رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حرب يجب ألا تخوضها!

ليس أمرّ على الإنسان من أن يعيش حياته وكأنها حرب يخوضها بملء التأهب للكر والفر، وسباق على الموارد والقمم، وصعود لجبال لا يعلم مدى ارتفاعها. صراع لا يفتر بين جنبيه، فهو في خضم التهيؤ والتجهز دائماً، على ساحات نفسه مع نفسه حيناً، فيغرقها باللوم والتبكيت، والتخويف والقلق، وبالإغفال عما بين يديه من الآلاء، وما يرفل به من النعم. عينه على مستقبل قادم مخيف، يعد له العدة، ويترصد به الدوائر، أو هدف ممتع منيف يظن أن بتحقيقه قد وصل إلى قمته الواهمة. فما تلبث أن تلتقط روحه أنفاسها حتى يضعها في تحدٍ جديد، أو مرمى بعيد. أو أنه -من ناحيةٍ أخرى- قد انشغل بخارجه، فهو في صراع دائم مع غيره، وتنافس على النتائج، وتكالب على المكاسب، ونزاع لا يفتر لإثبات الذات، وتطاول في بنيان الأنا. يقضي جُل حياته في حرب لا تضع أوزارها إلا بهلاكه وموته معنوياً أو جسدياً. ويغفل في خضم ذاك المعترك الجارف أن يستكن، أو يُريح باله بسلام قد هُجر طوعاً، لأنه ببساطة غفل أن الحياة ليست لعبة مصارعة، ولا ساحات للإثبات، والتغير فيها سُنة. فلا يثق المرء فيها لحال لا يتقلب، أو نعمة لا تزول، أو أحباب لا يغيبون. لا ضمان على ما يرفل به الإنسان في ساعته من النعم، فلا أولى من أن يوفر هواجسه وخوفه، ويصرف جهده وكده في التسليم لا الاستسلام، وفي نعيم السلم لا زهوة القتال، راحة منبعها (الإبطاء) في الرحلة للتنعم بمحطاتها، وشكر المنعم على آلائه بملاحظتها والعمل بها، وبالتمتع بما وهب من الصحة والأحباب وهدوء الأيام. • لحظة إدراك: هوّن عليك، فلم تُخلق لتترك نفسك ساحات للحروب، ومواقع للسجالات، ولم تُسخّر لك الدنيا إلا لتُعمرها لا لتنشغل بالتطاول فيها، والتكالب عليها، لأنه لا يوجد ما يجب أن تثبته لأي أحد، فمالك من دنياك سوى سعيك الواثق، وقلبك المطمئن، والاتكال الحق على من دبر في الحياة أسبابها، وقدّر هو من فضله نتائجها، وتتيقن مع ذلك كله أنه مقدّر لك منذ الأزل، محفوظ في لوح مكتوب لن تناله بمناطحتك، ولن تؤتاه على علم عندك.

1440

| 27 أغسطس 2024

فوائض تقلب الميزان !

لعل من قوانين الحياة العادلة التي قد يعيها المرء علماً، ولكنه لابد له من فهمها بالتجربة والممارسة، هي أن الاتزان فيها أساس، وأن الميزان فيها مضبوط أدرك ذلك أو لم يُدركه ! وأن ما نجده في الحياة من الشرور والآثام نجد مقابله من الخير ما تُرجح معه الكفة، وأنه مهما بدا لك في الحياة من سوءات، ومما قد تعده من الغوامض مجهولة العلل، فإنها لا شك تحت عين الله وحكمته، ولها دورها في خلق ذاك الاتزان الذي قد لا يتبدّى لك لأنك لا تملك العلم الكامل لتدابير الله. ولكن من المهم أن ينعش الإنسان نفسه بالأمل فيما هو بين يديه، وتحت نطاق إرادته، فيسعى أن يكون متزناً في فكره وشعوره، وفي سلوكه وردات فعله، وفي اختياراته ومسار حياته، اتزاناً يليق بطبعه، وبقدرته على العمل والسعي، فلا توجد مثالية أو صورة سابغة النموذجية يمكن أن تكون لك مرشداً ودليلاً! ولا يكون ذلك - في ظني - إلا إن اعتدل المرء في ذات نفسه، فهو على نفسه بصيرة، فيقلل من فوائض الانتباه، وفواضل الاهتمام، وزوائد الإغراق في التفكير، والإفراط في التحليل، والغلو في الشعور حباً وبغضاً، والإمعان في الأفعال على وتيرةٍ واحدة وإن طابت، وإدمان دوائر الراحة في الفكر والمسلك والشعور. وما ذلك إلا لأن مآل ذلك على المدى البعيد إلى الإخلال في الميزان، وإقلاق النفس والفكر والشعور بما يشذ عن الحال المتزن، فلا يغدو بعد ذلك إلا أن يكون في مهب ريح الإفراط أو التفريط، وما لذلك من العواقب عليه وعلى من حوله عاجلاً أو آجلاً! * لحظة إدراك: قد وضع العدل سبحانه الميزان لمن شاء أن يستقيم، وليس ذلك في ظواهر الأمور فقط، بل في بواطنها، وليست تقتصر على ذاتها فحسب بل على دورها كجزء من كل، فإن أدرك الإنسان ذلك وعمل به، اعتدل ميزانه وأدرك أن ما يجري عليه من المقادير عدل خالص وإن لم يصل إليها وعيه، وأن الخير دائماً في تدابير الله علمها أم لم يعلمها، وفي ذلك ذاته ما يحفظ على المرء سعادة خاطره، واطمئنان قلبه.

