رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عن مصر ومتلازمة تونس

من تونس بلون اللهب، حيث كانت النار على بوعزيزي ثورة وخلاصاً. من اللهب أنبثق بوعزيزي شاعلاً غضبه الناري في وجه النظام الطغياني على رؤوس الأشهاد. بوعزيزي غير قابل للاستنساخ الميكانيكي. تشبّه بفعلته بضعة بؤساء في بعض مضارب العرب. فانتهوا حالات معزولة في أقسام الحروق بالمستشفيات العامة. بو عزيزي أشعل النار في جسده في اللحظة التي كان الشعب التونسي قابلا لإشعال غضبه المكتوم قهراً ومهانة لسنين طويلة. خصوصية فعل بوعزيزي أن النار التي أشعلها في نفسه أشعلت حالة ثورية شعبية على الفور. وفيما كان يحتضر في أقمطة الحروق حضر إليه الديكتاتور بنفسه. وقف على سريره ممثلا دور الزائر المواسي بينما كان يلعن في سره ذلك البائع المتجول الذي أحرق نظامه. لقد مجّدت ثورة التوانسة بوجه بوعزيزي الطالع من اللهب. وتمجد وجه "منوبيا" أمه التونسية البسيطة الطيبة وهي تغرق حزنها في ملابس ابنها الفقيرة لتشم رائحة غيابه. أو هي تزور قبره وتناجيه بلغتها المؤمنة:" السلام عليك يا محمد يا وليدي.. الله يرحمك. رحمة الشهيد. راك فتحت الأبواب يا وليدي." 2 أشعل عدة مصريين النار في أنفسهم. لكن المصاروة لم يكونوا في حاجة لتقليد فعل بوعزيزي. فهم، عكس التوانسة، اعتادوا الخروج والتظاهر ضد النظام وإن بأعداد ضئيلة. انتزعوا بصلابة نضالهم استقلالية التشكل في تنظيمات وجمعيات اجتماعية ووسّعوا من هامش حرية التعبير في الصحف المعارضة والمستقلة، وهو ما لم يكن ليحلم به التوانسة في زمن البلطجي بن علي. لكن الذين انتظروا، وأنا منهم، حدوث ثورة العرب الديموقراطية الأولى في مصر، فوجئوا بها تحدث في تونس. فكان التوانسة رواد ثورة العرب الأولى لنيل الاستقلال الثاني من أنظمة الاستبداد والتبعية. لتغدو مصر محط توقعات المحللين والنشطاء المعارضين أن تكون التالية. ظهر كتبة النظام المصري في صحفه "القومية" وتلفزاته الخشبية يتبجحون بأن مصر ليست تونس. لكن لم يمض على هروب بن علي سوى أيام عشرة أيام حتى شبت نار البوعزيزي في أرواح شبيبة مصر. شبيبة عصرهم: الجزيرة والفيس بوك والتويتر، حتى أنهم أخذوا عن شبيبة تونس بعض شعاراتهم وأبرزها: الشعب يريد إسقاط النظام. هذا هو العنوان. عنوان ثورة شبيبة تونس كما هو عنوان ثورة شبيبة مصر.. وما بعدهما من ثورات شبيبة العرب المتوقعة في مضارب الاستبداد والتبعية المتبقية. 3 لقد اكتسبت ثورة التوانسة صفة المتلازمة (syndrome). بمعنى تلازم مؤشرات حالتها في حالة الثورة المصرية (القائمة). فكما ثورة التوانسة لم يحرك ثورة المصاروة الفقر والبطالة والفساد فقط، إنما يتأصل محركها، في جوهر الفعل الجماعي، ومرامه استحقاق إرادة الشعب الحرة في تقرير مصيره السياسي على دعامتي الديموقراطية والعدالة الاجتماعية. هذا هو القاسم المشترك بين الثورتين. وكل ثورة عربية قادمة. إنه فعل خلاصي للفرد ـ الجماعة ـ الوطن. لذلك لم تجد الطاغية التونسي نفعاً وعوده الوردية للتوانسة بأنه فهمهم وسوف يلبي مطالبهم. كما لن يجدي الطاغية المصري نفعاً تقديم التنازلات (الفلهوية) على شاكلة عدم ترشيح نفسه أو ابنه وتغيير الحكومة وتعيين نائب والدعوة للحوار.... فهي تنازلات، في نظر الثوار الشباب، ما دون مطلب الشعب بكثير. إذ أن الشعب يريد يريد إسقاط النظام. وإذا الشعب يوماً أراد الثورة فلابد أن يسقط الطاغية. 4 عندما شاهدتُ على شاشة "الجزيرة" المقر الرئيس للحزب الوطني الحاكم يحترق اتضح لي أن النظام احترق معه. وأصبح مسألة هروب الطاغية خبراً متوقعاً على العاجل. لكن مبارك، رغم تبخر جيوش أمنه المركزي من المشهد العام ونزول الجيش إلى الشارع، ظل متشبثاً بعرشها الرئاسي في عناد فرعوني علّ وعسى أن يتمكن نائبه، عن طريق مفاوضة وجوه معارضة وتشكيل لجان للتغيير ووعود خلابة وتخويف من الفوضى، من تعويم الثورة الشعبية بعد تييس المتظاهرين من مطلب تنحي مبارك. وذلك ما أدركه شباب ثورة 25 يناير ومعهم الشعب الذين ردّوا بقوافل التظاهرات المليونية:" مش هنمشي هو يمشي". عمليا أدرك مبارك أنه انتهى منذ 25 يناير. لكنه راهن (ولا يزال) على بيروقراطية دولة الاستبداد الفرعوني مدعوماً بمسايرة الجيش المصري لـ"شرعيته" كرئيس وقائد أعلى للقوات المسلحة. وكان واضحا من الصور التي بثه التلفزيون المصري من قاعة المجلس في مركز عمليات القوات المسلحة كم هو حسني مبارك ضعيف ومنهار يكاد يسنده نائبه المستحدث الذي هو الرئيس الفعلي لسلطة الأمر الواقع القائمة فقط بفعل وقوف المؤسسة العسكرية إلى صفها. إن مبارك ونائبه فاقدان للشرعية التي باتت منذ 25 يناير شرعية ثورية بيد الشعب. حيث ميدان التحرير البرلمان الشرعي لثورة الشعب المصري. والشعب يريد ليس فقط إسقاط الرئيس وإنما إسقاط النظام معه.... فهل ينجح حسني مبارك المستتر وراء نائبه سليمان في البقاء على كرسيه حتى سبتمبر القادم محصناً بجيش الطنطاوي المداهن وإعلام الفقي المنحط؟!... هل يمكن تصور استمرار وجود حسني مبارك في المشهد السياسي ولو في صيغة تفويضه لسلطاته إلى نائبه حتى نهاية ولايته في سبتمبر القادم.؟! إنه، في رأيي، تصور بغيض. لأن ذلك يعني فشل ثورة مصر في إسقاط الرئيس وبالتالي نظامه بإرادتها وليس على طريقته بعدم ترشيح نفسه لولاية أخرى.

