رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قرار المحكمة للأمور المستعجلة حظر جماعة الإخوان المسلمين ثم سعي بعض القانونيين تطوعاً لخلق "محاكم تفتيش" تتابع تنفيذ هذا الحكم في الانتخابات البرلمانية القادمة لمنع أي عضو من جماعة الإخوان الترشح للانتخابات البرلمانية القادمة هو نكسة للثورة في الوقت الذي تتشكل فيه جمعيات وحركات على غرار حركة تمرد لجمع ملايين التوقيعات تطلب فيها من السيسي الترشح لرئاسة الجمهورية باعتباره بطلا قوميا أرجع مصر إلى حضن أهلها ممن اغتصبها، وفقا لأدبيات ومصطلحات تتهافت عليها النخب المترهلة في مصر، ممن أعمى الحقد بصيرته، لم يجد في الإخوان إلا عفريتا يجب صرفه، ولو بطقوس وشعوذات لا تمتّ إلى الديمقراطية والعمل السياسي بصلة. حظر الإخوان هو الثالث في تاريخ مصر، وعقب كلّ حظر كانت تخرج الجماعة أقوى مما كانت. لا شك أن أموراً تغيرت في تاريخ مصر والجماعة التي يتعايش فيها ثلاثة أجيال في وقت واحد تعيش حاليا مخاض صراع الأجيال، يضاف له صراع الخلفيات الجغرافية من ريف وحضر، فضلاً عما تغيره الوسائط الاجتماعية اليوم من عقليات، وما تخلقه من نزعات وتوجهات عند مدمنيها، وهذا ينسحب على شباب الإخوان المسلمين كحال شريحة الشباب المصري المسيّس وغير المسيّس في آن واحد، إلا أن ذلك لا يمكن أن يقضي على الجماعة كتنظيم صمد لمدة ثمانين عاماً أمام الضربات الأمنية التي تعرض لها. إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين التي يقارب عدد أفرادها الملتزمين دفع الاشتراكات الشهرية يقارب المليون شخص، يضاف لهم أضعاف مضاعفة من المقربين والمؤيدين، فضلاً عن المتعاطفين معهم يصنفون بأنهم إرهابيون وأنهم يقفون وراء عمليات العنف التي تضرب مصر، ثم إصرار الإعلام المصري عن سابق تصميم على إلصاق تهمة الإرهاب بهؤلاء، يدرك خطورة ما تدفع السلطات المصرية البلاد إليه.. التضييق على الإخوان بمثل هذه الحالات وعدم ترك الباب مفتوحا وراءها للعودة ولو على قواعد وأسس مختلفة يعني عمليا دفع الجماعة لخيار إسقاط النظام الحالي مهما كان الثمن باهظاً. وأي باحث بشؤون الجماعات الإسلامية يعلم تماما أن التعامل الأمني مع جماعة الإخوان لن يخفيها من الوجود ولن يحدّ من نشاطها، ثم إن وضع الدولة يدها على عقارات ومؤسسات الإخوان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سيوجع الإخوان بلا شك، لكنه سيخلق داخلها جيلاً جديداً أكثر تشدداً وتصلباً وراديكالية من أيّ جيل ولد من رحم الحركة منذ تأسيسها على يد حسن البنا.. القول إن ما تعيشه مصر اليوم يعود سببه لإرهاب منظم يمارسه الإخوان هو كمن يغطي السماء بغربال. فجميعنا يعلم أن الدولة الأمنية والبوليسية لم تسقط بسقوط حسني مبارك، ولا برحيل المجلس العسكري، وأن كل مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية كانت شديدة العناد في التعاون مع نظام محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا لمصر، بل وصل الأمر ببعض ضبّاط الحراسة لمنزل مرسي أن يشتموا الرئيس وأولاده علناً أمام أنصاره، وكانوا يراهنون على أن مرحلة مرسي هي مرحلة مؤقتة ستنتهي سريعا. بعد سقوط مرسي بساعات، أخفتت مشاكل السولار والبنزين وطوابير الخبز والغاز وزحمة السير، كما انتهت أزمة سدّ النهضة الإثيوبي، وتدفقت المليارات الخليجية بشكل مثير للريبة، وانتهى الحديث عن خطورة التدخل الخارجي في الشؤون المصرية،في حين أصبح التدخل الخليجي مباركا ومطلوبا لحماية الأمن القومي المصري والعربي على السواء، ولم يعد أحد يهتم بالمضايقات الأمنية للصحافيين والإعلاميين، وكأن الأمر تحتاجه المرحلة الراهنة. الكذبة التي يروج لها خصوم الإخوان، ويتلقفها أحيانا بعض الكتاب من أصحاب الطوية الحسنة، أن ما حدث في 30 يونيو، وما بعده كان بسبب فشل الإخوان في إدارة مصر، الذين انتهجوا سياسة أخونة الدولة، وحاولوا بيع أجزاء من أراضيها لدول أخرى مثل قطر والسودان وإسرائيل، وأنهم تعاونوا مع الرئيس أوباما لتقسيم مصر، يدرك حقيقة المؤامرة التي حيكت بعناية وهدوء ضد الإخوان بعد 25 يناير 2011 وازدادت قوة بعد وصول مرسي للحكم. يا سادة.. ليس الإخوان هم سبب ما تمرّ به مصر اليوم، وليس بهذه الأساليب البوليسية الملتوية يمكن العبور بالبلاد إلى دولة ديمقراطية تعدّدية على غرار دول كانت تشبهها كثيراً مطلع القرن الفائت، مثل الهند، وماليزيا، وكوريا الجنوبية، وتركيا. مصر لن تنهض إلا بجميع مكوناتها من أقباط، وإسلاميين، وأحزاب ليبرالية ويسارية، وقومية. وإن إسقاط النظام الأمني الذي عاد بثوب جديد بعد أن أسقط الإخوان هو من ينبغي أن توجه إليه جهود المخلصين من المصريين.
