما تُظهر الدراسات أن الفئات العلمانية في الدول الغربية تميل إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال مقارنةً بالفئات المحافظة. إن انخفاض معدلات النمو السكاني يؤدي إلى العديد من النتائج الخطيرة، وأبرزها ازدياد نسبة كبار السن، مما يؤدي إلى انخفاض في الإنتاج. كما أن رعاية المسنين وتكاليف الخدمات الصحية تُثقل كاهل خزائن الدول وتزيد العبء المالي على السكان العاملين. وتُشكّل هذه الأعباء المتزايدة تحديًا كبيرًا أمام سياسات دولة الرفاه الاجتماعي المعتمدة في أوروبا. كما أن إنفاق كبار السن واستهلاكهم الاقتصادي ينخفض، مما يؤدي إلى تراجع الحيوية الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، بينما تزداد الحاجة إلى المدارس والإنفاق العام في الدول النامية، فإن الدول المتقدمة تواجه تزايدًا في الحاجة إلى دور رعاية المسنين. لمواجهة المشاكل الناجمة عن شيخوخة السكان، بدأت الدول في تطبيق سياسات تهدف إلى رفع معدلات الولادة، إلا أن هذه السياسات لم تُحدث تأثيرًا كبيرًا. وأصبح من الضروري بالنسبة لمعظم الدول المتقدمة الاعتماد على استقدام المهاجرين من الخارج. وقد أدى قدوم غالبية هؤلاء المهاجرين من دول العالم الإسلامي وأفريقيا وآسيا الفقيرة إلى ارتفاع نسبة السكان من أصحاب الديانات والثقافات المختلفة في المجتمعات الغربية. ونتيجة لذلك، تصاعدت في الغرب النقاشات حول الاندماج، وظهرت توترات ثقافية، كما أدى هذا الظاهرة إلى صعود الأحزاب الشعبوية والعنصرية. ومن جهة أخرى، فإن ارتفاع معدلات الخصوبة لدى الأقليات المسلمة أصبح مصدر قلق إضافي بالنسبة للجماعات العنصرية في الغرب. تقدّم بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا والسويد دعماً متنوعًا لتشجيع الأسر على إنجاب المزيد من الأطفال. وتشمل هذه التدابير إجازة الأمومة، والمساعدات لرياض الأطفال، وإجراءات اقتصادية أخرى، والتي رغم أنها حققت بعض النتائج، إلا أن عكس انخفاض معدلات الخصوبة بعد حدوثه يُعد أمرًا بالغ الصعوبة. فعلى سبيل المثال، ورغم أن الصين قد ألغت سياسة الطفل الواحد في عام 2016، إلا أن ذلك لم يؤدِ إلى زيادة ملحوظة في معدلات الولادة. ومن أجل معالجة هذه المشكلة، قد يكون الحل في تقوية مؤسسة الأسرة، وتعزيز النظرة إلى الطفل كمصدر للبركة، وتقدير دور الوالدين، وتشجيع الزواج المبكر، والعمل على إعادة إحياء مفهوم الأسرة الممتدة في المجتمعات.
642
| 23 يوليو 2025
وصلت تركيا إلى نهاية مشكلة حزب العمال الكردستاني (PKK) التي استمرت أكثر من 40 عاماً، حيث دعا دولت باهتشلي كرئيس الحركة القومية التركية في أكتوبر 2024 التنظيم للتخلي عن السلاح وتسوية القضية الكردية عبر المصالحة. ورد عبدالله أوجلان بترك السلاح وأعلن انتهاء السعي للدولة المستقلة قبل أسبوع كما أعلن الحزب التزامه بالقرار بحفله الرمزي لحرق السلاح في السليمانية في العراق. من بين الأسباب التي دفعت تنظيم PKK إلى التخلي عن السلاح يمكن ذكر تطور الديمقراطية في تركيا ونجاحها العسكري في مكافحة الإرهاب. كما أن تغير الأوضاع في سوريا، وسقوط نظام الأسد، وتولي حكومة جديدة قريبة من تركيا، كان له تأثير واضح، إلى جانب مجيء إدارة ترامب بدلًا من إدارتي أوباما وبايدن اللتين كانتا تقدمان الدعم المالي والعسكري لـ PKK أو قوات سوريا الديمقراطية (قسد). لعب دعم القيادتين في العراق أيضا، سواء حكومة السوداني أو إدارة بارزاني في إقليم كردستان العراق، دورًا مهمًا في هذا التحول. ويُعد تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة عاملًا إضافيًا مؤثرًا. ومن الجدير بالذكر أن إيران، والولايات المتحدة، وبعض الدول الأوروبية، كانوا في الوقت نفسه يصنفون حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية، لكنهم كانوا يقدمون له الدعم بشكل مباشر أو غير مباشر داخل تركيا وخارجها. وقد بلغت المفارقة ذروتها حين وعدت إدارة أوباما، بحجة محاربة تنظيم داعش، جناح الحزب في سوريا (قسد) بإقامة دولة لهم في شمال سوريا. بعد أحداث 7 أكتوبر، شهدت المنطقة تغييرات كبيرة في المواقف والتحالفات، انعكست بشكل مباشر على مستقبل حزب العمال الكردستاني وقسد داخل العراق وسوريا، وأضعفت الدعم الدولي الذي كانوا يتلقونه. وبمبادرة من تركيا وبدعم من الولايات المتحدة، توصّلت الحكومة السورية الجديدة إلى اتفاق مع قوات قسد يقضي بإدماجها ضمن النظام السياسي الجديد، مما يمنعها من تأسيس دولة مستقلة ويجبرها على التخلي عن سلاحها. ومع ذلك، تُبدي قوات قسد تحفظًا تجاه إلقاء السلاح، إذ تسعى للاحتفاظ بقدرتها العسكرية ضمن النظام، على غرار نموذج حزب الله في لبنان. ويُعزز هذا الموقف دعم بعض الدول الأوروبية، إلى جانب إسرائيل وإيران، التي تُشجع قسد على عدم التخلي الكامل عن قوتها العسكرية. يشكل هذا الوضع الهش تهديدًا مباشرًا لأمن البلاد، خاصة مع نشاط بعض عناصر النظام السابق الذين لجؤوا إلى مناطق قسد، مما أدى إلى نفاد صبر الحكومة السورية. من جانب آخر، صرح المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، بأن قوات سوريا الديمقراطية تمثل امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، ودعاهم إلى التخلي عن حلم إقامة دولة، وترك السلاح، والمشاركة الفاعلة في عملية السلام في سوريا وتركيا. ورغم محاولاتهم للانفصال عن حزب العمال الكردستاني، إلا أن قوات سوريا الديمقراطية لا تجد أمامها سوى خيار تسليم السلاح، إذ أنها محاصرة من كل الجهات ولا تستطيع الاستمرار دون الدعم الأمريكي. حل مشكلة حزب العمال الكردستاني في تركيا، والتحالف بين الأتراك والأكراد، سيؤثر إيجابياً أيضًا على الدول العربية. لأن هذه العملية ستمنع تفتيت سوريا والعراق، وسيعزز الاستقرار في المنطقة. وفي هذا السياق، كلمة الرئيس التركي أردوغان حول العملية لم تقتصر على توافق ثنائي بين الأتراك والأكراد فقط، بل ذكر تحالفًا ثلاثيًا بين الأتراك والأكراد والعرب. وأشار إلى أن هذا التحالف الثلاثي، كما كان في التاريخ، سيقوي الجميع، مع شكره إدارتي العراق وسوريا على دعمهما للعملية. لعملية المصالحة في تركيا تأثيرات مباشرة على الدول العربية، حيث سيخفف وتيرة الصراع الكردي العربي في العراق وسوريا. وسيتم تبني نهج أكثر تحضراً يقوم على التعاون بين الشعوب الثلاثة، بدلاً من المواقف القومية الضيقة والمستبعدة. بعبارة أخرى، ستحل مكان الانقسامات والتوترات القائمة تحالفات وتعاونات قوية بين الأتراك والعرب والأكراد، مع تعزيز التعاون والتكامل بين دول المنطقة بصورة أعمق. سيؤدي تقارب تركيا مع الجماعات الكردية إلى زيادة الاستقرار الإقليمي وتشجيع التعاون الأمني في المنطقة، بدءاً من سوريا والعراق. كما أن تراجع التطلعات الانفصالية الكردية سيشجع على اندماج المجموعات الشيعية (خاصة في الخليج) والدروز والبربر. ومع تعزيز الاستقرار السياسي في المنطقة، سيتعزز الاستقرار الاقتصادي الذي أعاقه الإرهاب والتوترات الأخرى. ومع تعزيز الاستثمارات والاقتصاد داخل دول المنطقة، سيزداد التعاون الاقتصادي بين تركيا والدول العربية.