439

| 11 فبراير 2011

تونس.. وتبقى القضيض

راج عن تونس أنها معجزة اقتصادية. احتلت المرتبة الأولى مغاربيا وإفريقيا في تصنيف التنافسية الاقتصادية والمرتبة 35 على الصعيد العالمي. مع نسبة نمو بمعدل متوسط يقارب 5%. لكنه كان نمواً بلا تنمية حقيقة. نمواً مزوراً يخفي البطالين (14%) تحت السجادة. إذ أن "المعجزة الاقتصادية" الظاهرة كان تدار سياسياً بمنطق اقتصاد الفساد الاستبدادي. حيث يسيطر بن على، بعائلته: إخوته وأخواته وأبناؤهم وبعائلة زوجته ليلى الطرابلسي التي تتكون من إحدى عشر أخاً وأختا وأبنائهم، على نحو 40% من الاقتصاد التونسي في اقتصاد السياحة بكل مقوماته واقتصاديات الاتصالات الهاتفية والأعمال المصرفية والعقارات... بحيث كانت تونس تخسر بسبب الفساد المالي مليار دولار سنويا. وقدرت تقارير صحفية ذات مصداقية ثروة بن علي بنحو ثمانية مليارات دولار وثروة زوجته مع عائلتها "الطرابلسية" أكثر من اثني عشر مليار دولار: نقدا وأصول ثابتة. لذا لم تكن تلك "المعجزة الاقتصادية" المبجلة في دوائر الغرب السياسية سوى واجهة استعراضية للنموذج المفضل لأوروبا وأمريكا باعتبار ابن علي الحارس الأمين لمصالح الغرب وجنرالها "الزين" بل قل عميلها البلطجي بدعوى صدّ شبح الأصولية عن أوروبا. وهكذا بدعم الغرب لجنراله المحبوب وسكوته على قمع القوى الديمقراطية أصبح ابن علي زين المستبدين والفاسدين. لقد أمعن في إذلال معظم التونسيين بعقلية عسكرية فاشية عميل لسيده الأجنبي. وترك مقدرات الدولة واقتصادها الاستثماري مستباحة لأفراد عائلته وعائلية الطرابلسية بزعامة حرمه غير المصون. من هنا شكّل مشهد بوعزيزي الناري خلاصة تراجيدية لتطهر الذل بالنار. إنها ولا شك ثورة خلاصية بالمعني الجذري للفعل الثوري. حيث أدرك كل تونسي أن خلاصه بخلاص غيره. بتونسي لصق تونسي وتونسية لصق تونسية: شبيبة وأهالي، توسعت دائرة الرفض الاجتماعي من حيزها المبتدئ في سيدي بوزيد إلى ما حوله وحوله وحوله، حتى صار سيدي بوزيد كل تونس. لأسابيع متوالية أنا الليبي الذي أقع من صلتي بالتوانسة موقع "جاري يا حمودة" أستلبتني تماماً الأخبار المتدفقة من الشارع التونسي. منذ عقد مضي تجولت في ربوع تونس. كانت تبدو لي أرض فرحة لكل من يقبل عليها بماله السياحي. قضيتُ أسابيع في منتجعاتها الخاصة بسواحلها. والتقيت ببعض مثقفيها الشرفاء وما أكثرهم، الذين يفكرون ويبدعون خارج مشهد السلطة الاستبدادية الفاسدة المفسدة الممتد من بورقيبة إلى ابن علي. وبعد أكثر من عقد ونصف على آخر مرة كنتُ في تونس في طريقي إلى اللجوء السياسي في ديار الجرمان، أجدني أتابع، عبر "الجزيرة"، شبيبة تونس يحدثون المعجزة الحقيقية. معجزة ركل الطاغية خارج وجودهم بحيث وجد نفسه ومن معه منبوذا في الأجواء حتى من أسياده الذين دعموا تسلطه المرعب على التوانسة لأكثر من ثلاثة وعشرين سنة قبيحة. حتى أنهم (الفرنسيون والأمريكيون على الخصوص) استمروا لأسابيع مراهنين على نجاة جنرالهم الفاشي من السقوط فيما شهداء الشبيبة التونسية يتساقطون بصدورهم العارية، إلى أن أتأكد لهم خسارة رهانهم المحتومة. فبدلوا موقفهم من لغة السكوت المفضوح إلى لغة منافقة ثورة الشعب التونسي ومحاولة الرهان على قائد الجيش ومعه بقايا رموز النظام القديم لإعادة إنتاج نظام جديد يقطع مع عهد بن علي لكنه لا يقطع تبعته لإستراتيجية السياسة الغربية ـ الأمريكية، تحديداً، إلا وعي الشعب التونسي الثوري كان على إدراك سياسي عميق يعبر عنه رأي الشارع العام وشعاره المركزي:"الشعب يريد إسقاط النظام". وليس إسقاط بن علي فقط. أي أن الشعب الذي قضى على قضّ النظام (رأسه) كان مدركاً أن ثورته لن تنجز استحقاقاته التامة إلا بعد القضاء على قضيض النظام المتبقي. وعليه تواصلت قوافل الاحتجاجات الشعبية المدعومة بقوى المعارضة السياسية وتنظيمات المجتمع المدني لتنقية الحكومة المؤقتة من قضيض نظام بن علي. ويمكن القول إنه تحقق للشعب التونسي الكثير من أهداف ثورته بسقوط الديكتاتور. لكن الثورة التونسية لم تنجز قطعيتها النهائية بعد مع منظومة الديكتاتورية التي لا تزال فاعلة في دواليب الدولة ومؤسساتها السياسية والدستور ونصوص القانون.. كما لا يزال الخطر يتهدد الثورة التونسية من جهة مؤامرات الخارج حيث تتقاطع رغبات الجوار الإقليمي الاستبدادي والمهيمن الأجنبي (الفرنسي ـ الأمريكي تحديداً) وعدو العرب التاريخي (إسرائيل) في إجهاض استقلال تونس الثاني. وبالتالي فإن ثورة الشعب التونسي أصبحت في برزخ الخيار التاريخي الحاسم. فإما أن يمضي شعبها المتحرر إلى ذروة استحقاقه الثوري بنيل فريضته الغائبة (الديمقراطية) بما هو شعب حرّ يحكم نفسه بنفسه من خلال اختياره الحرّ لمن يحكمه من طريق صناديق اقتراع خاضعة لرقابة المؤسسات الدولية، أو أن يلعب بها جنرالات الجيش بالتحالف مع بقايا وزراء العهد المباد وبعض رموز معارضة لإعادة إنتاج نظام التبعية القديم في هيئة ديمقراطية ملفقة. في رأي أنه، رغم تمسك الجنرال رشيد ببقايا وزراء نظام الجنرال بن علي نزولاً عند رغبة السيد الأمريكي وحليفه الفرنسي، فإن روح الثورة التونسية سوف تمضي إلى هدفها المنشود بقيام نظام ديمقراطي وطني رغم أنف طغاة الجوار وباريس وواشنطن وتل أبيب. [email protected]