621

| 20 أغسطس 2024

هل تبيّنت منهجك ؟

يتقلّب المرء في أمواج هذه الحياة ما بين مدٍّ وجزر، وارتفاعٍ وانخفاض، وتحليق وهبوط، وهذا هو ديدن الحياة وطبيعتها، فهي لا تظل على حالٍ واحد، أو هيئةٍ ثابتة. وما أن يفهم الإنسان تلك الحقيقة، ويعيها فعلاً من أعماقه إدراكاً من واقع تجربته، ومن عميق تأمله في صروف الدهر، وأحوال الأنام من حوله، حتى ينتقل إلى التعامل الحكيم مع الحياة، فيركب أمواجها باحترافٍ يقيه من السقوط أو الغرق، ويتراقص مع ألحانها صعوداً وهبوطاً مستمتعاً بكل ما تحويه، وقادراً على التلوّن معها كيفما كانت. لذا، فلعله من الأجدر أن يكون للإنسان منهج للتعامل مع صروفها وأوضاعها، وأن يتمكّن من التعامل الماهر الواعي مع أحوالها. ولا يكون ذلك إلا إن عرف كيف يتعامل مع إقبالها وإدبارها، فيغتنم رياحها إذا هبّت، ويقتنص فرصها إذا أقبلت، ويزيد من التمتع بنعمها إن انهالت، فيعمل شاكراً، وتقرّ عينه حمداً، ويمتلئ قلبه غبطةً وسروراً، ويسأل الله المزيد من فضله. وفي حال إدبارها، وانصراف أحوالها، وحلول نوازلها، فلا ألزم له من التمسك بحبل الله المتين، ليطمئن قلبه تسليماً وثقة بتدبير مولاه، ويعيد النظر في أحواله، وتقييم نيته ومسعاه، ويستعيذ بالله مما يخاف ويحذر، فما للشدائد من مهرب إلا بالوقوف والثبات بقوة الله، وما للعسر من تحوّل إلا بحوله. حينها يُدرك المرء حقاً ما للتواضع من معنى، فلا تأخذه العزة بالإثم، ولا يغفل عن شكر آلاء ربه، لأنه يعلم حقاً مدى ضعفه، ويدرك في المقابل حاجته وقت هوانه. • لحظة إدراك: من الجليل أن يعيد المرء النظر في تقييم ليس فقط ما ينوي ويبذل من السعي والعمل، وإنما كذلك يطيل التأمل في منهجه في التعاطي مع الحياة، وردود أفعاله تجاه ما تجابهه به من الصروف والتقلبات، حتى يكون على بيّنة من نفسه، وعلى وعيٍ سابق بما سيبذله في كل ظرف، فلا يطول اغتراره بنفسه أو بإقبال الحياة عليه، ولا يفقد الأمل ويضعف حين انصرافها عنه. كما قال سبحانه: ( لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)

1017

| 13 أغسطس 2024

اعتزل ما يؤذيك !