639
| 16 يوليو 2025
منذ عهد آدم عليه السلام، والبشر في حركة دائمة. فعندما كانوا يعيشون كقبائل صيادين وجامعي ثمار، كانوا في تنقل مستمر. ومع الانتقال إلى الزراعة، بدأت بعض المجتمعات مثل مصر القديمة والصين بالاستقرار، ورغم أن الحركة قلت جزئيًا، إلا أن تلك المجتمعات لم تسلم من الحروب والغزوات. وعلى مر التاريخ، استمرت حركة البشر (الهجرة) لأسباب متعددة مثل الحروب، والجفاف، والظروف الاقتصادية، والمعتقدات الدينية. وقد بدأت الهجرة الكبرى للإنسانية من إفريقيا، واستمرت على شكل موجات في فترات مختلفة. كما أن غزو القبائل القادمة من الشرق لأوروبا، ومن بعدهم المغول، أدى إلى حركات سكانية واسعة. ظهور الإسلام وامتداد الفتوحات الإسلامية أدّى إلى موجات هجرة نحو الشرق والغرب. وفي القرون الأخيرة، كان للاستعمار الأوروبي، والحروب، والاحتلالات، والأزمات العنيفة والفقر دور كبير في نشوء حركات هجرة جديدة. وفي القرن العشرين، أسهم انهيار الإمبراطوريات، واحتلال فلسطين، وانقسام ألمانيا والهند، في إجبار ملايين البشر على الهجرة القسرية. أما في الفترات الأخيرة، فإن استمرار الأزمات الاقتصادية والسياسية في إفريقيا والعالم الإسلامي ساهم في استمرار موجات الهجرة أخرى مثل الصومال، وسوريا، والسودان أدّت إلى هجرات غير شرعية بالملايين. تُصنّف الهجرة من حيث النطاق المكاني إلى داخلية وخارجية (دولية)، ومن حيث الوضع القانوني إلى شرعية وغير شرعية، كما تُقسم من حيث الدافع إلى طوعية وقسرية، ومن حيث المدة إلى مؤقتة ودائمة. وتتعدد الأسباب التي تدفع إلى الهجرة داخل الدولة الواحدة أو خارجها، وتشمل عوامل اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وبيئية. من بين الأسباب الاقتصادية، الفقر، والبطالة، وانخفاض مستويات الأجور. كما استخدام الآلات في الزراعة ورغبة إلى الرفاهية يُعدان من العوامل الأساسية التي تدفع سكان الريف إلى الهجرة نحو المدن. تُعدّ الحروب، وانعدام الاستقرار، والقمع، والتمييز من العوامل السياسية وفي الجانب الاجتماعي، فإن ضعف خدمات التعليم والصحة، إضافة إلى التهميش والصراعات العرقية والثقافية، تُعد من الأسباب التي تدفع الأفراد إلى مغادرة أوطانهم. كما تساهم الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل والفيضانات، والتصحر، ونضوب الموارد الطبيعية، في تسريع وتيرة الهجرة. على سبيل المثال، الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا في عام 2023 أثّر بشكل مباشر على حياة 14 مليون شخص، وتسبب في أزمة سكن حادة في العديد من المدن التركية. وقد دفعت هذه الأوضاع آلاف الأُسر التركية المقيمة إلى جلب أقاربهم وأطفالهم المتضررين من الزلزال إلى قطر. هناك عوامل تجذب المهاجرين إلى الجهات المعينة في الداخل أو خارج البلد، مثل توفر فرص عمل أفضل، ورواتب أعلى، وبيئة أكثر أمانًا ورفاهية، إلى جانب فرص تعليمية متميزة للأطفال، وأوضاع سياسية أكثر حرية واستقرارًا. كما تلعب عوامل مثل لمّ شمل الأسرة، والمناخ الملائم، وتوفر الموارد الطبيعية دورًا مهمًا في استقطاب الناس نحو تلك المناطق. وتُعتبر قطر من الدول التي تتميز بعوامل جذب قوية، بفضل استقرارها الاقتصادي والاجتماعي وفرصها الواعدة. أما تركيا، فقد أصبحت اليوم محطة عبور ووجهة نهائية في آن واحد. تشكل هجرة الأشخاص داخل الوطن وخارجه تأثيرات كبيرة ومتعددة. يعاني القادمون من المناطق الريفية إلى المدن من صعوبات في التكيف، بالإضافة إلى زيادة الطلب على الخدمات الاجتماعية. يؤثر المهاجرون في الأماكن التي ينتقلون إليها ويتأثرون بظروفها. أما هجرة الكفاءات أو هجرة العقول فتقلل من فرص التنمية في بلدانهم الأصلية. من جهة أخرى، تشكل الأموال التي يرسلها العمال المهاجرون إلى عائلاتهم في بلدانهم، مثل الهند ومصر، مبالغ ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات، مما يساهم بشكل كبير في دعم اقتصاد هذه الدول. تُسبب ظاهرة الهجرة توترات بين المهاجرين والسكان المحليين، حيث استغلت بعض الأحزاب السياسية في الغرب هذه القضية لتعزيز خطاب معادٍ للمهاجرين، مما جعلها محورًا للنقاشات حول الهوية والسياسة، مؤثرا على نتائج الانتخابات في الولايات المتحدة وهولندا وإيطاليا، كما حققت الأحزاب اليمينية نجاحات بارزة في انتخابات السويد وفنلندا وألمانيا. يكمن الحل في بناء نظم عادلة على المستويين العالمي والإقليمي للحد من الهجرة، إلى جانب التعامل مع قضايا اللاجئين والمهاجرين بمنهج إنساني رحيم وأسلوب إسلامي يرتكز على العدل. وفيما يتعلق بموجات الهجرة المتزايدة من أفريقيا، فلا بد من تبني رؤية واستراتيجيات جديدة وشاملة تضمن التنمية المحلية. وفي المقال القادم، سنسلط الضوء على ظاهرة الهجرة غير الشرعية، التي تمثل تحديًا أكبر وأكثر تعقيدًا
513
| 09 يوليو 2025
العمران العشوائي هو توسع المدن بطريقة غير منظمة وغير قانونية، يتم دون مراعاة احتياجات السكان أو الخطط الحضرية التي تضعها البلديات والمختصون. بسبب ازدياد استخدام الآلات في الزراعة والنمو السكاني المتواصل، بدأ كثير من الأشخاص الذين كانوا يعيشون سابقًا كفلاحين أو بدو بالانتقال إلى المدن. ففي عام 2000، كانت نسبة سكان المدن على مستوى العالم تبلغ 47 %، بينما ارتفعت اليوم إلى 56 %. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذه النسبة ستصل إلى 70 % بحلول عام 2050. لكن هذا التوسع الحضري لا يجري دائمًا بشكل منظم أو مخطط، خاصة في الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل، حيث تتسم عملية التوسع غالبًا بالعشوائية والفوضى. وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، يعيش أكثر من مليار شخص حول العالم في مناطق حضرية غير منظمة. وتنبع هذه الظاهرة من أسباب متعددة، وتؤدي إلى نتائج خطيرة تؤثر على المجتمعات والبيئة. تتعدد العوامل التي تقف وراء هذا النوع من التوسع، أبرزها استخدام الآلات في الزراعة، وتقلص الأراضي الزراعية، ورغبة الناس في الوصول إلى فرص أفضل في العمل والتعليم والخدمات الصحية. كما أن العجز المالي لدى الفئات الفقيرة عن بناء أو شراء مساكن مناسبة، وضعف أداء الحكومات في التخطيط الحضري وتوفير الخدمات الأساسية مسبقًا، يسهمان في تفاقم المشكلة. وتُضاف إلى هذه الأسباب الهجرات الناتجة عن الحروب