465
| 28 سبتمبر 2013
استوقفتني مناشدة رئيس الائتلاف السوري المعارض مجلس الأمن إصدار قرار توضع فيه سوريا تحت الفصل السابع في حال عدم التزامها بالتخلص من مخزونها الكيمائي، وكذلك الإحباط الذي خيّم على ألسنة المعارضة السورية عقب الاتفاق الروسي الأمريكي القاضي بالتأجيل إن لم يكن الإلغاء التام للضربة العسكرية الغربية، حيث منح الاتفاق الأسد قبلة الحياة وفق ما ترى المعارضة، وحمل في مضامينه التغاضي عن المطالبات بإسقاطه أو خروجه من الحكم نهاية ولايته الحالية مقابل التعاون التام في القضاء على ما لدى سوريا من مخزون القوة الإستراتيجي. الأسد يرى نفسه منتصراً والمعارضة ترى نفسها خذلت، لكن ما لا يريد الطرفان فهمه والتعامل على أساسه هو أن الموضوع السوري بات أرضاً خصبة لكلّ من الولايات المتحدة وحلفائها من ناحية وروسيا وحلفائها من ناحية أخرى في اختبار ما لدى كلّ طرف من أوراق في معركة صراع الإرادات في مجتمع دولي ينتقل من نظام دولي أحادي القطب إلى نظام جديد متعدد الأقطاب. سوريا اليوم أصبحت ورقة دولية في توزيع الحصص بين الولايات المتحدة غير الراغبة في البقاء في المتوسط كما كانت سابقاً وبين روسيا الطامحة عبر البوابة السورية في إثبات قدرتها على البروز كلاعب في عالم متعدد الأقطاب يتجه إليه المشهد الدولي بعد عجز الولايات المتحدة عن التفرد التام والمطلق في رسم السياسات الدولية بعد سلسلة النكسات التي تعرضت لها في القضاء على الإرهاب، واحتواء إيران، وتأخير النمو الصيني الصاعد بقوة، إضافة إلى الهند، فضلاً عن البرازيل ودول أخرى في الخلفية الجنوبية للحديقة الأمريكية. روسيا تتاجر اليوم بمهارة في سوق المضاربة الدولي، وهي تحاول أن تستعيد أمجادها القيصرية أو ما تبقى لها من إرث في زمن الإتحاد السوفيتي، مستغلة بروز قوى دولية ناشئة وصغيرة لكنها كثيرة وقادرة على إرباك النفوذ الأمريكي وعرقلته. هنا تتحدث عن دول ستشكّل صداعا مزمنا للقطب الواحد ومشروعه الثقافي والاقتصادي والاجتماعي وما فرضه على العالم من ثقافة قدمها على أنها آخر منجزات الإنسان العلمية، والتي هي في الحقيقة ليست إلا رؤية الرجل الأبيض في فهم الدين والدولة والمجتمع والإنسان، وما وضعه من معايير قيمية مثل معايير الحق والباطل، الخير والشر، التقدم والتخلف. ولعل من إفرازات التوافق الروسي الأمريكي إبقاء الصراع في سوريا مشرع الأبواب ومستنزف للشعب والدولة طالما أن الدمار والخراب يبقى تحت السيطرة الدولية. يضاف له ما سيفرزه الصراع إن طال أمده من تفجر الخلافات العرقية والقيميّة في المنطقة، وبالتالي سيجعلها مفتوحة على كل أبواب الانفصال والتفكك التي ستأتي على أسس عرقية أو دينية أو مذهبية أو جغرافية في حين تبقى إسرائيل بمنأى عن أي تفتيت، بل إن سيناريو من هذا النوع يمنح إسرائيل فرصة للعيش ديموغرافياً لمُدد طويلة بعد أن فشلت في احتواء النمو الفلسطيني. ستصبح إسرائيل يوماً أكثر دولة لها مشروعية وسط كانتونات طائفية وعرقية لا تكاد تختلف عما يحمي الكيان الإسرائيلي بتركيبته الدينية والعرقية. الأزمة السورية عكست حقيقة الصراع الدولي، من إيران إلى العراق وحزب الله وما يطلق عليه بمحور المقاومة والممانعة إلى محور الاعتدال العربي الذي تتصدره دول الخليج المتفاهمة مع الولايات المتحدة. لقد تلقفت روسيا هذه اللحظة المناسبة من الاشتباك في الصراع لاستعادة نفوذها إما في المتوسط او في منطقة الاتحاد الأوروبي الذي لا طاقة له بالصراع مع روسيا بمنأى عن انخراطه في حلف شمال الأطلسي، ووفق النظرة الروسية الإستراتجية فإن تركيا في الأزمة السورية هي جزء أساسي من حلف شمال الأطلسي أكثر منها دولة مشرقية يحكمها إسلاميون لا يختلفون عن جماعة الإخوان المسلمين، وتربطها حدود مباشرة مع سوريا تؤثر فيها على أمنها القومي. وباختصار فإن الخاسر الوحيد في هذا الصراع هو الشعب السوري، وأن الشعب العربي برمته لا يزال أسير ما يطبخ له في الكواليس على الرغم ممّا قدمته الموجات الثورية من أمل في التحرر وخلق مجتمع يتماشى مع قيمه الأخلاقية وتطلعاته لبناء نفسه بنفسه.
455
| 21 سبتمبر 2013
بعيداً عما يدعيه النظام السوري وحلفاؤه من تحقيق الانتصار على الولايات المتحدة التي انكفأت عن عدوانها خوفاً مما قد يحلق بها من هزائم محتملة على يدّ النظام السوري وحلفائه في المنطقة ، وبعيداً ايضاً عن خيبة الأمل والإحباط المخيمين على رؤوس المعارضة السورية التي كانت تنتعش قبل عدة أيام بفعل الحديث عن توجيه ضربة عسكرية غربية لسوريا ، وتعد ثواني الانتظار الثقيلة لدخول وقت القضاء على النظام السوري مرحلة التطبيق ، جاءت المبادرة الروسية أو قل ان شئت الصفقة الروسية الامريكية لتقضي على الترسانة العسكرية السورية ، وما تملكه سوريا من مخزون استراتيجي من أسلحة الدمار الشامل التي عمل النظام على بنائها لعقود طويلة ، أملاً في تشكيل توازن رعب مع اسرائيل المسلحة بكل أنواع الأسلحة الفتاكة من تقليدية متطورة للغاية ، وصولا الى الأسلحة النووية والكيميائية والجرثومية . ومع موافقة النظام السوري على المبادرة الروسية بتدمير السلاح الكيميائي ، ووضعه تحت الرقابة الدولية ، تسقط كل مفردات "السيادة" و"الإستقلال" و"الإنتصار". ولا أفهم بماذا يزهو انصار النظام ، وقد قبلت سوريا بالتوقيع على معاهدة الحد من انتشار السلاح الكيميائي دون قيد أو شرط في حين يرقص الساسة الإسرائيليون مبتهجين؟ فما تحقق ، وسيتحقق في المستقبل المنظور بفعل المبادرة الروسية ، سينهي التهديد السوري المحتمل لإسرائيل لعقود طويلة ، دون أن تخسر الأخيرة قطرة دم واحدة . وسواء صحَ حديث وزير الخارجية الروسي سيرغي لاوفروف من أن المبادرة ثمرة زواج عرفي جمع واشنطن وموسكو سراً في خلوات متعددة على مدار الأسابيع السابقة ، رغم تخفي الإدارة الأمريكية خلف ايحاءات المفاجأة من المبادرة أو الصدمة من قبول السوريين بها ، أم لم يصح حديث لافروف ، فإن المبادرة الروسية انجزت أموراً عديدة للولايات المتحدة ، بغض النظر عمن ادعى الانتصار في هذه المعركة الدبلوماسية ، الأمريكان أم الروس أم السوريون . أول انجازات المبادرة المطبوخة خارجياً هو تدويل الأزمة السورية ، وفتح الباب أمامه على مصراعيه . النظام السوري الذي كان يرفض مطلقا البحث في حوار مع المعارضة تحت سقف الجامعة العربية بداية الأزمة بحجة الإخلال بالسيادة الوطنية ، ومن ثم رفضه بوجود المراقبين العرب قبل ان يعود ويقبل به، لم يجد وزير خارجيته وليد المعلم مبرراً لقبول بلاده تدمير السلاح الكيمائي إلا الحديث عن حماية الشعب السوري من عدوان خارجي ، هذا الشعب الذي يطحن على مدار عامين ونصف دون ان يتغير خطاب النظام حول الجماعات المسلحة والارهاب او يتطور سلوك المعارضة التي تريد ان تقضي على كل ما فعله آل الاسد منذ وصولهم للسلطة في سوريا ، ولو كان الثمن تدمير سوريا : الدولة ، والمجتمع ، والأرض. الأزمة السورية باتت مدولَة تماما ، والكل يدلي بدلوه بها ، ويؤثر في سيرها : امريكا ، روسيا ، الاتحاد الأوروبي ، تركيا ، ايران ، أغلب العرب ، والى حد ما الصين ، وكوريا الشمالية . قد يقول قائل : ان النظام السوري يناور في مسألة السلاح الكيميائي ، ولن يسلمه للأمم المتحدة ، حرصاً على أهميته كسلاح استراتجي أمام العدو الإسرائيلي . شخصياً لا اعتقد ان النظام قادر على المناورة بعد أن اطبقت الكماشة الغربية على رقبته ، ووضعته امام خيارات تتضاءل يوما بعد يوم . والأكثر خطورة في ملفات الأزمة بعد المبادرة الروسية هو الدخول في سيناريو شبيه بالسيناريو العراقي اثناء حكم صدام حسين الذي قبل بوجود مفتشين دوليين عن اسلحة كيميائية وبيولوجية على أرضه لتتحول الامور فيما بعد من التفتيش عن اسلحة دمار شامل الى التطرق لقضايا تمس أمن الدولة والمجتمع العراقي . وكانت النتيجة أن الولايات المتحدة وحلفاءها استغلوا الأمم المتحدة لتهيئة الحرب على العراق ، تمهيدا لاحتلالها . ولولا أن المقاومة العراقية كانت شرسة ، وألحقت خسائر فداحة بالغزاة لما انكفأت امريكا ، وخرجت حاسرة الرأس من العراق ، وهو الأمر نفسه الذي يكاد يتكرر في افغانستان . الحال الذي وصلت إليه سوريا اليوم يجعل من السهل تطبيق السيناريو العراقي بحذافيره ، والخطورة هو أن يكون الهدف الغربي ، الذي تشاكسه روسيا لأسباب خاصة بمصالحها الحيوية وتحاول أن توظفه المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري ، هو تفكيك الدولة السورية تماماً وتحويلها الى كيانات وكنتونات طائفية وعرقية .
