رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ عهد آدم عليه السلام، والبشر في حركة دائمة. فعندما كانوا يعيشون كقبائل صيادين وجامعي ثمار، كانوا في تنقل مستمر. ومع الانتقال إلى الزراعة، بدأت بعض المجتمعات مثل مصر القديمة والصين بالاستقرار، ورغم أن الحركة قلت جزئيًا، إلا أن تلك المجتمعات لم تسلم من الحروب والغزوات. وعلى مر التاريخ، استمرت حركة البشر (الهجرة) لأسباب متعددة مثل الحروب، والجفاف، والظروف الاقتصادية، والمعتقدات الدينية. وقد بدأت الهجرة الكبرى للإنسانية من إفريقيا، واستمرت على شكل موجات في فترات مختلفة. كما أن غزو القبائل القادمة من الشرق لأوروبا، ومن بعدهم المغول، أدى إلى حركات سكانية واسعة. ظهور الإسلام وامتداد الفتوحات الإسلامية أدّى إلى موجات هجرة نحو الشرق والغرب.
وفي القرون الأخيرة، كان للاستعمار الأوروبي، والحروب، والاحتلالات، والأزمات العنيفة والفقر دور كبير في نشوء حركات هجرة جديدة. وفي القرن العشرين، أسهم انهيار الإمبراطوريات، واحتلال فلسطين، وانقسام ألمانيا والهند، في إجبار ملايين البشر على الهجرة القسرية. أما في الفترات الأخيرة، فإن استمرار الأزمات الاقتصادية والسياسية في إفريقيا والعالم الإسلامي ساهم في استمرار موجات الهجرة أخرى مثل الصومال، وسوريا، والسودان أدّت إلى هجرات غير شرعية بالملايين.
تُصنّف الهجرة من حيث النطاق المكاني إلى داخلية وخارجية (دولية)، ومن حيث الوضع القانوني إلى شرعية وغير شرعية، كما تُقسم من حيث الدافع إلى طوعية وقسرية، ومن حيث المدة إلى مؤقتة ودائمة. وتتعدد الأسباب التي تدفع إلى الهجرة داخل الدولة الواحدة أو خارجها، وتشمل عوامل اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وبيئية. من بين الأسباب الاقتصادية، الفقر، والبطالة، وانخفاض مستويات الأجور. كما استخدام الآلات في الزراعة ورغبة إلى الرفاهية يُعدان من العوامل الأساسية التي تدفع سكان الريف إلى الهجرة نحو المدن.
تُعدّ الحروب، وانعدام الاستقرار، والقمع، والتمييز من العوامل السياسية وفي الجانب الاجتماعي، فإن ضعف خدمات التعليم والصحة، إضافة إلى التهميش والصراعات العرقية والثقافية، تُعد من الأسباب التي تدفع الأفراد إلى مغادرة أوطانهم. كما تساهم الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل والفيضانات، والتصحر، ونضوب الموارد الطبيعية، في تسريع وتيرة الهجرة. على سبيل المثال، الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا في عام 2023 أثّر بشكل مباشر على حياة 14 مليون شخص، وتسبب في أزمة سكن حادة في العديد من المدن التركية. وقد دفعت هذه الأوضاع آلاف الأُسر التركية المقيمة إلى جلب أقاربهم وأطفالهم المتضررين من الزلزال إلى قطر.
هناك عوامل تجذب المهاجرين إلى الجهات المعينة في الداخل أو خارج البلد، مثل توفر فرص عمل أفضل، ورواتب أعلى، وبيئة أكثر أمانًا ورفاهية، إلى جانب فرص تعليمية متميزة للأطفال، وأوضاع سياسية أكثر حرية واستقرارًا. كما تلعب عوامل مثل لمّ شمل الأسرة، والمناخ الملائم، وتوفر الموارد الطبيعية دورًا مهمًا في استقطاب الناس نحو تلك المناطق. وتُعتبر قطر من الدول التي تتميز بعوامل جذب قوية، بفضل استقرارها الاقتصادي والاجتماعي وفرصها الواعدة. أما تركيا، فقد أصبحت اليوم محطة عبور ووجهة نهائية في آن واحد.
تشكل هجرة الأشخاص داخل الوطن وخارجه تأثيرات كبيرة ومتعددة. يعاني القادمون من المناطق الريفية إلى المدن من صعوبات في التكيف، بالإضافة إلى زيادة الطلب على الخدمات الاجتماعية. يؤثر المهاجرون في الأماكن التي ينتقلون إليها ويتأثرون بظروفها. أما هجرة الكفاءات أو هجرة العقول فتقلل من فرص التنمية في بلدانهم الأصلية. من جهة أخرى، تشكل الأموال التي يرسلها العمال المهاجرون إلى عائلاتهم في بلدانهم، مثل الهند ومصر، مبالغ ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات، مما يساهم بشكل كبير في دعم اقتصاد هذه الدول.