والكوارث الطبيعية، وآثار الاستعمار القديمة، إضافة إلى سياسات التهميش التي قد تُمارس ضد السكان الأصليين في بعض المدن. تختلف هذه الأسباب من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى. وفي كثير من الأحيان، يُعد الفقر في المناطق الريفية سببًا رئيسيًا للهجرة غير المنتظمة إلى المدن. وبسبب تقسيم الأراضي الزراعية بين الورثة عبر الأجيال، أو بسبب نفاد المراعي، يضطر الفلاحون والرعاة إلى الهجرة نحو المدن. وفي بعض الحالات، تؤدي حالات الجفاف أو النزاعات الداخلية إلى نزوح السكان بحثًا عن فرص جديدة في المناطق الحضرية. فعلى سبيل المثال، بعد الأزمة السورية، استقر معظم السوريين الذين هاجروا إلى تركيا في المدن، حتى لو كانوا من سكان القرى في سوريا. كما أن الفساد وسوء الإدارة في بعض الدول يؤديان إلى تفاقم المشكلة، بسبب عدم استعداد المدن لاستيعاب هذا التوسع السكاني. يسبب العمران العشوائي مشكلات عديدة تؤثر على مختلف جوانب الحياة. فمن الناحية الصحية، يعاني سكان هذه المناطق من نقص كبير في الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة وجمع النفايات، مما ينعكس سلبًا على الصحة العامة. وغالبًا ما تُبنى هذه الأحياء في مناطق خطرة مثل مجاري السيول، المنحدرات، أو قرب مكبّات القمامة، مما يجعلها أكثر عرضة للكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات. ويواجه سكان هذه المناطق صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية، ويعيشون في عزلة عن الحياة السياسية والمجتمعية. كما ترتفع فيها معدلات البطالة والجريمة، في ظل غياب أو ضعف الإجراءات الأمنية الفاعلة. حل مشكلة السكن العشوائي والتوسع العمراني غير المنظم ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب تكاليف مالية كبيرة وإرادة سياسية قوية. توفير خدمات البنية التحتية مثل المياه والصرف الصحي في هذه الأحياء غير المخططة يكلف أكثر مقارنة بالمناطق المخططة. كما أن تدني جودة التعليم في تلك المناطق يؤدي إلى ضعف التحصيل الدراسي، وإذا لم تولِ الحكومات اهتماماً كافياً، فقد تنشأ بين الفقر والجهل حلقة مفرغة يصعب كسرها. لذا، من الضروري اعتماد سياسات دعم وتمكين ذوي الدخل المحدود من الحصول على مساكن في مناطق منظمة، سواء عبر الدعم المالي المباشر أو من خلال إنشاء تعاونيات سكنية. في تركيا، أدت موجات الهجرة في الثمانينيات والتسعينيات إلى ظهور أحياء سكنية عشوائية، لكن منذ عام 2000، تمكنت مؤسسة الإسكان الجماعي الحكومية (TOKİ) من حل هذه المشكلة من خلال بناء عدد كبير من المساكن ذات الجودة العالية والتكلفة المنخفضة، ومن خلال إصلاح الأحياء غير المنظمة وعدم السماح بالبناء غير القانوني الجديد. وبعد الزلزال الذي ضرب خمس محافظات قبل عامين، يُعاد بناء المنازل المدمرة بنفس الطريقة. فيما يتعلق بالتوسع العمراني غير المنظم، فإن دول الخليج في وضع أفضل بكثير مقارنة ببقية الدول العربية. وقطر، ضمن رؤيتها الوطنية لعام 2030، حققت تقدماً كبيراً في تحقيق النمو الحضري المستدام، وحماية البيئة، وتوفير السكن للجميع. ولكن من المتوقع أن تستمر هذه المشكلة في شغل العالم الذي يعاني من الصراعات والاحتباس الحراري وسوء الإدارة.
525
| 02 يوليو 2025
يُشير عنوان المقال بوضوح إلى أن الصراع بين إسرائيل وإيران لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل بات قضية ذات أبعاد دولية. فقد تحولت الحرب، التي بدأت في غزة، إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران نتيجة لخطوات أحادية اتخذها نتنياهو بمهاجمته إيران دون تنسيق. وجاء رد إيران العسكري ليزيد من حدة التصعيد، لا سيما بعدما شرعت إسرائيل في استهداف المدنيين إلى جانب الأهداف العسكرية. ومع تصاعد التوترات وصدور تهديدات من ترامب، ازداد خطر توسع رقعة الحرب. كما أن احتمال دخول حلفاء إسرائيل من الدول الغربية والولايات المتحدة، ووكلاء إيران في المنطقة، يجعل من هذا الصراع تهديدًا شاملاً قد يطال أمن المنطقة والعالم بأسره. انتقدت دول المنطقة الهجوم الإسرائيلي ووصفته بأنه غير قانوني وغير عادل. وأدانت الدول، بشكل فردي، إضافة إلى موقف موحد من جامعة الدول العربية، التي تُعد أبرز منبر رسمي للدول العربية. وفيما يتعدى حدود الإدانة، تبذل كل من تركيا والدول العربية جهودًا دبلوماسية مكثفة لوقف الحرب واحتواء التوتر. وتشهد المرحلة الحالية اتصالات هاتفية ومشاورات غير مسبوقة بين الأطراف المعنية. وعلى الرغم من عدم انعقاد قمة رسمية مشتركة بين جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي حتى الآن، فإن وتيرة التحركات الدبلوماسية تؤكد إمكانية عقد مثل هذه الاجتماعات في حال استمرار الأزمة. في هذا السياق، أجرى سمو أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، عدة محادثات هاتفية مع عدد من رؤساء الدول، من بينهم رئيس إيران بيزشكيان، وأمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، ورئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني،. وقد أكّد سمو الأمير خلال هذه المحادثات على أهمية خفض التوتر في المنطقة، وضرورة حلّ النزاعات عبر الوسائل الدبلوماسية. كما أجرى رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، سلسلة من اللقاءات والمشاورات في الإطار نفسه. بذلت تركيا أيضًا جهودًا دبلوماسية جادة لتخفيف حدة التوترات وإيجاد حل دبلوماسي. أجرى الرئيس أردوغان محادثات هاتفية مع عدة قادة من بينهم قادة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وباكستان وإيران ومصر والأردن وسوريا والعراق والكويت وسلطنة عمان. وخلال هذه المحادثات، تم التأكيد على استعداد تركيا لتولي دور ميسّر من أجل إنهاء النزاعات في أقرب وقت ممكن والعودة إلى المفاوضات النووية. وفي نفس السياق، أجرى وزير الخارجية هاكان فيدان عدة مباحثات. كما أجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان محادثات مع أردوغان، بالإضافة إلى اتصالات مع قادة آخرين مثل ترامب، ماكرون، ستارمر، وميلوني. وفي محادثاته مع الرئيس الإيراني بيزيشكيان، أدان الهجمات الإسرائيلية وقدم التعازي للضحايا. تُعتبر هذه الجهود الدبلوماسية المكثفة في فترة قصيرة أمرًا بالغ الأهمية، حيث يسود شبه إجماع على أن إسرائيل هي