رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد عامين على خروج بوش الصغير من البيت الأبيض وابتعاده عن الظهور في الحياة العامة، ها هو يعود ليشغل الرأي العام الأمريكي والعالمي بمناسبة صدور مذكراته تحت عنوان decision points " القرارات المصيرية" أو "نقاط القرار" في ترجمة حرفية. الكتاب جاء في نحو 500 صفحة. طُبع منه مليون ونصف المليون نسخة. تقاضى بوش مقابله سبعة ملايين دولار. المراجعة السريعة لأهم نقاط الكتاب تبين طبيعة عقلية بوش الصغير التي حكمت مصير أمريكا وبالتالي مصير العالم. اختار بوش أن يسرد مذكراته في سياق محطات مفصلية تتوقف عند أربعة عشر قرارا مصيريا اتخذها أثناء رئاسته لولايتين متتاليتين (200 ـ 208). يعترف في مذاكراته، على نحو مخفَّف، بأخطاء ارتكبها. لكنه يشيد بإنجازات تاريخية يُصر أنه حققها. وهي في الحقيقة كوارث تاريخية. يبدأ بوش مذاكراته بواقعة هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وينهيه بتسونامي الانهيار المالي. أي أنه رئيس كارثي. واجه في بداية فترة حكمه كارثة 11 سبتمبر وأنهاها بفاجعة انهيار النظام المالي العالمي. وبينهما فواجع قتل وتدمير سبّبها للعرب والمسلمون في أفغانستان والعراق، وكذا في فلسطين ولبنان بواسطة إسرائيل. وبمثل ما خدمته هجمات 11 سبتمبر في وضع مخططات المحافظين الجدد وأوهام الصليبيين الجدد (المسيحيين المتصهينين) للهيمنة على العالم قيد التنفيذ، أطاحت حروبه الفاشلة، في العراق تحديداً، بمشروعه اليميني المتطرف للقرن الأمريكي الجديد، وأدت إلى هزيمة حزبه في انتخابات الرئاسة ومجلسي النواب والشيوخ. وهو إذ يعترف، في مذكراته، بأخطاء ارتكبها، يذكرها كأخطاء لا مناص من وقوعها بطبيعة الممارسة السياسية في مواجهة الأحداث غير المتوقعة. إن منطق قناعاته السياسية، التي هي شخصية بالضرورة (يقول إنه يتبع غريزته)، تعبر عن ثقافة الواسب (أبيض، أنكلوساكسوني بروتستانتي) الشعبوية، بروحها العنصرية المجبولة من ثقافة كو كلوكس كلان والكابوي جوين وين مُبيد الهنود الحمر بمسدسه سريع الطلقات الذي لا تفرغ ذخيرته من مخزنه. إنه مجرم حرب لا يتورع عن الافتخار بجرائمه التي حصدت أرواح مئات ألوف القتلى المدنيين وأضعافهم من الجرحى، قضوا صرعى صورايخ جيوشه وقنابلها، ورصاص جنوده ومليشيات شركاته الأمنية. ولا يتورع عن تمجيد التعذيب في صيغة الإيهام بالغرق رغم أنه رئيس قائم على صون دستور يجرم التعذيب. ولم يملك في تبرير خرقه للدستور الأمريكي والقانون الدولي سوى الادعاء الزائف بأن تعذيب "محاكاة الغرق" ساعد في الحصول على معلومات أدت إلى إنقاذ أرواح مواطنين بريطانيين، الأمر الذي نفاه عدد من المسؤولين الأمنيين البريطانيين في تصريحات لصحيفة الجارديان في مقالها التحقيقي تحت عنوان:"لا دليل على مزاعم بوش من أن التعذيب أسهم في إحباط خطط لشن هجمات إرهابية". وقد طالبت منظمة العفو الدولية حكومة الولايات المتحدة محاكمته بتهمة التعذيب باعتبار "محاكاة الغرق" صنفاً من التعذيب كما صرح بذلك وزير العدل الأمريكي الحالي أريك هولدر. والشاهد أن منظمات حقوقية دولية كثيرة بدأت تحضّر لملاحقة بوش قضائيا. يقول بيل كويغلي، المدير القانوني في المركز الأمريكي للحقوق الدستورية، مخاطباً بوش:" امض في بيع تلك الكتب. إنك قد تحتاج المال لتحمّل تكاليف المحامين".