تُسبب ظاهرة الهجرة توترات بين المهاجرين والسكان المحليين، حيث استغلت بعض الأحزاب السياسية في الغرب هذه القضية لتعزيز خطاب معادٍ للمهاجرين، مما جعلها محورًا للنقاشات حول الهوية والسياسة، مؤثرا على نتائج الانتخابات في الولايات المتحدة وهولندا وإيطاليا، كما حققت الأحزاب اليمينية نجاحات بارزة في انتخابات السويد وفنلندا وألمانيا. يكمن الحل في بناء نظم عادلة على المستويين العالمي والإقليمي للحد من الهجرة، إلى جانب التعامل مع قضايا اللاجئين والمهاجرين بمنهج إنساني رحيم وأسلوب إسلامي يرتكز على العدل. وفيما يتعلق بموجات الهجرة المتزايدة من أفريقيا، فلا بد من تبني رؤية واستراتيجيات جديدة وشاملة تضمن التنمية المحلية. وفي المقال القادم، سنسلط الضوء على ظاهرة الهجرة غير الشرعية، التي تمثل تحديًا أكبر وأكثر تعقيدًا
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
1503
| 28 يناير 2026
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم يجد أنه مسارٌ مرنٌ ومنضبطٌ في آنٍ معًا؛ مرنٌ من حيث قدرته على التناغم مع المنظومة الدولية القائمة والمفروضة، ومنضبطٌ من حيث حفاظه على أهدافه العليا في استقرار المنطقة. ومن هنا تنبثق جملةٌ من التساؤلات الضرورية: ما موقع دول المحور اليوم؟ وما موقفها مما يجري في المنطقة من حولها؟ وهل ثمة تأثيرات سلبية للمليشيات العسكرية في دول الجوار على طموحاتها ورؤيتها ونهضتها الاستثمارية؟ وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع دول المحور تجاه ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يتصل بتمويل الجماعات الانفصالية المسلحة وتقويض أمن اليمن والسودان؟ وفي تقديري أن هذه القضايا جميعها مطروحة على طاولة الاجتماعات السياسية والاقتصادية، عبر لجان التنسيق المشترك التي عقدتها السعودية مؤخرًا مع قطر وتركيا. ومما لا ريب فيه أن تثبيت السعودية وقطر وسلطنة عُمان لدعائم البيت الخليجي، وتحصين هويته التنموية وأهدافه الجيوسياسية من التصدّع، لا يعني بالضرورة استتباب الأمن والاستقرار الكامل، إذ لا يمكن لهذه الدول أن تنعم بالاستقرار وتحقق طموحاتها التنموية بمعزل عن محيطها الساخن، ولا سيما في البلدان العربية. ولا شك أن السعودية تُدرك هذه الحقيقة سلفًا؛ فالاستقرار لا يتجزأ، بمعنى أن استقرار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار البلدان المجاورة، أي عبر الاستقرار الإقليمي، ومن ثم العالمي. وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي فرضها القطاع الاستثماري الواعد الجديد على المملكة، وما شكّله من ضغطٍ على إمكاناتها المتاحة، فإنها تراقب عن كثب عدة ملفات ساخنة في آنٍ واحد، بل تؤدي دورًا مؤثرًا في اتفاقيات التهدئة. فهي فاعلٌ ومتفاعلٌ في الوقت نفسه؛ فاعلٌ إيجابي عبر أدوار الوساطة والتنسيق وجمع الأطراف المتناقضة على طاولة المفاوضات، ومتفاعلٌ من خلال مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات المباغتة، خاصة في ما يتصل بالملف اليمني، فضلًا عن مرونتها في التعاطي الدبلوماسي مع الخصوم. إن رياح التغيير السعودية لا تصطدم برياح التغيير الإقليمية أو العالمية، بل تتفاعل معها إيجابيًا، وتتحاشى انعكاساتها السلبية، وهي نقطة تُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، خلافًا لما يراه بعض المراقبين من أنها تحاول التنصّل من القضايا ذات الشأن. فهذه النظرة قاصرة؛ إذ إن المملكة العربية السعودية، وإن تأثرت بسخونة الملفات المحيطة بها، فإن رؤيتها وطموحاتها الواعدة لا تزال قائمة وتسير بثبات، لما تتسم به من مرونة تسمح بالتعامل مع الملفات بصيغ متعددة، واستبدال أدوات السياسة وفق ما يطرأ من متغيرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
705
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
687
| 25 يناير 2026