الطرف المعتدي وأنه يجب وقف الحرب فورًا. ويعود ذلك في المقام الأول إلى قلق جميع الدول من استمرار حالة عدم الاستقرار والاضطرابات في المنطقة، وخاصة خشيتها من تأثر مصالحها الخاصة. ومن اللافت في المشهد الحالي وجود أجواء أكثر دفئًا وتفاهمًا بين الدول الإسلامية مقارنة بالمراحل السابقة، إذ تقلصت التوترات بين الدول العربية نفسها بشكل ملحوظ، كما خفتت الخلافات بين الدول العربية من جهة وتركيا وإيران من جهة أخرى. وقد شكل التوافق بين دول المنطقة حول خطورة ما يفعله نتنياهو من تدمير غزة وإشعال المنطقة برمتها، نتيجة غير متوقعة لهذه الحرب. تركيا، التي تسعى إلى تعزيز السلام في المنطقة، تعرب عن قلقها من تداعيات اتساع رقعة الحرب، لما قد يترتب عليه من فوضى، وانعدام للاستقرار، وتزايد موجات الهجرة، وتصاعد الإرهاب، وتحديات اقتصادية كبيرة. وتشاطرها الدول العربية هذا القلق، خاصة بسبب ما قد ينجم عن ذلك من تعطيل في إمدادات الطاقة، وتأجيج للتوترات الطائفية داخل بلدانها. وفي هذا السياق، تبذل كل من قطر وعُمان جهودًا كبيرة لتفعيل المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة، في حين تحاول تركيا، بشكل غير معلن، لعب دور الوسيط بين الطرفين. ومع ذلك، تواجه إسرائيل، التي لا ترغب في تحقيق السلام، خطر الهزيمة في صراعها مع إيران بعد حرب غزة، وهو ما سيترك آثارًا كبيرة على المنطقة. ومن هنا، هناك خشية من أن يقود نتنياهو وترامب المنطقة إلى مغامرات أكبر، ليس فقط بسبب مصالحهما الشخصية، بل أيضًا بسبب الأضرار التي قد تلحق بالمصالح الإقليمية لبلديهما.
1632
| 18 يونيو 2025
في عام 2006، عندما فازت حماس في الانتخابات، فرضت إسرائيل حصاراً لا يطاق على غزة. وحظرت إسرائيل دخول المواد الغذائية والبضائع والأشخاص إلى غزة التي يقطنها أكثر من مليوني شخص، وأغلقت جميع المنافذ الجوية والبحرية والبرية. وقد انتقدت الأمم المتحدة والصليب الأحمر و المنظمة الحقوقية الدولية مرارًا وتكرارًا الحصار باعتباره غير قانوني. في عام 2010، أبحرت سفينة مافي مرمرة لكسر الحصار المفروض على غزة وأوقفتها إسرائيل بعنف. وفي هذا الأسبوع، أوقفت إسرائيل أيضاً سفينة ”مادلين“ التي أبحرت لكسر الحصار على غزة ومنع الإبادة الجماعية. هناك أوجه تشابه مهمة بين الحدثين والفترتين. كانت سفينة «مافي مرمرة» التي انطلقت في عام 2010 مملوكة لمواطن تركي، وكان على متنها أكثر من 600 ناشط من دول مختلفة. كان هدفها كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، وتقديم المساعدات الإنسانية، وجذب اهتمام المجتمع الدولي إلى ما يعانيه السكان هناك من جوع وبؤس. انطلقت السفينة من إسطنبول، لكن أوقفتها القوات الإسرائيلية في المياه الدولية من قبل قوات الدفاع الإسرائيلية، وقتلوا عشرة من المنظمين الأتراك الذين لم يكونوا يحملون أي سلاح. لقد تجاوزت إسرائيل بوحشيتها وعدم احترامها للقانون حدود غزة، لتصل إلى الأجانب الذين يتضامنون مع غزة. لكن بعد الحادثة، واجهت إسرائيل موجة غضب عارمة في الرأي العام الدولي، وتعرض نتنياهو لضغوط كبيرة ووُضع في موقف حرج. لقد شكّل الحادث تعثرًا كبيرًا في تاريخ إسرائيل على الصعيدين الدبلوماسي والإعلامي. فقد وُضعت إسرائيل في موقف صعب على الساحة الدولية، وتم تسليط الضوء على ممارساتها الجائرة في غزة ضمن الأجندة العالمية. حتى أقرب حلفائها لم يترددوا في توجيه الانتقادات لرئيس الوزراء نتنياهو. كما أدى الحادث إلى تحرك العديد من الناشطين ومجموعات الدعم في أنحاء مختلفة من العالم. وخرج المتظاهرون إلى الشوارع في مدن منتشرة عبر القارات، مطالبين بالعدالة للضحايا ورفع الحصار عن غزة. من جانبهم، شرع الضحايا في متابعة قضاياهم في المحاكم المحلية والدولية بحثًا عن العدالة ضد إسرائيل. واضطرت الحكومة الإسرائيلية لاحقًا إلى الاعتراف بأن بعض تصرفاتها كانت خاطئة، كما اضطرت إلى تخفيف الحصار المفروض على غزة. بعد حادثة مافي مرمرة، تدهورت العلاقات بين إسرائيل وتركيا، وتم طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة. كما تم تعليق العلاقات العسكرية والاقتصادية بين البلدين. واضطرت إسرائيل – وربما لأول مرة في تاريخها – إلى الاعتذار رسميًا من تركيا، ودفع تعويضات لعائلات الضحايا. ومن المعروف أن إسرائيل لا تعتذر عادة عن أخطائها في فلسطين، مثل الهجمات العشوائية على غزة، والمجازر ضد المدنيين، والاستيطان غير القانوني، وسياسات التمييز ضد الفلسطينيين. لقد مهد النجاح الذي حققته سفينة مافي مرمرة الطريق لتشكيل «تحالف أسطول الحرية الدولي»، والذي يضم منظمات من عدة دول، من بينها الولايات المتحدة، وكندا، وفرنسا، وأستراليا. وكان هذا التحالف يناضل ضد الحصار حتى قبل اندلاع الحرب الأخير على غزة. وقد نظّم « تحالف أسطول الحرية» عدة رحلات إنسانية سابقة، لكنها كانت تُمنع من الوصول ويتم اعتراضها. أما آخر هذه الحملات، فقد تمثلت في رحلة سفينة «مادلين». ورغم أن عدد النشطاء على متن السفينة كان قليلاً، إلا أنها نجحت في جذب انتباه الرأي العام العالمي، لأنها استندت إلى إرث مافي مرمرة. كما أن وجود شخصيات بارزة على متن السفينة، مثل الناشطة البيئية السويدية الشهيرة غريتا ثونبرغ وعضو البرلمان الأوروبي ريما حسن، بالإضافة إلى صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، ساهم في إبراز القضية عالميًا. وقد جاءت هذه الحملة في وقت بلغ فيه القتل والمجاعة في غزة مراحل متقدمة، وأصدرت فيه المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق بعض القادة الإسرائيليين. أسهمت الانتقادات اللاذعة التي وجهها الإعلام الأمريكي والإسرائيلي للسفينة في زيادة اهتمام الرأي العام العالمي بالقضية. ورغم طبيعة السفينة الإنسانية، أقدمت إسرائيل مجددًا على اعتراضها في المياه الدولية، في انتهاك واضح وغير قانوني، واعتقلت 12 راكبًا كانوا على متنها. وقد قوبل هذا التصرف بإدانة واسعة من قبل العديد من المسؤولين، وعلى رأسهم مسؤولون في فرنسا وإسبانيا، إلى جانب منظمات دولية وشخصيات سياسية بارزة، ولا تزال موجة الاستنكار مستمرة. ويُرجى أن تسفر هذه الواقعة، على غرار ما حدث بعد حادثة مافي مرمرة، عن تشكيل ضغط دولي متزايد على إسرائيل، وردع الدول الداعمة لها، والمساهمة في التخفيف من آلام ومعاناة غزة.