591

| 04 فبراير 2011

تونس: الاستقلال الثاني

اعتدنا في العالم العربي على تجارب التغيير بالعسكر عن طريق انقلاب مباغت ذات فجر وبيان أول ثورجي وبلاغات متتالية تقاطعها موسيقى عسكرية وأناشيد وطنية. ذلك كان رائجاً بقوة غداة الاستقلالات الوطنية وفي خضم صراع الحرب الباردة التي انعكست صراعا أيديولوجيا ـ سياسياً (في العالم الثالث) بين "التقدمية" و"الرجعية". أما بعد سقوط جدار برلين (9 نوفمبر العام 1989) وانتهاء الحرب الباردة بتلاشي الاتحاد السوفياتي راعي الانقلابات العسكرية "التقدمية"، فقد شاعت تجارب التغيير بالشارع. ابتداء بالطاغية تشاوسيسكو، بعد شهر من انهيار جدار برلين. فبينما كان تشاوسيسكو يخطب من شرفة عالية في تظاهرة مجلوبة لإظهار التأييد له، صرخ فرد من بين الجمهور بهتاف مضاد: يسقط الطاغية يسقط الطاغية... لحظات خوف ثم أخذ الهتاف يتردد عاليا على ألسنة الجمهور وسط جلبة التصفير الاحتجاجي الساخط والساخر.. فاختفى الطاغية من شرفته العالية. وكانت تلك بداية نهايته. ولتساقط بعده أنظمة المعسكر الشيوعي كأحجار الدومينو بقوة الشارع. لكن العالم العربي بقى "بمنجئ" من هذا الوباء الحميد (التغيير الديمقراطي بقوة حركة الشارع الاحتجاجية السلمية). فكان البديل عنفاً دموياً فالتاً استخدمته "الجماعات الإسلامية المسلحة" في محاولة لإسقاط الأنظمة من طريق الفوضى الدموية. وقد فشل مشروعها فشلا ذريعا. كما حدث في مصر والجزائر.. ولا يزال يحاول في اليمن. ولم تعتظ الأنظمة العربية الاستبدادية بالتحولات الديمقراطية الجارية في العالم وكذا لم تتعظ بموجات العنف المتسربل بالدين. فسدرت في غيها الاستبدادي. مراهنة على أن شعوبها خانعة ذليلة لا خوف منها. وأنها ستظل على إدمانها التاريخي المعتاد في معاقرة الطغاة. وإذ بالتوانسة يفعلونها بانتفاضة صدورهم العارية التي أشعلها بوعزيزي عندما أشعل النار في نفسه لينير خلاص الآخرين. تظاهر بن علي في البداية بأنه يواجه تظاهرات احتجاجية معزولة بحيث لم يجد أي غضاضة في نعت المتظاهرين بـ'الإرهابيين والمأجورين للخارج". وأعلن بصرامة أن قوات الأمن سوف تواجههم بكل قوة. لكن التوانسة زادوا في اندفاعاتهم الثورية. فظهر عليهم مرة ثانية يوزع الوعود الترغيبية بميزانية تنمية تصل إلى خمسة مليارات دولار دفعة وتوظيف ثلاثمائة ألف عاطل عن العمل قبل نهاية العام 2012. وفي الوقت نفسه أمر قناصي حرسه الخاص من القتلة المحترفين باصطياد المتظاهرين عشوائياً، مراهناً على أن سقوط قتلى وجرحى سوف يرعب المتظاهرين فيتراجعون عن مطالبهم الجذرية مكتفين بما يعرضه عليهم "السيد الرئيس" من تعهدات ووعود. لكن الشوارع التونسية ازدادت تجمهراً في رفضها لمناورات الطاغية رغم ارتفاع منسوب دماء القتلى والجرحى. فظهر بن علي مرة ثالثة وأخيرة وهو يتحدث لأول مرة باللهجة التونسية في محاولة للتودد والتمسكن للتوانسة بأنه واحد منهم ويستطيع أن يتحدث بلهجتهم. لقد ظهر الطاغية في تلك الكلمة رئيسا عاطلا عن السلطة يستدر عطف التوانسة وهو يقول: "أنا فهمتكم.. فهمت الجميع البطال والمحتاج والسياسي واللي طالب مزيد من الحريات.. فهمتكم.. فهمت الكل.. "راجياً أن يعطيه الشعب فرصة لإجراء إصلاحات ديمقراطية ومتعهداً أنه لن يترشح لانتخابات 2014. لكن التوانسة الذين انتفضوا بأرواحهم المشتعلة بنيران جسد بوعزيزي الملتهب كانوا قد حسموا قراراهم: "تونس حرّة وبن علي بره". وهنا قرر الغرب الأوروأمريكي (الفرنسي ـ الأمريكي تحديداً) سحب الغطاء الدولي عن وغدهم Their Bastard أو قل قرروا سحبه من التداول وإخراجه من مشهد السلطة نهائياً في محاولة لإحلال قوى بديلة تعوّم مطالب الشارع وتتيح الفرصة لتنصيب بديل يرضى عنه النصارى (فرنسا وأمريكا) واليهود (بني صهيون). ومن هنا كانت محاولة الحفاظ على استمرارية النظام القديم في صورة أزلام بن علي ما أظهرته صورة الغنوشي في الوسط وعلى يمينه المبزّغ وعلى يساره القلال. لقد كان واضحا تواطؤ أمريكا وفرنسا مع الطاغية طوال الأسابيع الأولى. حتى أن وزيرة خارجية فرنسا "اليو ماري" طالبت في البرلمان الفرنسي بمساعدة نظام بن علي (قبل هروبه بثلاثة أيام) بخبرة الشرطة الفرنسية لدعم الشرطة التونسية في حفظ أمن النظام. وحافظ الموقف الأمريكي على صيغة التعبير عن القلق والدعوة إلى ضبط النفس. وعندما تأكد لهم (في باريس وواشنطن) حتمية سقوط رجلهم هرّبوه وعائلته وما تمكن من نهبه خارج تونس، لكنهم رفضوا استقباله في ديار الغرب. فيما أطلقوا تصريحاتهم البطولية في طلب الديمقراطية للشعب التونسي. فصرح البيت الأبيض، بعد صمت أسابيع، أن:" للشعب التونسي الحق في اختيار من يحكمه." ولم يكن الشعب التونسي معنياً بما يصدر عن البيت الأبيض أو الإليزيه فقد حدد بإرادة ثورته الشعبية خياراته التحررية المحمولة على فعل الخلاص النهائي من دولة الاستبداد القائمة منذ لحظة الاستقلال الأول. أي الاستقلال من المستعمر الخارجي والسقوط في الاستبداد الداخلي. بمعنى أن ثورة الشعب التونسي اليوم هي امتداد لحركة التحرر الوطني غير المكتملة بسبب الحكم الاستبدادي الممتد من بورقيبة إلى بن علي. وبالتالي فإن غاية ثورة الشعب التونسي استحقاق الاستقلال الثاني (حسب مفهوم المناضل الديمقراطي منصف المرزوقي) بما هو فعل تحرر من المستبد المحلي كشرط شارط للتحرر الحقيقي من المهيمن الأجنبي. فهنئاً للشارع العربي ثورة العرب الأولى لنيل الاستقلال الثاني من أنظمة الاستبداد والتبعية. [email protected]