472
| 14 سبتمبر 2013
لا يسع المرء إلا أن يقلق على مصر مما هو قادم بعد الانفجار الذي تعرض له وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، ليس حباً بالرجل أو إعجابا بيديه الملطختين بدماء المصريين في رابعة والنهضة، وإنما خوف من سيناريو التفجير في بلد يمثل الرأس من جسد الأمة العربية. والعنف لم يكن يوماً حلاً، ولا يسلك العنف أو يؤمن به إلا رجل ضعيف الحجة، أيا كان نوع العنف، لفظيا كان أم جسديا. والمظلوم يفقد حقه حين يلجأ إلى العنف، وربما يتحول إلى ظالم يخسر معه أدنى تعاطف قد لمسه في الشارع. وبما أن الحديث عن التفجير الذي طال اللواء إبراهيم، فلا يجوز هنا تجاهل خلفيات حدوثه قبل التطرق لتداعياته الأمنية والسياسية والاقتصادية. فقد يكون التفجير برمته أمراً مدبراً ومفبركاً من قبل الأجهزة الأمنية المصرية تمهيدا لاتخاذ إجراءات أكثر تعسفية ضدّ المعارضة الموجودة في الشارع، والمغيبة نخبتها في السجون، مع تزايد الأعداد المنددة بالانقلاب وولادة ما بات يعرف بالتيار الثالث الرافض للانقلاب ولعودة الإخوان إلى المشهد السياسي من جديد. وقد يكون الهدف من التفجير، في حال كان من صنع الأجهزة الأمنية المصرية، التخلص من اللواء محمد إبراهيم ككبش فداء، بعد أن أصبح اسمه مرتبطا بالمجازر التي وقعت منذ الانقلاب تمهيدا لتغير في المشهد السياسي المأزوم. وهذا سيناريو أقل رجحانا من القول إن جهة إرهابية هي من تقف وراء التفجير متأثرة بما آلت إليه الأمور بعد الانقلاب. وهنا مكمن الخطورة لأننا سنكون حينها أمام مشهد شديد التعقيد على الساحة المصرية، ومعها نسأل هل بدأت تيارات إسلامية تلجأ إلى العنف المسلح في مواجهة الآلة الأمنية والإعلامية شديدة القسوة في تشويه وشيطنة كل ما هو إسلامي؟ وهل بالفعل فقدت قيادات الإخوان السيطرة على شبابها المنهمك في التظاهرات والاعتصامات اليومية في طول البلاد وعرضها؟ بكل الأحوال، الجهة الأساسية التي تتحمل المسؤولية عن تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد هي الحكومة الحالية بسبب السياسات التي انتهجتها في إقصاء وملاحقة التيار الإسلامي ثم الفض الدموي لاعتصامي رابعة والنهضة، ونخشى في حال لم تعدل الحكومة عن سياساتها أن تنزلق البلاد إلى حرب أهلية طاحنة. مصر تحتاج اليوم لمصالحة وطنية شاملة، وهذه المصالحة ليست حاجة ضرورية لإعادة دمج الإخوان والإسلاميين في الحياة السياسية وحسب وإنما حاجة مجتمعية لصيانة المجتمع المصري الذي يشهد حالات تشظي لم تكن معهودة من قبل، فالشعب المصري بطبيعته شعب وادع ومسامح وتغلب عليه الطيبة الشديدة، أما اليوم فالاحتقان والغضب والحقد بين المؤيدين للإسلاميين وبين المؤيدين للعسكر بلغت حداً تنذر بتفتت وتفكك المجتمع وربما تهيئته لحرب أهلية طاحنة، لا سمح الله، على غرار ما عاشه الشعب اللبناني سابقاً، وما يعيشه الشعب السوري حاليا. الخوف اليوم لم يعد على الديمقراطية في مصر، ولا على إعادة دمج الإخوان في المجتمع وإنما على مستقبل البلد والدولة فيه. جميع الأطراف في مصر بحاجة إلى التراجع خطورة إلى الوراء، بدءاً من الإخوان المصرين على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وصولاً إلى الجيش غير العابئ بكل الآلام التي تعرض لها الشعب منذ الانقلاب وحتى اليوم. الجيش فشل في حقن الدم المصري وفي منع الانقسام، كما فشل في حماية الأمن القومي المصري وهدد التحول الديمقراطي بسياساته الإقصائية والاستئصالية، وكشف عن مكنون ضخم من الحقد وعدم الاكتراث بدم أنصار التيار الإسلامي. الأمر يتطلب اليوم شجاعة من جميع الأطراف، لحماية الجيش المهدد بالصراع المفتوح مع شريحة مجتمعية كاملة لا تقل عن ثلاثة ملايين تتبع لجماعة الإخوان وتؤيدها، هذا إذا استثنيا بقية التيارات لاسيَّما التيارات السلفية الجهادية المعادية أصلا للدولة المصرية من جيش وشرطة وقضاء. والجيش مطالب بهذه الخطوة لحمايته من التفتت في وقت نرى الجيوش العربية تتفكك تباعاً بعد حلّ الجيش العراقي، وانشقاقات عمودية وأفقية طالت ومازالت الجيش السوري لأسباب قد نتفق على وجهاتها وقد نختلف، واليوم الدور على الجيش المصري. كما أن حماية اللحمة الوطنية تتطلب من الأحزاب والقوى المدنية المصرية الاعتراف بأنه لا يمكن عزل القوى الإسلامية وإقصائها عن المشهد السياسي وإلاّ يكون الجميع يدفع بمصر نحو الخراب.
512
| 07 سبتمبر 2013
تفجيرات المساجد في طرابلس شمال لبنان أعاد إلى ذاكرة المدينة أحداث الثمانينيات من الحرب الأهلية نظراً لمشاهد الدم المسفوك على أعتاب المساجد ومفارق الأزقة المؤدية إليها. قد تكون المصادفة وحدها هي من لعبت دور التنسيق والتتابع بين تفجير الرويس في الضاحية الجنوبية وتفجيري مسجدي التقوى والسلام في طرابلس بعد أسبوع. التحقيقات الأمنية ما زالت جارية، وما يسرب من داخل أقبية التحقيق لا يمكن البناء عليه، وإن كانت المعلومات الأولية تقول: إن من فجر في طرابلس جهة مغايرة لتلك التي ضربت في الرويس. وبناء عليه فليس بالضرورة أن يكون هدف التفجيرات إشعال فتنة سنية شيعية بقدر ما هي تجليات لتداعيات التدخل اللبناني غير الرسمي في الحرب السورية. ومع سلسلة التفجيرات المتنقلة، من الرويس في الضاحية الجنوبية إلى مسجدي التقوى والسلام في طرابلس، أضحى السؤال الأكثر طرحاً عند المواطن اللبناني: هل دخل البلد فعليا في عين العاصفة التي حذر منها الجميع أم أنه ما زال بعيدا ولو قليلاً عن دائرة النار؟ قريبا من الإجابة على السؤال المطروح، يشبه أحد الدبلوماسيين الغربيين الوضع بالقول: لبنان اليوم أشبه بالقنبلة الموقوتة، فإما يتمكن اللبنانيون من تفكيكها أو ستنفجر القنبلة في وجه الجميع. إذا كان الأمر في لبنان وبأحسن أحواله قنبلة موقوتة، فكيف سيكون الوضع إذا ما تعرض النظام السوري لضربات غربية وفقا لما تشير التقديرات؟ لبنان في واقع الأمر خاضع لتطورات الأحداث في سوريا، بل يذهب البعض في تصوراتهم على اعتبار لبنان رهينة لتوجهات وأمزجة الحكم في سوريا منذ استقلال البلدين عن الاستعمار الفرنسي في أربعينيات القرن الماضي. وإذا صح هذا التصور، فإن ارتهان لبنان لدمشق قد ازداد بشكل ملحوظ منذ دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 وحتى كتابة هذه السطور. وما يحكى عن تراجع النفوذ السوري لصالح النفوذين الإيراني والسعودي، فإنه في كل الأحوال، لم يغير كثيراً من قدرة دمشق في التأثير على المسارين السياسي والأمني في لبنان. يقرأ البعض في تصريحات النظام السوري وحلفائه في أن أي ضربة غربية لدمشق ستشعل الشرق الأوسط هو في جوهره تهديدا مبطنا لدول المنطقة وفي القلب منها لبنان الذي يلعب دور الحديقة الخلفية للنظام السوري عبر حلفائه النافذين في الحكم والسياسة والأمن، في حين يرى آخرون أن الأمر لا يعدو كونه ترجمة لما يمكن أن تتطور باتجاهه الأحداث بشكل دراماتيكي، بحيث تتوسع كرة اللهب لتصل إلى دول بعيدة جداً عن لبنان وسوريا. ومع تعطل جلسات الحوار وتجميد قنوات التواصل بين حزب الله العنصر الأقوى عسكريا وسياسيا في لبنان وبين قوى ١٤ آزار تزداد مؤشرات التفجير الداخلي رغم حديث الجميع من أن طرفا دوليا أو إقليميا أو داخليا لا يريد تفجير الوضع في لبنان. والأرجح أن ضربة توجه لسوريا لن تجعل حزب الله يقف في موقع المتفرج خصوصا إذا كانت الضربة تهدف لإسقاط النظام السوري. والحق أن مصير الشعب اللبناني لم يعد بيد أبنائه، وأن مستقبله السياسي والأمني بات في يد قوى إقليمية ودولية. فقد كان للأزمة السورية التي امتدت لسنتين ونصف السنة دور فاعل في رسم المشهد اللبناني الداخلي الذي ازداد وضعه تعقيدا وأصبح من المستحيل تحقيق تقارب بين قواه السياسية التي باتت تتخذ من مجريات الأحداث في سوريا ركائز في آليات التعاطي مع الوضع الداخلي. وما التمديد لمجلس النواب ومن ثم لقائد الجيش وعدم تشكيل حكومة إلا مؤشرات على ذلك. كما أن الأجهزة الأمنية لم تعد قادرة على ملاحقة السيارات المشبوهة التي يكشف عنها هنا وهناك، كما أن القوى السياسية أثبتت أنها ليست على مستوى من النضوج لتقول كفى تدهوراً للأوضاع في لبنان. وبمجرد الحديث عن اقتراب ضربة عسكرية لسوريا، دخل لبنان عبر معبر المصنع الحدودي أكثر من 13 ألف لاجئ سوري في أقل من أربع وعشرين ساعة، ولا يعلم هؤلاء أن لبنان لن يكون أكثر أمنا في حال وجهت ضربة عسكرية غربية لدمشق.
409
| 31 أغسطس 2013
المنطق السياسي بات معدوما كليا في العالم العربي، وما تتسم به الأحداث السياسية هو اللامنطق واللامعقول في رصد مجريات الأحداث وارتباطاتها وتداعياتها. ولم يعد هناك ما يمكن استغرابه في مصر أو سوريا أو لبنان أو العراق أو غيرها، ولا في بناء تحالفات جديدة وموت تحالفات أخرى.. ثورات وثورات مضادة ودول تتفكك وشعوب تحترق بيد جيشها وعساكرها. ويبلغ الأسى مداه حين تتساءل ما لو وقعت حرب بين العرب وإسرائيل، وهو أمر مستبعد إن لم يكن مستحيلا في ظل النظم القائمة حاليا، هل ستقدر إسرائيل على أن تفعل بالشعوب العربية أكثر مما تفعل جيوش هذه الدول بشعوبها؟ الآلاف يسقطون في رابعة العدوية، ودول عربية تدعم وتساند وتتهم الضحية بالإرهاب، وترى أن اقتلاعه من الجذور أمر ضروري لبقاء الدولة والشعب في مصر. في الغوطتين السورية، آلاف الأطفال والنساء والرجال يسقطون بغازات سامة، الحكومة تنفي والمعارضة تؤكد، والثابت أن المئات ماتوا اختناقا بغازات سامة. والمصيبة أن هناك من لا يصدق أن مجازر حصلت في مصر وأخرى تحصل في سوريا، وأن قتلا وقع في لبنان أودى بحياة العشرات بين قتيل وجريح وأن العراق يحصد شهريا ما يربو على ألف قتيل. ويذهب موت الضمير أو بلادته عند البعض، وما أكثرهم اليوم، إلى أن يقول إن ما يحكى عن مجازر ليس سوى فبركات إعلامية للتحريض على هذا النظام أو ذاك ولسلب الشعب إرادته الحرة. أو يقول: ما يصيب هؤلاء وأولئك هو أمر يستحقونه، فهؤلاء جماعات إرهابية تعرقل التحول في العالم العربي، ومن واجب الدولة سحقها، وقد فوض الشعب الجيش في ذلك، ولأول مرة نسمع أن شعباً يفوض جيشه على قتل جزء منه واستئصاله بلا رحمة. لا تسأل عن المجازر وما إذا كانت ستستمر، وكم ستحصد في قادم الأيام، فلم بعد السؤال أمرا مهما ولم يعد لجوابه قيمة أو اعتبار لأن الضمير بدأ يموت فينا. ولم يعد عند أغلب وسائل الإعلام العربي ضمير، وأضحت جزءا من السلاح المستعمل في قتل الخصم وإلغائه والقضاء عليه دون شفقة أو رحمة، وبات الإعلام العربي أشبه بجوبلز وزير الإعلام في نظام هتلر. ويكفي أن تستمع لعشر دقائق فقط إلى أي قناة إعلامية رسمية في بلد عربي يعاني اضطرابات أو ثورات لتكشف أي دور يلعبه الإعلام في معركة القتل والسحل. "الضمير" كلمة ملغاة في سياسات المجتمع الدولي الذي تحكمه المصالح، والسياسة الدولية لا تحكمها المبادئ ولا تعرف الأخلاق، وألفاظ "الشجب" و"التنديد" مفردات غير موجودة في قواميس السياسيين،لأنه لا معنى لها على أرض الواقع، وهي تستعمل للتنصل من المسؤولية بأسلوب مهذب. موت الضمير لم يعد سمة خاصة بالنظم العربية الحريصة على قمع شعوبها وسحقها وإلصاق تهم الإرهاب به، السلاح الأمضى والأكثر فعالية في الحروب التي تشن على الشعوب. ولم يعد متفشياً في أوساط النخب الثقافية والفنية فحسب. موت الضمير بدأ يدب في شرائح المجتمعات العربية نفسها، ويكفي أن تكون منتميا لجهة سياسية ما أو متعاطفا معها لتبرر لها ممارسة كل وسائل القتل والإلغاء والتشفي. ماذا تقول حين تسمع ناشطا حقوقيا أو عالم دين يبرر للجيش فض اعتصام رابعة بالقوة، ولو قتل الآلاف، بحجة تهديد الأمن القومي؟ أو حين ترى مواطنا بسيطا يقف إلى جانب نظام نافياً أي صفة إجرامية عما يقوم به في قمع شعبه رغم السوابق التاريخية له في هذا المجال، وحين تضيق عليه الحيل في نفي عمليات الإجرام وممارساتها، فإنه لا يتردد في تقديم التبرير والأعذار، وتحميل الضحية المسؤولية: لماذا يخرجون عليه؟ ومن الذي ذهب بهم إلى هناك؟ ثم بعد ذلك نسأل: كيف يمكن لسياسي أو إعلامي أو حتى مواطن يبرر القتل والسحل للآلاف من الناس؟ موت الضمير بات حقيقة في مجتمعنا العربي، بل أضحى مرضاً معدياً ينتشر عبر الهواء الملوث برائحة البارود والدم، وهو ينتقل من شريحة مجتمعية إلى أخرى، ولا يعلم إلا الله ما الذي ينتظرنا جميعا بعد أن يلفظ الضمير أنفاسه الأخيرة في دنيا العرب؟.