576
| 11 يونيو 2025
تُعد قطر وتركيا دولتين مهمتين تبذلان جهودًا من أجل السلام الإقليمي والعالمي، وتدعمان بعضهما البعض في هذا الصدد. فقد قامت قطر بالوساطة في العديد من الأزمات، بما في ذلك أزمة غزة، بينما تبذل تركيا جهودًا للتخفيف من حدة العديد من الأزمات، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية. في هذه المقالة، سيتم تحليل المرحلة التي وصل إليها الصراع الروسي الأوكراني، الذي أثّر على الأمن الغذائي والطاقة في العالم ووجّه الدول نحو زيادة الإنفاق الأمني، بالإضافة إلى دور تركيا في الوساطة. تتمتع تركيا بعلاقات ثنائية عميقة ومتعددة الأبعاد مع كل من أوكرانيا وروسيا. تُعد تركيا من الدول المؤهلة للقيام بدور الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، وذلك بفضل ثقة الطرفين بها ومعرفتها العميقة بحساسية القضايا المطروحة بينهما. فقد تمكنت أنقرة في عام 2022، عقب اندلاع الحرب، من استضافت وزيري خارجية البلدين، في خطوة مثّلت تطورًا مهمًا في المساعي الدبلوماسية. كما لعبت تركيا دورًا بارزًا في معالجة أزمة تصدير الحبوب، حيث أسهمت في التوصل إلى اتفاق بين الطرفين. وخلال الحرب التي دخلت عامها الثالث، حافظت تركيا على موقفها كوسيط نزيه ومحايد، مما أتاح استمرار قنوات التواصل – وإن كانت غير مباشرة – بين الجانبين. وقد انضمت إلى جهود الوساطة دول أخرى، مثل المملكة العربية السعودية، لتقديم الدعم في هذا المسار. إلا أن تباعد المطالب بين روسيا وأوكرانيا حال دون التوصل إلى اتفاق حتى الآن. شهدت الفترة الأخيرة تسارعًا في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، حيث استضافت تركيا اجتماعين بين روسيا وأوكرانيا خلال شهر واحد. وقد أُثيرت احتمالية مشاركة كلٍّ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في اللقاء الأول. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد زار تركيا، غير أن غياب بوتين حال دون حضور ترامب كذلك. طالبت أوكرانيا بالحصول على ضمانات من الغرب ضد روسيا، كما أصرت على انسحاب روسيا من جميع الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك شبه جزيرة القرم. من جانبها، اعتبرت روسيا أن الدعم الغربي لأوكرانيا في تراجع، وبفضل النجاحات التي حققتها في ساحة المعركة، لم تُبدِ استعدادًا لتقديم تنازلات. وعلى الرغم من أن القمة عُقدت على المستوى المتوسط، فقد تمخضت عنها بعض النتائج الإيجابية، أبرزها الاتفاق على تبادل ألف أسير بين الطرفين، والاستمرار في عقد جولات تفاوضية مقبلة. أفادت المصادر الروسية بأن موسكو عرضت على كييف مسارًا تفاوضيًّا يتضمن خيارين رئيسيين لتسوية الصراع. الخيار الأول يشترط على أوكرانيا القبول بضمّ شبه جزيرة القرم كأمر واقع غير قابل للنقاش. أما الخيار الثاني، فيقضي بنزع سلاح أوكرانيا بالكامل، ووقف كل أشكال الدعم العسكري الغربي لها، إلى جانب تقديم ضمانات بعدم انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو». وفي سياق الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تهيئة الأرضية لجولة تفاوضية جديدة، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان زيارات متتالية إلى كل من روسيا وأوكرانيا، في محاولة لتقريب وجهات النظر وتشجيع الطرفين على قبول وقف إطلاق النار. في الوقت نفسه، شنت أوكرانيا هجومًا غير متوقع على قواعد عسكرية تقع على بعد أربعة آلاف كيلومتر داخل الأراضي الروسية، مما تسبب في أضرار جسيمة للقوة الجوية الروسية. هذا الحدث الخطير وغير المسبوق رفع معنويات أوكرانيا بشكل واضح وأثر سلبًا على معنويات روسيا على طاولة المفاوضات. في ظل هذه التطورات الجدية، اجتمعت الأطراف مرة أخرى هذا الأسبوع في إسطنبول. وخلال المباحثات، تم تحقيق تقدم ملموس في القضايا الإنسانية، لا سيما في زيادة عدد تبادل الأسرى وتبادل جثث الجنود القتلى. وقد اقترحت روسيا وقف إطلاق نار لمدة يومين إلى ثلاثة أيام، بينما تطالب أوكرانيا بوقف إطلاق نار لفترة أطول. إن انتهاء الحرب بين أوكرانيا وروسيا، التي تشغل الساحة العالمية، يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز السلام العالمي. وتؤمن تركيا، بصفتها وسيطًا موثوقًا يمتلك دراية تامة بحساسية الطرفين وبالملفات المطروحة على الطاولة، بأنها ستكون من أبرز المستفيدين من هذا السلام، وتسعى جاهدة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتحاربة من أجل تعزيز الأمن الإقليمي وتحقيق السلام الدولي. ويتوقف تحقيق نتائج ملموسة على مدى التفاهمات التي ستتم بين روسيا والدول الغربية، وبالأخص بين ترامب وبوتين، إلى جانب التطورات على ساحة المعركة.