482

| 27 يناير 2011

مستقبل تونس السياسي بعد رحيل بن علي

في بداية العام الجاري شيع الآلاف من أهالي سيدي بوزيد جنازة  الشاب محمد البوعزيزي (عمره 26 سنة وابن لعائلة من ثمانية أفراد) والذي قضى نحبه متأثرا بالحروق البليغة التي أصيب بها نتيجة إقدامه على إحراق نفسه. منعت جندرمة النظام مرور موكب الجنازة من أمام مقر الولاية حيث سكب البنزين على جسمه وأضرم النار فيه يوم 17 ديسمبر العام المنصرم. وأثناء دفنه ردد المشيعون: “بالروح بالدم نفديك يا بوزيد”... “سنبكي من أبكاك.. يا محمد لن ننساك”.. “ يا حكومة عار عار، الأسعار اشتعلت نار”.”.لن نستسلم لن نبيع، دم محمد لن يضيع”... “يا مواطن إيجا معانا، السكوت أكبر خيانة”.. صار الشاب بوعزيزي، بفعله الانتحاري المشهدي، رمزا لانتفاضة الكرامة ضد البطالة والتهميش. وفي رأي كانت هبة (سيدي بوزيد) الغاضبة الحدث الأبرز عربيا في العام 2010. تابعت تطورات أحداثها إعلاميا لاسيما من طريق “الجزيرة مباشرة” التي كانت وفية لشعارها كقناة للواقع الإخباري. فبثت أحداث التظاهرات كما سجلها المشاركون فيها بكاميرات الموبايل. كنتُ أتصور، في البداية، أن الغضب الشعبي سينحصر داخل محيطه في سيدي بوزيد كما حدث في الحوض المنجمي. لكن انتحار الشاب بوعزيزي فعل فعله الرمزي في نفوس التوانسة. فتحول الاحتجاج الاجتماعي من حركة احتجاج جهوية إلى حركة رفض وطني لسلطة الاستبداد والفساد. توقفتُ عند الدلالة السوسيوثقافية (اجتماعية ـ ثقافية) لما أقدم عليه بوعزيزي. رأيتُ في فعله الانتحاري تحولا في تعبير الشبيبة العربية عن يأسها من حاضرها ومستقبلها المظلمين بفعل الظالمين. تحولاً من نهج الانتحار (الاستشهادي) بقتل النفس في قتل آخرين يراهم أعداء لما يؤمن به إلى نهج الانتحار الذاتي في فعل مشهدي عام وعن سبق تصميم وتخطيط. إذ أنه اختار أداة موته: البنزين. وحدد مسرح انتحاره المشهدي في ساحة مقر الولاية. ولم ينس أن يكتب في صفحته على الفيس بوك رسالة وداع لأمه بلغته البسيطة:” مسافر يا أمي، سامحني، ما يفيد ملام، ضايع في طريق ماهو بيديا، سامحني كان عصيت كلام أمي، لومي على الزمان ما تلومي عليّ، رايح من غير رجوع، يزي ما بكيت وما سالتش من عيني دموع، ما عاد يفيد ملام على.زمان غدّار في بلاد الناس......أنا عييت ومشى من بالي كلي اللي راح مسافر ونسأل زعمة السفر باش ينسّي”... البوعزيزي لم يُقدم على الانتحار بسبب أزمة نفسية ذاتية. ولو كان الأمر كذلك لأختار أن يقتل نفسه خفية عن الناس. لكنه تقصد أن يكون انتحاره مشهديا للتعبير عن احتجاج اجتماعي عام. أي أنه بإقدامه على حرق نفسه قبالة مقر الولاية (رمز السلطة) وأمام الملأ (المجتمع) أراد أن يدين النظام الحاكم ويدين في الوقت نفسه عجز الآخرين عن فعل شيء ينقذهم في خلاص عام. وليس بالضرورة أن يكون مثقفا كي يستشعر ألا خلاص فردي دون خلاص عام. إن فعله العفوي المأساوي يعبر عن ذلك. ومن المعروف أن فعل الاحتجاج احتراقا لا تعرفه الثقافة الإسلامية التي تحرم فعل الانتحار. بينما هو دارج جداً في الثقافة الآسيوية البوذية كطقس ديني لتطهير النفس من الإهانة بسبب الاضطهاد الديني أو السياسي. جسد البوعزيزي المشتعل ناراً كان فعل عنف سلبياً. رسالة نار سياسية ترمي بالتضحية بالنفس إلى إبلاغ سلطة الاستبداد والفساد ببيان اليأس الغاضب. يأس شاب تونسي تعبر قصته، بغض النظر عن خصوصية التفاصيل، عن قصص ملايين الشباب العرب ضحايا أنظمة الاستبداد والفساد الديناصورية. وإذ شبت النيران التي أشعلها في جسده الشاب شبت غضبا في أرواح أهالي سيدي بوزيد فخرجت طلائعهم، أبناء وبنات وآباء وأمهات، دافعة بغضبهم العفوي على أوضاعهم الجهوية المهمشة إلى حالة غضب وطني تطالب بالديموقراطية والعدالة الاجتماعية لكل التوانسة. لقد جاء بن علي إلى الحكم بانقلاب على البطريرك بورقيبة سماه “عهد التغيير” على وعد أن يعطي التوانسة حقوقهم في التداول الديمقراطي على السلطة وتحقيق المساواة أمام القانون وعدالة توزيع مشاريع التنمية جهوياً. لكنه، وهو الذي أدان بورقيبة لتشبثه بالحكم المطلق، قائلا بعظمة لسانه إن الذي “يحلم بالحكم مدى الحياة إنسان غير سوي، بل ويعاني من عقدة نفسية خطيرة”. ما لبث بعدما استتب له أمر السيطرة على مفاصل السلطة حتى باشر في تسييد منطقه السطوي الذي اعتمد على البلطجة المافيوزية التي تستخدم مؤسسات الدولة أدوات لترسيخ الاستبداد والفساد. وبالنتيجة لم يكن “عهد التغيير” سوى شعاراً خلاّباً توسل بن علي به التمكن من السلطة. وبدلاً من أن تكون معركة الدولة التونسية مع البطالة والتهميش الجهوي ولأجل الإصلاح الديمقراطي حارب بن علي ثقافة المجتمع الإسلامي (ورمزها الحجاب) بعقلية تغريبية نازعة إلى علمانية عسكرية فاشية، مسنودة إلى اقتصاد السياحة الترفيهية والاستثمارات الأجنبية لصالح عوائل الطبقة البرجوازية المتحالفة مع مافيات الطبقة السياسية ـ الأمنية بينما غالبية الشعب التونسي تقاسي في عيشها معاناة الكدح اليومي المنهك في سبيل توفير رغيف الخبز. لاسيما في الأرياف حيث يعيش غالبية التوانسة في مجتمعات جهوية مقصاة من الحقوق التنموية. والآن ماهو مستقبل تونس بعد رحيل بن علي هذا ما سنجيب عليه لاحقا. [email protected]