وما يهمنا التوقف عنده كعرب، في مذكرات بوش الصغير، هو كونه صليبيا صهيونيا. بدليل أن أمه اعتبرته "أول رئيس يهودي" للولايات المتحدة الأمريكية حسبما جاء في مذاكراته. ويصوِّر حربه المدمِرة للعراق والعراقيين "فتحاً مبيناً". يصوِّر نفسه في صورة محرّر الشعوب العربية من الاستبداد ومُحضّرها للديمقراطية. وأنه، بفضله، عمدت عديد من الأنظمة العربية إلى إجراء إصلاحات ديمقراطية. وهو يورد أمثلة تفضح قادة عرب سواء في تآمرهم مع أمريكا في حربها على العراق أو في خنوعهم خوفاً من الجبروت البوشي. ويُبدي كراهية لعرفات المقاوم ويكيل المديح لعباس المساوم. ويفسر دعمه للحصار الإسرائيلي الإجرامي على غزة، بالقول: " كنا نريد أن يرى سكان غزة التناقض الكبير بين ظروف معيشتهم تحت قيادة حماس وتلك القائمة تحت قيادة قائد ديمقراطي، عباس. وكنت واثقا أنهم مع الوقت، سيطالبون بالتغيير"... ويكشف كيف أنه في زيارته للشرق الأوسط، في مطلع العام 2008، لأجل تحضير حلفائه العرب لمواجهة إيران:" وجدتُ إسرائيل وحلفاؤنا العرب أنفسهم في لحظة نادرة من الوحدة"... إن العرب، شعوبا وقادة، بالنسبة له، أدوات استخدامية في استراتيجيات الامبراطورية. أما إسرائيل فهي قوة أمريكا الباطشة بالعرب المقاومين والممانعين لتركيعهم وإخضاعهم لهيمنة الامبراطوية. من هنا كانت حرب يوليو العام 2006 حرب بوش قبل تكون حرب أولمرت. اعتبرها فرصة سانحة لتوجيه ضربة قاصمة لقوة حزب الله وراعيه: إيران وسورية. ويقول إنه تأسف عندما أعلن أولمرت عدم استهداف سوريا. وقد ذهب مع نائبه ديك تشيني إلى الرهان الأقصى على القوة الإسرائيلية للقضاء على حزب الله في حرب يوليو 2006، بينما كانت وزيرة خارجيته كونداليزا رايس، كما كتب بوش في مذكراته، تعارض فكرة "قضاء" إسرائيل على حزب الله، قائلة لديك تشيني:" إذا ما فعلت ذلك... سوف تموت أمريكا في الشرق الأوسط". وهو ما حدث فعلاً. ماتت أمريكا (مشروعها) في الشرق الأوسط. ولكن ليس بالقضاء على حزب الله وإنما لفشل إسرائيل في القضاء عليه، حتى أنها هي التي طلبت وقف إطلاق النار، فيما كان يُطالبها بإطالة مدة الحرب. أما سوريا فحقده عليها شديداً لموقفها الممانع. فبعدما قصفت إسرائيل عام 2007 المنشأة في دير الزور، شعر بوش بالرضى لأن العملية كما قال:" أعادت لي جزءا من الثقة بالإسرائيليين، والتي فقدتها بعد النتائج غير المرضية لحرب لبنان الثانية".
والخلاصة لا ندم لديه. لا أسف. ولا اعتذار. فالاعتذار كمال قال في مقابلة تليفزيونية:" معناه أن القرار كان خاطئا". وهو ما لا يتسق مع شخصية مغرورة ومتعجرفة. إنه يتطابق مع خلّه الوفي توني بلير في احتقاره لحكم التاريخ:" مهما كان حكم التاريخ علي فأنا مرتاح لأنني لن أكون حيا كي استمع لحكمه..".
هل أتاك حديث غزة!!