636
| 04 يونيو 2025
شهد العراق، مهد الحضارة، صعود العديد من الحضارات والإمبراطوريات بين نهري دجلة والفرات. ومنذ العصور القديمة، كان يربط بين طريق الحرير من آسيا والطريق البحري من الخليج العربي إلى الأناضول والغرب. وخلال العهد العثماني، كانت منطقة صراع مع إيران، كما كانت جسراً تجارياً بين شبه الجزيرة الهندية والإمبراطورية العثمانية. وبعد أن هيمنت بريطانيا على التجارة العالمية من خلال قناة السويس، حاولت الدولة العثمانية وألمانيا بناء خط سكة حديد برلين-بغداد الذي يربط بين المحيطين شرقًا وغربًا. أدى اكتشاف احتياطيات النفط الكبيرة في عشرينيات القرن الماضي إلى بروز العراق كلاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمية، غير أن اعتماده المفرط على قطاع الطاقة حال دون استثمار كامل إمكاناته كممر تجاري حي. وقد عرقلت الحروب الداخلية والخارجية، إلى جانب العقوبات الاقتصادية ومشكلات الحكم المركزي، تطور النشاط التجاري في البلاد. وبعد الإطاحة بصدام حسين عام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، واجه خلالها تحديات جسيمة تمثلت في الإرهاب، والصراعات الطائفية، والانقسامات العرقية. ولم يتراجع النشاط التجاري فحسب، بل شهد قطاع النفط والغاز نفسه انحداراً ملحوظاً، حتى أصبح العراق مضطراً لاستيراد الوقود المكرر والكهرباء. دخل العراق في السنوات الخمس الأخيرة مرحلة من الاستقرار الجزئي، ويسعى اليوم، كغيره من دول النفط والغاز، إلى تنويع اقتصاده والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط. وتعمل الحكومة العراقية على تنويع مصادر الدخل من خلال تشجيع قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة. وقد برز تطوير الإمكانات التجارية كخيار مهم في هذا السياق. وفي عام 2023، أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عن مشروع «طريق التنمية»، الذي يُعد من أكبر مشاريع البنية التحتية في تاريخ البلاد. ويهدف المشروع إلى توسيع قنوات التجارة بين العراق وتركيا من جهة، ودول الخليج من جهة أخرى، وربط الشرق بالغرب على نطاق أوسع. ويعد هذا المشروع مبادرة اقتصادية وإستراتيجية ضخمة تهدف إلى تحويل العراق إلى مركز تجاري ولوجستي دولي، المرحلة الأولى من هذا المشروع ستربط البصرة ببغداد، والمرحلة الثانية ستربط بغداد بالحدود التركية، ومن المتوقع أن يستغرق إنجازها حوالي 20 عاما. سيتم توسيع ميناء الفاو الكبير في البصرة لجعله أحد أكبر الموانئ في الشرق الأوسط. وستنقل سكة حديدية مزدوجة الطريق (1,200 كيلومتر) البضائع والركاب على حد سواء. بالإضافة إلى ذلك، سيتم إنشاء مناطق حرة ومناطق تخزين ومراكز إنتاج في المدن العراقية على طول الطريق، حيث سيتم استخدام طرق سريعة كبيرة للنقل بالشاحنات والنقل البري. ستكون لمشروع طريق التنمية آثار استراتيجية كما يمكن أن يعزز موقف العراق الجيوسياسي. لأن الأنشطة الاقتصادية التي ستحدث يمكن أن توفر للعراق دخلاً مالياً كبيراً. كما أنه مهم لأنه يأتي في وقت تتزايد فيه الحروب التجارية والبحث عن بديل لمشروع الحزام والطريق الصيني. وتهتم جهات فاعلة مثل تركيا ودول الخليج والصين والاتحاد الأوروبي بهذا المشروع. سيكون مهمًا من حيث الشركاء الذين سيختارهم العراق وكذلك الخطوط التي سيتنافس معها. وعلى الرغم من أنه ليس بديلاً لقناة السويس، التي تحتل مكانة مهمة في التجارة العالمية، إلا أنه سيأخذ جزءًا من عبء حركة البضائع. ومع ذلك، يواجه هذا المشروع صعوبات مختلفة. كما أن التكلفة العالية للمشروع، والعقبات البيروقراطية ستؤدي إلى إبطاء العملية. من ناحية أخرى، أعطى سقوط نظام الأسد في سوريا فرصة للعراق للتعاون الإقليمي. وتدعم تركيا هذا المشروع، لأنه يعزز علاقاتها مع الخليج والشرق. كما أن البنية التحتية للطرق والسكك الحديدية في تركيا، المرتبطة بأوروبا، جاهزة بالفعل. وعند ربط المشروع بالخطوط التركية، سيتعزز الاتصال البري بين الخليج وأوروبا بشكل كبير. تدعم قطر والإمارات العربية المتحدة هذا المشروع أيضا. وقد حضر وزراء هذه الدول الأربع القمة في بغداد في أكتوبر 2024. وقد أعرب صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن دعمه لمشروع طريق التنمية خلال زيارته إلى العراق. كما أكد المسؤولون الأتراك والعراقيون على التعاون على أعلى مستوى خلال زياراتهم المتبادلة. سيؤدي هذا المشروع إلى تنويع الاقتصاد العراقي وخلق فرص عمل لمئات الآلاف من الأشخاص ودعم الزراعة والصناعة المحلية. ويوفر التراث الثقافي الغني للبلاد وموقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية أساساً قوياً للنمو. وإذا ما تم إنجاز المشروع، فإن العراق سيحقق الاستقرار وسيعزز التعاون الإقليمي وسيصبح العراق لاعباً مهماً في التجارة العالمية.
846
| 28 مايو 2025
اعتبرت الجمهورية التركية أن اليمين والشيوعية، والانقسام الداخلي تمثل تهديدات أساسية لبنيتها السياسية. الخوف من الانقسام، فقد تجلّى بشكل خاص في القلق من احتمال انفصال الأكراد، الذين يشكلون شريحة سكانية كبيرة داخل البلاد. وقد كان لهذه المخاوف التقليدية أثر عميق على الأكراد، سواء المتدينون منهم أو ذوو التوجهات اليسارية. وتعرض معظم الأكراد المتدينين لضغوط وقمع على المستويين الديني والثقافي، ما أدى إلى جانب الظروف الاقتصادية الصعبة، إلى خلق بيئة ملائمة لنشأة حزب العمال الكردستاني (PKK) وتوسّع أنشطته. رغم أن الانتقال إلى الديمقراطية ساهم في التخفيف من هذه الضغوطات، إلا أن الوصاية التي فرضتها الانقلابات العسكرية حالت دون الوصول إلى حل جذري. وقد حققت حكومة حزب العدالة والتنمية تقدماً ملحوظاً ضمن إطار عملية التحول الديمقراطي، من خلال توسيع الحقوق الديمقراطية للأكراد وتخفيف الضغوط المفروضة على المتدينين. وفي عام 2013، حاولت حكومة أردوغان معالجة القضية الكردية، إلا أنها واجهت معارضة شديدة من الداخل والخارج. وكان من أبرز العوامل التي أعاقت هذه الجهود، الكانتونات التي تأسست بدعم من إدارة أوباما في شمال سوريا (عين العرب)، إضافة إلى الدعم الشعبي الجزئي والقوة المسلحة التي امتلكها حزب العمال الكردستاني، مما شجعه على التمسك بمواقفه. بعد اثني عشر عاماً، تمكنت حكومة أردوغان من تقليص نفوذ حزب العمال الكردستاني بشكل كبير، وذلك من خلال اتباع سياسة مزدوجة جمعت بين منح الأكراد المزيد من الحقوق ومواصلة مكافحة الإرهاب بحزم. وفي هذا السياق، أثار المقترح الذي قدمه حزب الحركة القومية، حليف الحكومة، في 22 أكتوبر 2024 بشأن حل القضية الكردية، صدىً سياسياً واسعاً. وفي تطور لافت، وجّه عبد الله أوجلان نداءً إلى حزب العمال الكردستاني يدعوه فيه إلى التخلي عن السلاح، وبعد خمسة أشهر من المحادثات والتطورات، أعلن الحزب رسميًا هذا الأسبوع قراره بوقف العمل المسلح. وقد لقيت هذه الخطوة دعماً من حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، مما جعل الاعتراض محصوراً في بعض المجموعات القومية والعلمانية المتشددة. ومع تلاشي معظم العوائق، يبدو أن فرص نجاح هذه العملية باتت شبه مضمونة. في المرحلة الجديدة، سيقوم حزب العمال الكردستاني (PKK) بتسليم سلاحه والتخلي عنه بشكل كامل. وفيما بعد، سيتم العمل على تحسين ظروف اعتقال زعيم الحزب عبد الله أوجلان، والعفو عن عناصر الحزب الذين لم يتورطوا في جرائم قتل، بينما سيتم تأمين خروج المتورطين والقياديين إلى دول أخرى. ويُلاحظ في هذا السياق وجود