482

| 15 يناير 2011

جوليان رجل العام الإلكتروني

فاز جوليان أسانج (39 عاما) بمكانة رجل العام حسب الاستطلاع الذي أجرته مجلة تايم (توزع أكثر من أربع ملايين نسخة أسبوعيا) على موقعها الإلكتروني. شارك فيه أكثر من 1.5 مليون متصفح. لكن هيئة تحرير المجلة اختارت مارك زوكربيرغ (26 عاما) مؤسس موقع الفيس بوك. ويعود ذلك، في ظني، إلى كون "التايم" اختارت أن تراعي المؤسسة الإمبراطورية المتضررة مما فعله جوليان أسانج. الأمر الذي اضطر ريك ستينغل رئيس تحرير مجلة تايم إلى كتابة افتتاحية خاصة لتبرير تفضيل زوكربيرغ على أسانج، بفذلكة تسويغية، قائلاً:"إن أسانج ينظر إلى العالم على أنه مليء بالأعداء الحقيقيين والوهميين في حين ينظر زوكربيرغ إلى العالم على أنه مليء بالأصدقاء المحتملين". وذلك متوقع من مجلة يمينية الميول. تتبع مجموعة (AOL.Timewarner) أكبر مؤسسة إعلامية في العالم. يسيطر عليها رأس المال اليهودي. تبلغ قيمتها المالية 350 بليون دولار. عكس صحيفة لوموند الفرنسية، الأكثر مهنية في أوروبا، والتي اختارت جوليان أسانج "رجل العام" بعدما حصل على ما يفوق نسبة 56% من قراء الصحيفة. ونشرت له صورة ضخمة على صدر صفحتها الأولى من عددها الأسبوعي يوم 24 ديسمبر 2010، بينما لم يحصل زوكربيرغ صاحب موقع فيسبوك سوى على حوالي 7%... فمن أين ظهر على العالم جوليان أسانج هذا؟! أي فكرة جهنمية هذه الويكيليكس التي خطرت عليه فصيّرها صدمة وترويعاً (Shock and Woe) لأمريكا (روما الجديدة). حتى أن طريقة مطاردته والقبض عليه صارت أشبه بمطاردة الساحرات في العصور الوسطى (بالمعنى الرمزي). من حيث إن مطاردة الساحرات في العصور الوسطى كانت تعبيراً رمزيا بالمعنى التاريخي ـ المعرفي عن الخوف الذكوري الخرافي من إغواء المرأة ـ تفاحة المعرفة = الخطيئة الكبرى. الخوف من قوتها الغامضة. ومن هنا جرى أبلستها. كذلك الحال، رمزياً، مع جوليان أسانج الذي اجتمعت على شيطنته أعرق الحكومات الديمقراطية لأنه تجرأ على المس بقدس أقداسها (تفاحة معرفتها السرية) عندما أشاع أسرار محافلها الدبلوماسية... لقد تابعت كغيري ما نشرته وسائل الإعلام نقلا عن ويكيليكس. خصوصا ما يخص أنظمة بني يعرب. بحيث تكاد كل وثيقة تستدعي موضوعا لمقال خاص سواء كان من باب التندر على فضائح الطغاة المستترة أو من باب خلع أقنعة النفاق عن وجوه عرب الخديعة والمراوغة. وليس صحيحا أنها مجرد نميمة دبلوماسية من لدن سفراء أمريكا وقناصلها. فرغم أن ما ظهر من جبل جليد أسرار الإمبراطورية الأمريكية لا يساوي حجم دبوس إلا أن فيه الكثير مما يعزز حقيقة أن العرب فضيحة تاريخية صارخة. لكني أدرك أن كتابة مقالات حول الوثائق المثيرة يجبرني أن أكون انتقائيا كي أتمكن من نشرها. الأمر الذي سوف يضعني في دائرة المنافقة. بمعنى أن معظم وسائل الإعلام العربية استنسابية في الأخذ عن ويكيليكس. إذ نجد وسائل إعلامية عربية معينة (مقروءة ومرئية) تنشر أو تنقل عن وثائق معينة وتحرّم التطرق إلى غيرها، التي تبيح نشرها وسائل إعلامية عربية أخرى. على سبيل المثال نجد إعلام الدولة العربية (أ) لا يجرؤ على نشر الوثائق التي تفضح الحاكم ونظامه أو حكام الدول العربية المقرّبة والحليفة، في حين تجيز نشر وثائق تتعلق بفضائح نظام الدولة العربية (ب)، سيما إذا ما كان بين (أ) و(ب) خلاف أو عداوة... وهكذا. لذلك أفضل الحديث عن جوليان أسانج صاحب الويكيليكس وليس عن وثائقه مباشرة. حيث كان الإعلام