2146
| 24 أغسطس 2013
خطاب الرئيس اللبناني ميشال سليمان يوم الخميس الفائت بمناسبة عيد الجيش اللبناني يصنف بامتياز على أنه أكثر خطابات الرئيس سليمان انتقادا لحزب الله وانخراطه في الحرب السورية ، فضلا عن أن الخطاب يأتي في وقت يتعرض فيه الجيش اللبناني لهجمات مسلحة في أكثر من منطقة لبنانية ، وتزامنا مع توافق أغلب الفرقاء السياسيين على التمديد لقائد الجيش جان قهوجي لمدة سنتين ، والذي جرى دون موافقة زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون الذي اعتبر التمديد لقائد الجيش ومن قبله لمجلس النواب تقويضا للمؤسسات الدستورية والامنية في البلاد . كلام سليمان، الذي أشرفت ولايته على الانتهاء ، جاء أكثر قوة من أي خطاب له من قبل . والإنتقادات اللاذعة التي وُجهت لحزب الله كانت هي الأشد على الاطلاق التي تصدر من رئاسة الجمهورية التي كانت تُصنف قبل بدء الأزمة السورية على أنها على مسافة واحدة من جميع الأطراف السياسية . لقد اعتمد الرئيس سليمان في خطابه آنف الذكر على رؤيته في كيفية حماية لبنان من النزاعات التي تحيط به اقليميا ، متكئا على معادلة مفادها أن انقلابات حدثت وانظمة تغيرت في العالم العربي ، في حين بقي النظام الديموقراطي اللبناني صامدا على خط الزلازل بفضل الجيش الضامن للبنان الواحد المستقبل ، على حد وصف الرئيس سليمان . وما يهدد النظام الديموقراطي في لبنان ليس النزاعات الموجودة من حوله، بحسب رؤية الرئيس سليمان ، وإنما عرقلة مهمات الجيش وتصعب مهماته التي أرجعها سليمان لتورط "فريق أو أكثر من اللبنانيين في صراع خارج الحدود ما يؤدي الى استيراد الأزمات فيتحول لبنان الى حرب بالوكالة، كما ان مهمته تستحيل اذا استمرت ازدواجية السلاح الشرعي وغير الشرعي" ، معتبرا أن "الشهادة الحقيقة هي فقط في سبيل الوطن والدفاع عن وحدته وعزته وما يريده الشعب اللبناني هو التضحية من أجل لبنان وما لا يريده الشعب ان تروي دماؤه أرضا غير أرض الوطن". ويغمز سليمان من قناة حزب الله الذي يقول أنه يقاتل في سوريا لحماية لبنان وشعبه من تمدد الحريق السوري ، قائلا: "الدولة هي التي تحفظ الحقوق والكرامات بعيدا عن صراع العقائد والمحاور والمذاهب" ، ولم يعد مسموحا أن يبقى الجيش عبارة عن قوة فاصلة بين ميليشيات بحجة الدفاع عن قضية طائفية بل هو يمارس الشرعية اللبنانية ، وأن الزمن الذي كان فيه الجيش ممنوعا عن الدفاع عن الوطن قد ولى الى غير رجعة . ومن المواقف التي طرحها الرئيس سليمان للخروج من النفق السياسي الذي تعيشه البلاد هو اعادة دراسة الاستراتيجية الدفاعية ، وذلك على ضوء تخطي سلاح المقاومة الحدود، لافتا الى انه "ليس بالاضاءة على الأخطاء نمحو الأخطاء السياسية والارتهان للارتباطات، فلا يجوز موازنة الاخطاء بالدور الوطني الكبير الذي يقع على عاتق الجيش في حماية السيادة وحفظ الامن ، والمطلوب اليوم حملة مع الجيش لا حملة عليه". مما لا شك فيه أن كلام الرئيس سليمان أزعج حزب الله ليس بسبب انتقاداته لسياساته الخارجية فحسب ، وانما لمحاولته وضع الحزب على قائمة معرقلي بناء الدولة اللبنانية والزج بها وبشعبها في صراعات اقليمية ، الشعب اللبناني أعجز بكثير من مواجهة تداعياتها. على أية حال ، كلام الرئيس سليمان الأخير يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ، ان العلاقة بين حزب الله ورئاسة الجمهورية هي في أسوء مراحلها ، وأن كل محاولات احتواء الخلاف التي جرت بين الطرفين باءت بالفشل بسبب إصرار حزب الله على السير بسياساته وأعماله العسكرية خارج الحدود من ناحية ، وبسبب رفض الرئاسة تقبل هواجس حزب الله ومبرراته التي تدفعه للقتال خارج الحدود . الخطورة اليوم لم تعد على الخلاف حول صوابية تدخل حزب الله في سوريا من عدمه بقدر ما توسعت الدائرة لتصل الى البحث حول شرعية سلاح المقاومة التي كانت جميع البيانات الوزارية تؤكد عليها ، فيما يشبه الإجماع الوطني. يرى البعض أن كلام سليمان لا يعدو كونه لرجل يحزم حقائبه للرحيل من القصر الرئاسي، ولن يكون له انعكاس مهم على مستقبل الخارطة السياسية في البلاد، لكن مما لا شك فيه أن الانتقاد المتزايد لحزب الله كشف عمق الأزمة التي تعيشها البلاد ...
369
| 03 أغسطس 2013
شهدت تونس يوم الخميس الفائت اغتيال محمد البراهمي النائب في المجلس الوطني التأسيسي الذي استقال مطلع الشهر الحالي من الأمانة العامة لحركة الشعب التي اتهمها بالتماهي مع حركة النهضة، وأسّس حزب "التيار الشعبي" وصار منسّقه العام. يعتبر البراهمي خصماً لدوداً لحركة النهضة، وهو على نفس الخط السياسي لسلفه شكري بلعيد الذي اغتيل في 6 فبراير الماضي. وكلاهما ينتميان إلى المدرسة اليسارية المطعمة بالقومية العربية. عقب الاغتيال بدأت تحركات المعارضين حرقاً لمقرات النهضة، وتهجماً على مقرات الأمن، ودعوات للعصيان المدني وصولاً إلى إسقاط النظام بالكامل وحل المجلس التأسيسي إلى غير ذلك من الدعوات التي توضع في خانة الدعوة إلى الفوضى الشاملة دون معرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي لإسقاط النظام. والاغتيال على ما يبدو لا يشي بخصومة سياسية أو رؤية قاصرة النظر لمنفذيه، بل يأتي ضمن استراتيجية واسعة وأبعد بكثير من قدرات تيار السلفية الجهادية عن تنفيذه التي اتهمت سابقا في حادثة اغتيال شكري بلعيد، وهو أقرب ما يكون إلى عمل أجهزة المخابرات بغض النظر على يد من نفذت الجريمة؟ فكم من الاغتيالات كان وراءها أجهزة استخبارات إلا أنها نفذت بأياد بعيدة كل البعد عن هذه الأجهزة. تونس حالها اليوم كحال غيرها من الدول العربية، تعيش حالة استقطاب حاد بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، وقد انطلقت فيها حملة "تمرد" على غرار حملة تمرد المصرية، آملة في إسقاط حكم الترويكا الحاكمة كما أسقطت نظيرتها في مصر حكم الرئيس محمد مرسي وجماعته. إذن القواسم المشتركة في المشهدين كبيرة، والسيناريو المرسوم يبدو أنه يتكرر في تونس مع تغيير في بعض التفاصيل، ولعل الخاسر الحقيقي من هذا الصراع هو التحول الديمقراطي في المنطقة. معذور من يتأمل في المشهدين التونسي والمصري ثم يقول هناك مؤامرة حقيقية وممنهجة، تقف وراءه وتقوده جهة واحدة، وبصماتها واضحة في أكثر من مجال. معذور لأنه لا يمكن لعاقل أن يصدق أن التحركات الجارية لشيطنة الإسلاميين دون تمييز، وإجهاض مخرجات صناديق الاقتراع، وتيئيس الناس من قيم الديمقراطية والحرية في أغلب الدول العربية تأتي هكذا اعتباطاً، وأنه ليس هناك من يخطط لها من بعيد. وإذا كان المشهد يبدو جلياً في تونس ومصر حالياً، فليس ببعيد ذلك اليوم الذي نجد فيه المشهد يتكرر في ليبيا والمغرب واليمن، وفي أي بلد عربي يبحث أهله عن غد أفضل لهم ولأبنائهم في جوّ من الحرية والكرامة. لقد كشفت الأحداث التي ضربت مصر وتونس ودولاً أخرى أن الغالبية الساحقة من النخب العربية ليست على مستوى من الوطنية والقومية لتؤتمن على الأوطان التي تعيش بها. إذ أن الخصومة الإيديولوجية بينها أعمت أفئدتها ودفعتها للارتماء في أحضان الاستبداد على أن تقبل بما أفرزته صناديق الاقتراع. حال هذه النخب كحال أغلب وسائل الإعلام العربية التي امتهنت سياسة الفبركة والتضخيم والتشويه والحذف، مما يجعلها أحد ملحقات أجهزة المخابرات العامة التي تعمل على تغيير أمزجة وآراء الشعوب عبر ما تبثه وما تنشره. في مصر حدث ولا حرج، فأغلب وسائل الإعلام تصور الصراع السياسي بعد عزل الرئيس محمد مرسي على أنه صراع بين شعب وعصابة خارجة عن القانون وتمارس الإرهاب بحق هذا الشعب البسيط،ضاربين عرض الحائط بكل مكتسبات الثورة، وبكل الاستفتاءات التي أجريت منذ ثورة يناير 2011. وكلامنا هذا لا يعني انتصاراً لجماعة الإخوان المسلمين التي لم تثبت جدارة في الحكم بقدر دفاعنا عن مبادئ وقيم ومعايير هي أساس العقد الاجتماعي في المجتمعات الحديثة. وإذا كنا نخشى أن تتعرض تونس لثورة مضادة تلغي مكتسبات الثورة، فإن الخطورة في مصر هو الانزلاق إلى احتراب أهلي يقضي على مقدرات الدولة المصرية ويفرط عقد الجيش المصري، وهو الجيش الوحيد المتبقي في العالم العربي الذي لم يصبه التفكك أو الانشقاق كما هو حال الجيشين العراقي والسوري اليوم.