لعل من أكثر الحكم والنصائح التي تتردد على مسامعنا كثيراً هي التوصية القيّمة باعتزال ما يؤذيك، فما أشقّ على المرء من الإقامة في مقامٍ مؤذٍ، سواءً كان علاقة بأشخاص، أو وضعاً مزعجاً يربك الذات، أو شعوراً مُوجعاً يزيد البأس، أو عملاً يُضر الجسد أو يُهلك الروح. وهذه من أبسط حقوق الأنام على أنفسهم قبل أي أحد، فصيانة النفس من الأذى واجبة، ومن أولى الأولويات التي تحفظ للمرء سلامه الداخلي وراحة باله. ولكن من المهم قبل أن يتخذ المرء قراره ذاك بالاعتزال أن يتأكد من نوع الأذى الذي يلحقه، ودرجته، وما يترتب عليه، فماذا لو كان اعتزال ما يؤذيك يؤذيك أصلاً؟ أو يُسبب لك ضرراً أكبر مما اعتزلته؟ لذا فإن من الحكمة إدراك أن نصيحةً مثل تلك لا تؤخذ على علاتها، ولا تستخدم كوازع للهروب، أو مبرر لترك المسؤولية، أو مُسوّغ للبلادة الحسيّة، أو دافع للاستسلام السريع أمام أول التحدّيات، أو التحرر السريع من الأذى الظاهر دون حساب عواقبه من المُلمات الأكثر تأثيراً على الباطن أو التخلّص من التعسّف على المدى القريب دون اعتبار الضرر المترتب على المدى البعيد. فليس كل الأذى ضررا يتطلّب الاعتزال، فمنه ما يُحل بقوة الاقتحام، وبشكيمة الاشتباك، وبشجاعة الخوض، ووضوح التعاطي معه حتى ينتهي أو يتضاءل. وليس كل أذى هو أذى حقيقي، فقد تُشكّل بعض التحديات التي تحمل في بواطنها الخير العميم، والفتح الجليل أذى يزول بالاصطبار، والتحمّل، والجلد، والصبر الجميل، فلا يغدو بعدها الأمر إلا فتحاً مبيناً، وعوضاً كبيراً يُنسي صاحبه ما قاساه في سبيله من الأذى. لحظة إدراك: ليست الوصايا بظاهرها فقط، فلكل وصيّة سياق ومقام، ومعنى يليق بها، وتنفع من خلاله، ومفهوم تُعرّف به، فلا يجوز مثلاً أن نقول للطالب المجد أن يعتزل ما يؤذيه من الإقبال على التعلّم، وليس من اللائق أن نقول للأم الرؤوم أن تعتزل ما قد تعدّه هي أذى تصادفه في رحلة تربيتها لأبنائها، وليس من العدل أن نقول للقائم بالإنفاق على أسرته أن يهجر مصدر دخله الوحيد لأذى يجده فيه دون إيجاده لمصدرٍ بديل!

1287

| 06 أغسطس 2024

سافر !

ليس السفر سوى أحد معاني الانتقال، والتحوّل من حالٍ إلى حال، والإسفار عن الطبائع والأمزجة، والاكتشاف للرغبات والأهواء، وليس ذلك بقاصرٍ بالطبع على سفر الأجساد، والانتقال بين الأمكنة، وإنما السفر الحق هو ذاك الذي يهاجر بك إلى بواطنك ويتنقل بك إلى ساحات التأمل والتفكر، ويُسفر لك من نفسك قبل أي أحد عن جوانب لم ترها من قبل، ويكشف لك من العوالم داخل ذاتك ما لم تلتقِ به قط، ويتناهى بك من حالٍ إلى حال في جوانب وجدانك، ويرتحل بك من محدودية الفكر إلى براح التفّكر، ومن ضيق زاوية النظر إلى سعة التقبّل، فتستحث في نفسك المرونة، ولياقة السماحة مع ذاتك ومع الآخرين، وتتكشّف لك انعكاسات طبائعك مع من حولك، وطرائقك في التعامل مع ما يحيط بك فلا تعود إلا وقد انشرح خاطرك، وتواضعت أناك، وتعمّق فكرك، وتبسّط خلُقك، واتسع إناؤك ليفيض رحابة وسعة. ومن جهةٍ ثانية فإن السفر إحدى الوسائل التي تُشهدك على غيرك، فالناس يعرفون بعضهم حق المعرفة أثناء هذه التجارب، فما السفر سوى إسفار عن طبائع الناس وأخلاقهم وأمزجتهم، ومدى خيريتهم وإشراق النور فيهم، وليس بالضرورة أن يكون ذلك كله لشرور ذواتهم، وإنما قد يعود لاختلاف أمزجتهم عن مزاجك، وتباين طبائعهم عن طبعك، وعدم توافقهم فيما أنت عليه من المسلك، فلا يعدو السفر حينئذٍ سوى تجربة غنيّة تضيفها إلى تجاربك، وخبرة ثرّية تزيد من عمق نظرتك لنفسك وللأنام من حولك. فإن لم يكن لك نصيب من ذلك كله فلن تنال من سفرك سوى انتقال الأجساد، ومتعة مؤقتة للحواس، ووعثاء التنّقل، ونَصبْ التجوال. *لحظة إدراك: ليس السفر الحق سوى إدراك للذات، وتهذيب للنفس، ورحابة للتجربة، وعمق للخبرة، وتوثيق للأواصر، وحسن انتقاء للصحبة، وطيب اجتباء للأقرب. وكما قيل: سافرْ ففي الأسفار خمسُ فوائد تَفَــرُّج هـمٍّ واكتساب مــعيشـة وعلـم وآداب وصحبة ماجـد

