رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

اتق الله يا أمير المؤمنين

حدث وأن كان بينه ورجل كلامٌ في شيء، فقال له الرجل: اتق الله يا أمير المؤمنين! فقال له رجل من الحاضرين: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟ فقال الفاروق عمر- رضي الله عنه وأرضاه -: دعه فليقلها. نِعْمَ ما قال؛ لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها. لم يتم استدعاء الرجل إلى أمن الدولة لأنه انتقد الخليفة أمام الناس، ولم يتم سحبه إلى الشرطة والنيابة والمحاكم، بل قال ما بنفسه وعبّر عن أمر رأى ضرورته وأهمية قيامه بدور المواطن الصالح، الذي لا يتردد لحظة في توعية وتنبيه رأس الدولة - وهو يومئذ الخليفة عمر- بقوله اتق الله يا أمير المؤمنين. لم يكن في ذلك التنبيه ما يسيء للخليفة كما رآه بنفسه الفاروق - رضي الله عنه - بل رأى في دعوة ذاك المواطن له، أنها أقرب ما تكون إلى تذكيره بالله، فهو إنسان وإن كان أميراً للمؤمنين، مثله مثل بقية الناس، يصيب ويخطئ. ورأى أن التذكير بالله وضرورة اتقاء غضبه سبحانه، أمر طيب ومطلوب أن يشيع بيننا جميعاً، الحاكم والمحكوم أولاً، ثم بين المحكومين أنفسهم أيضاً، أو ما نسميهم اليوم بالرعية أو الشعب أو المواطنين، أو غيرها من ألفاظ ومصطلحات. بمثل تلكم النوعيات من القادة والمسؤولين، أصحاب الصدور الرحبة، والعقول الواعية الراقية، وبمثل تلكم النوعيات كذلك من الشعوب، التي كانت لا تخاف في الله لومة لائم، تقول الحق في وجه الزعيم قبل غيره، ترقى وتنهض الأمم. وبمثل أولئك وصل الأولون من هذه الأمة إلى ما وصلوا إليه، وبفقدان تلك النوعيات شيئاً فشيئاً، وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. هذه خلاصة مقال اليوم، ولمن أراد الاستزادة، يمكنه المتابعة.. الاستبداد ابتلاء للشعوب المستبد يتذمر عادة من سماع صوت فيه شيء من المخالفة لرأيه أو رؤيته. لا يطيق ذلك، بل يعتبره مساساً بذاته. يقول سيد قطب – رحمه الله – في ظلال القرآن عن نفسية وطبيعة المستبد إنه: «تأخذه العزة بالإثم، ويرى في النصح الخالص افتياتاً على سلطانه، ونقصاً من نفوذه ومشاركة له في النفوذ والسلطان ( قال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد). إنني لا أقول لكم إلا ما أراه صواباً وأعتقده نافعاً. وإنه لهو الصواب والرشد بلا شك ولا جدال!، وهل يرى الطغاة إلا الرشد والخير والصواب، وهل يسمحون بأن يظن أحد أنهم قد يخطئون، وهل يجوز لأحد أن يرى إلى جوار رأيهم رأياً، وإلا فلم كانوا طغاة؟».ومعلوم من شواهد التجارب البشرية وأحداث التاريخ، أن الاستبداد غالباً تصاحبه الحماقة، المستبد لابد وأن يصل به الاستبداد بعد حين من الدهر لا يطول، إلى أجواء الحماقة، سواء في قراراته أو إبداء آرائه أو رؤاه. ستجد الحماقة تلازم تصرفاته، أقوالاً كانت أم أفعالا. والقرآن الكريم ضرب لنا أمثلة كثيرة لنوعيات من أولئكم الحمقى والمغفلين على شكل زعماء ومسؤولين. إن أسوأ ما يمكن أن تُبتلى به أمة من الأمم هو سيادة مستبدين، من تلك النوعية التي لا ترى غير ما هي تراه، لا ما يراه أحد غيرها. والأسوأ من أولئك المستبدين، تلكم الشريحة العريضة الممتدة من المرؤوسين، وقبولها العيش في ذل، مقابل فتات أو بعض مباهج دنيوية زائلة، وهو القبول الذي يؤدي غالباً بها إلى استحسان أفعال وأقوال أولئك المستبدين، بل والهتاف باسمهم وطلب المجد لهم، رغبة أو رهبة!.. فهل هناك للشعوب أسوأ من هذا؟. الاستبداد زائل وإن طال القرآن الكريم حين يذكر قصص المستبدين المتكبرين، فإنما لتكون شواهد باقية على أن الناس هم أنفسهم السبب في صناعة أولئك المستبدين المتجبرين، وذلك حين تختار أو ترضى بجهّالها سادة وزعماء وقادة، وبالتالي لا يجب عليها بعد ذلك أن تصيح في كل واد، تشتكي إلى هذا وذاك من سوء وقسوة حكامهم المستبدين، فإن أولئك الحمقى نتاج تجاهل الناس أو الشعوب وغفلتها أو تغافلها عمن يصلح لها في إدارة شؤون حياتها. وقد أشار الكواكبي إلى هذا حين ذكر بأنه لا يخفى على المستبد مهما كان غبياً أحمق، أنه لا استعباد ولا اعتساف إلا ما دامت الرعية حمقاء، تتخبط في ظلامة جهل وتيه عماء. وهذا الذي فعله فرعون مع شعبه حين رآهم خفاف العقول، ويمكن إلهاؤهم بشتى الطرق، كما وصفه القرآن (فاستخف قومه فأطاعوه). أبو جهل، فرعون هذه الأمة، حين ذكره القرآن دون الإشارة إلى اسمه، كان أنموذجاً لما نتحدث عنه. كان حجر عثرة - إن صح التعبير- أمام قبيلة عريقة مثل قريش أن تواصل سيادتها على القبائل بدخولها الدين الجديد وقبوله بدلاً من محاربته، ليتسبب ذاك الأحمق بسبب عناده واستبداده في الرأي في انهيار سمعة قريش بين العرب في أول مواجهة عسكرية في بدر، وقيادة قومه وأشرافهم إلى مصير بائس، وقد كانوا من كانوا في قومهم قبل ساعات من هلاكهم. فرعون موسى، نموذج سابق لأبي جهل، كان غاية في العناد والجهالة والحماقة أيضاً. لم تنفعه قوته وأمواله ووزراؤه وخدمه وحشمه وكل الألوف المؤلفة من الجماهير المصفقة له، الذين استخف بهم حيناً من الدهر فأطاعوه.. لم يقف أحد معه وقت محنته وشدته، فكانت العاقبة المنتظرة لمتجبر ظالم أحمق مثله، الغرق في البحر أمام ألوف من الذين أذاقهم الذل والهوان حيناً من الدهر طال. خلاصة الحديث أن الاستبداد مرض، سواء مع الذات أو الآخرين. هو مرض في البيت، العمل، المجتمع، الدولة، أو أي كيان أكبر آخر حولك. الأسوأ من الإصابة بهذا المرض، قبوله والرضا به، لأن ذلك عامل مهم يطيل من عمر الاستبداد والمستبدين. وإنّ مثل هذا الوضع لا يمكن تصحيحه وتغييره إلا حين يسمع الناس تارة أخرى «اتق الله يا أمير المؤمنين». وهذا أمر لا شك أنه لا يأتي ولا يقع بالتمني، ولكن بمشروع إصلاحي نهضوي استراتيجي، يأخذ من صلاح الماضي ما يدفع لإصلاح وتحسين الحاضر، واستشراف ما يصلح ويُحسّن المستقبل والله (لا يضيع أجر المحسنين).

4614

| 20 أبريل 2023

هي حسرة وندامة

هي موجعة مؤلمة، تلك المشاعر التي تنتاب كثيراً من البشر يوم القيامة في مواطن الحسرة والندامة، المذكورة بالقرآن الكريم في مواطن عدة، حتى تكاد تشعر بها وأنت تقرأها وتتأملها، بل يكاد يعرفها كل الذين سيعيشون تلك المواقف يوم القيامة، والذين ما زال بإمكانهم تجنبها والابتعاد عنها قبل فوات الأوان، ولكن مع ذلك لا أحد منهم يعي ويتفكر!. ولنبدأ موضوعنا اليوم دون كثير مقدمات.. تأمل مثلاً قوله تعالى في سورة فصّلت (وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين). تكاد تشعر بالغل الذي في قلوبهم وهم يدعون الله أن يجمعهم بمن كانوا سبباً في وضعهم الحالي. يريدون أن يجعلوهم تحت أقدامهم، يفرغون ما بنفوسهم عبر الضرب والدوس بالأقدام. هكذا حالهم يوم القيامة بعد أن كانوا يُعْرضون عن الهداية في دنياهم، وأتبعوا أهواءهم وأمزجة من يريدون اليوم الدوس عليهم، من الإنس أو الجن، الذين مارسوا عليهم الإضلال، وزينوا لهم الكفر والفسوق والعصيان - كما جاء في تفسير الوسيط للطنطاوي – يريدون الانتقام منهم بأن «ندوسهم بأقدامنا احتقاراً لهم، وغضباً عليهم، ليكونوا بذلك في أسفل مكان من النار، وفى أحقره وأكثره سعيرا. لتتحول الصداقة التي كانت بين الزعماء والأتباع في الدنيا، إلى عداوة تجعل كل فريق يحتقر صاحبه، ويتمنى له أسوأ العذاب». هكذا حالهم في النار وهم يتلاومون. حوار جهنمي مشهد آخر في السياق نفسه، هو حوار وجدال بين الأتباع والمتبوعين (وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار). مشهد فيه الكثير من الندم، بل يمكنك أن تطلق عليه مشهد الحسرة والندامة - إن صح التعبير - بين فريقين من أهل النار- أعاذنا الله وإياكم منها - فريق دعاة الكفر والشرك والضلال، وفريق الأتباع الذين اتبعوا زعماءهم وسلاطينهم دونما تفكير في حق أو باطل. تراهم يوم الحساب يتجادلون ويتلاومون (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول. يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين). هكذا يعتقد الأتباع أن سبب حالتهم التي يكونون عليها يوم الحساب والكتاب، هو أولئك الذين اتبعوهم من السادة والقادة، ولولاهم لاتبعوا الأنبياء والمرسلين. السادة أو القادة في ذلكم الموقف لن يكونوا صامتين (أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين) أنتم اخترتم المتابعة ورضيتم ذلك عن طواعية ودون تدبر للأمور والمآلات. فيرد الأتباع ( بل مكرُ الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا) ! لينتهي ذلك الجدال العقيم بالندم على ما كان منهم، الأتباع والمتبوعين على حد سواء (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون). لا شك أن الآية الكريمة إشارة قرآنية تدعو إلى أهمية اتباع الحق وليس الرجال - على صورهم المختلفة - قادة، ساسة، زعماء، ملوك، سلاطين، مفكرين، منظرين ومن على شاكلتهم.. الحق والحق فقط وأينما كان، هو الذي سينجيك وإن قل عدد تابعيه. فيما الباطل يخذلك دون أدنى ريب وإن كثر عدد متابعيه. الحوار الجهنمي ذاك يدور بين أتباع ومتبوعين، كل فريق يريد أن يُبعد عن نفسه التهمة، فالعقوبة المنتظرة قاسية ومؤلمة، والتخلص من أي تهمة تعني الكثير لهم يومئذ.. حتى إذا ما وجد الأتباع أنهم هالكون لا محالة، كما حال المتبوعين، دعوا الله ساعتها بمضاعفة العذاب لأولئك القادة والزعماء ومن على شاكلتهم، أو دعاة على أبواب جهنم (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيرا). هذا جل ما يمكن القيام به والتعبير عما بنفوسهم من غيظ وقهر تجاه من ظنوا أن متابعتهم في الدنيا، ستغنيهم وتصلح بالهم!. فلا تلوموني مشهد ثالث أخير يستحق التأمل، وذلك حين يتفاجأ أتباع إبليس في الدنيا من الإنس أو حتى الجان، الذين اتبعوا خطواته لحظة بلحظة، وخطوة بخطوة، ظناً واعتقاداً منهم في صلاحها وفائدتها، فإذا هم بالشيطان وقد صار أول من يتبرأ منهم ومن أعمالهم (وقال الشيطان لما قُضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم). الشيطان الذي هو أصل كل الشرور في الدنيا، يبحث بنفسه عن ذرة رحمة تنقذه مما فيه يومئذ، فيجد أتباعه من الإنس على اختلاف مذاهبهم وأديانهم ومعتقداتهم، يلومونه على ما هم فيه بسببه، فيبين لهم حقيقة الأمر التي تمثلت في الخير الذي حمله الأنبياء والمرسلون ومن سار على دربهم، والشر الذي زيّنه لهم وأغواهم حتى اتبعوه دون أي ضغط أو سلطان له عليهم. ذلك أنهم، وبدلاً من قبول دعوة أولئك الخيرين، جاءوا برغبة منهم إليه، وهم يعلمون تحذير خالقهم لهم بعدم اتباع خطوات الشيطان، ومع ذلك ساروا على الدرب الشيطاني، حتى آلت أمورهم إلى ما هم عليه الآن.. جهنم وبئس المصير. هكذا إذن النتيجة النهائية.. وهكذا حال من يعطل حواسه وعقله ويتبع أهواء غيره، ويغتر بالكثرة وبالمال والقوة المادية عند البعض، فيقرر متابعته دون قليل تأمل وتدبر خطورة المآل، وهو ما كان يشجع ويعزز الفريق الأول في الاستمرار على نهجه، منطلقاً من وهم وغرور السيطرة وهو يرى عدد متابعيه يزداد، فيتجبر ويتكبر ويزداد غروراً حتى تكون نهايته أليمة هو أيضاً، ليذهب الجميع خلف الشيطان كما كانوا خلفه في الدنيا، إلى حيث الحسرة والندامة.. عافانا الله وإياكم من النهايات المؤلمة وخواتيم السوء، إنه سميع عليم مجيب الدعوات.