قبله شيئا وصار بعده شيئا آخر. يذكرني ذلك بإميل زولا الروائي والمفكر الفرنسي المائز الذي بات مفهوم المثقف قبله شيئاً وبعده شيئا آخر. أسانج، أحببنا أو كرهنا، ثورة في فرد. قاد غزوا معلوماتيا ـ معرفيا لعرين عقل الإمبراطورية الأمريكية السياسي التي وصل بها غرورها إلى حد إشاعة أرشيف معلوماتها الدبلوماسية ذات الطابع السري (أي ما دون مستوى "سري للغاية") في متناول آلاف الموظفين، مدنيين وعسكريين، يحق لهم الاطلاع على بريد التقارير السرية المتدفقة ما بين وزارة الخارجية والبنتاغون ومجلس الأمن القومي وغيرها من وكالات متخصصة.... بحيث كان يكفي أن يقوم أحد ما من بين آلاف الموظفين بتنزيل مئات ألوف الوثائق في جهاز الذاكرة الإلكتروني الذي حجمه بحجم الخنصر، حتى تنتقل مئات ألوف الوثائق في دقائق معدودة كما فعلها الجندي برادلي مانينغ، والذي برر فعلته بأنه "ناشط في حرية تداول المعلومات" لأنها "تعود إلى الحيز الخاص بالجمهور، أكثر من أن تبقى طي النسيان في حجرة مظلمة في واشنطن دي سي". فيا لها من حركة ثورية مستقبلية صادمة ومرعبة (Shock and Woe) لإمبراطورية الهيمنة السرية وذيولها الخانعة من أنظمة الاستبداد والفساد. وبدلاً من الاكتفاء بمعاقبة المسرِّب بحكم القانون الوظيفي لاحقت الإمبراطورية الأمريكية وأتابعها الأوروبيون أسانج الناشر، الذي لم تكن مسؤوليته تختلف عن مسؤولية الصحف الأمريكية والعالمية التي نشرت ما نشره موقع ويكليكس. وهو ما يؤكد أن مطاردة أسانج أمريكيا وأوروبا يكشف عن تقصد انتقامي من شخصه. ومن هنا نبشوا له تهمة الاغتصاب. لأنهم لم يجدوا ما يتهمونه به قانونيا كناشر لمعلومات سُربت إليه دون معرفة له بمسربها. إنه "إبليس" المعرفة المحرمة. " برومثيوس" سارق الأسرار المقدسة. صبي حكاية (الإمبراطور العاري. الإمبراطور لا يلبس شيئاً.) إن الذين يقولون إن الكثير مما نشرته ويكيليكس يكاد يكون معروفاً ومحللاً مسبقاً في وسائل الإعلام إنما يسكتون عن جوهر القضية. وهي أن وثائق الدبلوماسية الأمريكية السرية التي بحوزة موقع ويكليكس أكثر خطورة بكثير من الوثائق العسكرية التي نشرها الموقع بشأن العراق وأفغانستان. حيث إن الإدارة الأمريكية لم تثر ثائرتها كما حصل معها إزاء نشر الوثائق الدبلوماسية. لأن وثائق العراق وأفغانستان العسكرية تمس مؤسسة أداتية (البنتاغون) يمكن التملص سياسيا من ممارساتها. بدليل أن المحاكمات العسكرية طالت عديد الجنود والضباط الأمريكيين بتهم جرائم حربية. ولكن لا أحد في مؤسسة النظام الأمريكي يجرؤ على محاكمة هيلاري كلينتون أو مطالبتها بالاستقالة على الأقل لأنها انتهكت الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها الولايات المتحدة عندما أمرت دبلوماسيين أمريكيين بالتجسس على الأمين العام للأمم المتحدة وكبار مساعديه ومندوبي الدول الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن. فشكراً لجوليان أسانج فبفضله ظهرت هذه الوثائق الفضّاحة التي طالت وسوف تطول أكثر فأكثر كل أنظمة العالم تقريباً بمساحة تواجد السفراء الأمريكيين في أمصار الأرض. أما فيما يخص أنظمة بني يعرب فإن الوثائق تفضح الشعوب العربية قبل أن تفضح حكامها. تفضح الشعوب العربية لأنها الشعوب الأكثر استغباء من حكامها في العالم. فقد تبين، من قراءة ما تسرب من وثائق، أنها تعيش جسدياً في عصر مارك زوكربيرغ (الفيس بوك) وجوليان أسانج (ويكيليكس) وذهنيا في عصر الراعي والقطيع...