376
| 27 يوليو 2013
يشعر الإخوان المسلمون وقطاع واسع من المصريين والعرب أن ما حصل في 3/7 كان انقلابا عسكريا مكتمل الأركان ، وإن جاء فريدا في طريقته في عالم الانقلابات العسكرية ، وهو يستحق بجدارة أن يُدرّس على أنه من أذكى أنواع التحايل في تجارب العسكر الانقلابية على الحكم ، ممتطياً ظهور حشود بشرية ، هندس تشكيلها ورعى نماءها لحظة بلحظة . وقد يكون من السذاجة بمكان أن يصدق البعض أن ما حصل لم يكن أمرا مدبرا بليل ، والشواهد على ذلك كثيرة على حدّ وصف الإخوان ومن يدعمهم. قد يكون هذا صحيحا أو بعضه ، ما يهمنا هنا ما ترتب على هذا التحول الانقلابي أو الثورة التصحيحية كما يحلو لمن في السلطة اليوم تسميتها. وسط هذه السكرة التي رفعت أناسا وخفضت آخرين ، يتحمس البعض ويسترسل حالماً ، مطلقاً العنان لتمنياته ، فيسقطها على رؤيته السياسية بعيداً عن واقعية أو منهجية ، فينتفض قائلاً : "كانت الضربة القاضية لتيار الإسلام السياسي ..انتهى عهد الإخوان .. رميناهم في مزبلة التاريخ" .. ما سبق كلامٌ، مللنا سماعه لكثرة تكراره ، بجميع العبارات وبكل المفردات المسالة،على ألسنة بعض السياسيين ، وأغلب ألسنة الإعلاميين المصريين . الإخوان المسلمون ، كانوا وما زالوا ، جزءًا أساسياً من مكونات الشعب المصري ، بل إن ولادتهم سبقت ولادة "جمهورية مصر العربية"، وكلّ النظم التي تعاقبت على حكم مصر كانت تتعامل مع الإخوان كخصم عنيد حتى تكرست "ثنائية ضدية" في الحياة السياسية المصرية . هذه الثنائية يشكلها النظام في طرف ، وتجسدها جماعة الإخوان المسلمين المعارضة في الطرف الآخر ، فلا استطاع النظام يوماً أن يهضم الإخوان ، ولا استطاع الإخوان أن يتحولوا من صف المعارضة إلى صف النظام حين ابتسمت لهم السلطة وأصبحوا أهلها . لقد لازمتهم عقدة الاضطهاد التي طالتهم لثمانين سنة خلت ، ودفعتهم لعدم الثقة بمن هو خارج بيتهم الداخلي ، وجرت عليهم الويلات التي يعيشونها حالياً . كانوا في الحكم وعقولهم ما زالت تنتمي إلى حقبة ما قبل ثورة 25 يناير 2011 . لا يتسع المقام ، ولا يهدف أصلاً ، لسرد أخطاء الإخوان . وهدفنا هنا استشراف ما قد يقدم عليه الإخوان للخروج من المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه أو دفعوا إليه دفعاً . سيناريوهات مفروشة أمام الإخوان : السيناريو الأول : بقاء الإخوان في الشارع ، وتزايد عدد الحشود المتعاطفة معهم قبل حلول موعد الانتخابات القادمة ، وهو ما سيشكل قلقا للنظام الحالي الذي سيسعى للبحث عن مخرج ، ما يعني انهيار الانقلاب العسكري وعودة الأمور إلى سابق عهدها . وهو سيناريو تراهن عليه علنا جماعة الإخوان لكن إمكانيات تحقيقه قد تكون صعبة. السيناريو الثاني : خضوع الإخوان في نهاية المطاف أمام تعنت العسكر والقبول بالأمر الواقع ، ومن ثم العودة للبناء من جديد تربوياً وسياسياً. وهذا سيناريو مثالي وحالم أكثر منه واقعية . السيناريو الثالث : الوصول إلى حلول وسط لا ترضي العسكر ولا الإخوان وإنما تمليها ضرورات تجنيب البلاد الانزلاق نحو حرب أهلية طاحنة. والحلول الوسطية على شاكلة تنحي مرسي ، والدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة بإشراف دولي على أن تكون هناك حكومة انتقالية مصغرة هدفها الأساسي إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية ، ويسمى رئيسها محمد مرسي دون اعتراض من العسكر والقوى السياسية الأخرى . السيناريو الرابع : استمرار رفض الإخوان للمشاركة السياسية في العلن والبقاء في الشارع مع عجزهم في التأثير على النظام الحاكم ، حينها ستعمد الجماعة إلى توجيه قواعدها الشعبية للتصويت لصالح شخصيات قريبة منها أو لا تنتمي لها بصورة رسمية ومباشرة على أمل العودة للحكم من جديد. وهذا يتطلب تعاوناً وتحالفاً وثيقا بين التيارات الإسلامية لمواجهة ما تخطط له القوى المدنية التي تسعى لخطف مصر من يد التيارات الدينية ، وعدم السماح لها بقيادة الدولة في حين قد تقبل بها كمعارضة أو كشريك غير مؤثر في رسم السياسات الموضوعة للدولة . السيناريو الكارثي : الذهاب نحو حرب أهلية من خلال التسلح والدفع نحو العنف وتعطيل البلاد ، وعلى الرغم من أن قوى كثيرة في النظام الحالي تعمل على شيطنة الإخوان حتى بعد إسقاطهم تمهيدا للقضاء عليهم إلا أن السيناريو المذكور غير واقعي بالمرة ، فجماعة الإخوان ليس من أدبياتها انتهاج العنف ، وهي تعلمت من التجارب المريرة التي خاضتها وخاضها غيرها أن العنف هو انحراف عن المسار ، فضلاً عن أنه اقصر الطرق للانتحار السياسي ، وهو أرضٌ خصبة لاستنبات شجر التطرف الديني الخارج عن الخط السنّي الوسطي . ويبقى السؤال : ما الخيارات المتاحة أمام الإخوان للخروج من الأزمة ؟ هل سيأخذون بواحد من السيناريوهات السابقة أم سيكون تفكيرهم من خارج الصندوق ؟ الله أعلم.