879

| 30 يوليو 2024

فن الحياة الطيّبة

من أجّل الإدراكات التي تُعين المرء على رفع جودة حياته، والتعامل معها بواقعيّة حقّة، أن يفطن أن الحياة الطيّبة لا تعني نقاءها من المنغصات، وسلامتها من الكدر، وبراءتها من التحولاّت والمنعطفات التي قد لا تسرّك في كل حين، ولا تدل كذلك أنها ستسير لصالحك أبداً،ذلك لأن الحياة في ذاتها متقلبة الأحوال، وأصل العيش فيها هو الانغماس في تجاربها، وعيش تفاصيلها، والتعامل مع تحدياتها، فلا تجعل فرحها يغّرك، ولا تترك مصابها يقهرك! الحياة الطّيبة هي رديفة الانغماس في اللحظة، والسماح للأمل بالإشراق، وحُسن إدارة الشعور مهما بلغت حدّته، والاتزان في طلب مايمكنها أن تمنحها لك، دون طول أمل أو يأس مقيت! الحياة الطيّبة هي في فن صنع الذكريات بعيش الحاضر بأفضل طريقة ممكنة، والعمل الصالح مهما دق، والإحسان قدر الاستطاعة، والتلذذ بالمتاح، والعمل وفق الممكن، والشكر على الموجود، وقصر العين للمفقود. وليس المعنى من ذلك انعدام الطموح، أو قصر النظر على الموجود، ولكن المقصد أن لا يعيش المرء حياته بكدر ينغص حياته من دوام تسخطه، واستمرار جوعه للمزيد، دون شكر أو حمد، والمعنى أن يسعى المرء في حياته لطلب الفضل والفيض من باب الزيادة والتوسع، لا من باب التسخط والطمع. الحياة الطيبة ليست سحراً، بل نتيجة أعمالك الصالحة في سعيك بتهذيب نفسك، والارتقاء بذائقتك، وزيادة بصيرتك، وتقدير المتوفر، والعمل شكراً، والصبر احتساباً، والفرح حمداً. ولولا ذلك كله لما كان للحياة طيبها، فما زكاوتها وجمالها إلا اختيار متاح لنا نأخذه بملء الإرادة، وجاد السعي، واجتهاد النَصب الذي يمنح الحياة طعمها المستساغ، وفسحة الأمل التي لولاها لضاق العيش، وما شرورها إلا انتقاء منا للنظر لنواقصها، واختيار لنا للتفاعل مع ما لا يسرنا. *لحظة إدراك: من الشجاعة أن يُقدم المرء على الحياة مختاراً ساعياً باذلاً، لأنه يُدرك أن طيب الحياة لا يُمنح له على طبقٍ من ذهب، وإنما بقدر سعيه، ووضوح نيته، وصلاح عمله والدربة على اختيار ما يلائم توجهه في تحسين جودة حياته، وبالاستمرار في ذلك حتى يحصد نتيجة ذلك راحة باله، وأُنس خاطره، وشراحة نفسه، وتهذيب فعله، وصدق في اتصاله بربه مدبر أمره.