600

| 06 يناير 2011

قراءة في عقل بوش الصغير

بعد عامين على خروج بوش الصغير من البيت الأبيض وابتعاده عن الظهور في الحياة العامة، ها هو يعود ليشغل الرأي العام الأمريكي والعالمي بمناسبة صدور مذكراته تحت عنوان decision points " القرارات المصيرية" أو "نقاط القرار" في ترجمة حرفية. الكتاب جاء في نحو 500 صفحة. طُبع منه مليون ونصف المليون نسخة. تقاضى بوش مقابله سبعة ملايين دولار. المراجعة السريعة لأهم نقاط الكتاب تبين طبيعة عقلية بوش الصغير التي حكمت مصير أمريكا وبالتالي مصير العالم. اختار بوش أن يسرد مذكراته في سياق محطات مفصلية تتوقف عند أربعة عشر قرارا مصيريا اتخذها أثناء رئاسته لولايتين متتاليتين (200 ـ 208). يعترف في مذاكراته، على نحو مخفَّف، بأخطاء ارتكبها. لكنه يشيد بإنجازات تاريخية يُصر أنه حققها. وهي في الحقيقة كوارث تاريخية. يبدأ بوش مذاكراته بواقعة هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وينهيه بتسونامي الانهيار المالي. أي أنه رئيس كارثي. واجه في بداية فترة حكمه كارثة 11 سبتمبر وأنهاها بفاجعة انهيار النظام المالي العالمي. وبينهما فواجع قتل وتدمير سبّبها للعرب والمسلمون في أفغانستان والعراق، وكذا في فلسطين ولبنان بواسطة إسرائيل. وبمثل ما خدمته هجمات 11 سبتمبر في وضع مخططات المحافظين الجدد وأوهام الصليبيين الجدد (المسيحيين المتصهينين) للهيمنة على العالم قيد التنفيذ، أطاحت حروبه الفاشلة، في العراق تحديداً، بمشروعه اليميني المتطرف للقرن الأمريكي الجديد، وأدت إلى هزيمة حزبه في انتخابات الرئاسة ومجلسي النواب والشيوخ. وهو إذ يعترف، في مذكراته، بأخطاء ارتكبها، يذكرها كأخطاء لا مناص من وقوعها بطبيعة الممارسة السياسية في مواجهة الأحداث غير المتوقعة. إن منطق قناعاته السياسية، التي هي شخصية بالضرورة (يقول إنه يتبع غريزته)، تعبر عن ثقافة الواسب (أبيض، أنكلوساكسوني بروتستانتي) الشعبوية، بروحها العنصرية المجبولة من ثقافة كو كلوكس كلان والكابوي جوين وين مُبيد الهنود الحمر بمسدسه سريع الطلقات الذي لا تفرغ ذخيرته من مخزنه. إنه مجرم حرب لا يتورع عن الافتخار بجرائمه التي حصدت أرواح مئات ألوف القتلى المدنيين وأضعافهم من الجرحى، قضوا صرعى صورايخ جيوشه وقنابلها، ورصاص جنوده ومليشيات شركاته الأمنية. ولا يتورع عن تمجيد التعذيب في صيغة الإيهام بالغرق رغم أنه رئيس قائم على صون دستور يجرم التعذيب. ولم يملك في تبرير خرقه للدستور الأمريكي والقانون الدولي سوى الادعاء الزائف بأن تعذيب "محاكاة الغرق" ساعد في الحصول على معلومات أدت إلى إنقاذ أرواح مواطنين بريطانيين، الأمر الذي نفاه عدد من المسؤولين الأمنيين البريطانيين في تصريحات لصحيفة الجارديان في مقالها التحقيقي تحت عنوان:"لا دليل على مزاعم بوش من أن التعذيب أسهم في إحباط خطط لشن هجمات إرهابية". وقد طالبت منظمة العفو الدولية حكومة الولايات المتحدة محاكمته بتهمة التعذيب باعتبار "محاكاة الغرق" صنفاً من التعذيب كما صرح بذلك وزير العدل الأمريكي الحالي أريك هولدر. والشاهد أن منظمات حقوقية دولية كثيرة بدأت تحضّر لملاحقة بوش قضائيا. يقول بيل كويغلي، المدير القانوني في المركز الأمريكي للحقوق الدستورية، مخاطباً بوش:" امض في بيع تلك الكتب. إنك قد تحتاج المال لتحمّل تكاليف المحامين". وما يهمنا التوقف عنده كعرب، في مذكرات بوش الصغير، هو كونه صليبيا صهيونيا. بدليل أن أمه اعتبرته "أول رئيس يهودي" للولايات المتحدة الأمريكية حسبما جاء في مذاكراته. ويصوِّر حربه المدمِرة للعراق والعراقيين "فتحاً مبيناً". يصوِّر نفسه في صورة محرّر الشعوب العربية من الاستبداد ومُحضّرها للديمقراطية. وأنه، بفضله، عمدت عديد من الأنظمة العربية إلى إجراء إصلاحات ديمقراطية. وهو يورد أمثلة تفضح قادة عرب سواء في تآمرهم مع أمريكا في حربها على العراق أو في خنوعهم خوفاً من الجبروت البوشي. ويُبدي كراهية لعرفات المقاوم ويكيل المديح لعباس المساوم. ويفسر دعمه للحصار الإسرائيلي الإجرامي على غزة، بالقول: " كنا نريد أن يرى سكان غزة التناقض الكبير بين ظروف معيشتهم تحت قيادة حماس وتلك القائمة تحت قيادة قائد ديمقراطي، عباس. وكنت واثقا أنهم مع الوقت، سيطالبون بالتغيير"... ويكشف كيف أنه في زيارته للشرق الأوسط، في مطلع العام 2008، لأجل تحضير حلفائه العرب لمواجهة إيران:" وجدتُ إسرائيل وحلفاؤنا العرب أنفسهم في لحظة نادرة من الوحدة"... إن العرب، شعوبا وقادة، بالنسبة له، أدوات استخدامية في استراتيجيات الامبراطورية. أما إسرائيل فهي قوة أمريكا الباطشة بالعرب المقاومين والممانعين لتركيعهم وإخضاعهم لهيمنة الامبراطوية. من هنا كانت حرب يوليو العام 2006 حرب بوش قبل تكون حرب أولمرت. اعتبرها فرصة سانحة لتوجيه ضربة قاصمة لقوة حزب الله وراعيه: إيران وسورية. ويقول إنه تأسف عندما أعلن أولمرت عدم استهداف سوريا. وقد ذهب مع نائبه ديك تشيني إلى الرهان الأقصى على القوة الإسرائيلية للقضاء على حزب الله في حرب يوليو 2006، بينما كانت وزيرة خارجيته كونداليزا رايس، كما كتب بوش في مذكراته، تعارض فكرة "قضاء" إسرائيل على حزب الله، قائلة لديك تشيني:" إذا ما فعلت ذلك... سوف تموت أمريكا في الشرق الأوسط". وهو ما حدث فعلاً. ماتت أمريكا (مشروعها) في الشرق الأوسط. ولكن ليس بالقضاء على حزب الله وإنما لفشل إسرائيل في القضاء عليه، حتى أنها هي التي طلبت وقف إطلاق النار، فيما كان يُطالبها بإطالة مدة الحرب. أما سوريا فحقده عليها شديداً لموقفها الممانع. فبعدما قصفت إسرائيل عام 2007 المنشأة في دير الزور، شعر بوش بالرضى لأن العملية كما قال:" أعادت لي جزءا من الثقة بالإسرائيليين، والتي فقدتها بعد النتائج غير المرضية لحرب لبنان الثانية". والخلاصة لا ندم لديه. لا أسف. ولا اعتذار. فالاعتذار كمال قال في مقابلة تليفزيونية:" معناه أن القرار كان خاطئا". وهو ما لا يتسق مع شخصية مغرورة ومتعجرفة. إنه يتطابق مع خلّه الوفي توني بلير في احتقاره لحكم التاريخ:" مهما كان حكم التاريخ علي فأنا مرتاح لأنني لن أكون حيا كي استمع لحكمه..".