1404

| 13 أبريل 2023

هل نعيش آخر الزمان؟

كنت أستغرب من بعض أحاديث آخر الزمان، منها هذا الحديث الذي يرويه كاتم أسرار النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – حذيفة بن اليمان عنه صلى الله عليه وسلم قال: يدرُسُ الإسلامُ كما يَدرُسُ وَشْيُ الثوبِ حتى لا يعلم أحد لا صلاة ولا صيام ولا نسك، حتى أنّ الرجل والمرأة ليقولانِ: قد كان من قبلنا يقولون: لا إله إلا الله فنحن نقول: لا إله إلا الله. قال له أحد كبار التابعين ويدعى صلة العبسي: ما تُغني عنهم لا إله إلا الله؟ قال: يدخلون بها الجنة وينجون بها من النار. وجه الاستغراب أتى من ذلك المستوى الذي يصل إليه المسلم في وقت قادم لا ريب فيه، لا يدري عن الدين سوى لا إله إلا الله، بل ربما لا يدري إن كان هو مسلماً أو ماذا يعني أن يكون مسلماً وأمور أخرى مرتبطة بالدين. فكيف يمكن أن يصل إنسان إلى هذا المستوى من العلم، وخاصة أننا نشهد طفرة علمية معرفية وتقنية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، ومرشحة لأن تتطور سريعاً في قادم العقود والقرون، وبشكل لا يعلم مداها إلا الله. اليوم مثلاً، ومن بعد ثورتي التقنيات والمعلومات اللتين بدأتا منذ عشرين عاماً، صار أمر التعليم والتعلم أكثر يسراً وسهولة، والبحث عن المعلومة لا يأخذ منك ذاك الجهد الذي كان قبل ثلاثة أو أربعة عقود مثلاً. وبمقارنة سريعة بين ما كنا عليه وما نحن الآن، سنجد الفروقات شاسعة مذهلة. حالياً، ولا أدري عن المستقبل، لا يستغرق البحث عن أي معلومة تريدها عبر محركات البحث المعروفة سوى ثوان معدودة، لتجد آلاف الخيارات من مصادر متنوعة حول النقطة التي تبحث عنها، وما عليك بعد ذلك إلا انتقاء ما تبحث عنه والتثبت من دقة المصادر بطرق ووسائل صارت متوفرة أيضاً. ماذا يعني كل هذا التطور؟ بشيء من التأمل والتفكير فيما يحدث الآن من تطور علمي هائل، ستجد أنه دليل على انتشار العلم وسهولة الحصول عليه بأقل المجهودات وأسرع الأوقات، فنحن ما زلنا في بدايات تمكن الإنسان من التقنيات وأدوات البحث والنشر، ولا ندري كيف هو الوضع بعد عقدين من الآن، ولا أقول أكثر من ذلك، أو لا أريد أن أستشرف مستقبل البشرية أبعد من هذا، لأن التطور العلمي البشري أمسى سريعاً جداً، فما نعتبره مذهلاً اليوم، قد يكون بدائياً بعد سنوات قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. ماذا أريد أن أصل إليه اليوم؟ عودة على بدء، وبشيء من التأمل مرة أخرى في حديث حذيفة من أن الإسلام سوف يدرسُ كما يدرسُ وشْيُ الثوب، أي تنمحي آثاره وتعاليمه كما تنمحي نقوش الثوب مع الزمن وتختفي، فإنه يمكن القول بأن الحديث، كفرضية أولى، ربما يشير إلى ما سيكون عليه البشر - ومنهم المسلمون - في آخر الزمان، حيث لا حضارة ولا علم ولا عمران. أو ربما عكس ذلك تماماً، كفرضية ثانية. إن أخذنا بالفرضية الأولى، سنلاحظ أن ما نعيشه الآن من تطور علمي معرفي وتقني هائل غير مسبوق، ربما يختفي بقدرة قادر أو سبب من الأسباب، بحيث يدخل الناس في فترة زمنية ينتشر الجهل وتعود الأمية من جديد، من بعد أن تكون العلوم والمعارف قد اختفت تدريجياً من الصدور والعقول، بعد اختفائها من مواقع التخزين الإلكترونية وأجهزة الحاسوب المختلفة والذكاء الاصطناعي وغيرها مما نعرفها الآن، أو أخرى قد تظهر وتكون فائقة القدرات والإمكانات أيضاً. وبالتالي سيكون منطقياً حدوث ذاك الجهل عند المسلم وغير المسلم، ويكون فهم الحديث النبوي الشريف يسيراً دون كثير صعوبات. لكن ماذا لو أن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يتحدث فعلاً عن زمن مثل الذي نعيشه، كفرضية ثانية، على رغم أننا اليوم مثلاً وبفضل الله ثم التقنيات المعلوماتية والتواصلية، صار جل العالم يعرف عن الإسلام والمسلمين أكثر مما مضى، وصار أمر البحث أو الوصول إلى معرفته غاية في السهولة، يستطيع من أراد ذلك أن يحصل على مبتغاه في أي زمان وأي مكان؟ فكم اهتدى الآلاف إلى هذا الدين بفضل التقدم العلمي والمعرفي الذي نعيشه الآن، ثم صارت تتعلم وتتفقه ذاتياً في الدين عبر هذه الوسائل، دون حاجة للتواصل البشري مع أساتذة وعلماء وفقهاء وغيرهم ممن لهم علم ودراية بالدين وتفاصيله. أيُعقل بعد كل هذا وفي ظل هذا التقدم المعرفي المذهل أن يجهل المسلم أبسط أساسيات دينه؟ لو تتأمل معي وتمعن النظر في تلك الجهود الجبارة، التي تُبذل هنا وهناك لسلخ الناس عن دينها وعقيدتها وثقافتها في مواقع جغرافية شتى، لاسيما العربية منها، وإغراقهم بشتى الملذات والملهيات أو المنغصات والمشكلات، حتى رأينا فعلياً مسلمين لا يدري أحدهم عن دينه سوى لا إله إلا الله في مثل هذا الوقت من التقدم العلمي والمعرفي والتقني البشري الهائل والمذهل، لوجدت أن من كنا نعتقدهم المقصودين في أحاديث آخر الزمان، والذين سيأتون بعد قرون عدة أو آلاف السنين من الآن، ما هم سوى مسلمي اليوم ! ماذا يعني هذا؟ الأمر وحتى لا يلتبس عليك كثيراً، واضحٌ يسير. أحاديث آخر الزمان لم تحدد زمناً معيناً وكيف شكل ذاك الزمن ومن يعيش أثناءه. ففي التصور الأولي لأحاديث آخر الزمان، سيتراءى لمعظمنا أنها تتحدث عن عالم متخلف أشبه بكائنات العصر الحجري، أو سكان الغابات والجبال وما شابههم. حيث لا علم حينذاك ولا حضارة ولا شيء مما نحن عليه اليوم. وهذا في نظري تصور غير صحيح، ولا يمكن القبول به، بدليل مثال المسلم الذي لا يعرف سوى لا إله إلا الله، الذي ذكرناه آنفا. فكيف تصف مسلماً يعيش عصر العلم والمعرفة والتقنية، ولا يدري عن دينه سوى بضع كلمات ربما سمعها من أهله أو محيطه؟ هذا المسلم الذي ربما لو تُرك دون رعاية وهداية، لن يكون بمقدور أحدنا بعد حين من الدهر قصير، التفريق بينه وبين غير المسلم على سبيل المثال. أليست مثل هذه النوعية هي التي تحدث عنها رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - في الحديث؟ الجواب دون كثير عناء: لم لا؟ بل لم لا نتأمل الأمر ونعيد التفكير من جديد؟ ولم لا نكون نحن فعلاً المقصودين في بعض أحاديث آخر الزمان؟ لا شيء يمنع من ذلك، وشواهد هذا العصر المؤكدة على ذلك، أكثر مما يمكن أن نحصرها. موضوعنا هذا ليس ترفاً فكرياً فلسفيا، بل هو تنبيه لخطر واقع بدأت آثاره بالظهور، والمحتمل أن تتعمق سلبياته أكثر فأكثر ما لم نتداركه. نحن في خطر اتساع دائرة الجهل بالدين، رغم التقدم العلمي والمعرفي والتقني الهائل، بعد انتشار وتراكم الأفكار الفاسدة والفلسفات والملهيات عن أيماننا وشمائلنا وفوقنا وتحتنا وكل اتجاهات أرضنا، والتي من المفترض أن تزيد مستخدميها علماً ونوراً وفهما، لكن الواقع يقول بغير هذا! أسأل الله في الختام، السلامة والإسلام، والتوفيق لما يحبه ويرضاه رب الأنام، والوقاية من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.