921

| 23 يوليو 2024

شاكرون لأنعمِهِ

في ظني أنه لا يوجد (شكرٌ) حقيقي دون أن يكون قولاً وشعوراً وفعلاً. ولكنه كأي شيء في هذا الوجود له جانب جلّي وآخر مستتر، روح وجسد، نية وعمل، فللشكر ظاهر وباطن، فأما ظاهره فهو القول والعمل، وأما باطنه فهو الاستشعار بالقلب. وقد يتدرّج الشكر في إشراق ظهوره، فيتجلّى تدريجياً حتى يتحد بيّنه مع خفيّه، ولكنه حتماً لا يكتمل سطوعه إلا باتحاد القول والعمل والشعور. فقد يتسامى المرء من الظاهر للباطن، فيعتاد الشكر، والدُربة على الملاحظة، ويتعمّد العمل والمسلك شكراً، حتى يستيقظ قلبه فيلحظ تعاظم الشكر في طويَّته. وقد يكون العكس، فيكون شاكراً بقلبه، مستشعراً آلاء ربه، فلا يلبث أن يشرق ما في قلبه على جوارحه، فيعمل شاكراً كما أُمر آل داود من قبل (اعملوا آل داود شكراً). وخلاصة الأمر أنه لا يوجد شكر من غير جسد وروح. وهذا - في ظني - مدار الشكر وقوامه، أما التفصيل ورسم الحدود بين الظاهر والباطن فلكل منها مفهوم آخر دال عليه. من جهةٍ أخرى، فهناك ارتقاءات العروج في (مقامات الشكر) فللشكر مراتب قد يكون أولها الشكر على النعم، ولكنها لا تلبث أن ترقى فتكون شكراً على كل أمرٍ، والحمد على أي حال، في حين التلذّذ بالنعم، وحين اختفائها، لأنه يتحوّل لشكر المُنعم نفسه على ما تفضل به، فلا يعود للنقمة والأسى عليك من سبيل. ومن هنا فإن الإحاطة بمعاني الشكر ودلالاته أدنى للتمثل به على بيّنة، وأقرب إلى طلبه والحث عليه، حتى يدخل المرء دوامته المتعاظمة، فمن يدوم الشكر لن يُحرم الزيادة. لحظة إدراك: ليس الشكر سوى سبيل الأوابين، المؤمنين بتعاظم الخير، المطمئنين الذين يرون النور في أحلك المواقف، ويعيشون على بيّنةٍ من ربهم، نواياهم حاضرة، وأعمالهم خالصة، ووجهتهم ساطعة، لم تتقطع بهم السبل، يعظمون القليل، ويشكرون الحال على أي هيئةٍ كان، فلا يكون مآلهم إلا الرضا والزيادة.

621

| 16 يوليو 2024

في فقه البدايات

غالباً ما يكتشف المرء أن البدايات من كل شيء تقريباً لها طعمٌ آخر، تحمل لذة الاستكشاف، والتطّلع لما هو مخبوء، والأمل بالجميل، مع بعض الخوف من الفشل، وقوة في الحضور والتركيز للتمكن من المهارات الأوليّة وخلق قاعدة متينة يُبنى عليها ما هو آتٍ ! فالبدايات هي النشوة في العلاقات، وهي محاولات الاكتساب والصبر على التعلّم في العمل، وهي التأسيس في التربية، وهي المقتبل في الأعمار، وهي الإشراقات الباكرة المحمّلة بطيب التوقعات في بداية كل يوم. تلك الأخلاط عندما تمتزج تصنع نكهتها الخاصة، لأنها ممزوجة بالنقيض من المشاعر، ولأنها الأساس المتين الذي يُبنى عليه القادم، ولأن الخطوات فيها ما زالت غير متمكنة، لذا فالحضور فيها نفساً وروحاً وجسداً في أوّج تركيزه، والصبر وطول الأمل في توقعات تُنسج، والاندفاع نحو أهدافٌ تُرمى في بالغ ذروته. ولأنها تجربة فيها من الكثير من تعزيز الذات، وبذر البذور لما هو آت، وشدّ الهمّة لتحقيق المرجو والمتوقع، وباختلاطها مع حماسة الإقبال والاستكشاف، فإن بصمتها لا تُنسى، وأثرها باقٍ لا يُمحى فيما هو قادم لأنها بمثابة البذر والتأسيس. لذا من الرشد أن يُدرك المرء صبغة البدايات، وأن يتعامل معها بالحكمة دون اغترار بطول الأمل وشاهق التوقعات، ودون غض البصر عما هو حادث في التوّ واللحظة على ساحة الحياة، حتى لا تسلبك نشوة اللحظات الآنية، ولا تغيب عنك أن تعيش كل بداية بما يليق بها من اللذة والخفة، والتدرّج دون اندفاعٍ يحرمك متعتها، أو يفسد عليك صنعتك في التأسيس لما أردت أن تَعمرّ، أو مراقبة ما يلوح لك من الأمارات الدّالة على صحة مسلكك من عدمه، فلا تنتشي إلى الحد الذي يغيّب عقلك، أو يوهمك بما ليس له أصل ومرجع. لحظة إدراك: قد يجد المرء نفسه بين موقفين متناقضين: يلوم نفسه كم كان غريراً في بداياته، يتغنّى - من وجهٍ آخر - بالبدايات، ويتوق للبواكير، ولكنه قد يغفل أن تلك الاستهلالات هي فاتحة لسلسلة تجارب عمرّت بنيانه على مهل، وأن مذاقها لا يشبه أي مذاقٍ آخر، فهو تائه بين لذة الشعور وندرة الحصافة، ولا حل لذاك التناقض إلا بإدراكه من خلال التجارب، فيوّطن الإنسان نفسه أن يستمتع بغرّة الأشياء دون اندفاع يغيّب عنه الحكمة والتعقّل.