984

| 30 ديسمبر 2010

تحية للأمير الاستثنائي

ما أحدثتَه قطر استثنائي. والنتيجة دولة استثنائية. مارست الحكم بذهنية حداثية سياسية واقتصادية وثقافية رامت تحولا نهضوياً مائزاً، قام على تنمية ثروات البلاد من النفط والغاز حتى أصبحت قطر الدولة الأولى عالمياً في إنتاج الغاز المسيل. والأولى عالمياً في تصنيف مستوى دخل الفرد، بحيث تجاوزت حصة الفرد القطري أكثر من 90 ألف دولار أمريكي سنويا من إجمالي الناتج المحلي. وترافق هذا التحول الاقتصادي المزدهر مع إصلاحات سياسية ديموقراطية طالت إلغاء وزارة الإعلام وإطلاق حرية الصحافة والإعلام وحرية التعبير وإقرار دستور دائم بعد التصويت عليه كمقدمة لإجراء انتخابات المجلس البلدي ثم أول انتخابات برلمانية على مستوى الدولة. ولم تكن هذه الإصلاحات الديموقراطية ملحة أو ضرورية من منظور السلطة الآمنة. فأهل قطر كانوا ولا يزالون كما خبرتُ آراء الكثير منهم راضين بنظام حكمهم على ما هو عليه، حيث يكاد معظمهم أن يكونوا مليونيرين. فهي إذن مبادرة استثنائية من رأس الحكم سابقة بسنوات على هستريا بوش بعد الحادي عشر من سبتمبر لفرض إصلاحات دموقراطية على الأنظمة العربية التي سارع معظمها إلى إحداث إصلاحات تجميلة لامتصاص غضب عظيم الروم الجدد .. لقد أفضت رؤية الأمير الاستثنائي لقطر الحديثة، بالعمل الدؤوب، إلى جعلها نموذجا للنجاح: اقتصاديا وسياسيا وإعلاميا ورياضيا. وعلميا أيضا. كان ذلك تحديا عويصاً مركَّبا من تحديات متعددة لا تسعفها مساحة الدولة الصغيرة وقلة سكانها. لكن استجابة قطر لهذه التحديات كانت مذهلة بفضل الرؤية الثاقبة لأميرها الذي وظّف ثروات الغاز والنفط لأجل أن تكون دولته عنواناً لقصة النجاح الاستثنائي. ولم يكن ذلك لدواعي مماحكة مكانة دول كبيرة في المنطقة تريد أن تنتزع دوراً أكبر من حجمها الجيوبولتيكي، كما يُصوّر بعض المعلقين المغرضين الأمر. وهو تصوير مغالط لحقيقة الأمر. لأن من حق قطر أن تقوم بما تستطيعه عندما يتقاعس الكبار عن أداء دورهم القيادي في تسوية النزاعات العربية كما حدث في "اتفاق الدوحة" التوفيقي بين الخصوم اللبنانيين، دون أن يكون بديلا عن اتفاق الطائف الأصلي. وكما حدث في اتفاقية إنهاء القتال بين الحوثيين والحكومة اليمنية. وهو ما يحدث في منبر الدوحة التفاوضي لأجل جلب السلام والتنمية إلى دارفور. وأجد الدوحة أفضل مكاناً لتفاوض فتح وحماس إذا ما تحررت فتح من الأجندة الأمريكية والتبعية شبه العمياء لـ "عرب الاعتدال". وبالمناسبة فإن سياسة قطر العربية والدولية معتدلة حسب المفهوم البراغماتي وبأسلوبها الاستثنائي. فهي منحازة بقوة إلى مصالح دول الخليج العربي لكنها في الوقت نفسه تحافظ على علاقات طيبة مع إيران. وبمثل ما هي على علاقة جيدة بأمريكا لا تتوانى عن دعم مقاومة حماس وحزب الله وممانعة سوريا. ومن هنا هي في محور المقاومة والممانعة. ونذكر هنا موقفها المُشرِّف في دعم مقاومة حزب الله أثناء العدوان الإسرائيلي تموز 2006 وجهدها الدبلوماسي الملحوظ لوقف العدوان بينما كانت أنظمة عربية مركزية تحرّض إسرائيل على مواصلة حربها التدميرية على لبنان. وعقب انتهاء العدوان جاء الأمير الاستثنائي إلى بيروت في زيارة استثانية للضاحية الجنوبية، معلنا من فوق الركام:" إن المقاومة في لبنان حققت انتصارا عربيا طال انتظاره.." وبعده جاءت المساعدات القطرية السخية لإعادة بناء آلاف الوحدات السكنية في القرى الجنوبية التي هدمتها آلة الحرب الإسرائيلية. وأثناء العدوان الإسرائيلي الإجرامي على غزة بذل الأمير العروبي جهودا مضنية من أجل عقد قمة عربية مخصصة لدفع عدوان بني صهيون عن غزة وأهلها. ورغم أن قمة غزة في الدوحة لم تحقق نصاب القمة العربية الرسمية إلا أنها حققت ما لم يكن أن تحققه قمة عربية رسمية مكتملة النصاب. لقد كانت قمة مقاومة وممانعة بامتياز...... والسؤال: لماذا تقوم قطر بمثل هذه الأدوار الاستثنائية؟! والجواب: لِمَ لا ما دامت أدوار إيجابية تخدم القضايا العربية بلا منة ولا أطماع. فقطر لا تريد نفوذا. فذلك لا طاقة لها به. لذلك تقوم بما لا يريد الآخرون أن يقوموا بها. والأحرى لا يستطيعون لأنهم لا يحظون بشرط الإنصاف. الشرط الذي وفرته قطر، على سبيل المثال، في اتفاق الدوحة بين الخصوم اللبنانيين، وبين الحوثيين وحكومة صنعاء، وتوفره بين الدارفوريين وحكومة الخرطوم.. ولكن يبقى احتضان قطر لقناة الجزيرة أكثر ما يغيض المغتاضين. ولا نملك إلا أن نطالب الجزيرة بمزيد من حرية التعبير . إذ لن يرضى عنك طغاتنا حتى تتبع طريقتهم في صناعة الإعلام الخشبي وفضائيات التدليس. فهنيئاً لك ولشعب قطر الطيب هذا الحصاد الغني من النجاحات المتواصلة. وإن 2022 لناظره قريب....

316

| 23 ديسمبر 2010

alsharq
من سينهي الحرب؟                

سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...

19782

| 16 مارس 2026

alsharq
ما وراء إغلاق الأقصى... هل نعي الخطر؟

ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم:...

1869

| 22 مارس 2026

alsharq
الشيخ عبدالرشيد صوفي وإدارة المساجد

* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل،...

1242

| 18 مارس 2026

alsharq
ليست هذه سوى بتلك!

ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال...

909

| 17 مارس 2026

alsharq
رمضان والعشر الأواخر

تُعد العشر الأواخر من رمضان فرصة أخيرة لا...

849

| 16 مارس 2026

alsharq
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد

دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر...

822

| 17 مارس 2026

alsharq
وداعاً أيها الراقي المتميز

يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة...

720

| 17 مارس 2026

alsharq
لا تهاون في حماية أمن وسيادة قطر

رغم إعلان دولة قطر نأيها بنفسها منذ بداية...

705

| 19 مارس 2026

alsharq
حلت السعادة بحسن الختام

مرّت أيامك سريعًا يا شهر الصيام، ولكن رمضان...

696

| 19 مارس 2026

alsharq
نكون أو لا نكون

لم يعد الاعتماد على استيراد السلاح خيارًا آمنًا...

654

| 18 مارس 2026

alsharq
تقييم الأداء الحكومي

أخطر ما يواجه الأنظمة الإدارية ليس ضعف الأداء…...

615

| 16 مارس 2026

alsharq
رجال الصناعة والطاقة.. منظومة تُدار بخبرات وطنية

من واقع خبرتي الميدانية، ومعايشتي المباشرة لتفاصيل قطاع...

564

| 22 مارس 2026

أخبار محلية