436
| 20 يوليو 2013
إذا ما استعرضنا تاريخ التفجيرات التي طالت لبنان منذ السبعينيات والى اليوم ، نجد أن أغلب المرتكبين لها ظلوا مجهولين ، ولم تفض التحقيقات حولها الى نتائج واضحة وصريحة. كما لم تقدم الدولة اللبنانية بأجهزتها الأمنية المتعددة رؤية واضحة حول عشرات التفجيرات التي طالت لبنان بمرافقه العامة أو استهدفت شخصيات دينية وسياسية وأمنية بارزة ، باستثناء اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي ، حيث أدان القضاء اللبناني في حينه رئيس حزب القوات اللبنانية سيمر جعجع. ومن أبرز تلك التفجيرات وأخطرها استهداف رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري عام 2005 . وتماشيا مع ما سبق ، فليس من السهل معرفة من يقف وراء الإنفجار الذي وقع في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الثلاثاء الفائت ، وهي منطقة تمثل معقلا لحزب الله وحاضنته الشعبية . ووقوع التفجير بذاته يؤكد نجاح الفاعل في تحقيق اختراق امني لأمن حزب الله وان كان محدوداً إذ سبق لأمن الحزب أن فكّك عدداً من العبوات الناسفة في مناطق مختلفة من الضاحية الجنوبية في الفترة الماضية . والتفجير جاء في وقت يعاني فيه البلد أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية . وقد بلغ الخوف مداه مع تمدد الفراغ الى باقي مؤسسات الدولة الأمنية والسياسية والدستورية بعد التمديد لمجلس النواب ، وعجز الرئيس تمّام سلام من اخراج تشكيلة حكومية تقدر بالحدّ الأدنى من القيام بالمهمات الاساسية المطلوبة منها ، فضلاً عن ملف التمديد لقائد الجيش الذي خاض قبل أيام مواجهات دامية مع الشيخ احمد الأسير المناهض الشرس لحزب الله ، وقد اسفرت المواجهات بين الأسير والجيش اللبناني الى مقتل ما يقرب من عشرين جندياً من الجيش فضلاً عن العشرات في صفوف مؤيدي الأسير ، تاركة وراءها غضبا شديدا لدى شرائح واسعة في الطائفة السنية التي اشتمت رائحة تآمر تعرض لها الشيخ الأسير لتوريطه في معركة مع الجيش . وقد بلغ الحنق مداه مع دعوات التظاهر ، وقطع الطرقات ، ومطالبة الجيش بإجراء تحقيق شفاف ومستقل يظهر حقيقة ما جرى في صيدا . في هذا الجو المشحون ، قامت القوى السياسية القريبة من حزب الله بالخروج من دائرة اتهام الخصوم السياسيين الى توجيه أصابع الإتهام الى "العدو الصهيوني" ، وهي اشارة ايجابية توحي بمدى المسؤولية التي بدأت تشعر بها القيادات السياسية القلقة من صبّ الزيت على النار في الإحتقان المذهبي والطائفي الذي بلغته البلاد. كما ان سرعة الإدانات الداخلية والخارجية كانت لافتة، حيث لم تقتصر الادانة على القوى السياسية الداخلية ، وجاء بعضها من الاتحاد الاوروبي وواشنطن وصولاً الى مجلس الامن الدولي ، وهي لفتة مهمة في سياق تطورات الاحداث التي يعيشها لبنان . الائتلاف السوري المعارض هو بدوره أدان وبأشد العبارات التفجير ، في الوقت الذي كانت أصابع الإتهام من قبل جمهور الحزب تتجه للمعارضة السورية ومن يتعاطف معها في الداخل اللبناني . بعيد التفجير ، كثرت الدعوات الى تسريع تشكيل الحكومة ، والعمل على تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية وتحديدا في سوريا ، اذ يدرك الجميع ، من هو متورط في سوريا أو غير متورط ، إن الحاجة الداخلية تقتضي ضرورة التفاهم لأن الخسارة لم تعد لفصيل دون آخر ، وانما قد تكون من نصيب البلد برمته . والمؤكد اليوم أن لبنان لم يعد بإمكانه الإستمرار فيما هو عليه بانتظار ما ستؤول اليه الأمور في سوريا ، اذ جميع المؤشرات تقول أن الازمة في سوريا طويلة ، وقد تصل لعشر سنوات أو أكثر على حد قول قائد الجيش الأمريكي مارتن ديمبسي .. في ظل هذا الوضع، لا يقدر لبنان أن يبقى رهن الانتظار، وجسده يعاني التلاشي والتفكك في غرفة العناية المركزة . البلاد تحتاج إلى إعادة تقييم للسياسات التي انتهجتها القوى بغية الحفاظ على ما تبقى من الدولة بعد أن تعذر على اللبنانيين العبور نحو دولة قوية متماسكة ومنسجمة مع محيطها العربي .
411
| 13 يوليو 2013
شيء ما، سياسياً وأمنياً، يحضر في لبنان أو يحضر له.. بقراءة سريعة لمجريات الأحداث والتطورات المتلاحقة على الساحة السياسية الداخلية بعد سقوط بلدة القصير السورية، نجد أن مستوى غير مسبوق من الخطوات التي تترجم تهديداً مباشراً ما، يشير إلى أن الأزمة اللبنانية بدأت تخرج من غرفة الإنعاش التي دخلت عقب إسقاط حكومة سعد الحريري العام 2010. ثم تفاقمت الأزمة مع انطلاق شرارة الأحداث في سوريا.. اليوم بات الوضع مختلفا للغاية.. اليوم لم يعد لبنان مكشوفاً أمنيا فحسب، وإنما سياسي ودستوري، وانهيار المؤسسات الدستورية بدأ يضرب الواحدة تلو الأخرى. نوع من الموت البطيء أو التفكك الصامت يعيشها الكيان اللبناني.. هي حرب من نوع آخر ربما لا يلحظها المراقب من بعيد الذي سيجد فجأة أن لبنان تلاشى وذاب تماما في المحيط الذي ينخر في تربته الداخلية. هذا المنحى الذي يتجلى وضوحاً لدى اللبنانيين ترجمه بالأمس رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، ففي بيانه الأخير قال الحريري إن "ما يواجه لبنان في المرحلة الراهنة، يقترب من حافة الخطر الوجودي ويهدد رسالة لبنان وقيم التنوع الثقافي والمذهبي في العمق، الأمر الذي يحملني على دق ناقوس الإنذار". من حيث المضمون، ما قاله الحريري هو أمر تدركه القوى السياسية التي لكل منها حساباتها الخاصة ورؤيتها المختلفة للواقع السياسي وآليات الحل وفق هذه الحسابات. على صعيد المؤسسات الدستورية، مجلس النواب جدّد لنفسه دون الرجوع للشعب الذي انتخبه، والطعن الذي تقدمت به كتلة الجنرال عون إلى المجلس الدستوري للطعن على تجديد البرلمان لنفسه لم تترجم عملاً قانونياً بعد، إذ تخلف ثلاثة من أعضاء المجلس عن الحضور لأسباب توصف بالسياسية، وبالقانون أيضاً يعتبر تخلف أعضاء من المجلس الدستوري عن الحضور سقوط عضويتهم في المجلس وضرورة انتخاب ثلاثة أعضاء بدلاء.. يعني التفكك في مؤسسة لينتقل إلى مؤسسة أخرى. رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي يوصف بالمستقل والحيادي، يترجم هذا القلق بين الفينة والأخرى ويحاول اتخاذ إجراءات يراها مناسبة لحماية الكيان اللبناني. من ذلك، السابقة العربية في تقدم دولة عربية بشكوى إلى مجلس الأمن ضد دولة عربية أخرى، إذ بات معلوماً أن إرادة رئاسية لبنانية بتوجيه رسالة تتضمن شكوى مباشرة إلى مجلس الأمن الدولي عن طريق بعثة لبنان في نيويورك، رداً على رفض وزير الخارجية اللبنانية عدنان منصور المحسوب على الثنائي الشيعي "حزب الله-أمل" الالتزام بمضمون الطلب الذي وجهه إليه سليمان.. الشكوى مقدمة ضد الخروقات السورية من قبل النظام السوري والمعارضة للحدود اللبنانية لاسيَّما بعد قصف طائرة حربية سورية ساحة بلدة عرسال اللبنانية على الحدود مع سوريا وتكرار الخروقات بشكل لافت في الأسابيع الأخيرة. في الموضوع الحكومي، لا تزال الأمور على حالها منذ استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وكل ما حكي عن خروقات داخل جدار الأزمة باءت بالفشل، وعادت الأزمة إلى المربع صفر حيث كل التشكيلات المعروضة لم تلق القبول من الأطراف السياسية مثل حكومة مثالية أو حكومة مصغرة أو حكومة تكنوقراط تدير الانتخابات فقط أو حكومة حيادية لا تستفز أحدا.. بل بدأ الحديث عن رغبة جدية باعتذار الرئيس المكلف عن المهمة أو السير بحكومة أمر واقع، وهذا ما حذر منه حزب الله إذ يعتبره خرقاً للخط الأحمر الموضوع داخلياً. وهكذا تعجز حكومة تصريف الأعمال عن القيام بعمل الحكومة الأصيلة، ولا أمل بولادة حكومة جديدة في المستقبل المنظور. ولعل الأزمة بين رئيس الجمهورية والحكومة المستقيلة مع وزير الخارجية عدنان منصور يكشف خطورة البقاء دون حكومة أصيلة. خطوة الرئيس سليمان، أثارت الحنق الشديد لدى قيادات وتيارات قوى 8 آذار، من هؤلاء الوزير السابق سليمان فرنجية المحسوب على النظام السوري والداعم المطلق للرئيس بشار الأسد فقد وجه الأخير اتهاماً لرئيس الجمهورية يصفه بما يشبه الخيانة، فقد تساءل كيف أن الرئيس سليمان لا يستنكر الخروقات الإسرائيلية شبه اليومية للبنان في حين يتأفف من الخروقات السورية للأرض اللبنانية. وهذا كلام فيه إجحاف بحق الرئيس سليمان الذي يحاول أن يمارس دوره رئيسا للدولة اللبنانية وهو أكثر من معتدل في التعاطي مع الأزمة السورية حيث دعا لبنان بالفعل للنأي بنفسه تماما شعبا ودولة وأحزابا عما يجري في سوريا، لأن لبنان بكل قواه لا يمكن له أن يغير في المشهد السوري شيئا.