1260

| 09 يوليو 2024

نعيم الجاهل شقاء العاقل

ليس التعقل سوى صيانة المرء لهبة الله الغالية له من (العقل)، فهو في جهد مستمر، ومران متصل للارتقاء بهذه الهدية الثمينة التي تترتب عليها التكليفات الإلهية، والتأملات في الكون، والتدبر في مخلوقات الله وقوانينه المُسيّرة للحياة والناس، وتعين المرء على الحكمة والرشد في مسيرته الدنيوية. ومن استطاع أن يهذب قدراته، ويرتقي بتفكيره، بدوام التدبر والتأمل فقد حاز عقلاً ومنطقاً، وقوة حجة، واتزانا في المسلك، وانعكس ذلك على نفسه، باتزان الشعور، وحسن الظن في الأمور. ولعل أهم ما يُمكن المرء من الارتقاء بقدراته العقلية، وعملياته الفكرية التحليلية، هو أن يتدرب على التعامل مع الأطياف، وأن يضع الأمر موضعه، في سياقه الزمكاني المناسب، دون إطلاق للأحكام، أو حدة في التصنيف والإقصاء. فليس التيقن من كل أمر سوى مذهب الجاهل، الذي يجد لكل سؤال إجابة واحدة، ولكل حالة وضعا واحدا، الحياة لديه يقين كامل غير قابل للاستكشاف. قد أراح عقله من هم التفكير، وقياس الحال والمقال. لا يرى في دنياه سوى الأبيض والأسود، يدركها ببصره المحدود من زاويته المحصورة.. لا يستطيع أن يرى أبعد مما تم تلقينه، أو أدركه هو فقط من تجربته الخاصة، بقدراته العقلية الأولية البسيطة التي تنحو نحو التصنيف والعنونة، تحدي العاقل معه كبير، وصبر الحكيم عليه من المآثر المحمودة. فالحكيم العاقل يرى من تدرجات الألوان والمقامات، واختلاف صروف المراتب والهيئات والدلالات، ما يمكنّه أن يدرك العمق السحيق الذي لا يقوى على سبره جاهل. قد علم أن لكل مقام مقالا، ولكل قاعدة استثناء، وأنه ما يصح في سياق معين على هيئة مخصوصة، قد لا يصيب في سياق آخر، وأن ما يليق في زمن معين قد لا يناسب زمنا آخر، وأن لكل أمر اعتباراته. فلا يجازف بإطلاق الأحكام، وتصنيف الأوضاع والناس، لأنه يدرك جيداً أن الحياة ذات تدرجات تفوق الظاهر المدرك، وأنها تحتاج من الحكمة والحصافة ما قد يصعب على الجاهل حتى استيعابه، فتتحول مع الوقت جهالته إلى حماقة تُعيي من يداويها، إن أصر على الاستغراق في جهله، وثبط رغبته في التعلم والتهذب، فالجهل في أصله ليس جهل المعلومة، بل هو غياب الإدراك، والحماقة هي الإصرار على الجهل، والإمعان فيه حد التفاخر، فالعقل زينة المرء، والحكمة ضالته. لحظة إدراك: لن يصل الإنسان إلى مقام الإيمان بأن تكون الحكمة ضالته، أنى وجدها فهو الأحق بها، إلا إن تعقل، ولن يتعقل وهو أخو الجهالة يترفه بجهله، يرى الحياة يسيرة بتصنيفه، وبسهولة إطلاق أحكامه، والتعامل مع القشور، فلا عجب إن وصف بالتلذذ والتنعم، كما قيل: ذو العقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلهِ وأخو الجَهالةِ في الشّقاوةِ يَنعَمُ