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق عكاشة عن غزة بعنوان "غزة في القلب". فيه قابلت بالصدفة... اقرأ المزيد
93
| 07 مايو 2026
كلمات سمو الشيخة موزا وفرحة التخرج
•جاء شهر مايو حاملاً فرحة التخرج، مع احتفالات الجامعات في دولة قطر، وفي مقدمتها حفل تخريج مؤسسة قطر... اقرأ المزيد
57
| 07 مايو 2026
بين البناء والانهيار.. المؤسسات البابلية.. التاريخ والرمز
ليست كل التجارب التاريخية تُقرأ بمعناها الظاهر، فبعض الحضارات- ومنها بابل- تُقدَّم في الوعي الإنساني على مستويين: مستوى... اقرأ المزيد
78
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2265
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1932
| 30 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل قد يظل متماسكًا من الخارج، بينما في داخله آلاف الشقوق التي لا تُرى، هكذا نحن بعد الخذلان، نبدو كما كنا، نتحدث، نبتسم، نُكمل أيامنا، لكن في الداخل شيء ما لم يعد كما كان. الخذلان لا يوجع لأنه جرحٌ عابر، بل لأنه إعادة تعريف قاسية للأشياء التي كنا نؤمن بها، هو اللحظة التي نكتشف فيها أن القرب لم يكن أمانًا، وأن المعرفة العميقة بنا لم تمنع الأذى، بل سهّلته. من علّمنا أن من يسمعنا جيدًا لن يكسرنا؟ أن من يعرف تفاصيلنا سيحفظها لا يستخدمها؟ أن من اقترب قد اختار البقاء؟ الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أقسى الخيبات ليست في سوء الناس، بل في تصوّراتنا عنهم، نحن لا نُخذل فقط لأنهم أخطؤوا، بل لأننا بنينا داخلنا نسخةً منهم لا تشبه حقيقتهم، أحببنا ما ظننّاه فيهم، ووضعنا ثقتنا في صورة رسمناها نحن، ثم صدمنا حين تصرّفوا بما هم عليه فعلًا، لا كما تمنينا. لكن… هل هذا ذنبنا؟ هل يُلام القلب لأنه صدق؟ هل يُعاقب الصدق لأنه لم يشكّ؟ هل نُدان لأننا منحنا الأمان كما نتمناه لأنفسنا؟ ربما لا لكن النضج يهمس لنا بشيء آخر: أن النوايا الطيبة لا تكفي لحماية أرواحنا، وأن العطاء بلا حدود قد يتحول إلى استنزاف، وأن الثقة، وإن كانت نقية، تحتاج إلى وعي يحرسها. نحن لم نُخطئ حين وثقنا، لكننا تأخرنا في قراءة الإشارات، تجاهلنا ما كان واضحًا، وبرّرنا ما لم يكن يُبرَّر، لأن فكرة الأمان كانت أجمل من حقيقة القلق ولهذا كان الانكسار عميقًا، لأنه لم يكسرنا فقط من الآخر، بل كسر شيئًا في فهمنا لأنفسنا، حين ينكسر الزجاج من الداخل. لا يعود السؤال: من كسره؟ بل: كيف نعيد تشكيله دون أن نفقد شفافيته؟ كيف نبقى كما نحن دون أن نكون ساذجين؟ كيف نثق دون أن نسلّم أنفسنا بالكامل؟ كيف نُحب دون أن نذوب؟ ربما الجواب ليس في أن نغلق قلوبنا، بل في أن نُبطئ فتحها، أن نفهم أن القرب لا يُقاس بالكلمات ولا بالوقت، بل بالمواقف حين لا يكون هناك ما يُجبر الآخر على أن يكون جيدًا، أن نُدرك أن بعض الناس يُتقنون الاقتراب، لكن القليل فقط يُجيدون البقاء دون أن يُؤذوا، وحينها لن نتوقف عن العطاء، لكننا سنتوقف عن إعطائه لمن لا يعرف قيمته لأننا، ببساطة، لا نستحق أن نُكسر كل مرة. فقط لأننا كنا نبحث عن الأمان في المكان الخطأ.
807
| 03 مايو 2026