تنسيق كامل مع كل من العراق وسوريا وإقليم كردستان العراق. ومن المتوقع أن تؤدي هذه العملية إلى تعزيز مكانة حزب العدالة والتنمية داخل القاعدة الكردية، كما يُرجَّح أن يسحب الحزب، من خلال هذه الخطوات، حزب «ديم» المرتبط بحزب العمال الكردستاني من صفوف المعارضة وينقله إلى معسكر الحكومة. إن النتيجة الأهم لهذه العملية ستكون في تعزيز مسار التحول الديمقراطي في تركيا، مما سيسهم في تلبية المزيد من المطالب الثقافية للشعب الكردي. كما أن نفوذ الأوساط العسكرية المرتبطة بالوصاية، التي طالما استغلت وجود الإرهاب، سيتراجع بشكل كامل. وستشهد مناطق الشرق والجنوب الشرقي، في ظل غياب خطر الإرهاب، ازدهارًا في مجالات الاستثمار، والسياحة، والتجارة، والصناعة. ومن المتوقع أن تؤدي هذه المرحلة الجديدة إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية مع سوريا في إطار التعاون الوثيق، وكذلك مع إقليم كردستان العراق والحكومة المركزية في بغداد. لقد أثّر وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) وأنشطته سلباً على العلاقات بين تركيا وكلٍّ من العراق وسوريا. فعلى سبيل المثال، تمركز الحزب في جبال قنديل والعمليات العسكرية التي تنفذها تركيا هناك كانت دائماً موضع جدل وتوتر. وقد تسببت هذه المسألة في حدوث خلافات مع حكومة إقليم كردستان العراق، وأحياناً مع الحكومة المركزية في بغداد. غير أن زيارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني الأخيرة أظهرت وجود تفاهم قوي وإرادة مشتركة للتعاون بين الجانبين. ومن المتوقع أن تشهد العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية تطوراً ملحوظاً، خاصة من خلال مشروع «طريق التنمية»، الذي سيُحدث انتعاشاً اقتصادياً كبيراً في المنطقة. إن تخلي حزب العمال الكردستاني (PKK) عن السلاح ستكون له انعكاسات إيجابية على الوضع في سوريا أيضاً. فمن شأن انتهاء مطالب القوات السورية الديمقراطية (قسد) بالانفصال أو الحكم الذاتي أن يُسرّع من اندماج الأكراد في سوريا الجديدة. ورغم استمرار الدعم الغربي لبعض الحركات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني لأسباب أيديولوجية، إلا أن فكرة الانفصال ستتراجع لصالح فكرة البناء المشترك لسوريا موحدة. والأهم من ذلك، أن الأكراد لن يكونوا بعد الآن حاجزاً بين تركيا والعالم العربي، بل سيتقدمون في طريق الوحدة وتقاسم الثروات مع الجانبين. لا شك أن هذه التطورات لن تُرضي إسرائيل وإيران، لكنهما لن تكونا قادرتين على الوقوف في وجه مسار التاريخ وروح الأخوّة التركية–الكردية–العربية التي تمتد لألف عام. ومن المؤكد أن لهذه التحولات انعكاسات إيجابية على السلم والاستقرار في المنطقة والعالم.
912
| 14 مايو 2025
تقع بلاد الشام، أو ما يُعرف بالـ «ليفانت» في الغرب، عند نقطة التقاء ثلاث قارات، وقد شكّلت عبر التاريخ وحدة جغرافية وإدارية ضمن ولاية واحدة، حتى جاء المشروع الاستعماري عقب الحرب العالمية الأولى فمزّق هذه الوحدة. فُرض الانتداب الفرنسي على كل من دمشق، حلب، لبنان، جبل الدروز، واللاذقية، بينما خضعت فلسطين والأردن للانتداب البريطاني. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، توحدت سوريا من معظم الولايات التي كانت خاضعة لفرنسا، في حين نال الأردن استقلاله، وأُقيم الكيان الصهيوني على أرض فلسطين كمشروع استيطاني غربي. ومنذ تأسيسه، بدأ صراع عميق بين إسرائيل وسوريا، تغذّيه خلفيات تاريخية وسياسية وعقائدية متشابكة. على مدار نحو ثمانية عقود، ظل العداء بين سوريا وإسرائيل قائمًا ومتصاعدًا، وشكّلت الحروب بين الطرفين محطات رئيسية في الصراع العربي الإسرائيلي. شاركت سوريا في حروب 1948، و1967، و1973، ودعمت المقاومة في لبنان خلال اجتياح 1982. ومن أبرز الأحداث المفصلية خسارة هضبة الجولان لصالح إسرائيل في حرب 1967، وهي خسارة ما زالت تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين. إن الهجمات الإسرائيلية على سوريا لها تاريخ طويل. في عام 2003، نفذت إسرائيل غارة جوية استهدفت معسكرًا للمقاتلين الفلسطينيين قرب دمشق، وذلك ردًا على عملية انتحارية. كما شنت في عام 2007 هجومًا جويًا دمّر منشأة يُعتقد أنها كانت مفاعلًا نوويًا سريًا في دير الزور. وخلال تسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الثالثة، كثّفت إسرائيل هجماتها على مواقع رادار ومواقع عسكرية سورية قرب هضبة الجولان. وفي سياق حرب لبنان عام 2006، تعرضت سوريا لضغوط وتهديدات لمنعها من تقديم الدعم لحزب الله. ورغم تمسك النظام السوري بموقفه من السيادة على الجولان، فقد حرص على تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. بعد اندلاع موجة الربيع العربي، أعربت إسرائيل عن قلقها العميق تجاه الأوضاع في سوريا، وسعت إلى عدم تكرار التجربة الديمقراطية كما في مصر. وفي هذا الإطار، عارضت تدخل إدارة أوباما لإسقاط نظام بشار الأسد، دعماً لاستمراره في قمع المطالب الشعبية بالديمقراطية. وبحجة محاربة تنظيم داعش، لم تُبدِ إسرائيل اعتراضاً يُذكر على التدخل الإيراني والروسي في سوريا، رغم ما نجم عنه من دمار شامل ونزوح ملايين المدنيين. غير أن الموقف الإسرائيلي تغيّر لاحقاً عندما بدأت إيران بترسيخ وجودها الإقليمي عبر ممر يمتد من العراق مروراً بسوريا وصولاً إلى لبنان، الأمر الذي أثار مخاوف إسرائيل من تحول إيران إلى جار مباشر. خلال العقد الأخير، وضمن تفاهم ضمني مع روسيا، عمدت إسرائيل إلى تنفيذ ضربات جوية وقصف صاروخي منتظم داخل الأراضي السورية، في محاولة للحد من التمدد الإيراني ونفوذ وكلائه في البلاد. وقد سوّغت إسرائيل تلك الهجمات باعتبارها وسيلة لتقويض الحضور الإيراني في سوريا. إلا أن اللافت أنه بعد سقوط نظام الأسد كحليف إيران، لم تنته الهجمات الإسرائيلية بل تصاعدت بشكل أكبر. ويعود ذلك إلى تصوّر إسرائيل بأن قيام دولة سورية مستقلة وموحّدة وذات بنية عسكرية قوية يُشكّل تهديدًا مباشرًا لها، مما دفعها إلى استهداف البنية العسكرية السورية بشكل غير مسبوق بهدف إضعافها بالكامل. يبدو أن الهدف الأساسي لإسرائيل في سوريا هو تدمير الأسلحة الإستراتيجية والصواريخ التي بحوزة نظام الأسد. كما يتضح أنها تسعى إلى تقسيم البلاد، وتسعى بشكل خاص إلى إنشاء منطقة آمنة في جنوب سوريا من خلال نزع السلاح من هذه المنطقة. إسرائيل تريد إقامة منطقة آمنة تمتد لمسافة 15 كم داخل الأراضي السورية، ومن ثم منطقة نفوذ تمتد حتى 65 كم. وإلى جانب الدوافع الأمنية، تسعى إسرائيل إلى السيطرة على الموارد الطبيعية مثل المياه، غير أنها لا تعترف بهذا المشروع الاحتلالي وتقدّم أعذارًا أخرى بديلة. وبعد زوال الوجود أو التهديد الإيراني في سوريا، أصبح من أبرز الأعذار التي تقدمها إسرائيل هو النفوذ التركي. إن معارضة تركيا لتقسيم سوريا وإضعافها تثير قلق إسرائيل. حتى أن نتنياهو اشتكى لترامب من عدم ارتياحه، لكنه لم يتمكن من الحصول على الدعم الذي يريده. وبعد أن نجح ترامب في تهدئة الطرفين، واصلت إسرائيل مهاجمة سوريا، لكنها اضطرت إلى إيجاد أعذار أخرى مثل حماية الدروز والعلويين والأكراد رغم أنه رفضت هذه الطوائف التعاون مع إسرائيل. باختصار، إسرائيل تدعم الصراعات العرقية والطائفية لأنها تخشى من سوريا قوية وموحدة، وستستخدم ذرائع مختلفة لمواصلة قصفها. ولكن ما دام السوريون يظهرون الرغبة في العيش معاً وتعزيز قوتهم، فإن هجمات إسرائيل لن تحقق هدفها.