1410

| 02 يوليو 2024

وعي اليسر

لا تأخذ الحياة على محمل العُسر فتشق عليك، تضيق بك دروبها، وتُغلق دونك أبوابها، وتريك حالك ظلامها، فتضيق نفسك، وتنقطع بك السُّبل عن الراحة فيها والابتهاج ! فتظن أن الحياة ليست سوى شقاء مستمر، ودار عذاب متصل، وامتحان عسير صعب يضيّق الصدور، ويتيه بالنفوس أسى وحيرة ! ويغيب عن فهمك أن الحياة تحمل المتناقضات، تشرق بالنور وتخيّم بالظُّلمة، وفيها الخير والشر قرينان، والعسر واليسر طرق مترادفة متاحة، وأن الاختيار طيّع بين يديك، لك أن تعيها شرّ محض، أو عسر فج لا ينقطع، أو أن تتصل باليسر فيها، فتُبصر حكمة الباري خلف كل شر ظاهر لك، لأنك تُدرك أن الخير فيه مستتر، وتعلم أن لكل باب مغلق مفتاحا من تدبير الحكيم يفتحه لك من حيث لا تحتسب، وتؤمن أن السبل وإن شق المسير فيها فهي إلى الخير لابد أن تؤول، وتشعر بقلبك أن مع كل عسر يسرين، وأن البركات تحيطك تطوي لك الأزمان، وتُثمر لك الجهود، وتسخر لك الأسباب، فلا تلبث أن تجد أن كل شيء قد انتظم في مكانه وتوقيته لا هو بمستقدمٍ ولا مُستأخر، قد تيّسر كل صعب، وانحلت كل عُقدة، وتبدد كل تعب ! فلا تعوّل على غير مسبب الأسباب، ومدبّر الأمور، حينها تُقبل عليك الحياة بكُليتها، وتأتيك الدنيا وهي راغمة، وتُشرق عليك بأنوارها، تُفتح لك الأبواب، وتُعبّد لك السُّبل، لتعلم يقيناً أنك متى ما أدركت الحياة بوعي اليُسر تذللت لك، ومتى آمنت بحكمة العليم الحكيم أمنت وسَلمت. لحظة إدراك: عندما تعلم أن الله يريد بنا اليُسر، وييُسره لنا من حيث نعلم ولا نعلم، وأنه بحكمته سبحانه قدّر أن مع كل عسر يُسرين، تُدرك حينها يقيناً أن كل وعي يحمل الشدّة والعسرة، والقلق والخوف هو من نفسك، ومن الظلم لها أن تكون تحت رحمة الرحيم وفي ألطاف اللطيف الودود، ولكنها تؤثر عُسراً، وتُفضّل خوفاً ويأساً يمنعها من العيش في نعيم الرضا والتسليم.

624

| 25 يونيو 2024

جزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلُها

من ارتقاء المرء في خُلقه أن يُعامل الناس بالمثل، بلا زيادة ولا نقصان، فتود من يودك، وتُكرم من يكرمك، وتحفظ حقك في الرد على من يسيء الأدب معك، فتردّ عليه بما هو له أهل. وليس ذلك في رأيي من الانحدار، أو الظلم المقدوح، فبعض الأنام لا يستحق سوى رد إساءته بالمثل، ليعلم احترام الحدّ، وإكرام من يفرض وقاره، وليدرك أن احترام الآخرين ليس خياراً متاحاً، بل هو واجب مفروض. وليس المعنى من ذلك أن يتهاون المرء عن طلب الإحسان والتسامي بأخلاقه، يتخيّر أرقى المسالك، فيغض الطرف حيناً، ويعفو ويصلح وأجره على الله حيناً آخر، أو أن يتغافل لحفظ الود في موضع آخر، أو أن يرّد الإكرام مثله أضعافاً، أو يدفع بالتي هي أحسن في أوقاتٍ أخرى، أو يكظم غيظه في بعض المواقف، ولكن المقصد أن يكون ذلك في حال الإرادة والعزم، والقدرة على الفعل، والرغبة الحقّة في التسامي إحساناً من عنده، برغبةٍ أصيلة ونيةٍ واضحة بلا ضعفٍ أو خور أو تساهل. أما في غير ذلك، فإن إكرام اللئيم يجعله يتمرّد، وعدم الرد على المتطاول ظلم للنفس قبل أي أحد، ومعونة له في الاستمرار على الاستقواء عليه وعلى غيره، والتسامح مع المتمادي إعانة له على الاعتداء على سواه. كما قيل: ووضعُ الندى في موضعِ السيفِ بالعلا مُضِرٌّ كوضعِ السيف في موضع الندى لذا، فإن من الحكمة أن يتخيّر المرء مواضع الإحسان، وأن يُدرك أنها صادرة من نقاءٍ خالص، وقدرة تامة على الرد، وتقدير كامل للظرف والموقف، وأن يعي الوقت والمكان والسياق الأنسب لهذه الاختيارات التي قد يكون من الظلم البيّن منحها كل أحد ! *لحظة إدراك: ليس من فضائل الأخلاق التهاون فيما لا يجب التفريط فيه، فالحكمة هي وضع للأمر في موضعه وسياقه الأليق، ولا يكون ذلك بدوام اتخاذ السبل المتخاذلة ظناً أنها من مكارم الأخلاق، ومن فضائل الأطباع، ومن سوابغ الكرم، فالأخذ على يد الظالم محمدة، والإحسان إلى بقيّة الأنام برد ظلمه وجبروته عن أن يصلهم أذاه من شيم الكرام.

