رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عاشت قطر شهراً كاملاً وقد امتلأت أجواؤها ومؤسساتها وحواريها وشوارعها ومناطقها بعديد الفعاليات، الثقافية منها والاجتماعية والتجارية وغيرها، بالإضافة إلى الفعاليات الرئيسية وهي منافسات كرة القدم. حيث اختلط مئات الألوف من قارات العالم المختلفة بعضهم ببعض، وحدث تعارف وتآلف بين الشعوب، بعيداً عن مؤثرات إعلامية وسياسية وغيرها في جو غير مسبوق يستدعي التوقف بعض الشيء وتأمل بعض أبرز ما وقع خلال شهر المونديال.
هذا الحدث الذي امتد شهراً كاملاً، أثار انتباه العالم قبل أن يبدأ ولسنوات عديدة فاقت العشر سنوات، وقد كاد من كاد لهذا البلد، وتآمر من تآمر، وصُرفت ملايين الدولارات هنا وهناك من أجل سحب التنظيم، حتى إذا صار السحبُ أمراً غاية في الصعوبة، تحول الجهد للتشويه وتعكير الأجواء قبيل انطلاق المونديال عبر ملفات عديدة، شاركت فيها دول ومؤسسات أممية بالإضافة إلى أفراد هنا وهناك.
تم طرح ملف عمال منشآت كأس العالم، ثم ملف حقوق الإنسان، وبعده ملف الحريات وأبرزها وأكثرها دعماً أو صاحب صوت عال، ملف حرية الدعوة للشذوذ وما يتناقض مع الفطرة البشرية ويخالف الأديان والشرائع السماوية..
وهكذا ملف بعد آخر، حتى صار ما راهن كثيرون على عدمه، واقعاً معاشاً، وليبدأ أكبر حدث رياضي دولي في دولة عربية مسلمة لأول مرة في تاريخ هذه المسابقة، الذي بلغ أكثر من تسعين عاماً وسط ذهول المراهنين، الذين راح ما أنفقوه من ملايين الدولارات على التحريض والتشويه والتحريف هباء منثورا.
إشارات لابد منها
من جميل ما يمكن الإشارة إليه بعد هذا التجمع العالمي الشعبي، هو حُسن استثمار مثل هذه التجمعات العالمية، التي يمكن من خلال فعالياتها المتنوعة التأثير في النفوس، وبناء صور ذهنية غاية في الصفاء والإيجابية لدى المشاركين فيها.. وهذا فيما رأيت وعايشت قد حدث فعلياً في قطر عبر مؤسسات الدولة المختلفة، وبمشاركة شعبية واسعة وفاعلة من المجتمع القطري، الذي تحدث كثيرون من الإعلاميين والمشتغلين في هذا المجال عما رأوه وعايشوه، وأنه خلاف ما كان في أذهانهم أو ما كان يثار في وسائل إعلامهم المختلفة.
التعامل الشعبي المحلي مع جمهور المونديال كان لافتاً للزوار، حيث كتب العديد منهم أو عبّر كل أحد بطريقته عن أخلاقيات الناس هنا وطبائعهم، والجو الآمن العام السائد في أحياء ومناطق البلاد ولله الحمد، على عكس كثير من بلدان الجمهور الزائر، بالإضافة إلى الكرم العربي الذي تجلى بشكل واضح خلال المونديال، سواء من لدن مؤسسات الدولة المتنوعة، أو من عموم أفراد المجتمع المحلي، عبر أنواع الضيافة التي قدمها كثيرون للجمهور الزائر، أو الخدمات الرسمية شبه المجانية للجمهور.
الأمن وضبط الوضع والسيطرة عليه مع حُسن التنظيم في دخول المنشآت الرياضية والخروج منها، والتنقل بينها وبين مرافق أخرى في الدولة، كانت من المناظر اللافتة جداً للجماهير الزائرة، والكثير من الإعلاميين وضيوف المونديال، بل ربما هي من أكثر ما أثارت الانتباه، باعتبار أنها مناظر لم وربما لن تتكرر في بطولات أخرى قادمة، وأقربها البطولة القادمة في 2026 التي ستكون فعالياتها موزعة بين ثلاث دول كبيرة بل هي قارة. أي أن ما استمتع فيها وشاهدها جمهور هذه النسخة الفريدة من المونديال، لن يكون بمقدوره الاستمتاع بها تارة أخرى، وأهمها مشاهدة أكثر من مباراة في اليوم الواحد بالحضور الفعلي.
قل هذه سبيلي
من أجمل ما يمكن الإشارة إليه خلال فترة المونديال، تلك الروح الإسلامية التي كانت حاضرة في مواقع مختلفة على صور وأشكال عدة، على رغم ضجيج الفعاليات الرياضية وغيرها، تقوم بدورها في توضيح ما استشكل وغمض وتضبّب على كثيرين من جمهور المونديال غير المسلمين، بل وبعض المسلمين أيضاً. فقد رأى كثيرون بعض مظاهر الحضارة الإسلامية من خلال فعاليات دينية تثقيفية قامت عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ومؤسسة كتارا، بالإضافة إلى جهود فردية من المجتمع المحلي. حيث رأى الجمهور الزائر الصورة الصحيحة للإسلام والمسلمين وبشكل يتناقض مع ما يسمعه ويشاهده في إعلامه المحلي أو العالمي.