11682

| 06 أبريل 2023

الفرص الاستثمارية ولصوص رمضان

من دروس وخبرات الحياة أن الفرصة التي تأتيك مرة، ربما لا تأتيك تارة أخرى بنفس الكيفية والظروف التي أتتك في المرة الأولى، وبهذا المنطق يوصي المجربون والحكماء بانتهاز الفرصة من فورها واستثمارها أفضل استثمار. وهل حياتنا الدنيا المؤقتة هذه، سوى فرصة، يُحسِن استثمارها من يُحسن، ويسيء من يسيء؟. رمضان إحدى الفرص الربانية التي يكرم الله به عباده، ذلك أن الحكيم الحصيف، والذكي الفطن هو من ينتهز هذه الفرصة ويستثمرها وهو بكامل أو بعض صحته وقوته. شهرٌ أيامه معدودة. ما أن يبدأ حتى يشتغل عدّاد الرحيل بشكل سريع.. هذا هو سر الدعوة إلى انتهاز كل لحظات الشهر واستثماره للغد الحقيقي، كيلا يصل المرء في يوم ما إلى تلكم اللحظات ليردد فيها عبارات الندم والحسرة على ما فرط وضيّع. إنه من قلة الحيلة والحكمة إهدار الوقت في رمضان وعدم استثماره بالشكل الأمثل. نعم، قد يستشعر البعض ثقل أوقاته في البدايات، لكن سرعان ما يعتاد على النظام خلاله، ليبدأ يتكيف مع الظروف يوماً بعد آخر، وقد بلغنا الآن الثامن منه، وسنجد أنفسنا سريعاً في العشر الأواخر، وهكذا رمضان. فكما الفرص الثمينة التي تلوح في حياتنا فجأة ولم نستثمرها بالسرعة المناسبة تذهب سريعاً، فكذلك هو رمضان. محطة شحن نحمد الله أن بلّغنا رمضان، فقد دعا كثيرون الله أن يبلّغهم الشهر، لكن الآجال أو الأقدار كانت أسرع، وحالت بينهم وبين بلوغ الشهر. فهذا توفاه الله وذاك فقد عافيته، وأمثالهما كثير كثير.. فاللهم أتمم الخير على من بلغ الشهر.. هذه نقطة أولى. النقطة الأخرى وكما يعلم الجميع، أن رمضان محطة لشحن طاقة النفس أو الروح، فكما يفعل أغلبنا قبل النوم بشحن الهاتف المحمول طوال الليل استعداداً ليوم آخر قادم وهو في كامل طاقته، فكذلك الحال تماماً ونحن نعيش أجواء رمضان المباركة. ندخل الشهر عادة، كما هواتفنا المحمولة حين تصل طاقتها إلى 1% فتجدنا نبحث عن مصدر طاقة لإعادة شحنها، وكذلك كل مسلم ومنذ اليوم الأول من هذا الشهر الكريم - أو هكذا هو المفترض – يدخل لأجل شحن روحه بطاقة إيمانية تكفيه للعام القادم. ورمضان هو مصدر رئيسي لتلك الطاقة، وعبره نصل قلوبنا وأرواحنا برب رمضان والشهور كلها، نستمد منه سبحانه طاقة إيمانية نشحن بها قلوبنا وأرواحنا، وكلنا أمل أن نصل في نهايته وقد بلغت الطاقة الإيمانية للقلوب 100% كما الهواتف. من هنا نعتقد أن شهر الصيام فرصة ثمينة لإعادة شحن القلوب لا تضاهيها فرصة أخرى طوال العام، بسبب أن كل الأجواء والظروف مهيأة لبدء عملية إعادة الشحن دون كثير معوقات ومشكلات، حتى إذا ما تمت العملية بسلام وكما ينبغي، نكون حصلنا على زاد وطاقة تكفينا شهوراً عديدة حتى موعد إعادة الشحن في رمضان قادم، إن كان الله قد كتب لنا بلوغه. الصوم لي في سياق الحديث عن الشهر الكريم، قد يتبادر إلى ذهنك تساؤل من قبيل: لماذا قال الله عز وجل: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به»، الجواب باختصار شديد، هو أنك حين تعزم على أداء عبادة الصوم عن كل المباحات، وفي مقدورك بالوقت نفسه أن تشرب وتأكل في الخفاء ولكن لا تفعل، إنما هو دليل يقينك التام الذي تكوّن عندك، مفاده أن صومك إنما لله وحده وليس لأحد غيره. وبالتالي تكون حققت الشرط الأول وهو الإخلاص، لقبول عملك والدخول به إلى عالم العمل الحسن، حيث لا يجتمع الصوم والرياء أبداً.. ليبقى بعد ذلك تحقيق الشرط الثاني لوصول صومك إلى المستوى الذي يعتبره الله عز وجل أنه له وحده وهو الذي يجزيك عليه، هو أن تصوم على الوجه الذي أمرنا به الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وهو أيسر من الشرط الأول. لكن وقبل أن أختم الحديث في هذه العجالة، أجد أهمية تذكير بعضنا البعض - والتحذير في الوقت ذاته - من لصوص الوقت في رمضان.. المسلسلات التلفزيونية، الولائم الليلية اليومية، الانكباب على الخيم الرمضانية والفعاليات الفنية والرياضية وما شابهها، بالإضافة إلى اللص الأكبر وهو الهاتف الجوال ومعه وسائل التواصل المختلفة. كلها أشبه بلصوص وقت، يسرقون منك الأوقات بهدوء سلس مستمر، لا تتنبه لها إلا وقد انتهى الوقت برؤية هلال شوال! فاز حينذاك من فاز، وخسر من خسر. وبالطبع لا تريد أن تكون من أولئكم الخاسرين. مع كل ما سبق ذكره، هل قلنا شيئاً جديداً غير معروف لك؟ بالطبع لا، لأنه كلام مكرر محفوظ، أو إن صح التعبير، هو اجتهاد سنوي دوري نقوم به كما غيرنا من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين، ليس أكثر. سائلاً الله عز وجل لنا ولكم العافية، وأن يعيننا على صيام نهار رمضان وقيام ليله، والهداية لترك السيئات والإكثار من فعل الخيرات، فإنه بكل جميل كفيل وهو دوماً وأبداً، حسبُنا ونعم الوكيل.

1749

| 30 مارس 2023

نحن الوزراء وأنتم الأمراء

مر المسلمون في عهد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالكثير من الابتلاءات والاختبارات، لكن ما حدث في سقيفة بني ساعدة، يوم اجتماع الأنصار لبحث مسألة قيادة الدولة، فيما المهاجرون مشغولون بالأمر ذاته بالإضافة إلى تجهيز النبي الكريم للدفن، كان من أشد الاختبارات التي مر بها المسلمون. الابتلاءات والاختبارات السابقة للمسلمين حدثت والنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - معهم والوحي ينزل من السماء يبين ما استشكل عليهم. لكن يوم سقيفة بني ساعدة - إن صح التعبير - يمر المسلمون باختبار جدي غير عادي هذه المرة. لماذا؟ لأنهم لأول مرة بدون الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – وبدون دعم السماء. كان اجتماع السقيفة غير عادي، واختبار حقيقي لخريجي المدرسة المحمدية من المهاجرين والأنصار.. لأول مرة يجدون أنفسهم أمام أمر لابد من الاجتهاد فيه بأنفسهم دون الرجوع للنبي الأكرم – صلى الله عليه وسلم – ويعني ذلك أنهم عرضة للخطأ والصواب، فلا مرجعية سماوية فورية عبر الوحي كما كان قبل أيام مضت، بل هكذا الأمر لابد أن يسير من ساعته إلى يوم الدين.. اجتهاد وقياس وإجماع مبني على فهم صحيح للقرآن والسنّة. وهكذا سارت الأمور من يوم السقيفة إلى يوم الناس هذا. اجتهد الأنصار بعد وفاة النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم – وتسارعوا لملء الفراغ الذي تركه في قيادة الدولة وقبل أن تنفلت الأمور، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للمسلمين منهم، باعتبار موقفهم من الدعوة وحمايتهم ونصرتهم لها منذ البداية، بالإضافة إلى أن دولة الإسلام نشأت وظهرت في مدينتهم وهم أهلها، وبالتالي هم أحق بهذا الأمر من إخوانهم المهاجرين، الذين كانوا بمثابة لاجئين سياسيين، بحسب مصطلحات علم السياسة اليوم، وبالتالي ليس مستساغاً أن يتولى لاجئ سياسي زعامة وقيادة الدولة في وجود أهلها، أو هكذا كان التفكير الأولي لدى الأنصار الكرام. وبينما بعض كبار المهاجرين منشغلون بالأمر نفسه، وتجهيز النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – لدفنه، وصل خبر اجتماع الأنصار لأبي بكر وعمر – رضي الله عنهما وأرضاهما – فقاما من فورهما متجهين إلى مؤتمر الأنصار السياسي. وفي الطريق وجدوا أمين الأمة، أبي عبيدة بن الجراح، فطلبوا منه مرافقتهما، فاتجه العظماء الثلاثة إلى المؤتمر الأنصاري. فتنة بعدها ردة دون كثير تفاصيل، يمكن إدراك أمر ذهاب عظماء الإسلام الثلاثة لمؤتمر الأنصار السياسي، كان هدفه التباحث مع الأنصار في مسألة القيادة أو الخلافة، وليس لفرض أو إجبار أمر ما على الآخرين، بدليل أن ثلاثة من المهاجرين فقط يذهب إلى حشد من الأنصار فيهم السادة والأشراف، وهم من هم في الإسلام. حتى إذا ما وصل الثلاثة إلى الاجتماع، ودارت نقاشات بشأن مسألة الخلافة، كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما قُبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.. هذه خطوة أنصارية إيجابية أولى. الخطوة التالية الإيجابية للأنصار تتضح حين قام الصديق - رضي الله عنه – بالثناء على الأنصار ودورهم في بناء الدولة ونشر الإسلام والدفاع عنه، وأنهم كما كانوا أول البشر نصرة لدين الله، لا يجب أن يكونوا أول البشر في تفكيك وتصدع الدولة الوليدة. ثم تحدث بعدها إلى مرشح الأنصار للخلافة، سعد بن عبادة – رضي الله عنه - قائلاً له:» لقد علمت يا سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال وأنت قاعد: « قريش ولاة هذا الأمر، فبرُّ الناس تبع لبرّهم، وفاجرُهم تبع لفاجرهم. فقال سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء «. هكذا في فقه واضح للأنصار، انتهى الأمر بصدر رحب، لا كما صوره بعض المؤرخين وافتراءاتهم على خير جيل ظهر في الإسلام. وانتهى الأمر في زمن قياسي، اتفق الحاضرون يومها على مبايعة الصديق – رضي الله عنه – خليفة للمسلمين. لقد حمى الله بفطنة وسياسة وحكمة عظماء الإسلام الثلاثة، أبي وعمر وأبي عبيدة، وفهم عميق لفقه الواقع لدى الأنصار، من شر وفتنة عظيمة كان من الممكن أن تؤدي بالدولة إلى شر وخلاف عظيم. ونحمد الله أن اليهود كان قد انقطع شرهم عن المدينة بعد غزوة الأحزاب، وبالمثل اندثرت أوكار المنافقين بعد هلاك زعيمهم عبدالله بن أبي. ولك أن تتخيل يوم السقيفة، في وجود يهود بني قريظة والمنافقين. ذكر أحد الصحابة ويدعى ربيعة أن قال للصديق رضي الله عنه: ما حملك أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين؟ قال: لم أجد من ذلك بُداً، خشيت على أمة محمد الفرقة «. وفي رواية أخرى:» تخوفت أن تكون فتنة تكون بعدها ردة.» أطيعوني ما أطعت الله ورسوله بعد أن بايع المسلمون أبا بكر الصديق – رضي الله عنه وأرضاه - خليفة لهم، معلنين بذلك نجاحهم في التصدي لأكبر فتنة كانت ستعصف بهم، والرسول الكريم لم يدفن بعد، قام فخطب في الناس الخطبة الرئاسية أو البيان الرئاسي الأول الذي يوضح فيه الخطوط العريضة لحكمه، بعد حمد الله والثناء عليه قائلاً:» أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم «. اطمأن المسلمون،» مهاجريهم وأنصاريهم»، لسلامة اختيارهم وأن الصديق هو الشخص المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب. كان هو الأصلح لقيادة الدولة في تلك الفترة. وتلك هي النقطة الجوهرية في مسألة القيادة، التي يجب أن تكون للأصلح أولاً، ثم بقية معايير أخرى. يكفي الصديق فخراً أن كان ثاني اثنين في الغار، والوزير الأول لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومات وهو راض عنه. ويكفيه أنه لم يسع للأمر بل دفعه الفاروق بحكمته وسياسته دفعاً لتولي هذا الأمر، فكان نعم الخليفة، وكان الأنصار نعم القوم في حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وبعد مماته. ويكفيهم فخراً إلى يوم الدين حين وصفهم النبي بقوله:» لولا الهجرةُ لكنت امْرَءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشِعبا لسلكت وَاديَ الأنصَارِ وشِعْبَها «. رضي الله عنهم وأرضاهم وحشرنا وإياهم في زمرة النبي الكريم مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقا.

2994

| 16 مارس 2023

هل يهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل الإعلام؟

منذ أن اخترع الإنسان الحاسوب، وهو في بحث وتقدم مستمر لتعزيز اختراعه هذا، بحيث يصل إلى مستوى إدارة معظم المهام التي تتطلب ذكاءً بشرياً ذات مشاعر وأحاسيس في الوقت نفسه، أو هكذا الهدف. المحاولات البشرية جادة وحثيثة منذ الخمسينيات لتقوم الآلة بعمل الإنسان، والواقع الحالي يفيد أن التقنية تتسارع وتيرتها بشكل مذهل، بحيث لا يمكنك توقع ما يمكن أن يحدث بعد عامين أو ثلاث، حتى أصبحت عبارة «المستقبل البعيد» التي كنا نطلقها على فترة خمسين إلى مائة عام أو أكثر، صارت تعني سنوات قليلة معدودة، وظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» وصار متداولاً بكثرة في السنوات الأخيرة، للدلالة على مستقبل تقني قريب قادم. الذكاء الاصطناعي أو كل ما هو مرتبط بالحاسوب أو الكمبيوتر، إنما وُضِعت أساساته بناء على أبحاث ودراسات عالم رياضيات إنجليزي يدعى «آلان تورينغ» الذي اشتهر بأبحاث ودراسات وأوراق علمية ساهمت في اختراع أول جهاز حاسوب في التاريخ، وأبرزها ورقة علمية قدمها عام 1936 – كما تقول المصادر الباحثة في هذا المجال – وكانت بعنوان (الأرقام المعدودة وتطبيقات لحل مسألة القرار) وضع فيها فكرة آلة شاملة قادرة على أداء جميع العمليات الحسابية. أي أن تلك الورقة هي الأساس أو المفهوم الرئيسي للحاسوب الذي بين أيدينا، وعليها قامت شركات التكنولوجيا في العالم باستخدام مفهومه في صناعة الحواسيب. جهود «آلان تورينغ» استمرت بعدها بسنوات حتى قدم ورقة علمية عام 1950 بعنوان (الآلات الحاسوبية والذكاء) ووضع اختباراً سمي بعد ذلك باختبار تورينغ، الذي كان له أثر كبير فيما بعد حول أبحاث ومناقشات الذكاء الاصطناعي، حتى أن أي أحد منا يستخدم لوحة المفاتيح لجدولة بيانات أو معالجة كلمات وغيرها، إنما هو في الواقع يعمل على آلة من اختراع «تورينغ» أو بنات أفكاره، كما قالت عنه مجلة «تايم» الأمريكية التي وضعته في أحد أعدادها ضمن أهم 100 شخص خلال القرن العشرين. ما هو الذكاء الاصطناعي؟ قبل أن نخوض في موضوعنا هذا، نجد أهمية التعريف بهذا المصطلح أو هذا المجال بشكل مبسط حتى نكون على بينة من الأمر ونحن نخوضه. فالذكاء الاصطناعي علم يهتم بصناعة آلات أو روبوتات مرتبطة بأنظمة حواسيب، تقوم بتصرفات يعتبرها الإنسان تصرفات ذكية، أو تمتلك الخصائص المرتبطة بالذكاء واتخاذ القرار وأداء بعض المهام التي تتطلب التفكير والفهم والسمع والتكلم والحركة بدلاً من الإنسان. هناك أنواع عدة من الذكاء الاصطناعي، منه المحدود الذي يهتم بنظام أو مجال واحد فقط كالألعاب مثلاً، أو ذكاء اصطناعي عام يقترب ليكون من مستوى ذكاء الإنسان، بحيث يمكنه القيام بأعمال ومهام فكرية يقوم بها الإنسان نفسه. أما النوع الثالث فهو ذكاء خارق، يفوق الذكاء البشري. ولن أتحدث عن مجالات الذكاء الاصطناعي لأنها متعددة ومتشعبة، لكن الحديث يقتصر على مجال واحد هو الإعلام بشكل عام. الذكاء الاصطناعي الإعلامي الإعلام بشكل عام قد يكون من المجالات التي سيكتسحها الذكاء الاصطناعي اكتساحاً وينطلق بلا حدود، الأمر الذي جعل كبريات المؤسسات الإعلامية العالمية وخاصة بعد أزمة كورونا الفائتة، تتسارع خطاها لتفعيل فكرة احتضان التقنيات المتقدمة كالذكاء الاصطناعي من أجل الإبقاء على الصنعة الإعلامية، في زمن باتت التقنية تختلط وتنافس مجالات عمل بشرية كثيرة، وليس صناعة الإعلام فقط. وخيراً يفعل معهد الجزيرة للإعلام بتنظيمه مؤتمراً في الدوحة بعد أيام، حول تأثير تقنية الذكاء الاصطناعي وتصميم المستقبل، والذي سيبحث المؤتمرون خلاله عن الفرص والتحديات والأخلاقيات. إن صحافة الذكاء الاصطناعي لا شك بأنها ستخلق ثورة في صناعة الإعلام، سواء الرزين المعتدل والصادق، أو الإعلام الكاذب والتافه، حيث لن تكون هناك حدود جغرافية، ولا قانونية، ولا أي قيود من تلك التي تضعها الحكومات أو الجهات المسؤولة في كل دولة على حرية الرأي ونقل الخبر والمعلومة، بل سيكون المتلقي أو المتفاعل مع المواد الإعلامية هو الحكم، وهو من يقرر صلاحية أي مادة إعلامية من عدمها، من بعد أن تتراكم عنده الخبرة الكافية بعد حين من الدهر لن يطول، يستطيع عبرها الفصل واتخاذ القرار. هذا الأمر سيخلق منافسة شرسة للغاية بين المؤسسات الإعلامية المختلفة، وسيكون الرابح فيها دون شك هو ما يمكن تسميته قنّاص الفرص، الذي يكون على شكل مؤسسات إعلامية من تلك التي ترى مستقبلها واضحا وضوح الشمس، فتعمل في حاضرها لغدها، وتقوم بمسايرة هذا الواقع المتطور المتجدد والمواءمة معه، عبر اقتناص أي فرصة لتحديث وتعزيز منتجاتها، وتطوير طرق الإنتاج والإبداع فيها، من خلال الحصول على أحدث التقنيات المتطورة في عالم الذكاء الاصطناعي، والعمل على دمجها في صناعتها أو صناعة الإعلام بشكل عام. أما الخاسر الأكبر دون ريب فهو المتأخر أو المسوِّفُ للأمور، حتى تجده يتحول بعد حين من الدهر قصير، إلى جهة مستهلكة أو ربما مخترقة من كل تلك الجهات قناصة الفرص، المسايرة للتطور التقني والمعلوماتي، والمسيطرة بعد قليل على سوق إعلام الذكاء الاصطناعي. الذكاء الاصطناعي عالم يتمدد الذكاء الاصطناعي بالطبع ليس فقط روبوتات ذكية، بل هو عالم يتمدد، يشمل منصات إنترنت الأشياء، والتي يقصد بها ذلك الترابط بين الأجهزة الإلكترونية من أبسطها إلى أعقدها عبر الإنترنت، بالإضافة إلى أجهزة الهواتف المحمولة عالية الدقة، وتقنيات كشف المواقع، وتطبيقات التوثيق وكشف الاحتيال والتزوير، بالإضافة إلى الطباعة ثلاثية الأبعاد، وأجهزة تحليل البيانات والخوارزميات المتقدمة، وتقنيات جمع المعلومات، وغيرها من التطبيقات الذكية التي لو يتم استثمارها بشكل علمي صحيح، فإنها ستدفع بصحافة الذكاء الاصطناعي خطوات بعيدة، بل ستضع أقدامها في المستقبل وهي ما زالت في الحاضر، أو هكذا يمكن التعبير عن ذلك. كثيرون شاهدوا قبل سنوات أربع فارطة، قيام وكالة الأنباء الصينية «شينخوا» ببث فيديو لأول مذيع افتراضي، حيث تم فيه دمج التسجيل الصوتي والفيديو في الوقت الحقيقي مع شخصية افتراضية، من خلال تكنولوجيا محاكاة قدرات الإنسان الذهنية. ثم بعد ذلك ظهرت المذيعة الافتراضية «كيم» الكورية الجنوبية قبل عامين، لتقرأ نشرة إخبارية مع مذيعة حقيقية، بل وتقوم بتبادل الحديث معها، في تطور واضح للذكاء الاصطناعي يمكن الاستفادة منه أوقات الطوارئ والأزمات مثلاً، وإلى أن يتم تطوير التقنية واعتمادها ليكون المذيع الافتراضي يومئذ، شأنه شأن الحقيقي، يتم وضعهما على جداول الأخبار وربما تقديم البرامج بشكل منفرد بعد حين. في عالم الصحافة ظهرت تقنيات إنتاج مواد صحفية من أخبار وتحليلات اقتصادية وقصص إخبارية وغيرها بواسطة الذكاء الاصطناعي، وذلك عبر برامج وتقنيات تقوم باستخلاص بيانات هائلة من الأرشيف الرقمي، ثم تقوم بتحريرها وتدقيقها، بل وتوجيه المحتوى تلقائياً إلى جمهور محدد أو أفراد بعينهم ! ما المطلوب؟ بعد هذا الحديث المختزل عن عالم الذكاء الاصطناعي المتشابك والمتمدد، أرى أن الإعلام التقليدي بما فيه الصحافة، مطلوب منه مواكبة التقنيات الجديدة، حيث تحتاج غرف الأخبار بالتلفزيونات والصحف مثلاً إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي من أجل تطوير أعمالها، وتوفير جهود صحفييها المهدرة على أمور روتينية، لتقوم بها برامج ذكية متطورة، مثلما قامت به وكالة الأنباء الكندية من إنشاء نظام لتسريع الترجمات يعتمد على الذكاء الاصطناعي، أو نظام يكشف عن الصور المزورة كما فعلت وكالة الأنباء الفرنسية، وغيرها من أمثلة. لكن هناك مخاوف لدى بعض العاملين في الإعلام من أن الذكاء الاصطناعي سيعمل على إلغاء بعض الوظائف التي يشغلها البشر حالياً. وهذا تخوف مشروع، بل هو ما سيحصل دون شك، ولكن لن يتم تسريح العاملين بالسهولة التي يتوقعها البعض المتشائم، وإنما يتم توجيههم نحو القيام بالمهام التي ما زال البشر متفوقين على الذكاء الاصطناعي وبرمجياته وتطبيقاته، أو ما نسميها بالصحافة العميقة. حيث المهام المتعلقة بالحوارات الإنسانية أو الصحافة الاستقصائية، التي لم تظهر بعدُ تطبيقات وأنظمة قادرة على تنفيذها حتى الآن. ولذا لن يكون من الحكمة عند أرباب المال أو أصحاب المؤسسات الإعلامية، تسريح العاملين من أجل توفير دراهم معدودة، فالبشر رغم التطور التقني في الإعلام، لابد أن يكونوا في صناعة الإعلام، هم المحاور التي ستدور تلك الروبوتات الذكية حولها. صحافة الذكاء الاصطناعي، كخاتمة لحديث اليوم، هي ثورة إعلامية جديدة متوافقة تماماً مع التقنيات الحديثة للثورة المعلوماتية والصناعية. هذا الذكاء بدا للجميع أن تأثيره كبير على الإعلام والصحافة، من بعد أن اجتاحت الرقمنة كثيرا من المجالات الحيوية. ومن هنا نجد أن صحافة الذكاء الاصطناعي في تنامٍ كبير في عالم الصحافة والإعلام، وستؤدي إلى إحداث تغيير جذري في عالم الإعلام، وهذا التغيير سيؤثر بالضرورة على المنتجين، وكذلك المستهلكين الذين هم عموم القراء ومتابعو الوسائل الإعلامية. وكلما تسارعت خطى المؤسسات الإعلامية نحو الرقمنة أولاً، ومن ثم احتواء تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرمجياته وتطبيقاته، والعمل على تطويعها من أجل تعزيز العمل الإعلامي وتطويره، كلما كانت فرص بقائها في ميدان التنافس كبيرة. والعكس صحيح دون أدنى ريب. ولعل هذه الخاتمة هي إجابة السؤال الذي كان عنواناً لهذا الحديث، وما إن كان الذكاء الاصطناعي يهدد مستقبل الإعلام أم لا.

3504

| 09 مارس 2023

هكذا التعليم عندهم

لفت انتباهي تصريح لأحد معلمي الرياضيات في دولة إسكندنافية صقيعية باردة، حول برنامج دولي لتقييم طلبة المدارس، يقول: «نحضّر طلابنا ليتعلموا كيف يحصلون على المعلومات، ولا نعلمهم كيف يجتازون الاختبارات. لذا لسنا مهتمين جداً بالبرنامج الدولي لتقييم الطلبة. فهو لا يأخذ بالحسبان ما نفعله لتهيئة الطلاب». يعلمون طلابهم كيف يحصلون على المعلومات، لا كيف يجتازون الاختبارات. هذه فلسفة التعليم بكل وضوح في جمهورية فنلندا ذات الخمس ملايين نسمة والواقعة أقصى شمال أوروبا، التي وضعت التعليم على قائمة أهم استثماراتها. تلكم بكل اختصار، فلسفة تعليم هذه الدولة، وبالتالي لا عجب إن رأيت طلاب مدارسها في التقييمات العالمية متفوقين، ليس لأنه يتم تحضيرهم مسبقاً لتلك التقييمات، بل لأن طريقة جذبهم وتشويقهم للعلم والتعلم في مدارسهم، تجعلهم يتفوقون تلقائياً دونما حاجة للتكلف والتصنع وخلق أجواء من التوتر والقلق وغيرها من مشاعر مصاحبة لمسألة الاختبارات والتقييمات. أظهرت نتائج البرنامج الدولي PISA لتقييم الطلبة في مسألتي إتقان الطلبة للقراءة ومهارات الرياضيات والعلوم، أن الطلاب الفنلنديين يأتون دوماً ضمن أفضل عشرة قراء كتب في العالم، بالإضافة إلى تحقيقهم نتائج بارزة في العلوم والرياضيات والمراكز العشرة الأولى ضمن 57 دولة تشارك في تلك التقييمات الدورية. هذا أمر يدعونا للتعرف على الخلطة الفنلندية في التعليم، وسر نجاحها وتفوقها على كثيرين. المساواة سر النجاح بنظرة سريعة لما عليه التعليم الفنلندي، الذي أثار انتباه العالم خلال العشرين سنة الفائتة، نجد أنه، بالإضافة لمفهوم التعلم وفلسفته، هناك تأكيد وحرص رسمي على أن يكون التعليم نوعياً لا كمياً، ويقدم للجميع على قدم المساواة. فلا يهم وضع الطالب الاجتماعي أو المعيشي. الطالب الفقير يحصل على ذات التعليم النوعي الجيد الذي يحصل عليه الطالب الغني، بل وصل الأمر لأن يعامل الطالب الأجنبي، بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه، نفس معاملة الطالب الفنلندي المواطن. بسبب تلك المساواة لا تجد مثلاً مدارس خاصة في فنلندا بالعدد الهائل الذي نراه هنا وهناك في عالمنا العربي ومنها قطر. وبسبب تلك المساواة في تقديم التعليم النوعي والإمكانيات والوسائل، جعلت المدارس كلها تتشابه في مستوياتها، فلا تحتاج الأسر مثلاً إلى استقدام مدرسين خصوصيين لأبنائهم، ولا تحتار في مسألة اختيار المدرسة. إذ ليس هناك ما يستدعي تسجيل طالب في مدرسة بعيدة عن بيته، ما يجعل غالبية الطلاب ينتقلون لمدارسهم سيراً على الأقدام، ما يعني هذا تخفيف زحمة السيارات بالشوارع، بالإضافة إلى ترسيخ قيمة مهمة في نفوس الطلاب متمثلة في اعتبار المدرسة جزءاً من الحي السكني، فلا تجد المدارس بلا أسوار عالية بل بعضها بدون أسوار، ما يجعل الطلاب يتلقون تعليمهم بأريحية وفي أجواء لا تختلف كثيراً عن أجواء منازلهم، ولا شعور بالاغتراب وهم في مدارسهم يجعلهم ينتظرون بفارغ الصبر، الحصة الأخيرة وساعة الانفكاك والعودة للبيوت، كما هو حاصل في كثير من مدارسنا. هكذا لمست الأجواء بنفسي في زيارة خاصة قبل سنوات، لعدد من المدارس في هلسنكي. الطالب هو أساس العملية التعليمية حين نقول بأن الطالب هو أساس العملية التعليمية، فلأنه كذلك قولاً وفعلاً. فهو يبدأ التعليم الأساسي من سن السابعة، ليقين الفنلنديين أن الطالب من حقه أن يعيش طفولته خلال سنواته الست الأولى، بل لا يجب الزج به في التعليم مبكراً، لإيمانهم أن تلك السنوات الأولى، إنما للعب والتعرف على الآخرين والبيئة المحيطة والإجابة عن تساؤلاته وغير ذلك من أمور يحتاجها.. ويرون تبعاً لذلك أنهم ليسوا في عجلة من أمرهم، فالأطفال يتعلمون بشكل أفضل عندما يصبحون مهيئين لذلك، فلماذا نثير قلقهم وتوترهم منذ سن مبكرة؟ هكذا هي قناعاتهم، وفي الوقت نفسه، سؤال في غاية الوجاهة. هكذا فهمهم للمسألة دون تكلّف، حتى إذا ما بدأ الطالب في التعليم الأساسي لتسع سنوات متصلة عبر نظام المدارس الشاملة، البالغ عددها قرابة 3000 مدرسة وتستوعب نصف مليون طالب، أخذ يعيش أجواء التعلم الحقيقية والاستمتاع بها، عبر تعلم كيفية الحصول على المعلومة من أجل التعلم، لا لأجل الاختبار.. فيعيش الطالب على الأقل ست سنوات مع معلم واحد يقوم عادة بتدريس غالبية المواد لطلابه، ليتحول هذا المعلم إلى أب ثان للطالب، يعرفه ربما أكثر من والده الحقيقي. هذا أمر يجعل الطالب ذاته يعيش مستقراً نفسياً. يفهم شخصية المعلم والمعلم بالمقابل يفهم شخصيته، فلا يحتاج أن يتعامل مع ستة مدرسين كل يوم لعام دراسي كامل، والذين قد يتغيرون العام القادم، ثم يجد نفسه في رحلة سنوية ينتقل فيها من يد إلى يد. الطالب الفنلندي يتعلم ضمن مجموعات في الفصل، بقيادة معلم يتعامل مع طلابه الذين لا يتجاوزون العشرين، ودون أي تمييز بينهم، لا في الدين ولا العرق ولا المستوى الاجتماعي أو الأكاديمي. يتعامل معهم سواسية، يفهم طلابه تدريجياً بمرور الوقت، ويتعرف على قدراتهم في القراءة والكتابة والحساب والتفكير والتعامل وغيرها من مهارات وصفات. يعزز الجيدة منها، ويصحح السلبي أو التي بحاجة للتعديل والتقويم. ثم يتجه نصف طلاب المدارس الشاملة إلى التعليم الفني والنصف الآخر يكمل الثانوية لعامين، ثم الإعداد في السنة الثالثة لاختبارات شهادة الثانوية العامة والقبول بالجامعات. طلاب التعليم الأساسي يبدأون يومهم في الثامنة والنصف صباحاً، يحصلون على 20 حصة دراسية في الأسبوع، بمعدل 45 دقيقة للحصة الواحدة. أي خمس ساعات بالمدرسة، من ضمنها ساعة الغداء، حيث تكون كل مدرسة ملزمة بتقديم وجبة غداء ساخنة لطلابها، في حين يقضي طلاب الثانوية ست ساعات بالمدرسة. المعلم ونظام الدمج الثورة المعلوماتية والتقنية، جعلت نظرة الفنلنديين للتعلم تختلف، بعدما أدرك العالم كله أهمية توظيف التقنية في التعليم والتعلم خلال عامي الكورونا - إن صح التعبير - فصار الهدف والمقصد الأساسي من قضاء الطلاب ساعات وأياما وسنوات بالمدارس في فنلندا، هو كيفية الوصول إلى المعلومة وتحليلها وتعلم كيفيات الاستفادة منها في الحياة بشكل عام، ضمن علوم أخرى مدمجة. وبسبب ثورتي التقنية والمعلومات، صار النظام التعليمي الفنلندي يسعى لبناء شخصية مستقلة للطالب تساعده على التعليم الذاتي بدلاً من الاعتماد على المدرسة في ذلك الأمر، ما جعل المناهج التعليمية خالية من الحشو وكثافة المحتوى، وإنما تقدم زبدة العلوم التي تساعد على بناء قدرات الطلاب على فهم واستنباط المعلومات وتحليلها. ولعل ما يشجع الطلاب على اكتساب المعرفة بدلاً من حشو المعلومات في الأذهان حشواً، هو قلة الاختبارات. وهذه نقطة جوهرية في الفلسفة التعليمية الفنلندية. تجد الآن في النظام المدرسي الفنلندي ما يُعرف بنظام الدمج بين المواد، ويتضمن مثلاً إلغاء تدريس مواد الفيزياء والرياضيات والأدب والتاريخ والجغرافيا، كلاً على حدة. وهي في الحقيقة، جرأة نادرة في التفكير بشأن ما هو أفضل في مجال التعليم، وبما يتناسب مع تطور العالم من حولنا. كان المسؤولون الفنلنديون يرون أن هناك مدارس لا تزال تعلم تلاميذها بالطرق القديمة، التي كانت تعتبر جيدة في بداية التسعينيات، لكنها لم تعد تساير المتطلبات الحديثة، وبدلاً من تدريس كل مادة على حدة، بدأ تنفيذ نظام الدمج، بحيث يتم تدريس التلاميذ الظواهر والأحداث بشكل الجمع والتكامل بين المواد، حيث سيتم على سبيل المثال، دراسة الحرب العالمية الثانية من منظور التاريخ والجغرافيا والرياضيات، أو يحصل التلاميذ أثناء دراسة منهج العمل في مقهى أو مطعم أو متجر، على معرفة شاملة باللغة الإنجليزية وأسس الاقتصاد ومهارات الاتصال، وهكذا.. ويجب على التلميذ في هذا النظام، أن يختار بنفسه أي موضوع أو ظاهرة لدراستها ضمن عمل مشترك في مجموعات صغيرة، انطلاقاً من الحاجة لها في حياتهم المستقبلية. وهذا النظام معمول به في المرحلة الثانوية بشكل واضح، بعد تدريب المعلمين على هذا النوع من التعليم التكاملي. المعلم في النظام التعليمي الفنلندي بشكل عام، له مطلق الحرية في اختيار الطريقة أو الأسلوب الذي يراه في تعليم طلابه بحسب احتياجاتهم. والأهم من كل ذلك، أن للمعلم مكانته وتقديره في النظام والمجتمع بشكل عام. إذ إنهم يحملون الماجستير في التعليم، مع التركيز على المهارات التربوية، وخاصة معلمي التعليم الأساسي، الذين عليهم اجتياز اختبارات عدة للحصول على إجازة بالتدريس، لأجل ضمان وجود حب حقيقي للمهنة، وشغف كبير واضح بها قبل تسليمهم أمانة تعليم الطلاب. ومن هنا نفهم لماذا لا يدخل كلية التربية في فنلندا إلا النوابغ من مخرجات الثانوية، وأصحاب أعلى المعدلات. ما المطلوب؟ الحديث عن التعليم في فنلندا يطول ويطول، لكن المقصد في النهاية من حديثنا هو أن الفلسفة القائم عليها نظام التعليم الفنلندي (تعليم الطلاب كيف يحصلون على المعلومات، لا كيف يجتازون الاختبارات) فلسفة غائبة في معظم عالمنا العربي المعتمد على الكم لا الكيف، واستمرار نظام الحشو والحفظ والاستظهار، حتى في علوم لا حاجة للحفظ والاستظهار فيها. إن رغبة أي مجتمع في الارتقاء ومواجهة تحديات العصر المتنوعة والمعقدة، تتطلب منه عملا جادا مستمرا لأجل اكتشاف أو صناعة حلول لتلكم التحديات، ولعل أبرزها ذلك التدفق الهائل لأنهار من المعلومات عبر تقنيات متطورة سريعة، صارت تمثل تحدياً حقيقياً تواجه أي تعليم تقليدي. فمهما كان نظام التعليم في أي مجتمع قوياً متماسكاً، فإنه بحاجة إلى تطوير وتجديد مستمرين، كي يحافظ على تماسكه ونجاحه. وكلما ارتقى المجتمع بنظامه التعليمي المتناسق والمتوافق مع دينه وثقافته وتاريخه، ومرونته في التعامل مع تحديات العصر، كلما زادت وبالضرورة، قدراته وإمكانياته على مواجهة تلكم التحديات المتنوعة المتسارعة. لا أريد من طرح هذا الموضوع الحديث عن أنظمة تعليم الآخرين في العالم العربي تحديداً والتوسع كثيراً، بقدر التركيز على التعليم عندنا في قطر، الذي رغم الميزانيات الضخمة، ما زال منذ تسعينيات القرن الفائت، يدخل مرحلة تطوير ويخرج منها دون اكتمال، أو دون انتظار ما يكفي لنضوج ورسوخ مبادئ ومفاهيم ومتطلبات كل مرحلة تطويرية.. ولعل ذلك سبب رئيسي في استمرار التذمرات من التعليم بشكل عام وكثرة الشكاوى والانتقادات. من هنا أقترح قيام وزارة التربية والتعليم بتشكيل فريق رسمي ومجتمعي، يتم اختيار أفراده من الوزارة والجامعة والمجتمع، لأجل دراسة النظام التعليمي الفنلندي بدقة أكبر، وإرسال فريق يعايش هذا النظام عن قرب، ويسأل القائمين عليه عن أدق تفاصيله، ومن ثم العمل على تكييفه بشكل يتناسب مع ثقافتنا وديننا ورؤانا المستقبلية، فإن ما بين الدولتين من مشتركات، كالظروف الاقتصادية والمعيشية والديمغرافية والرغبة في تطوير التعليم والتميز فيه، كلها عوامل مساعدة على استنساخ التجربة الفنلندية برؤية محلية تعايش متغيرات العصر، ولكن بشرط أن تأخذ التجربة حقها من الوقت والمتابعة، مع وجود أدوات للتقييم والتقويم، حتى تخرج تجربة مثالية نموذجية تستحق الاقتداء.. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

2526

| 02 مارس 2023

ماذا عن الهند؟

قد تتساءل وتقول: ماذا تريد من هذا العنوان أعلاه؟ أو ماذا تريد أن تقول عن الهند؟ تساؤلك هذا منطقي وطبيعي، مثلما هو التساؤل الذي أرغب في طرحه ها هنا. نعم، ماذا عن الهند؟ أو أكثر تحديداً: لماذا لا يتم تركيز الأضواء الإسلامية، السياسية منها والإعلامية عليها، كما الحال مع الكيان الصهيوني الغاصب مثلاً، وخاصة أنها دولة محورية ذات علاقة تاريخية قديمة مع العالم الإسلامي، وجوار أو قدر جغرافي، لكن توجهاتها وسياساتها تجاه المسلمين خلال السنوات القليلات الماضيات، بدأت تتقاطع وتتشابه مع توجهات ومخططات الكيان الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يستوجب تسليط الأضواء على ما يجري بالهند، فالمسألة تكبر وتتضخم يوماً بعد يوم، ما لم يتم ضبطها. غالب أحاديثنا عن مسلمي الهند تدور عادة حول مشكلة كشمير، وهي واحدة فقط من مشاكل المسلمين في هذه البلاد الواسعة، التي يتجاوز عدد المسلمين فيها مائتي مليون نسمة، وتعتبر أكبر أقلية مسلمة في العالم، تعاني ما تعاني منها الأقليات المسلمة في الصين وبورما وبعض الأقطار غير المسلمة الأخرى. منذ وصول اليمين المتطرف وتغلغله في أجهزة الحكم والسيادة في الهند قبل سنوات ثمانٍ ماضيات، والمسلمون فيها يتنقلون من معاناة إلى أخرى، بدءاً بهدم مساجدهم التاريخية، ومروراً بمدارسهم وبيوتهم هنا وهناك تحت دعاوى ومزاعم عدم قانونيتها، وانتهاء بمزاعم يتم الترويج لها سياسياً وإعلامياً حول خطر المسلمين على مشروع إقامة الهند الكبرى أو بلاد الهندوستان، وضرورة تهجيرهم إلى الجوار المسلم، باكستان وبنغلاديش وغيرهما، بالإضافة إلى ما يقع عليهم من تضييق مستمر في معاشهم ومصادر أرزاقهم، إلى درجة غض الطرف عن التحريض المستمر ضدهم، المباشر منه وغير المباشر، من لدن كهنة هندوس متطرفين، تحت سمع وبصر الحكومة، وبشكل يكاد لا يتردد المرء المراقب في القول بأنها حملات ممنهجة. علاقات الهند التاريخية مع العالم الإسلامي قديمة تتطور تلك العلاقات أو تتراجع بحسب أيديولوجية وسياسات الحزب الذي يحكم البلاد. فمنذ أن جاء إلى الحكم، حزب «بهاراتيا جناتا « بعد وعـود بالمساواة بين جميع الطوائف والأعراف، والمسلمون في معاناة وضيق وقلق وتوتر مستمر، حتى صار عند المراقب للشأن الهندي، يقين شبه تام بأن المتطرفين أو المتشددين الهندوس، هم المسيطرون على منهج الحزب الحاكم الحالي وسياساته، والتي بدأت مؤخراً تتجسد على أرض الواقع على هيئة تضييق متدرج متصاعد على الأقليات - المسلمة تحديداً - بالإضافة إلى الأقلية المسيحية أو غيرهما، والعمل بوضوح شبه تام نهاراً جهاراً لإقامة هندوستان، أو بلاد الهندوس، اعتماداً على مبدأ الأغلبية العددية، خلافاً للدستور الهندي المعتمد والمعدل في 1976 الذي يؤكد على علمانية الهند، والمتمثلة في الفصل التام بين الدين والدولة. حيث لا يوجد دين رسمي للدولة، ولا يمكن للمدارس المملوكة بالكامل للدولة مثلاً أن تفرض تعليماً دينياً محدداً، ولا يمكن استخدام أموال دافعي الضرائب لدعم أي دين. هكذا الوضع دستورياً. لكن ما جرى خلال السنوات القليلات الماضيات ولا يزال يجري، يفيد أن الأمر خلاف ذلك. من يتابع أخبار المسلمين بالهند وما يتعرضون له من حملات تشويه وتضييق وترهيب، لا يكاد يخالجه أدنى شك في أنها ممنهجة ومدعومة بشكل وآخر، بل وتؤكد على نوايا الجناح المتطرف في الحزب الحاكم لفرض أجنداته ومشاريعه على أرض الواقع، تساعده قدرات مادية وإعلامية وسياسية بالغة التأثير على سياسات هذه الدولة المحورية في شبه القارة الهندية. هذا من ناحية الداخل الهندي، أو الدعم الداخلي. أما من ناحية الدعم الخارجي، فإن من يتأمل الحاصل الآن ضد المسلمين بالهند، ويقارنها بالحاصل مثلاً ضد الفلسطينيين في دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين، يكاد يصل إلى نتيجة مؤكدة أن السياسات والمخططات في الدولتين تكاد تخرج من مشكاة واحدة، أو أن مصدر التفكير والتخطيط فيهما واحد، خاصة إذا علمنا متانة وعمق العلاقات بين الهند والكيان الصهيوني، والتي بكل تأكيد تتأثر بفكر ومنهج الحكومات المتعاقبة على الدولتين. الهند بحكم علمانيتها أو دستورها، لابد أن تدرك بأن علاقاتها التاريخية مع المسلمين تبقى متينة بمتانة وقوة حفاظها على حياة ومصالح مواطنيها المسلمين، لا أن تسمح لأصحاب أجندات متطرفة بالتأثير على تلكم العلاقة. وما يجري الآن ضد المسلمين هناك، لا يفيد أبداً حرص حكومة الهند الحالية على علاقاتها بالمسلمين، حرصها على علاقاتها مع الكيان الصهيوني الغاصب على سبيل المثال. ** ما يدعو للقلق أن محاولات التضييق والترهيب وبث الخوف والقلق بين المسلمين بالهند، لا تلقى ذلك الحزم من الحكومة وكأنما تباركها، أو هكذا يبدو المشهد للمراقبين. بل ما يزيد القلق أكثر، هو ذلك الدعم من منظمات أخطبوطية متطرفة، تتلاقى أجنداتها مع الجناح المتطرف في الحزب الحاكم، أبرزها منظمة المتطوعين الوطنيين المعروفة باسم RSS التي كان لها دور حاسم مؤثر في وصول رئيس الوزراء الحالي مودي إلى السلطة عام 2014. تؤكد أدبيات وأجندات هذه المنظمة واستراتيجياتها البعيدة على تحويل المجتمع الهندي إلى أمة هندوسية خالصة، على حساب المسلمين والمسيحيين وبقية الأقليات الذين تستهدفهم المنظمة، صاحبة التأثير القوي على مسؤولين ورموز الحكم، والتي لا يُعرف مصادر تمويلها أو ما إذا كانت واجهة لنشاطات أخرى خفية، وإن كانت ظاهرياً تبدو أنها معتمدة على دعم خيري من الشتات الهندي في الولايات المتحدة وأوروبا، بالإضافة إلى دول الخليج العربي، حيث للمنظمة شعبية كبيرة في هذه الدول، ومن غير المستبعد أن مئات الألوف من الهندوس العاملين بالولايات المتحدة ودول الخليج تحديداً، ربما هم أعضاء في المنظمة، وتساهم اشتراكاتهم وهباتهم في ترسيخ أقدامها وتعزيز نفوذها بالداخل الهندي ومصانع القرار، وربما إشارة إلى قُرب تجسيد أجنداتها على أرض الواقع. ** أن يتأثر نحو مائتي مليون مسلم بسياسات حكومة متأثرة بفكر هندوسي متطرف، ليس بالأمر اليسير الذي يجعل منظمة إسلامية كبيرة كمنظمة التعاون الإسلامي لا تحرك ساكناً، وكأن حملات التضييق والترهيب المستمرة ضد المسلمين هناك لا تعنيها من قريب أو بعيد، أو تبدو كأنما لا ترغب التدخل بأي صورة كانت، حفاظاً على علاقات ومصالح بعض الدول الأعضاء مع الهند، وهذا خلاف لسياساتها، بل وأسباب قيامها. منظمة التعاون الإسلامي، في ختام هذا الحديث، عليها أن تلعب دوراً بارزاً حاسماً، وخصوصاً من لدن بعض الدول المؤثرة فيها، لاسيما تركيا ودول الخليج، للعمل على دفع الأذى عن مسلمي الهند، وذلك عبر دفع الحكومة الهندية أولاً لضبط إيقاعات السياسة الداخلية المتجهة بقسوة وقوة تجاه الإضرار بمصالح وحياة المسلمين فيها، وعدم الخضوع لأجندات منظمات أخطبوطية مشبوهة مثل RSS والعمل ثانياً على ضبط تدفق العمالة الهندية نحو دول الخليج تحديداً، لاسيما الهندوسية منها، خشية أن تكون تلك العمالة مصادر تمويل رئيسية لتلك المنظمة، أو ربما خلايا نائمة يخشى من عواقب التساهل مع تحركاتها، المباشرة وغير المباشرة. الأمة محاطة بما يكفي من أعداء خطرين، وإن جاءوا بثياب الناصحين أو الباحثين عن تجارة واستثمار، وهم في الأساس ذئاب أو أشرس منها. والمؤمن كيّسٌ فطن، وليس بالخِب أو المخادع، ولا الخبُ في الوقت ذاته، يخدعه ويتلاعب به وبمصالحه.

2763

| 23 فبراير 2023

هل الزلازل غضب إلهي؟

زلازل جنوب تركيا وشمال سوريا، خلّف حتى تاريخ كتابة هذا المقال أكثر من 40 ألف قتيل، والتوقعات تشير إلى ارتفاع العدد مع انتشال المزيد من تحت الأنقاض. رحمهم الله وغفر لهم، وشفى جريحهم وثبت قلوب من بقي منهم، وعوضهم الله خيراً مما فقدوا وخسروا من أحباب وأملاك.. ما حدث هو نوع من الكوارث التي تحدث على الأرض لظروف بيئية ومناخية متنوعة، وبعضها ربما للإنسان بعض الدور في حدوثها عبر مخالفة قوانين وسنن وضعها الله لتسير الحياة بآلية معينة، وأي مخالفة أو معاكسة لتلك القوانين، فلا شك أن النتائج كارثية، والأمثلة أكثر مما يمكن حصرها ها هنا، وإن كان هذا ليس محور حديثنا اليوم، وإنما بضع نقاط تفرض نفسها حين يأتي الحديث عن الكوارث الطبيعية. من تلك النقاط ما تردد بُعيد وقوع الزلازل في تركيا وسوريا من مزاعم تقول إن ما حدث هو غضب من الله، وأن هذه الكوارث جزء من العقاب الإلهي الدنيوي قبل الأخروي ! وهذا دون شك كلام غير دقيق بل لا يمكن قبوله، ويحتاج إلى كثير أدلة وشواهد، خاصة إن جئنا نقارنها بما وقع للأولين من الأقوام البائدة الذين ذكرهم الله في القرآن. الزلازل وعلامات القيامة نحن المسلمين ربما من أكثر الشعوب التي تتطرق في أحاديثها وتحليلاتها لمثل هذه الكوارث، ونحاول إلصاقها بمسائل الغضب أو العقوبة الإلهية. ربما هي كذلك فعلاً، ولكن مع ذلك لا يمكن القبول به. لماذا؟ لأنه لا نملك أدلة على ذلك، فليس بيننا وبين الله نبي يوحى إليه من السماء حتى يخبرنا بذلك، كما كان مع النبي صالح وهود ولوط وغيرهم من الأنبياء الكرام. ولا ندري كذلك ماذا جرى أو يجري في الغيب قبيل وقوع الكوارث حتى نقرر بأن ما وقع مثلاً في تركيا وسوريا أو غيرهما من بلدان وأقطار، أنه غضب إلهي. إن كل ما لدينا من أدلة شرعية تفيد بأن كثرة الزلازل هي من علامات الساعة الصغرى، نؤمن بها ونستعيذ بالله من شرورها ونسأله العفو والعافية، وأنها كذلك مدعاة للبشر إلى ضرورة العودة إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها، واتباع منهج الله في هذه الحياة مع التوبة والإنابة المستمرة وكثرة الاستغفار. أما أن نقرر أن كارثة هنا أو هناك هي غضب إلهي، فهذا أمر يجب الحذر منه وعدم التعمق فيه، حتى لا تثير تلك الأمور الشكوك في العقائد واليقينيات. الأقوام البائدة القديمة أخذهم الله بكوارث طبيعية وعرفنا أسباب ذلك من القرآن. لكن ما يحدث اليوم من كوارث هنا وهناك، لا يمكن القول بذلك لأنه أمر غيبي لا نعلمه. فإذا جئنا مثلاً لقياس الكوارث في زمننا بما وقعت في الزمن القديم، فلن نصل إلى نتيجة صحيحة. فكيف يمكنك تفسير وقوع زلازل وأعاصير وكوارث في مناطق يوحد أهلها الله، ولا يشركون به شيئا. فيما تجد في مواقع أخرى كثيرة حول العالم، الشرك والظلم والفساد، وبدرجة أعمق وأكثر انتشاراً مما كان عليه القدماء البائدون، أو حتى البشر المعاصرين، ولكن مع ذلك أمورهم وحياتهم هادئة لا تصيبهم تلك الكوارث؟ هذه نقطة أولى. الحياة لا استقرار فيها نقطة ثانية يجب الإشارة إليها حين الحديث عن مثل هذه الكوارث الطبيعية، تتلخص في أن عدم الاستقرار هي طبيعة هذه الحياة، وأنها متغيرة لا تثبت على حال وقرار، ولا يثبت بالتالي من عليها من أحياء وجمادات على حال واحدة أيضاً. لنأخذ المثال الذي نتحدث عنه، وهو زلازل تركيا وسوريا.. فبالأمس القريب، كان السوريون – فرّج الله عن كربتهم – لاجئون إلى تركيا بعد أن تهدمت بيوتهم وضاعت بسبب أفعال النظام الحاكم في دمشق ومن معه من أصحاب المصالح من الدول والمؤسسات وغيرها. وكان الاحتضان والدعم والمساندة لهم من الأتراك ولسنوات عدة، حتى بدأت أصوات تركية شاذة ونكرة، من عنصريين وقوميين تضغط لطرد المهاجرين السوريين من البلاد.. حتى إذا ما وقع الزلزال فجر الإثنين الماضي، تحولت عدة ملايين من الأتراك بين ليلة وضحاها، إلى وضع وحال لا يختلف عن السوريين. صار الداعم والمحتضن والمساند، هو من يبحث عن دعم واحتضان ومساندة، في إشارة إلى أن أي أحد منا قد يتغير وضعه بين عشية وضحاها. ربما من الأفضل للأسوأ، أو العكس. فهكذا هي طبيعة الحياة الدنيا، وبالتالي لا يجب أن نشمت أو نعيب على أحد في حاله وشكله وحياته، بل بدلاً من ذلك، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا قبل الآخرة. إن الأعاصير والزلازل والفيضانات وغيرها من الكوارث، هي تغييرات طبيعية تتأثر بالمناخ وظروف جغرافية وجيولوجية متعددة، وتحدث وفقاً لسنن وقوانين التغيير على هذه الأرض التي قد يكون أو لا يكون للإنسان دور فيها. وهي ربما تكون فعلاً رسائل إلهية للبشر، من أجل زيادة الحرص والانتباه إلى أهمية مسألة حفظ نعمة الحياة على الأرض. خلاصة الحديث إن خلاصة ما أريد الوصول إليه، ألا تكون نظرتنا إلى الأحداث والوقائع ضيقة محدودة، بل نريدها واسعة شاملة. نفسرها بشكل منطقي سليم مقبول، ولا نقوم بتفسيرها بحسب أمزجة وأهواء بشرية، ونقوم في سبيل ذلك بلي أعناق الآيات والأحاديث ليّاً وقسراً، حتى تتوافق مع ما نريد من تفسيرات لوقائع وأحداث تقع في حياتنا بشكل يومي هنا هناك.. سائلاً الله - عز وجل – في الختام أن يحفظنا بحفظه ويرعانا برعايته.

2196

| 16 فبراير 2023

عرش بلقيس.. من أحضره ؟

عظيمة هي معجزات النبي الكريم سليمان – عليه السلام – والمُلك الذي وهبه الله له، الذي لم ولن يوهب لأحد غيره، كما طلب هو بنفسه ( قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ). إن قدرته على فهم منطق الطير وتسخير الرياح واستخدامها في تنقلاته، بالإضافة إلى تسخير الجان يعملون له ما يشاء، مستخدمين علمهم وقوتهم وقدراتهم.. كل ذلك ضمن المُلك الذي وهبه الله له. حتى كان المشهد المعجز الذي حيّر العلماء قديماً وحديثاً. مشهد إبراز القوى والقدرات في مجلسه، بين عفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب، حول عرش بلقيس ومن له القدرة على إحضاره سريعاً.. وحول تلك المبارزة أو إبراز مظاهر القوة، يكون حديث اليوم. المشاهد القرآنية حول الملكة الحكيمة العاقلة بلقيس، ومراحل ظهورها ضمن حياة النبي الكريم سليمان – عليه السلام - تستحق كثير تأمل ودراسة، ابتداءً من مشاهد عرض الدعوة، واختبارات الذكاء وحسن التصرف، مروراً بإظهار القوة والقدرة في مسألة إحضار عرشها، ثم انتهاءً بإعلان إسلامها لله مع سليمان.. كلها مشاهد يمكن أن تُدرّس في علوم الدعوة والنفس والاجتماع والسياسة، بالإضافة إلى بعض جوانب من علوم كونية كالفيزياء. • أيكم يأتيني بعرشها بعد أن نقل الهدهد خبر ما كان عليه قوم بلقيس للنبي سليمان - عليه السلام - ثم تكليفه بإلقاء الرسالة السليمانية على عرشها أو موقع جلوسها، أرسلت هدية للنبي سليمان تليق بالملوك، وفي الوقت نفسه تستكشف هدفه. فما لاقت استحساناً منه، وقام بردها، فما آتاه الله من مُلك عظيم، تجعل تلك الهدية، وإن كانت عظيمة الشأن في نظر بلقيس، إلا أنها بلا شأن أو قيمة بجانب مُلكه عليه السلام. لكنه أدرك أنها ملكة حكيمة عاقلة، لم تعتد بقوتها ولا ترغب في حروب ومنازعات واستعراض قوى، بعد أن وصله خبر عزمها القدوم بنفسها إليه في وفد رفيع المستوى. فأدرك عليه السلام أن مثلها لا يمكن، بل لا يجب أن تبقى على ضلالة وشرك. إنها دون شك لم تصلها رسالة الإسلام التي جاء بها سليمان ومن قبله وبعده الأنبياء إلى خاتم المرسلين، عليهم الصلاة والسلام. ولكن قبل عرض الدعوة عليها، أرادها النبي سليمان – عليه السلام - أن ترى عظمة مُلكه، الذي منحه صاحب المُلك والكون والأمر كله، المستحق للعبادة وحده لا شريك له. يريد أن يريها أن هدفه من كتابه هو تبليغها رسالة الإيمان، وليس طمعاً في أرضها وملكها. • مسألة إحضار العـرش بعد أن وصلته أخبار تحرك بلقيس ووفدها واقترابهم من فلسطين والبيت المقدس، حيث النبي سليمان – عليه السلام – قام وطرح سؤالاً على حضور مجلسه العجيب والمهيب، من الإنس والجان: ( قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ) ؟ ها هنا قد تتساءل عن السر في رغبة سليمان - عليه السلام - إحضار عرش يزن بالأطنان، من أرض سبأ في اليمن إلى البيت المقدس في فلسطين، وهما على مسافة 3000 كيلو متر تقريباً؟ أو كما قال صاحب الظلال: "ما الذي قصد إليه من استحضار عرشها قبل مجيئها مسلمه مع قومها؟ نرجح - والحديث لسيد قطب رحمه الله - أن هذه كانت وسيلة لعرض مظاهر القوة الخارقة التي تؤيده، لتؤثر في قلب الملكة وتقودها إلى الإيمان بالله، والإذعان لدعوته. حيث عرض عفريت من الجن أن يأتيه به قبل انقضاء جلسته هذه. وكان يجلس للحكم والقضاء من الصبح إلى الظهر فيما يروى. فاستطول سليمان هذه الفترة واستبطأها - فيما يبدو - فإذا ( الذي عنده علم من الكتاب ) يعرض أن يأتي به في غمضة عين، قبل أن يرتد إليه طرفه، دون أن يذكر القرآن اسمه ولا الكتاب الذي عنده علم منه". لكن عرض العفريت لم يعجب النبي الكريم، وإنما عرض الذي عنده علم من الكتاب، الذي لم يكد ينتهي من تقديم عرضه إلى سليمان حتى كان العرش في المجلس، دون أن ينقص منه شيئاً ( فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر.. ) اعتبر ما وقع أمامه - عليه السلام - نوعاً من الابتلاء الذي يُبتلى به الأنبياء الكرام. ابتلاء يهز الأبدان والقلوب هزاً. ابتلاءٌ لا يثبت أمامه سوى الأنبياء الكرام. • أمور ثلاثة خلاف القدماء والمعاصرين في هذا المشهد حول أمور ثلاثة. الأول: من هو هذا الذي عنده علمٌ من الكتاب؟ أكان من الجن أم الإنس؟ الثاني: كيف أحضر العرش بضخامته، من مسافة تقطعها الرواحل في شهرين تقريباً؟ الثالث: ما هذا الكتاب الذي كان له نصيب وعلم منه؟ وعلى طريقة القرآن الذي لا يدخل في التفاصيل إن لم تكن للتفاصيل فائدة، لم يرد له اسم أو صفة أو نوع، ولا تبين من يكون أو كيف أحضر العرش بضخامته، وما الكتاب الذي أخذ منه بعض علمه؟ ولكن لا يعني هذا عدم التأمل والتفكر في المشهد. فلقد تبين مثلاً مدى قوة العلم وتفوقه على قوة الجسم والعضلات. العفريت بما أوتي من قوة بدنية وقدرة على التحرك، لم يلفت انتباه النبي سليمان بالقدر الذي قام به من كان عنده علم من الكتاب. إذ أن ذاك المخلوق، سواء كان جنياً أم إنسيا، تفوق على العفريت القوي، بعلم معين مكّنه من نقل عرش بلقيس على مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر، إلى مجلس الحكم حيث النبي سليمان عليه السلام. لكن مهما قيل عن هذا الكائن، إلا أن بعض العلم الذي كان عنده من الكتاب، ربما يُقصد به علماً معيناً كان توصل إليه في ذلك الزمن، الذي يبدو أنه كان زمناً علمياً وهندسياً أو عمرانياً متفوقاً جداً، أو إن صح التعبير، حضارة متقدمة اشترك في صناعتها إنس وجان. إن مجتمعاً يتشارك الإنس والجان والحيوان في شؤون كثيرة تحت إمرة وقيادة سليمان – عليه السلام – لا شك أنه قد بلغ مبلغاً عظيماً وعميقاً في شتى أنواع العلوم والفنون والمهارات. وليس في ذلك ما يثير الغرابة، وخاصة لمن يعيشون في زمننا هذا، حيث التقدم العلمي والتقني الهائل. النبي سليمان – عليه السلام – وبما أنه سأل الله أن يهبه ملكاً لم ولن يكون لأحد بعده، فليس من المستبعد أن الله أفاض عليه من علوم الكون وأسراره الكثير الكثير، وربما كان بدوره ينقل بعض تلك العلوم والفنون والمهارات والأسرار لبعض خواصه أو خواص الخواص من الإنس والجن، لأجل صناعة أو بناء حضارة لم ولن تظهر مثلها أبداً، أو لن يكون الوصول إلى ما وصلت إليه حضارتهم، بالأمر السهل. تلك نقطة أولى. أما الثانية، فالأرجح بأن هذا الذي كان عنده علم من الكتاب، أقرب لأن يكون من عالم الجن إلى عالم الإنس، باعتبار أن الجن أقدم وجودياً على الأرض من الإنس وبآلاف أو ربما عشرات الآلاف من السنين، وبالتالي هم أقدم حضارة وعلماً من الإنس، وخاصة أن وجودهم تحت إمرة سليمان - عليه السلام - يعلمهم ويوجههم ويسخرهم لخدمته في مجالات عدة، أكسبهم تفوقاً علمياً على من سيأتي من بعدهم وهم الإنس. • أين العبرة من المشهد ؟ كما ذكرت منذ البداية، أننا لن نخوض عميقاً في ماهية الذي أتى بعرش بلقيس وما حول ذلك الأمر، لأن العبرة الأكبر والأهم من مشهد بلقيس وظهورها في عالم النبي الكريم سليمان - عليه السلام - هو تأمل ذاك الكم الهائل من الحكمة والكياسة عند بلقيس، وكيفية تدبر وتدبير الأمور. إن ملكة بعظمتها، ما تهورت في مغامرة غير محسوبة العواقب حين دعاها سليمان – عليه السلام – وقومها أن يأتوه مسلمين، بل تريثت وأدارت الأمر المستجد في حياتها وحياة مملكتها بكل حكمة وتعقل، حتى رأت ما كانت تخفيه من قناعات عن قومها، والتي كانت قد بدأت تتشكل في نفسها بعد رد الهدية، حتى تيقنت تمام اليقين أن الذي تتعامل معه ليس بملك كملوك الدنيا، وأن دعوته لم تكن لحاجة في نفسه، بل لخيرها وخير قومها. رأت بلقيس كم كانت على ضلالة، حين كانت تسجد وقومها للشمس من دون الله. رأت بلقيس نور الله من خلال تعاملها القصير وغير المتوقع مع نبي عظيم مثل سليمان - عليه السلام - والذي على إثر ذلكم التعامل، برزت حكمتها ورجاحة عقلها وحُسن سياستها للأمور، وأعلنت إسلامها مع سليمان لله رب العالمين، فدخلت تحت إمرته - عليه السلام - غير عابئة ولا مهتمة للجانب السياسي أو السيادي ومسألة الخضوع لملك آخر، لأن خضوعها لم يكن لسليمان - عليه السلام - وإنما لرب سليمان، وملك الملوك. وهكذا هم أولو الألباب.

6933

| 09 فبراير 2023

افتخر.. أنت مسلم

ميزة هذه الأمة هي الوسطية، التي تعني بكل وضوح واختصار، المنزلة التي تقع بين الغلو والإفراط. فالإسلام دين الاعتدال في كل تعاليمه وشرائعه وقوانينه. وتلك نعمة أنعمها الله على هذه الأمة، أن جعلها وسطاً في كل أمور الدين – كما جاء في تفسير السعدي - ووسطاً في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك. ووسطاً في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى. هذه الأمة ليست كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وفوق كل ذلك، حُرمت عليهم الطيبات عقوبة لهم، وليست كذلك مثل النصارى الذين لا ينجسون شيئاً، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج. لكن طهارة هذه الأمة أكمل طهارة وأتمها. فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلّها، ومن الأعمال أفضلها. وقد وهبهم الله من العلم والحلم والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا أمةً وسطا. هكذا دار المفسرون حول آية (وكذلك جعلناكم أمة وسطا). • ولا تحمل علينا إصرا أما آية (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا..) فهي نموذج لما كان عليه غير هذه الأمة في الأزمنة الغابرة. حيث شددوا، فشدد الله عليهم وأمرهم بتكاليف شاقة لا يقدر بنو البشر عليها. فقد عبد بنو إسرائيل العجل من بعد أن أضلهم السامري. لكنهم تابوا من بعد ذلك، فهل كانت توبتهم واستغفارهم وعودتهم إلى جادة الصواب كافية؟ بالطبع لا، لم تكن كافية. حيث أمرهم الله عز وجل، وحتى يتطهروا من ذلك الذنب العظيم، أن يقتلوا أنفسهم، بأن يجتمعوا في ظلمة من الليل، يحمل كل أحد منهم سكيناً أو ما شابه، فيقتل من يجد أمامه، مستمراً هكذا حتى يطلع الفجر، بغض النظر من يكون المقتول. فقد يقتل الأب ابنه أو الابن أباه أو أحداً من أقاربه وهو لا يدري ولا يرى. لا شك أنه أمر شاق لا يمكن أن تطيقه النفوس البشرية. غنائم المعارك مثال آخر لدى الأمم السابقة، التي لم يكن من المسموح لها الانتفاع بها، بل كان يتم جمعها في موقع ما، لتأتي نار من السماء فتحرقها. والأمثلة من تلك التكاليف الثقيلة كثيرة، ليس المجال ها هنا لحصرها والتوقف عندها كثيراً، لأن العبرة أو المقصد الرئيسي من حديثنا هو أن نرى منزلة هذه الأمة، وكيف أن الله سبحانه رفع عنها تلك الأثقال أو التكاليف المرهقة الثقيلة، واستجاب سبحانه للدعوات المخلصة كما في الآيات أعلاه، حتى صار التائب من الذنب في هذه الأمة المسلمة، كمن لا ذنب له. والغنائم ننتفع بها، وأحل الله لنا كل الطيبات دون استثناء. • الإسلام دين الأنبياء الإسلام هو الدين الثابت القائم من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إنه الدين الذي بعث الله الأنبياء والرسل جميعاً لتبليغه للناس أجمعين (إن الدين عند الله الإسلام) والإسلام يعني الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة. وهذا تعريف مختصر واضح لمعنى الدين، كما أجمع المفسرون. وقد جمع الله فيه الشرائع السماوية السابقة، وختم به الرسالات، وبالتالي صار هو الدين الوسط، ومعتنقوه هم أمة الوسط. ومن جميل كرم الله أن جعل هذه الأمة هي المكلفة بحمل ودعوة الناس إلى الدين الوسط، لتنال منزلة الوسطية والخيرية بين العالمين. أما الدين الذي يتعرض للتلاعب والتحريف، من حذف لآيات وأحكام، أو إضافة هنا وتعديل هناك حسب أهواء القائمين عليه، فإنه ما إن يتعرض لكل تلك الأعمال حتى يخرج عن هذا التعريف، وبالتالي لا يمكن أن يسمى ديناً. لهذا كله، كما يقول ابن كثير في تفسيره:" من لقي الله بعد بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل، كما قال تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). • شهداء على الناس الأمة المسلمة ولأن الله ميزها بالوسطية والخيرية في العاجلة، فإنها ترتقي في المنزلة في الآخرة، لتكون أمة شاهدة فتأتي وتشهد على الأمم السابقة حين تعترض على أنبيائها من أنهم لم يبلغوا الرسالة، ولم يؤدوا الأمانة المفترضة عليهم. ستأتي أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – لتشهد على الأمم التي تعترض على أنبيائها يوم القيامة، وتشهد أمام الله لصالح كل نبي يواجه اعتراضاً من أمته، وبأنه قد بلغ الأمانة، ونصح قومه، وجاهد في سبيل ذلك حق الجهاد. في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُدعى نوحٌ فيُقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيُدعى قومه فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد ! فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمدٌ وأمته. قال: فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلّغ. فذلك قول الله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا). إنها منزلة عظيمة اختص الله بها أمة محمد من بين كل الأمم السابقة. ووجودك ضمن هذه الأمة، هو شرف لا يمكن بلوغه من قبل آخرين، إلا أن يستسلموا لله جميعاً مثلك، وترك ما كانوا عليه قبل الإسلام من شرائع وعقائد وأفكار مختلفة. • أهكذا نجازي نبينا؟ يكفيك فخراً فوق هذا كله، وعزة وشرفاً أيها المسلم، أن نبيك هو خاتم الأنبياء والمرسلين. يكفيك طمأنينة وسلاماً أنه مهما بلغت ذنوبك وسيئاتك، فإنه – صلى الله عليه وسلم – المخلوق الوحيد الذي يبقى ساجداً لله ما شاء له أن يسجد يوم القيامة، يدعو ويبتهل ويتوسل إليه سبحانه مالك يوم الدين، ومردداً: أمتي أمتي، في الوقت الذي ترى كل نبي ورسول يردد: نفسي نفسي. تجده – صلى الله عليه وسلم – يسأل الله القدير يومئذ أن يُخرج من النار كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، حتى تفرغ من كل مسلم، ثم يتم بعد ذلك غلقها على من فيها، خالدون مخلدون. فهل جزاء مثل هذا النبي الكريم الحريص على أمته، الرحيم بهم، الإعراض عن سنته وهديه، بل والتطاول عليه من شرذمة قليلة منحرفة، وأخرى تكذب عليه ليلاً ونهارا؟ لا شك أنه – صلى الله عليه وسلم - لا يستحق كل هذا أبداً. من هنا وكخلاصة لهذا الحديث، أقول: افتخر بأنك مسلم وفرد من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – خير الأمم. الأمة الوسط، الأمة التي تكون شهيدة على الأمم، ويكون الرسول الكريم شاهداً عليهم جميعا، صلى الله عليه وسلم. فاللهم صل وسلم عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين. آمين آمين.

4035

| 02 فبراير 2023

يوم تبيضُّ وجوه

مشهد من مشاهد يوم القيامة. مشهد النور والظلام، الكرامة والإهانة، الاستبشار والانكسار. إنه المشهد الأخروي المعروف سلفاً قبل أن نصل إليه ويبدأ. إنه اليوم الذي تبيضّ فيه وجوه، وبالمثل تسودّ وجوه. وجوه منيرة وأخرى مظلمة في ذلك اليوم، وما ذلك النور أو الظلمة إلا نتيجة لما كسبت أيدي أصحاب تلك الوجوه في سالف الأيام بالحياة الدنيا. قال أهل المعاني - كما جاء في تفسير البغوي - ابيضاض الوجوه: إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها وبثواب الله، واسودادها: حزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعذاب الله، يدل عليه قوله تعالى (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) وقال (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة) وقال (وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة). عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إذا كان يوم القيامة رُفع لكل قوم ما كانوا يعبدونه، فيسعى كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، وهو قوله تعالى (نوله ما تولى) فإذا انتهوا إليه حزنوا، فتسودُّ وجوههم من الحزن، وبقي أهل القبلة واليهود والنصارى، لم يعرفوا شيئاً مما رُفع لهم. فيأتيهم الله فيسجد له من كان يسجد في الدنيا مطيعاً مؤمناً. ويبقى أهل الكتاب والمنافقون لا يستطيعون السجود. ثم يؤذن لهم فيرفعون رؤوسهم ووجوه المؤمنين مثل الثلج بياضاً، والمنافقون وأهل الكتاب إذا نظروا إلى وجوه المؤمنين حزنوا حزناً شديداً، فاسودت وجوههم فيقولون: ربنا ما لنا مسودة وجوهنا، فوالله ما كنا مشركين؟ فيقول الله للملائكة (انظر كيف كذبوا على أنفسهم). الأمر ليس ألواناً بياض الوجه أو سواده يوم القيامة، ليس القصد منه تفضيل لون على لون أو أنه عنصرية، كما يحلو لبعض من يتربصون بالإسلام والمسلمين ومقدساتهم. ليس هذا هو المقصود. فالألوان قام البشر بربط كل لون إلى أمر ما، حتى صار متفقاً عليه أو عُرفا. لكن المقصد من الآية أو البياض والسواد فيها، فإنما هو أمر مرتبط بقضايا الانتصارات والنجاحات، والحسرات والندامات. هكذا يرى البشر الأمور، وبالتالي يفهم البشر أنفسهم أن من يطلقون عليه بأنه شخص أبيض الوجه، فإنه دلالة على أنه صاحب سيرة ذاتية طيبة، لا يعاني منه أحد ولا يُعرف عنه ما يمكن أن يلطخ سمعته وسيرته. فيما العكس مع آخر، يكون صاحب سيرة ذاتية سيئة فوضوية لا تُشرف صاحبها، ويكره الناس بالتالي معاشرته والتعامل معه، إلى أن يُعرف بأسود الوجه. البشر كما يعملون جهدهم في حياتهم الدنيا لأن تكون وجوههم بيضاء يتشرف بهم القريب والبعيد، ويعيشون بين الناس حياة فيها اعتزاز وافتخار بالذات، وبناء سيرة ذاتية نقية صافية، فكذلك هو الشيء نفسه مطلوب منهم لحياتهم الثانية، حياة الآخرة. إنها الأهم دون أدنى ريب. فلا يجب أن يكون السعي لبياض الوجه في الآخرة بأقل مما يقوم ويسعى له البشر في الحياة الدنيا المؤقتة الفانية. المشكلة التي يعيشها البشر أن الأمور اختلطت عليهم وبينهم، وساهم الشيطان وحزبه في الفوضى الحاصلة بين بني البشر منذ قديم الزمن. وهذا سبب من أسباب ظهور الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. وحين ختم الله رسالاته بخير المرسلين، صارت الأمور واضحة نقية. لا طريق مؤديا للفلاح والنجاح وبياض الوجه سوى صراط الله المستقيم، وما عدا ذلك، فإنها طرق ومسالك لا تؤدي بسالكيها إلا للهلاك والخسران وسواد الوجه بالآخرة. معسكران لا ثالث لهما هناك كفر وإيمان، معسكران معروفان في عالم البشر، من لدن آدم عليه السلام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. معسكر أبيض وآخر أسود، ولا مجال لمعسكر رمادي. إما أن تسلم وجهك للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، تؤمن بالله رباً وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً ورسولاً، أو أن تسلم وجهك للشيطان وأعوانه. الإسلام هو دين كل الأنبياء. وما جاء به النبي الكريم، هو ختام لكل ما جاء به المرسلون من لدن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى. ومن يكفر بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد كفر بما جاء به الأنبياء والمرسلون. وبذلك يدخل إلى معسكر الكفر، حيث سواد الوجه. أما الذين دخلوا معسكر الإيمان، فقد اختاروا بياض الوجه لمستقبلهم الحقيقي، ودعواتهم المستمرة أن يثبتهم الله على اختيارهم. أما الفئة الرمادية، أو المنافقون كما سماهم القرآن، فهؤلاء مرض في حد ذاتهم، وهم عادة إلى معسكر الكفر أقرب، وبالمودة والتآلف معه يتعايشون. وهكذا البشر إلى يوم القيامة. خلاصة القول حين تتأمل قوله تعالى (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) فكأنما هو تنبيه من الله عز وجل إلى أن تلك المعسكرات مؤذية، وإن بدت أنها جميلة ومريحة وراقية. إنها معسكرات يتم تأهيل البشر حيناً من الدهر لنيل صفة الوجوه السوداء يوم القيامة، ليس من منطلق الألوان، بل من باب الخسران. والآيات من هذا القبيل كثيرة في القرآن، لأن (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد). فاللهم اجعلنا ممن تبيض وجوههم يوم القيامة، وتحشرنا مع المؤمنين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقا.

3282

| 26 يناير 2023

alsharq
رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...

1440

| 18 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1284

| 19 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1095

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1068

| 21 مايو 2026

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

1023

| 23 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر

تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...

759

| 17 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

705

| 20 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

621

| 20 مايو 2026

alsharq
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة

خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...

612

| 18 مايو 2026

alsharq
قطر تعزز الشراكات الدولية

تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...

576

| 17 مايو 2026

alsharq
توطين الصناعة من قيود الممرات

قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...

573

| 17 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

552

| 19 مايو 2026

أخبار محلية