807

| 18 يونيو 2024

من ثمرات النضج

من أجلّ الإدراكات التي يعيها المرء مع تتابع تجاربه، وتراكم خبراته، وتوّسع وعيه، وزيادة نضجه أن يعي أن إدارة التوقعات (وليس طمسها) من أعظم ما يمكنه أن يقدمه لنفسه لتتزن، وحمايةً لها من تتابع الخيبات، وتكرار الخذلان. فمن البهيّ أن ينظر الإنسان لنفسه بعين الرحمة، وأن يفيض منها على من حوله، فلا يتوّقع منهم ما هو فوق طاقتهم من الشعور أو الفكر أو المسلك، أو من العطاء كيفما كان نوعه وحجمه. لأنه يدرك حتماً بوعيه وتجربته أن الناس لن يستطيعوا أن يقدموا له ما لم يستطيعوا تقديمه لأنفسهم، فلن يتوقع سلاماً مع من كانت ساحات نفسه أرضا خصبة لصراعات داخلية لا تنتهي، ولن يطلب الوفاء ممن خان ذاته وخذلها قبل أي أحد، ولن يطلب الاحترام والتقدير ممن لا يقدر ذاته ولا يحترمها!. وليس المقصد من ذلك أن تحكم على الآخرين أو نقلل من قيمتهم، ولكن المعنى هو أن تُدير توقعاتك منهم حتى تحفظ قلبك من الخذلان، وتحمي روحك من الخيبة. وتعرف أن جهدك الأجلّ الأثمن تستثمره بدلاً من ذلك في ارتقائك ونموّك، وسمو خصالك، وتنامي رحمتك، وتحسين صلابتك الداخلية، وإشباع ما نقص لديك من احتياج، وتطوير مرونتك النفسية بالتعامل مع أنواعٍ شتى من البشر تفهماً ومودةً ورحمة لا تطلبّاً واحتياجاً. فإن أتقنت الوصول إلى ذاك الإدراك، وعلمتَ أن لنفسك عليك الحق كله، فقد بلغت من النضج ما يؤهلك لعيش الحياة الطيّبة الرغدة، متسامحاً مع نفسك، متصافياً مع كل أحد. لحظة إدراك: لست ممن يُنظّر بترك التوقعات، فالمرء بطبيعته يتوقّع من المحسن إحساناً، ولكن من المهم التفقه في ماهيتها، وحجمها، ومآلها، وحسن إدارتها، فبذلك تُكتسب الحكمة، وطولة البال مع الأنام، وحصافة التصرّف في المواقف، فما الحياة إلا مِران وتحسين مستمر.

984

| 11 يونيو 2024

alsharq
من المسؤول؟ (2)

حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية،...

3786

| 29 أبريل 2026

alsharq
قمة الخليج من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازن الإقليمي والدولي

في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن...

1269

| 30 أبريل 2026

alsharq
بين الضحكة والسكوت

في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات...

966

| 29 أبريل 2026

alsharq
اليمن.. ثم اليمن.. ثم اليمن

ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو...

798

| 27 أبريل 2026

alsharq
الحرب الأخيرة وإحياء سكة حديد الحجاز

بدأت ملامح التحولات التي قد تُحدثها الحرب الأخيرة...

738

| 26 أبريل 2026

alsharq
في زمن الأزمات ... من يكتب ولماذا؟

ليست الصحف مجرد صفحات تُطوى مع نهاية اليوم،...

627

| 28 أبريل 2026

alsharq
الحلقة المفقودة بمنظومة الخدمات في قطر

يتصل المواطن بالوزارة فيُحال إلى جهة أخرى، يتصل...

603

| 28 أبريل 2026

alsharq
سياسة قطرية دفاعية لحماية الشعب وتحقيق السلام

جميع السياسات القطرية تنطلق من مبدأ أساسي يؤمن...

576

| 30 أبريل 2026

alsharq
هندسة العدالة الرقمية

على ضوء التطور المتسارع الذي تشهده مؤسساتنا الوطنية،...

537

| 30 أبريل 2026

alsharq
السيادة المعرفية.. حين تتحول المعرفة إلى أصل إستراتيجي

في زمن تتسارع فيه التحولات، لم تعد المعرفة...

513

| 27 أبريل 2026

alsharq
حياتي.. وحياتي الأخرى.. والكتابة!

أتساءل أحيانًا: كيف كان يمكنني مواجهة هذا كله...

486

| 26 أبريل 2026

alsharq
الطاسة ضايعة

لكل منظومة هيكل تنظيمي يحدد الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات...

477

| 29 أبريل 2026

أخبار محلية