461
| 15 يونيو 2013
أكثر من خمسمائة قتيل في العراق خلال شهر مايو الجاري وحده بحسب إحصاءات الوكالة الفرنسية للأنباء. البلد يغرق رويدا رويدا في أتون الأزمات الأمنية والسياسية. بعضها يتشابك مع بعض. اعتصامات في الأنبار منذ عدة شهور، بدأت بمطالب سياسية اعتبرتها الحكومة محقة لتصل فيما بعد إلى جمعة حرق المطالب بعد أن هاجمت قوات الشرطة والأمن اعتصام الحويجة، وقتل فيها ما يقرب من أربعين شخصا، لتتحول الأمور إلى المطالبة بإقامة إقليم سني مستقل بعد أن تعثرت الحلول السياسية بين الحكومة ومنظمي الاعتصامات في المحافظات السنية المعتصمة. فمبادرة رجل الدين السني الشيخ عبد الكريم السعدي لحقن الدماء وترتيب البيت العراقي لم يكتب لها الحياة بعد أن وئدت في مهدها حين لم تعرها الحكومة أهمية، واعتبرت أن ما يجري في هذه المحافظات تحركه أياد خارجية عابثة بأمن العراق ووحدته الداخلية. وهكذا كاد ردّ المعتصمين في الأنبار جاهزا : لا صلح ولا تفاهم مع حكومة طائفية إقصائية تستهدف سنة العراق وتركب موجهة التحالف مع إيران في إطار اصطفاف مذهبي يرسم لهلال شيعي. العراق ينزلق في رمال متحركة بعد أن وصلت أزمته السياسية إلى طريق مسدود. فرز مذهبي ينصب في تربة خصبة بالطائفية. . امتداداته تتخطى العراق فترتبط بما يدور حوله إقليميا.. إنها الأزمة السورية القائمة، قالها المالكي يوما: إن انتصار المعارضة المسلحة في سوريا يعني حربا طائفية في العراق.. ربما تترجم في المشهد العراقي اليوم. فهل الدعوة إلى قامة إقليم سني في الأنبار سيكون حلا للأزمة المتفاقمة أم أنه سيسرع في انقسام البلاد إلى كانتونات عرقية ومذهبية؟. على ما يبدو أنه يسير بالبلاد نحو التفكك، فالدستور العراقي ما بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 سمح بإقامة الأقاليم وتعددها، ولم يضع ضوابط واضحة تحول دون تطورها الى كيانات مستقلة. وهكذا يخال لنا أننا إزاء إقليم في الشمال هو في طريقه للاستقلال، ولا توقعات بفرملة استقلاله بعد أن قطع شوطاً طويلا في تهيئة التربة انتظارا للحظة إعلان الاستقلال التام عن العراق. ولعل القلق من تداعياته على دول الجوار مثل تركيا وإيران هو السبب الأساسي الذي يحول دون إعلان استقلال الإقليم بشكل رسمي، وإلا فالمعاملة التي تتم بين الإقليم والحكومة المركزية تبدو وكأنها بين دولتين متجاورتين. ثم إن الدعوة في المحافظات السنية الأخرى (غرب ووسط) إلى إعلان الإقليم بعد أن يئست قياداته من إمكانية التعايش في ظل حكومة يرونها طائفية، يبدو أن طريق الأقاليم هي لغة التواصل في زمن العراق القادم.. وهكذا تلقائيا سيصبح الجنوب إقليم هو الآخر ومن هنا يتفكك العراق. وإذا ما أخذنا بالاعتبار ما تتعرض له سوريا أو ما يمكن أن تتعرض له من تفكك فإنه سينعكس لا محالة على الوضع العراقي، بل إن الانعكاس بدا متبادلا بعيد انطلاق الحراك الثوري في سوريا.. وإذا وسعنا الرؤية، نجد أنفسنا أمام زلزال يضرب في عمق الدول العربية التي بات الحرص على وحدة أقاليمها وأوطانها أساسا لحفظ هويتها. مصر اليوم مهددة بفعل العوامل الداخلية والخارجية، وما مشروع النهضة الأثيوبية إلا بداية تطويقها من جديد والحيلولة دون خروجها عن الطوق الذي يلف عنقها منذ اتفاقية كامب ديفيد.. لبنان هو في عين الإعصار حاليا، وقد قطع جواز مرور إلى الحرب الأهلية وما تشهده بلداته ومدنه إن هو إلا إرهاصات هذه الحرب التي ستأتي على ما تبقى من مقومات الشعب والدولة.. الأردن بلد يترقب، وهو على قائمة الانتظار أمام المخاض العسير في المنطقة، وهو يخوض لعبة القط والفار مع المعارضة الداخلية دون أن يقوم بعملية إصلاحية جذرية، لأنه يعتقد أن بلعبته الحالية قد ينجو من الإعصار الضارب في دول الجوار.. اليمن، ليبيا، لا تختلف كثيرا، ولا رؤية عربية لما يمكن أن تؤول إليه الأمور باستثناء أن ما نشهده هو رسم جديد لخارطة الشرق الأوسط بعد أن استنفدت تفاهمات سايكس - بيكو صلاحيتها.
433
| 31 مايو 2013
مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم:...
3936
| 22 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل...
2190
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى...
1854
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد،...
1701
| 24 مارس 2026
هناك تجارب لا تُختصر في العناوين، ولا تُفهم...
825
| 25 مارس 2026
من واقع خبرتي الميدانية، ومعايشتي المباشرة لتفاصيل قطاع...
675
| 22 مارس 2026
ظلت دول الخليج لفترات طويلة عرضة لمخاطر إعاقة...
555
| 25 مارس 2026
من أجمل ما يتحلى به مجتمع من المجتمعات...
525
| 21 مارس 2026
حين استشعر الصحابي خالد بن الوليد في «معركة...
525
| 25 مارس 2026
في لحظات الوداع، تعجز الكلمات عن مداواة القلوب،...
504
| 23 مارس 2026
ها هيَ الحياةُ تعودُ إلى نَبضِها الأصيلِ، وتستأنفُ...
489
| 27 مارس 2026
في ظل التصعيد الإقليمي المتزايد، تبرز تساؤلات مهمة...
480
| 24 مارس 2026
مساحة إعلانية