بذل علماء ورموز وفعاليات إسلامية الكثير من الجهد في توضيح وتصحيح الصورة المشوهة للإسلام والمسلمين، وكانت ربما بعض نتائجها تحول أكثر من ثلاثة آلاف إلى الإسلام، الأمر الذي أغاظ أصواتاً نشازاً عربية وتحمل أسماء إسلامية، بل بعضهم أصحاب لحى وذي توجهات دينية !
اعتبروا مثل هذه الفعاليات ليس المكان المناسب للدعوة، على رغم علمهم التام من قصص السيرة النبوية الكريمة، بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – كان حريصاً على استغلال موسم الحجّ في دعوة القبائل العربية إلى الإسلام، وكان يتحرّى أماكن تجمُّع الحجّاج، كالأسواق مثل سوق عُكاظ، وسوق مجنّة، وسوق ذي المجاز، وإن فعاليات المونديال لم تختلف عن تلكم الأسواق في فعالياتها. ومع كلّ الجهد الذي كان يبذله رسول الله في ذلك، إلّا أنّه لم تستجب أيّ قبيلةٍ لدعوته، بل ردّوا عليه بأسوأ ما عندهم، لكنه - صلى الله عليه وسلم - ما ترك تجمعاً أو احتفالية للعرب إلا وذهب بنفسه لعرض دعوته ( فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمُر النعم ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فما بالك وقد حصل عندنا ولله الحمد استجابة أكثر من ثلاثة آلاف زائر للدعوة، وتحولهم للإسلام ؟
النفاق الغربي
يمكن القول إن الغرب انكشف أو كشف نفسه بنفسه، ولاحظ ذلك العالم كله دون كثير عناء. فالحملات الإعلامية الغربية التحريضية والمضللة، وتحديداً من أوروبا الغربية والولايات المتحدة ومعهم استراليا كذلك، أوضحت وكشفت النفسية الغربية تجاه الآخرين في هذا العالم، وتحديداً ضد كل ما هو عربي ومسلم.
تبين للعالم كيفية تعامل الغرب مع القضايا والأحداث، وأنها تخضع لمزاجية ما، وازدواجية واضحة في المعايير. فما يحدث حادث عندك مثلاً ويراه هذا الغرب مخالفاً للقيم والمبادئ الدولية، قد يحدث حادث مثله في موقع آخر، لكن الغرب يراه أمراً طبيعياً لا غبار عليه، ولا يستدعي أي نقد وما شابه ! والأمثلة أكثر مما يمكن حصرها وذكرها في هذه المساحة المحدودة، وكلنا شاهد وتابع وراقب طوال شهر كامل، نفاق الغرب الذي لن تستطيع آلته الإعلامية والثقافية بعد هذا من تغيير ما ترسخ في أذهان العالم.
زيف التطبيع
من الأمور اللافتة كذلك في المونديال، زيف ما يسمى بالتطبيع العربي الإسرائيلي. فلقد شاهد العالم كذلك، وعلى وجه التحديد، الإسرائيليون أنفسهم، كيف أنهم منبوذون من الصغير قبل الكبير، وأن ما تجتهد فيه الحكومات، ليس شرطاً أن يكون كذلك عند الشعوب، وهذا أمر يدعو المناهضين للتطبيع في العالم العربي، الاستمرار في جهودهم وبرامجهم التي لم تذهب هباء منثورا طوال السنوات، التي عملت الآلة الإعلامية العربية الرسمية تصوير الأمور عكس الواقع.
خلاصة القول
هذا الحدث الرياضي والثقافي والحضاري، أكد لكل العالم أن قوة الساعد والسلاح والعضلات، قد تحقق خطط من يتمتع بها ولكن بالغصب والقهر، لكن إن تُرك الأمر للطبيعة البشرية وفي جو آمن مطمئن، فإن الأحداث والإنجازات الكبيرة يمكن أن تتحقق على يد الصغير أيضاً، فالأحجام ليست معياراً وحيداً للتفوق وتحقيق الإنجازات، بل معياراً واحداً ضمن أخريات كثيرات، وهذا ما حدث في هذا المونديال، الذي شهد له العالم بالنجاح التنظيمي والرياضي والإعلامي والحضاري بشكل عام، وستكون آثاره باقية لسنوات طوال في الذهنية العالمية.. ليبقى بعد ذلك شوط مهم يتمثل في أهمية متابعة النتائج وتعزيز الإيجابية منها، ودراسة أي سلبيات ونواقص، لمستقبل نرجو الله أن يكون مبشراً باهراً بإذنه تعالى.
خطورة توسع حرب إيران لحرب تهدد أمننا والاقتصاد العالمي
بعد أربعة أسابيع من الحرب الأمريكية-المشتركة ومع نهاية الشهر الأول من أول حرب مشتركة- «الغضب الملحمي» الأمريكية و»زئير... اقرأ المزيد
225
| 29 مارس 2026
محور الشر
هل السلوك العدواني طبيعة بشرية أم انه عادة مكتسبة تتضخم مع الزمن وتصبح ملازمة له في كل امر... اقرأ المزيد
213
| 29 مارس 2026
يومياتنا في الحرب
منذ نحو أكثر من شهر، لم تعد الحياة تُقاس بإيقاعها المعتاد، بل بتقلّباتها المفاجئة، تغيّرت تفاصيل يومية كانت... اقرأ المزيد
204
| 29 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3978
| 22 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2331
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1917
| 24 مارس 2026