1188
| 07 مايو 2025
يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العبث بقواعد النظام العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة نفسها. فقد دخل في صراع اقتصادي حاد مع الصين دون أن يتراجع خطوة إلى الوراء. وبالمثل، فإن الولايات المتحدة التي كانت قد شجعت على تأسيس الاتحاد الأوروبي لمواجهة الاتحاد السوفيتي، باتت اليوم تعتبره منافسًا لها. فمن ناحية، يُظهر ترامب وجهة نظر انعزالية تقول بأنه لا ينبغي لنا أن نتدخل في العالم، ومن ناحية أخرى، يُظهر وجهة النظر القائلة بأنه” إذا كنا نحمي بعض البلدان، فيجب أن نمتلكها“. وهذا يذكرنا بسياسات القوة الاستعمارية القديمة التي شهدناها في القرن العشرين. كما أن عدد القضايا التي يدّعي ترامب حمايتها وامتلاكها مرتفع أيضًا: كندا وغرينلاند وقناة بنما، وقناة السويس وغزة وأوكرانيا. في أوائل عام 2025، أدلى دونالد ترامب بتصريحات استفزازية ألمح فيها إلى ضم كندا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. وادعى ترامب، مازحًا، أن الحدود بين البلدين مصطنعة، وأن كندا ستكون «في وضع أفضل» اقتصاديًا وعسكريًا إذا أصبحت الولاية الأمريكية الحادية والخمسين. وقال: «كندا عمليًا هي بالفعل جزء منا. فلماذا لا نجعل ذلك رسميًا؟» وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل شديدة من الأحزاب السياسية الكندية، التي رفضتها بشدة. واتهمت هذه الأحزاب ترامب بأنه يعيش حنينًا استعماريًا ويتجاهل آراء الشعب الكندي. وساهمت تصريحات ترامب في تصاعد الخطاب القومي خلال الانتخابات الكندية، مما ساعد الحزب الليبرالي على الفوز مرة أخرى. بعد أن حاول ترامب إجبار كندا على الاتحاد مع الولايات المتحدة، يسعى الآن لشراء جزيرة غرينلاند، التابعة للأراضي الدنماركية، وضمها إلى الأراضي الأمريكية. ورغم أن هذا العرض يبدو مفاجئًا، فإن الولايات المتحدة سبق أن اشترت أراضي من دول أخرى، مثل لويزيانا من فرنسا، وفلوريدا من إسبانيا، وألاسكا من روسيا. للولايات المتحدة مصالح استراتيجية في غرينلاند، خصوصًا لموقعها في منطقة القطب الشمالي، الذي يكتسب أهمية في مجالي التجارة والدفاع (إذ يقع فيها قاعدة «ثول» الجوية الأمريكية). وتزخر الجزيرة باليورانيوم، والنفط، والغاز، والذهب، والعناصر الأرضية النادرة. وقد وصفت الدنمارك هذا الاقتراح بأنه «سخيف» ورفضته، بل وتم إلغاء الزيارة الرسمية التي كان من المقرر أن يقوم بها ترامب إلى الدنمارك. ومع ذلك، تظل غرينلاند تحافظ على أهميتها في سياق المنافسة العالمية، ولا تزال على طاولة ترامب. بينما يسعى ترامب إلى تعزيز نفوذ بلاده في التجارة العالمية ووقف صعود الصين، بدأ يطالب بحقوق في قناتي بنما والسويس. فقد ادعى أن قناة بنما قد بُنيت في الأصل من قبل الولايات المتحدة، وأن تسليمها إلى بنما عام 1999 كان خطأً يجب تصحيحه عبر «استعادتها». كما انتقد الرسوم الحالية التي تُفرض على السفن الأمريكية، واعتبر أنها تمنح الصين ميزة غير عادلة. وقد رفضت حكومة بنما هذه الادعاءات، مشددة على سيادتها الكاملة على القناة، ومؤكدة أن القناة تُدار بشكل مستقل وعادل. وأضافت: «نحن من نحمي كلتا القناتين، وبالتالي فإن فكرة الاستخدام المجاني غير صحيحة .“ رغم أن الولايات المتحدة لم تساهم في بناء أو حماية قناة السويس، صرّح ترامب بضرورة عبور السفن العسكرية والتجارية الأمريكية من قناة السويس، الممر المائي العالمي المهم، بشكل مجاني. وطلب من وزير الخارجية، ماركو روبيو، إجراء تحرّكات دبلوماسية بهذا الشأن. وقد رفضت الحكومة المصرية هذا الطلب، مؤكدة أن جميع السفن تُفرض عليها رسوم عبور بالتساوي، ضمن إطار الاتفاقيات الدولية. وقد أعادت تصريحات ترامب هذه إلى الأذهان فترة الاستعمار التي ساهمت في احتلال مصر وانهيار الدولة العثمانية. فبعد احتلال بريطانيا لمصر، تقرر تفكيك الوحدة العثمانية، وظلت بريطانيا تسيطر على قناة السويس حتى عام 1956. أما في غزة، فرغم عدم امتلاك ترامب لأي حق قانوني أو تاريخي، فقد صرّح بنيّته «تمليك» غزة بعد إفراغ سكانها. وعلى عكس مزاعمه الأخرى، فإنه في هذه الحالة لا يريد حماية غزة، بل يدعم إبادة إسرائيل لسكانها ليستولي عليها دون مقاومة. وفي أوكرانيا، تبنّى ترامب منطقًا مشابهًا، مدّعيًا أن الولايات المتحدة أنفقت أموالًا كثيرة لحماية أوكرانيا، لذا يجب أن تؤول نصف ثرواتها لأمريكا. ومع ذلك، لم يقدّم أي ضمانات أمنية لأوكرانيا، بل ضغط لتسليم شبه جزيرة القرم، وهي أرض أوكرانية، لروسيا وكأنها ملكه، ولا تزال المفاوضات حولها مستمرة. وهكذا، يكشف ترامب عن عقلية استعمارية مغلّفة بثوب المصالح، يتعامل مع الدول والشعوب كسلع في مزاد نفوذه، غير عابئ بالسيادة، ولا بالتاريخ، ولا بحق الشعوب في تقرير مصيرها، فهو يسعى للتحكم مع المواقع الاستراتيجية حول العالم وكأنها ممتلكات شخصية، يسعى لامتلاكها أو فرض وصايته عليها، سواء كانت حقًا له أم لا.
762
| 30 أبريل 2025
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1710
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...
1428
| 16 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
834
| 13 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
708
| 15 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
681
| 14 يناير 2026
لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...
663
| 16 يناير 2026
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...
639
| 15 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
621
| 12 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...
573
| 15 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
570
| 12 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
558
| 14 يناير 2026
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...
528
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية