رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ستكون من المحظوظين إن لم تصادف في حياتك حتى يوم الناس هذا، عقلاً متحجراً أو مجموعة عقول متحجرة على صورة زملاء عمل أو أصحاب أو حتى من الأهل والأقارب، الذين لا يرون ما ترى، ولا يعتقدون ما تعتقد. وليست ها هنا الإشكالية، بل في عدم استعداد تلك العقول لقبول أي نقاش أو حوار أو استعداد لتغيير معتقدات وتوجهات وآراء. هكذا كثيرون هنا وهناك. فإذا كنت صادفت أحدهم أو عدداً منهم في مواقف حياتية مختلفة، فلابد وأنك تشعر ما أتحدث عنه. أما إن لم يحن الوقت بعدُ لتلتقي بعقل متحجر متصلب، فكن على ثقة بأنك ما دمت تتنفس أكسجين الهواء، فلابد أنك ملاقيه، عاجلاً أم آجلا، فكن على استعداد دائم. منشأ تلكم العقول المتحجرة، هي تلك البيئات التي تتمسك بمبدأ قديم متجدد، هو ذاك الذي بذل الأنبياء والرسل الكرام، ومن بعدهم كثير من المصلحين في تعديله وتغييره، فأفلح البعض ولم يفلح البعض الآخر، وإن كان لكلٍ أجره وثوابه. إنه مبدأ (حسبُنا ما وجدنا عليه آباءنا)!. ما الذي أهلك فرعون موسى سوى عقله المتحجر المتصلب؟ وبالمثل فرعون هذه الأمة، أبوجهل وثلة أخرى معه متعصبة كأمية بن خلف والنضر بن الحارث وغيرهم كثير كثير. وما الذي أهلك الأقوام السابقة، قوم نوح، وأبرزهم ابنه الذي ناداه أن يركب معه السفينة في اللحظات الأخيرة قبل الطوفان، فأبى وتكبّر ورد على أبيه المشفق بأنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، حتى هلك مع الهالكين من قومه غرقاً، ثم تبعهم قوم عاد وثمود، ومن بعدهم قوم شعيب وغيرهم من الأقوام الغابرة التي عرفنا أخبارها عبر القرآن الكريم، وأقوام أخرى نعاصرها والتي ربما تنتظر دورها في الهلاك بصورة وأخرى، ما لم ترجع إلى الصراط المستقيم. لم تهلك تلك الأقوام البائدة ورموزها إلا بسبب ذلك المبدأ الذي يزينه الشيطان في كل زمان ومكان. المبدأ الذي يدور حول التمسك غير المبرر بقديم بال خاطئ، وبعيد عن الحق والصواب، الذي ترجمه القرآن في آيات كثيرة: منها (.. إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون) ومنها (قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) ومنها (قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) آيات كثيرة تؤكد على ذلك المعنى أو المبدأ الذي خدع به الشيطان أولياءه، حتى صار تراث الآباء والأسلاف بوصلة للأبناء والأحفاد في الحياة الدنيا، وإن كانت اتجاهاتها خاطئة مهلكة، وهو ما أشار إليه القرآن في مواضع عدة، ساخراً من هؤلاء المتمسكين بإرث الأسلاف، وإن كان باليا خاطئا مهلكا (أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون). لا شيء في أن يتمسك المرء بتاريخه وتراثه وعاداته وثقافته القديمة طالما أنها على صراط مستقيم، أو على جادة من حق مبين، من تلك التي لا يخسر بسببها المرء دنياه قبل آخرته. فما فائدة تاريخ الآباء والأجداد، أو تراثهم وثقافتهم وأعرافهم، إن كانت خاطئة وعلى الباطل متجذرة؟ من هنا تأتي أهمية أن يكون العقل واعياً ناضجاً مدركاً لما حوله، لا متحجراً أو متخشباً. فالعقل الواعي دوره مؤثر في إنقاذ صاحبه قبل فوات الأوان، من خلال عمليات مستمرة في تقييم معتقدات وثقافات وتراثيات الأسلاف، وفق معايير من الحق واضحة من تلك التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، الذين كانت أبرز مهامهم في أقوامهم، تليين العقول المتحجرة، وتنبيهها وتهيئتها لقبول الحق، ونبذ الباطل وتركه. روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- اليهود إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أي ما وجدنا عليه آباءنا. فهم كانوا خيراً وأعلم منا، فأنزل الله تعالى (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) وقيل - كما جاء في التفسير الوسيط للطنطاوي – بأن الآية نزلت في مشركي العرب وكفار قريش، الذين اقتفوا خطوات الشيطان، وقالوا على الله دون علم ولا برهان. فإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله من قرآن، أعرضوا عن ذلك وقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والخضوع للرؤساء. خلاصة موضوعنا أن العقل المتحجر هو نتاج أو صناعة بيئة تسود فيها ثقافة التقليد الأعمى، أو الثقافة الإمّعية المتجسدة في سلوك الامتثال، الذي يدفع بالفرد حين يرى بعض رموز مجتمعه في موقف ما خاطئ، إلى الامتثال لهم واتباعهم، وعدم مخالفة الأكثرية أو الشذوذ عنهم، رغم يقينه التام أنهم على باطل! وذلكم السلوك سببه عقله المتحجر غير المرن، وغير المُدَرّب على مهارات التفكير السليم والاتصاف بخلق الأخذ والعطاء، فإن أحسن الناسُ أحسن، وأن أساؤوا أساء. إنه ذات السلوك المنهي عنه في حديثه - صلى الله عليه وسلم:»لا يكُن أحدُكم إمّعَة، يقول: أنا مع الناس. إن أحسنَ الناسُ أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ. ولكن وَطِّنوا أنفسكم. إن أحسنَ الناسُ أن تُحسِنُوا، وإن أساؤوا ألا تَظلِمُوا».
4647
| 20 يوليو 2023
قصة العنوان ذي الكلمة الواحدة، أو الحدث الملهم الذي دعاني لكتابة هذا المقال، أن إعلامياً تلفزيونياً مشهوراً في باكستان يدعى عزام شودري، حضر مؤتمراً صحفياً قبل أيام معدودة لرئيس الوزراء الحالي شهباز شريف، وكان ممن طلبوا توجيه أسئلة لرئيس الوزراء. فلما حان دوره، طرح سؤالاً من جزأين، تناول فيه القيود الإعلامية المشددة في باكستان، واستفسر عن نهاية متوقعة لتلك القيود وعودة حرية الكلام والكتابة للصحفيين دون التعرض لمشكلات وعواقب. رئيس الوزراء ذكر بأنه غير مؤيد لتلك القيود المفروضة على حرية الإعلام، لكنه صرف المسؤولية عن وزيرة الإعلام فيما يتعلق بتلك القيود، وبعض تصريحات أخرى حول المسألة. الإثارة ليست في تصريحاته، بل فيما حدث بعد وقت قصير من المؤتمر الصحفي. حيث تم إبلاغ شودري، الذي كان يعمل محللاً سياسياً لشركة PTV الإعلامية منذ سبتمبر من العام السابق، بأنه لن يشارك بعد الآن في البرنامج، وخدماته لم تعد مرغوبة بعد الآن! أي أنه وبقدرة قادر في لحظات قليلة، تم الاستغناء عنه وإلغاء وظيفته فوراً، وإن كنت لا أدري عن أي عواقب أخرى بالطريق نحو شودري! صاحبنا هذا، رغم أنه يدرك توتر الوضع المحيط به، خاصة بعد عزل عمران خان من منصب رئاسة الوزراء، والتوترات الحالية الحاصلة في الحياة السياسية الباكستانية، شأنها شأن معظم دول العالم الثالث المبتلية بهيمنة العسكر على الحياة السياسية مع ضيق أفقهم وصدورهم للكلمة الحرة الصادقة، مكتوبة كانت أم مسموعة أم مرئية. أقول: رغم ذلك كله، بادر شودري بتوجيه أسئلة يدري أنها محرجة جداً للحكومة، والتي لا تملك إجابة علنية عليها، لكن دون شك بيدها صلاحيات الإجابة عملياً عليها، وقد بدت كما تلقاها شودري على شكل رسالة إنهاء خدمات، وربما مستقبلاً ما هو أكبر من ذلك.. سواء اتفقنا على صوابية أم خطأ مبادرة شودري، إلا أنه كان بالإمكان صياغة السؤال بشكل لا يضع الحكومة المتوترة في موقف حرج في مؤتمر صحفي عام أولاً، ومن ثم المحافظة على نفسه وعمله ولو إلى حين ثانياً، إلا إذا كانت مبادرته بالأساس عن عزم وقصد، بغض النظر عن العواقب. فإذا كان الأمر كذلك، فقد حقق مراده وأحرج حكومة شريف، وضحى بعمله وربما بنفسه في سبيل مصلحة أكبر وأعم من مصالح الحكومة. القصة طويلة ستأخذ منا مساحات ها هنا إن أسهبنا في تفاصيلها، ذلك أن حديثنا اليوم ليس عنها، بل في عجالة مركزة، حول فلسفة الأسئلة التي يطرحها الإنسان في كل زمان ومكان. أسئلة بني إسرائيل بعد التعرف بشكل موجز على نوع الأسئلة التي قد يفقد الإنسان بسببها الكثير الكثير، على غرار أسئلة الصحفي الباكستاني شودري، فإن هناك نوعاً آخر من الأسئلة، التي إن طرحتها وأكثرت من التفصيل فيها، ارتدت عليك بنتائج غير سارة، كما حدث مع نبي الله موسى – عليه السلام – وجماعة من بني إسرائيل، حين سألوه عن حاجتهم لفك طلاسم جريمة قتل وقعت. حيث طلب منهم نبيهم أن يذبحوا بقرة، أي بقرة، حتى يسير معهم في ملف الجريمة. لكنهم استهجنوا ذلك من موسى، فقاموا بالتفلسف - كما تقول العامة – والتشدد في الأمر والدخول معه في جدال عقيم كعادة بني إسرائيل، وبدأوا بطرح أسئلة مفصلة دقيقة لم يكن يستدعي الوضع لها، فكانت النتيجة أن شدد الله عليهم، فكانت إجابات أسئلتهم صعبة ومرهقة، إلى أن وجدوا البقرة المطلوبة، التي لو لم يتمادوا في جدلهم وتفننهم في الأسئلة منذ البداية ونفذوا المطلوب، ما كان قد أصابهم الجهد والنصب واضطرارهم البحث عن بقرة نادرة جداً، أرهقتهم مادياً وبدنياً. لا تسألوا عن أشياء جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب عليكم الحج» فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى عاد مرتين أو ثلاثاً. فقال: «من السائل؟ فقال: فلان. فقال: «والذي نفسي بيده، لو قلتُ نعم لوجبت، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم»، فأنزل الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) حتى ختم الآية. هذا نوع من الأسئلة التي نهى النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عنها، لأن القرآن حينذاك كان لا يزال ينزل، فالخشية أو النهي عن تلك النوعية أو الطريقة من الأسئلة، أن ينزل شيئاً من القرآن وتتغير الأحكام، فتحدث بسبب ذلك مشقة على الناس، وسببها الأسئلة التفصيلية في شأنٍ ربما لم تكتمل صورته بعد، ويحتاج صاحب ذلك الشأن بعض الوقت ليعرضه، فتكون الأسئلة التفصيلية الكثيرة سبباً لحدوث تغييرات لم تكن موجودة أساساً، فتكون تلكم التغييرات سلبية وفيها مشقة. ومن هنا يكون الانتظار بعض الوقت هو الأفضل. هذا هو المغزى من ضرورة ضبط النفس أحياناً عن الاندفاع بحماس لطرح الأسئلة. إذ رغم أن السؤال نصف المعرفة، إلا أن الأهم من ذلك، معرفة متى يتم طرح السؤال، والهدف من وراء طرحه، ولهذا يمكن القول بأن: طرح الأسئلة فن ومهارة نعم، طرح الأسئلة فن ومهارة يكتسبها السائل مع الخبرة والممارسة. وكخلاصة لهذا الحديث، أجد أهمية أن تدرك أيها السائل، لماذا تسأل قبل أن تبدأ في العملية. إدراكك لهدف السؤال ووضوحه عندك، قد يكسبك علماً وربما شهرة وصيتاً بأسئلتك المبدعة الدافعة لاستخراج ما بعقل ونفس المسؤول بكل يسر وسهولة. ولكن ربما يحدث العكس أيضاً حينما يكون هدفك غير واضح، فتتسرع في الأمر لتجد نفسك وقد جلبت لك أسئلتك وطريقة إلقائها، الكثير الكثير من الضرر وسوء الصيت. هناك من يطرح أسئلة لمجرد أن يقال عنه إنه سأل وشارك وتفاعل، بغض النظر عن الإجابات. لكن هناك من يصيغ أسئلته ويدرسها تمام الدراسة، بحثاً عن إجابة ينتظرها عبر إستراتيجيات مختلفة في الطرح، فيبدأ مثلاً بالأسئلة المفتوحة أولاً، ليتمكن تدريجياً من تحديد وتضييق المجال أمام المسؤول، تمهيداً للوصول إلى سؤال مغلق تكون إجابته هي هدف السائل. الحديث عن عالم الأسئلة أو السائل والمسؤول، طويل جداً وذو تشعبات كثيرة، وقد نتمكن مستقبلاً من الاستفاضة فيه بإذن الله.
1098
| 13 يوليو 2023
النفس البشرية تميل في غالب الأحوال نحو من يغدق عليها عبارات الإطراء والمديح وإظهار بدائع الأعمال والأقوال، أكثر من الانتقادات وإظهار السلبيات، وإن كانت نقداً بنّاء هادفاً فيه الكثير من الصواب، رغبة في الإصلاح والتقويم. فهكذا النفس البشرية بشكل عام، إلا ما رحم ربي وقليل تلكم النفوس التي تتقبل النقد الهادف البنّاء، دون امتعاض أو انزعاج. إن فهمنا لمعنى النقد بشكل عميق، وسبب قيام الناقد بعمله ذاك أو نقده لأعمالنا أو توجهاتنا أو سلوكياتنا أو غير ذلك، سبب رئيسي لفتح القلوب، وبالتالي اتساع الصدر لما سيأتي من انتقادات، رغبة في الوصول إلى نتائج هادفة بنّاءة تعين المنتَـقد على إصلاح نفسه وتقويم أعماله وتوجهاته وسلوكياته وغيرها. هذا أمر لا تتقبله غالباً تلكم النفوس الصدأة والصدور الضيقة، أو أولو الألباب الفارغة، بل تلكم النفوس الراقية الموقنة تمام اليقين بأنها نفوس بشرية في المقام الأول، وبالتالي مثلما تصيب، فهي كذلك تخطئ. نحن لسنا ملائكة مفطورة على أداء ما هو مطلوب منها دون ذرة نقصان، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. نحن بشر خلقنا الله لنتعرض لألوان شتى من الابتلاءات والاختبارات في دنيا الاختبارات والامتحانات، والكياسة أن يتعلم المرء من أخطائه يستفيد منها، وينصت لمن يقدم النصح أو النقد الهادف، وإن كان مراً صعباً على النفس. رحم الله من أهدى إليّ عيوبي، كما كان يقول الفاروق عمر - رضي الله عنه - حيث كان يسأل سلمان الفارسي عن عيوبه، حتى إذا قدم عليه مرة، قال: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟ قال: أعفني يا أمير المؤمنين فألح عليه. فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة، وأن لك حُلتين، حُلة بالنهار وحُلة بالليل ! قال: وهل بلغك غير هذا ؟ قال:لا قال: أما هذان فقد كفيتهما. الشاهد من القصة أن عمر وهو من هو يومئذ، لم يتحفظ على ما كان يراه سلمان في فعل أمير المؤمنين، وأنه جزء من الترف والبذخ غير المبرر وهو رئيس للدولة، بل تقبل النقد بصدر رحب، وعالج ما كان يراه سلمان عيباً، فأثبت الفاروق أنه نعم الرئيس، وأثبت سلمان أنه نعم المرؤوس. وهذا هو المطلوب من الناقد والمنتَقد. الأول يبتغي من نقده وجه الله، وأن يصلح بنقده. أما الثاني مطلوب منه تقبل النقد الهادف البنّاء، وشكر ناقده وتعظيم الأجر له إن كان بالمستطاع، وأقل ذلك الدعاء له، كما جاء عن الفاروق رضي الله عنه وأرضاه. النقد لمجرد النقد خلاصة ما أروم الوصول إليه في هذه العجالة ألا نتبع شهوة النقد لمجرد النقد، وتفريغ ما بالنفس من مشاعر تدفع المرء دفعاً للتشمت من فلان أو للتشفي من علان، أو غيرها من أمراض النفوس التي يرى المبتلون بها أن بالنقد، لاسيما الهادم غير الهادف، هو علاج أمراض نفوسهم ! ليحاول كل مبتلى بتلك الأمراض ضبط نفسه من الاندفاع نحو نقد أفعال الآخرين قدر المستطاع، ما لم تكن هناك ضرورة وحاجة ماسة للنقد أو النصح والتوجيه. إن صادف أحدنا ورأى خطأً أو هفوة أو زلة من إنسان ما، ولم تكن هناك ضرورة إلى توجيه فوري مثلاً، فالتريث بعض الوقت هو المستحسن، بل الأفضل ها هنا ترك الأمر للمخطئ أن يتنبه بنفسه إلى خطئه كي يعمل على إزالته وتصحيحه من تلقاء نفسه. لا تحاول كذلك أن تسرع كالبرق في توجيه اللوم والتوبيخ أو حتى نقد العمل، حتى وإن كان الشخص غير مستساغ لك أو تنتظر منه زلة أو هفوة. فهذا عمل أثره سلبي على النفس البشرية، ولو كانت نفس من لا تستسيغه، إذ الأصل أن تعمل أنت بأخلاقك وليس بأخلاقه. أما إن طال الوقت ولم يتنبه الشخص للخطأ، حينها يمكنك البدء في عملية النقد. احذر مس الذات من النصائح التي لها وجاهتها في مثل هذه الموضوعات، ضرورة الابتعاد عن مس الذات، فليس من الأخلاق والرقي لوم الشخص ونعته بصفات غير محبذة أو رفع الصوت عليه، أو خلط أخطاء قديمة أو صفات وطباع غير محبذة فيه مع الخطأ الذي وقع منه. الانتقاد يجب أن يكون مركزاً على الخطأ وليس ذات الشخص، أو استحضار طبائع أو سلوكيات قديمة فيه، لأن الخلط ها هنا غير مطلوب بل لا يجب أن يكون له وجود. فلكل مقام مقال. حاول كنقطة أخرى أخيرة، ألا يكون نقدك للشخص أمام الآخرين، وإنما على انفراد أولاً، حتى إذا ما انفردت به، أثنيت عليه بعض الشيء ثم تعرج من بعد ذلك نحو الخطأ المرتكب وتبيّن له الصواب، محاولاً أن تنهي الأمر بإعادة الثقة إليه بكلمات إيجابية تطيب بها خاطره، ومؤكداً له أن الأمر قد يقع فيه أي أحد، وأن المطلوب منه منع تكرار الخطأ قدر المستطاع، وإنهاء اللقاء على ذلك.. لا شك أن تلكم الآلية ستؤثر بالنفس، وتحفظ الود والإخاء والمودة بين الناقد والمنتَـقد، وتلكم هي الغاية الأساسية من عمليات النقد البنّاءة الهادفة، وإن كانت قليلة هي الآن، بل قليل هم أولئك الناقدون الساعون للإصلاح والتقويم، وهذه معضلة تربوية أخرى، ربما نجد مستقبلاً بعض المساحات للحديث عنها بإذن الله.
2025
| 06 يوليو 2023
هذا عنوان كتاب قيّم لابن الجوزي، والذي سبقه إلى فكرة الكتاب الإمام أبو حامد الغزالي – رحمهما الله - الذي عزم على تأليف كتاب يحمل العنوان ذاته، من بعد أن رأى ما يستدعي ذلك «وانتشار تلبيسات إبليس في البلاد والعباد؛ لا سيما في المذاهب والاعتقادات، حتى لم يبق من الخيرات إلا رسمها، كل ذلك إذعاناً لتلبيسات الشيطان ومكايده». ثم جاء ابن الجوزي وأفاض وفصّل في هذا الأمر ووضع فصولاً كثيرة من تلبيسات إبليس على بني آدم من العلماء والسلاطين والعبّاد والمتدينين والزهّاد وصولاً إلى عوام الناس. التلبيس كما في لسان العرب، هو اختلاط الأمر. نقول: لبس عليه الأمر، أي إذا خلطه عليه حتى لا يعرف جهته، فالتلبيس لا يختلف عن التدليس. وقد شرح ابن الجوزي - رحمه الله - في كتابه تلبيس إبليس معنى الكلمة، فقال: «التلبيس إظهار الباطل في صورة الحق». لاحظ أن إبليس وأتباعه لا يملون ولا يكلون في خلط الحق بالباطل، ومحاولة تعطيل أو تأجيل قوافل الخير والحق من المسير. ففي الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟ فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل وتقتل فتُنكح المرأة ويُقسم المال؟ فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، ومن قُتل كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن وَقَصَتْهُ دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة». إذن إظهار الباطل على أنه هو الحق، هو عمل كل مدلس أو غارق في التلبيس لأجل مكاسب دنيوية محددة، قد يستمتع بها حيناً من الدهر، لكنه لن يستمر طويلا، ولا ريب في ذلك. والتلبيس قد يكون على يد مشتغلين بالدين، أو مفكرين أو مثقفين أو من على شاكلتهم. كلٌ يعمل في مجاله لتحقيق أهدافه أو أهداف وغايات غيره. والقرآن أشار إلى علماء يهود، كمثال في التلبيس والتدليس، وهم يحاولون إخفاء حقائق الدين الجديد وهو ينتشر بالمدينة المنورة، فكشفهم الله. لا يهمنا أحد من أولئك المدلسين من الأمم الأخرى، فلهم دينهم ولنا دين. يكفي أن نتأمل القرآن وهو يتحدث عنهم، لنتعظ ونتعلم مآلات الانغماس في التلبيس والتدليس. ذلك أن ما يحدث في السنوات العشر الأخيرة في عالمنا العربي المسلم، هو ظهور العشرات، بل ربما المئات من المدلسين، على شكل علماء دين أو - إن صح التعبير – مشتغلين بالدين، ومثلهم كثير على شكل نخب مثقفة أو مفكرة وغيرهم، وقد ألبسوا على الناس دينهم ومبادئهم وقيمهم، وبثوا في نفوسهم كثيرا من الشكوك، حتى صاروا من أسباب الاضطرابات الفكرية والدينية عند كثير من العامة. مجتمعاتنا ولأنها عاطفية، يتكاثر وينتشر المدلسون في أرجائها، يُلبسون الحق بالباطل بصور ربما أذكى وأكثر براعة من تلبيسات إبليس نفسه، فننخدع بأشكالهم وهيئاتهم حيناً من الزمن، كما قال تعالى (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم). ننخدع بجمال ووسامة صورهم، وفصاحة ألسنتهم، وتأثيرهم على السامعين - هكذا يصفهم القرآن – وما هم في حقيقة الأمر، كما في التعريف القرآني لهم، سوى (خُشب مسنّدة) أي قطع أخشاب مفرغة من الداخل متآكلة، مسنودة إلى بعضها البعض، لا حياة فيها، كما هم هؤلاء المدلسين أو المنافقين، الذين يستندون إلى إظهار الإيمان للناس، حماية لأنفسهم وتغطية ما في أجوافهم من علم لا ينفع، وأهواء لا تتوافق مع الحق وأهله. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان عبد الله بن أُبَي - رأس وزعيم المنافقين بالمدينة - وسيماً جسيماً صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان. فإذا قال، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - مقالته. وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة. لكنه مع ذلك كان رأس النفاق في المدينة، شديد التأثير في الحالة المعنوية للمسلمين، وصاحب مهارة في تفريق الصفوف، بل نجح مرات عديدة في خلخلة المجتمع المسلم الناشئ يومها. لكن الله حفظ ذلك المجتمع باستمرار نزول الوحي ووجود النبي الكريم، وتعاضد الصحابة مع بعضهم البعض خشية الوقوع في حبائله وفتنه. خلاصة الحديث أن الحكمة تبدو لنا الآن جلية واضحة من نزول سورة كاملة في القرآن باسم المنافقين، تصف وتبين دواخلهم وطبائعهم، من أجل أن يكون المجتمع المسلم في كل زمان ومكان على بينة من أمر هذه الفئة التي لا تندثر، والمستمرة باستمرار الحق في صراعه مع الباطل، والذي إن تعاظم وتجبر وتعملق هنا أو هناك، في هذا الزمن أو أزمان قادمة، إلا أنه لا شك منهزم هالك (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). فتلك هي قوانين ونواميس الكون لا تتبدل ولا تتغير (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا).
1584
| 29 يونيو 2023
من الظلم والخطأ الذي يرتكبه أحدنا تجاه الآخر، التعامل معه بناء على أحكام مسبقة تصل عنه من آخرين تعاملوا معه في مواقف ووقائع مختلفة. قد تقول بأن تلك الأحكام التي جاءتك من آخرين عنه بمثابة نصائح مجربين، وأنه لا شيء في أن يستعين أحدنا بالغير في مثل هذه المواقف ويستشير ويسأل.. هذا صحيح، لكن بشرط ألا يكون القصد من الاستشارة بناء حكم أو إنشاء صورة ذهنية له عندك، لتتصرف معه وفق ذلك. هذا خطأ بل ظلمٌ بَيّن، وسأشرح لك وجه الظلم في المسألة. حين تطلب معلومات عن إنسان ما قادته الظروف إلى التعامل معك، كأن يكون موظفاً جديداً سيعمل معك أو تحت إمرتك، أو زميل مهمة معينة أو ما شابه ذلك، فإن سعيك لتلك المعلومات لابد أن يكون نوعاً من الإعانة على مواقف وسلوكيات عملية أنت ستقوم بها بنفسك معه. بمعنى آخر أوضح. تلك المعلومات التي جمعتها لابد أن تقوم بنفسك بالتعامل معها، والعمل بنفسك وبطريقتك وآلياتك الخاصة في التحري والتثبت، من أجل تأكيد صحتها وتعزيزها، أو تغييرها وبناء صورة أخرى جديدة للشخص، ولكن كل ذلك وفق حساباتك أنت، وطريقة تفكيرك أنت، وأسلوب حياتك أنت وحدك فقط لا غيرك. حين يوجهنا الله سبحانه وتعالى بقوله ( ولا تقفُ ما ليس لك به علم، إنّ السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسئولا ) فإنما ذلك التوجيه الرباني دعوة للتثبت والتحري والتأكد من أي معلومة تسمعها أو تراها. بمعنى آخر، لا تقل أو تكتب شيئاً لست واثقاً منه تمام الثقة، لأن ما ستقوله وتكتبه ستكون أنت مسؤولاً عنه فقط، وبالتالي ستحاسب عليه أنت فقط، ربما في الدنيا أحياناً وقبل الآخرة. القرآن الكريم يربي أتباعه على استخدام أدوات المعرفة الأساسية: السمع والبصر، وعرض ما يتم سماعه أو رؤيته بعد ذلك على العقل من أجل تمحيصه والتثبت منه قبل قبوله والعمل به ورؤية نتائجه، لأن الجزء المراد بيانه ضمن سلوك التثبت والتحري، هو ذاك السلوك الذي يتبعه كثير من الناس في تعاملاتهم مع الآخرين، والمتمثل في الحكم على الغير وفق ما يراه أو يعتقده آخرون، أو التعامل مع شخص وفق أحكام سابقة عنه، بغض النظر عن ماهية وطبيعة تلك الأحكام، إيجابية كانت أم سلبية. قيام بعضنا بالحكم على الغير وفق منظور آخرين، يعني أن نرى بعيون غيرنا، ونسمع بآذانهم، وبالتالي لا شيء يمنع من الوقوع في إثم الحكم على الغير، بناء على معطيات غيرنا، دون بذل الجهد اللازم في البحث والاستقصاء وغيرها من طرق جمع المعلومات. هذا الأمر يتسع نطاقه ليشمل الشعوب والدول. إذ لا يمكنك أن تحكم على شعب ما أو أمة من الأمم وثقافاتها وعلومها وأخلاقياتها، دون أن تكون على إلمام كاف بها. فإن فعلت وتسرعت في الحكم، تكون ارتكبت ذات الخطأ المشار إليه قبل قليل في التعامل مع الأفراد. احرص دوماً، وبناء على ما سبق، ألا تجعل أحداً يفكر نيابة عنك في الآخرين، بل لا تستسهل أمور الأحكام على الغير وتقبل بالجاهزة منها دون تمحيص وتدقيق منك، فإنك مسؤول عما تسمع – كما في الآية – بل لتكن لك مقاييسك ومعاييرك الخاصة في بناء أو رسم صور ذهنية للغير. حاول كخلاصة للموضوع أن تتجنب الحكم على شعب ما في أخلاقياته وأفعاله أو سلوكياته، كما تفعل مع الأفراد، قبل أن تعاشره وتخالطه بنفسك وتتعرف على تفاصيل حياته ويومياته وظروفه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وحاول كذلك أن تدفع عن نفسك اغراءات الأحكام الجاهزة أو المعلبة من لدن الغير، التي تأتيك دون كثير عناء أو جهد غالباً.. هذا منطق غير سوي، لا أخلاقاً ولا شرعا، بل فيه ظلم كبير قد لا تشعر به، إلا إذا وقعت أنت ضحية ذلك حين يأخذ الغير أحكامهم تجاهك بناء على أحكام مسبقة من الآخرين. فهل ترضاه لنفسك؟ سؤال جدير بالتفكر والتأمل.
2622
| 22 يونيو 2023
يوسف عليه السلام، آمن وتعلم وصبر وتعفف حتى تمكن، فعاش مُمَكّناً أعواماً عديدة، حتى كان يُشار إليه بالبنان منذ أن جعله الملك على خزائن مصر حتى وفاته. وخلّد القرآن ذكر تمكينه وأسباب الحصول على ذلك التمكين وبقائه. وفي المقابل، جاء فرعون وقد تمكّن من حكم مصر، فكان صاحب الرأي الأوحد والقرار الذي لا يُرد. وخلّد القرآن ذكر ذلك التمكين وبين أسباب فقدانه، بل وأشار إلى نهاية دنيوية ذليلة، وأخرى تنتظره في آخرته. أما الأول، فقد تمكن حتى صار تمكينه نموذجاً خالداً يُدرّس، فيما الثاني تمكّن إلى حين من الدهر قصير، لكنه فقد تمكينه وزال من الحياة في لحظات، وكأن لم يلبث فيها إلا يوماً أو بعض يوم! وحول التمكين يدور حديثنا اليوم. التمكين في اللغة هو امتلاك قدرات ومهارات وعلوم وأدوات، تجعلك تسيطر على أمر ما سيطرة شبه تامة، لتصل بعد حين من الدهر، طال أم قصُر، إلى تمام التمكن، حتى تكون صاحب الأمر والتوجيه الأوحد بعد ذلك الامتلاك. والتمكين بشكل عام قد يكون عند فرد، أو جماعة، أو دولة، أو بشكل أشمل وأوسع، عند أمة من الأمم. على المستوى الفردي، يصل الشخص إلى التمكن في عمله على سبيل المثال، عبر امتلاك قدرات مميزة ومهارات بارزة وخبرات نوعية ومعارف متنوعة، تجعله بالتالي صاحب الكلمة الأولى في عمله. فهذا يوسف - عليه السلام – الذي بدأنا الحديث عنه، أبرز الأمثلة البشرية (وكذلك مكّنّا ليوسف في الأرض) أي منحناه المكانة التي يريدها والتي استحقها بعلمه وصبره وإيمانه. المكانة التي اختارها هو بنفسه، بعد وصوله لمستوى من التمكن جعله يطلب مسؤولية معينة غاية في الأهمية والتأثير وبكل ثقة ويقين. على مستوى أكبر، نجد دولة المدينة التي أسسها المصطفى - عليه الصلاة والسلام - نموذجاً للدولة المتمكّنة. فحين وصلت دولة الإسلام الأولى إلى درجة من التمكّن، فاعلة ومؤثرة، بدأت تخاطب أخريات كبريات في العالم وبثقة المؤمن الموقن بمعية ونصر الله، من بعد امتلاك أسباب القوة والترهيب، المادية منها والمعنوية، بل وامتلكت زمام المبادرة أيضاً.. لكن سؤالاً يقول: هل التمكين للمؤمن فقط؟ هذا تساؤل قد يتبادر إلى ذهنك بعد أن عرجنا على نموذج واحد فقط من التمكن الفردي، وآخر من التمكن على مستوى الدولة، لتتساءل حول مدى ارتباط التمكين بالدين، أو بمعنى آخر، هل التمكين محصور فقط على المتدين؟ الإجابة باختصار شديد، لا. ليس شرطاً أن يكون التمكين للمؤمن فقط، بل يمكن أن يكون للكافر أيضاً، لكن بشرط أن يكون عادلاً لا يظلم، وصاحب أخلاق وعمل صالح. هذا الشخص غير المؤمن والمُمكّن في الوقت نفسه، يمنحه الله جزاء التزامه بالشروط السابقة، تمكيناً في الأرض ولكن إلى حين. أي ليس الأمر يمتد معه إلى ما لا نهاية، بل تلك المنحة الإلهية إنما مقابل تلك الأعمال أولاً، ومن ثم المنحة تلك إنما هي نوع من الإمهال له أيضاً وتذكيره بأهمية الوصول بعد كل هذا التمكين إلى الامتثال لأوامر الله كما جاءت به الرسل، لأن الاستمرار على الكفر، رغم كل أعماله الصالحة أو تفوقه العلمي والمهاري والقدراتي، أو عدله وأخلاقه الطيبة، لا تغنيه عن حقيقة ووجوب خضوعه لله نهاية الأمر، وتلك نقطة أهلك التغافل عنها الكثير الكثير منذ الأزل، أفراداً وشعوباً وحضارات. لا أريد أن أبحر وأتوسع كثيراً في عالم التمكين الواسع بذاته، فما يهمنا ها هنا هو التوقف للحظات قليلات مع أكثر أنواع التمكين رعباً وتخويفاً، وهو ذلكم الذي تحدث عنه القرآن حول حضارات كانت متمكنة، وشعوب وأفراد كانوا متمكنين، وقد بلغت شهرتهم وقوتهم الآفاق. حيث تمكنوا في الأرض وامتلكوا أسباب القوة والإنتاج والعمران وغيرها. لكن حين وصلت الأمور بهم بعد حين من الدهر طويل، إلى الحقيقة الحياتية الكبرى التي ذكرناها آنفاً، وهي وجوب الخضوع لله نهاية الأمر والاستسلام والانقياد له بالطاعة، كفروا وتجبروا وعصوا الرسل والآيات، فانتهت سيرتهم، بل كل أسباب قوتهم، فصاروا أثراً بعد عين. انتهت سيرتهم في لحظات، وانتهت معهم واختفت كل مظاهر العمران والتمكين التي كانوا عليها، لتسير بعدها الحياة في دورتها دونهم، وكأنما لم يُخلقوا أساساً ولم يكن لهم أثر في هذه الحياة الدنيا، ليأتي من بعدهم آخرون لأجل أن تستمر معهم الحياة في دوراتها المتتابعة، وإلى حين يرث الله الأرض ومن عليها. وصف القرآن تلكم المشاهد، وأوضح لكل من يأتي بعدهم وإلى قيام الساعة، بأن قواعد ومعادلات الحياة الدنيا هي هي، لا تتغير بتغير الزمان أو المكان (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكّناهم في الأرض ما لم نُمكّن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين). التمكين.. قواعد ومعادلات التمكين إذن عبارة عن مجموعة من القواعد أو المعادلات. طاعة الله أولى القواعد. ثم تليها قواعد أخرى كالعلم والعمل الصالح، تصحبهما أخلاق فاضلة ضمن إطار من العدل والقسط بين الناس. فإن نجحت أيها الإنسان في حفظها ومسايرتها والتوافق معها بشكل صحيح، حصلت على مبتغاك ومرادك، ومكّنك الله في عملك أو محيطك أو حياتك بشكل عام. وهذا الحديث مثلما أنه موجّه للأفراد، فهو كذلك للدول والأمم والشعوب. الأمر أو القواعد والمعادلات هي نفسها لا تختلف. أما تجاوز تلك القواعد والمعادلات، فلا شك أنه يؤدي إلى دخول تدريجي في عالم التمكين المخيف، أو - إن صح وجاز لنا التعبير- الاستدراج الخفي الذي لا يتنبه له كثير من المتمكنين، حتى يصير الاعتقاد لديهم بعد تكاثر الخيرات وامتلاك أساليب وأدوات القوة والسيطرة في الأرض، أن ذلك التمكين نوع من الرضا الإلهي، رغم علمهم ويقينهم بأمر مخالفتهم لقواعد البقاء واستمرارية منحة التمكين لديهم، فيحدث إثر ذلك مع الزمن، نوع من التغافل المتدرج لأوامر الله وما أنزله على رسله، ليستمر فعل التغاضي والتغافل عن أفعال وسلوكيات متنوعة غير مقبولة يرونها هينة، وهي عند الله عظيمة، تجلب نقمة تتبعها حسرة وندامة. لقد كان قارون في الزمن الغابر، مثالاً ونموذجاً آخر للفرد المتمكّن، ومثله أقواماً متمكنين كعاد وثمود وسبأ وغيرهم. لتظهر اليوم مشاهد جديدة من التمكين كما الحاصل عند الحضارة الغربية بشكل عام، والتي بدأت تتغافل وتتناسى حقيقة التمكين المخيف مع الزمن، بل هم اليوم في غفلتهم يعمهون (فلما نسوا ما ذُكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون). إنهم بعد أن أعرضوا عن أوامر الله وتناسوها وجعلوها وراء ظهورهم - كما جاء في تفسير ابن كثير - (فتحنا عليهم أبواب كل شيء) أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذاً بالله من مكره؛ ولهذا قال (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) أي من الأموال والأولاد والأرزاق (أخذناهم بغتة) أي على غفلة (فإذا هم مبلسون) أي آيسون من كل خير، وهو الحزن الشديد والندم على أمر فات، وهو ها هنا، كل ذلك الخير والتمكين الذي كانوا عليه. إنَّ تجاوزات هذه الحضارة وبطر الحق وغمط الناس ومصادمة الفطرة البشرية، مؤشرات على احتمالية زوال التمكين الذي هي عليه منذ عقود، فالجزاء من جنس العمل.
1980
| 15 يونيو 2023
انتهت أخيراً أبرز انتخابات عاشتها الدولة التركية، سواء الحكومة بأجهزتها المختلفة أو الشعب بأحزابه وطوائفه وتنوع ميوله ومزاجه، منذ التوقيع المشؤوم على المرسوم الأشأم منه، بإلغاء الخلافة العثمانية بدايات القرن الفائت. نتائج الانتخابات الأخيرة لا أشك لحظة أنها ستكون بداية لرسم ملامح الجمهورية التركية الجديدة - إن صح وجاز لنا التعبير- في المئوية التركية القادمة بإذن الله، والتي نسأل الله أن تكون فاتحة خير عليها وعلى الأمة جمعاء، من بعد أن شاهد الجميع كيفية تكالب الغرب بأجهزته المختلفة مع بعض أنظمة الشرق لقطع الطريق على حزب العدالة من التفوق في البرلمان، ومن ثم رئيسه في انتخابات الرئاسة، وما كان كل ذلك التكالب إلا بسبب استشراف دقيق منهم لمستقبل هذه الدولة بقيادة هذا الحزب وذلك الزعيم التاريخي، واحتمالات نهوض مؤثر مستمر يمتد أثره نحو بقية العالم المسلم. ما أعجبني كثيراً في المسلسلات التركية التاريخية مثل قيامة أرطغرل ومسلسل عثمان، وضوح مسألة "التآمر الغربي" على الدولة العثمانية وهي في المهد، ووضوح مسألة الخيانات الداخلية، وكيفية استغلال القوى المعادية آنذاك لبعض ضعاف النفوس من الأتراك، مقابل حفنة دنانير أو قطع ذهبية، أو مناصب إدارية لكن تحت إشراف تلك القوى المتآمرة، وكيف عانى الأتراك المؤسسون من تلك الثغرات الداخلية أكثر من ضغوط الخارج، وكيف كانت العلاجات أو الحلول لتلك الثغرات، وبقية أحداث تتشابه مع الواقع التركي الحالي. اليوم تكاد تتكرر السيناريوهات ذاتها تماماً، فالقوى الخارجية، غربية وشرقية وغيرها، تتعاون أو تتآمر – إن أردنا دقة أكثر في التعبير – لعرقلة حركة هذه الدولة، أو على أقل تقدير، إبطاء مسيرتها لحين من الدهر طويل، عبر سيناريوهات عديدة منها: استغلال ضعاف النفوس من الداخل لعرقلة مسيرة الحزب الذي يقود ويحكم البلاد ويعمل على نهضتها منذ عقدين من العمل الدؤوب الجاد، حتى وإن كانت العرقلة على حساب مصلحة الدولة وتعطل نهضتها وتنميتها، وهذا ما اتضح لنا جلياً من خلال وسائل الإعلام، دونما حاجة للتذكير بها. الغرب يستشرف مستقبلنا لا شك عندي أن الغرب مع بعض الشرق، أو إن جاز لنا التعبير، تكرار مصطلح (المتآمرون) لوصفهم، يدركون أكثر من ملايين الأتراك أنفسهم أن تركيا بالمنهج الذي يسير عليه حزب العدالة وبقيادة الطيب أردوغان، إنما هي خطوات أولية لوضع بذرة لدولة إسلامية سنية ستكون ذات شأن في قادم الأيام، مهما بدا للمراقب العادي ضبابية ذلك وبما يجعله يستبعد هذه الفرضية، وخاصة أن الأتاتوركية والعلمانية والحياة الغربية لا زالت سائدة وملحوظة جداً في تركيا، ولها نفوذها وتأثيرها حتى يوم الناس هذا. تلكم الضبابية ربما عند ملايين المسلمين حول العالم أيضاً، بناء على الواقع الحالي، حتى وإن توسعت وانتشرت المظاهر الإسلامية في تركيا خلال العقدين الماضيين، إلا أن التوحش الغربي والعلماني هناك لا زال واضحاً شرساً، وهو ما يدعو ربما كثيرين إلى استبعاد فرضية عودة تركيا إلى ما كانت عليه قبل قرن من الزمان أو أكثر. لكن الطرف المستشرف لمستقبل تركيا، لا ينظر بتلك النظرة السطحية التي عليها كثير من المسلمين، بما فيهم الأتراك أنفسهم. إن هذا الغرب المستشرف لمستقبل كل القوى المحتمل ظهورها في قادم الأيام، ومنافستها على قيادة البشرية، يعمل جهده وفكره منذ توليه زمام تلك القيادة، على وأد أي تحركات من شأنها الدفع بقوة جديدة فتية تنافسه، فما بالك لو كانت تلك التحركات من العالم المسلم، وبالتحديد العالم السني؟ الإسلام السنّي إنه الأمر ذاته الذي لم يقدر وزير داخلية فرنسا من كتمه حتى أعلنه بصراحة ووضوح في زيارة لواشنطن مؤخراً، بأن " الإرهاب الإسلامي السّنّي هو أبرز تهديد لبلاده وأوروبا وأنه جاء إلى الولايات المتحدة ليذكّر الأمريكان أنه بالنسبة إلى الأوروبيين ولفرنسا، الخطر الأول هو الإرهاب الإسلامي السّنّي، وإن التعاون لمكافحة الإرهاب بين أجهزة الاستخبارات هو ضروري للغاية". هكذا بكل وضوح، بل زاد في تأجيج وتحريض الأمريكان أكثر مما هم عليه، رغم انشغالهم بأزماتهم الداخلية التي تتعاظم، بقوله:" بينما قد تكون للأمريكيين رؤية وطنية أكثر للأزمات مثل التفوق العرقي الأبيض وعمليات إطلاق النار الجماعية المتكررة والتآمر، لا يجب أن ينسوا ما يبدو لنا في أوروبا بمثابة التهديد الأول: الإرهاب السنّي ! لاحظ معي أن هذا الوزير يحدد الفئة التي يمكنها قلب معادلات الغرب تماماً، كما كان الحال على مدار التاريخ منذ قيام دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة، على مؤسسها وساكنها أفضل الصلاة والسلام. إنها الفئة السنية المسلمة، على رغم تنوع المسلمين في أفكارهم ومآربهم ومشاربهم اليوم، ما بين شيعة وعلمانية وقومية وطوائف أخرى مع أحزاب وجماعات ما أنزل الله بها من سلطان. لم يأت ذاك الوزير على أي من تلك الفرق والجماعات، بل قال تحديداً " الإسلام السني ". وتركيا اليوم بقيادة الطيب أردوغان وحزبه، مسلمون من أهل السنّة، أصحاب مشروع نهضوي ريادي، يمتلكون أرضاً وقاعدة جماهيرية وموارد وإمكانيات تجعلهم قادرين على بعث دولة ذات قرار، لها شأنها ومكانتها وقوتها في هذا العالم المضطرب، الذي لا زالت الحضارة الغربية تهيمن عليه، بأخلاقياتها المتأرجحة وقيمها المشكوك في أمرها ونظرتها المادية البحتة للحياة.. القيادة الواعية المنتظرة يدرك الغرب ومن معه في الفلك يسير، أن المسلمين في العالم لا تنقصهم ما يعينهم على استعادة وعيهم ودورهم الحضاري، إلا قيادة واحدة واعية مدركة لتحديات الحاضر، وقادرة على استشراف حكيم للمستقبل، من أجل لملمة الشتات المسلم تحت راية مخلصة ذات رسالة، ووفق رؤية بعيدة تستند على منهج واضح من الدين، وتمتلك أفقاً واسعاً يُمَكّنها من مسايرة ظروف الحاضر وتكييفها وفق ما تقتضيه مصلحتها. يعلم الغرب تماماً أن ما يقوم به الطيب أردوغان ورفاقه في الحزب منذ عقدين أو ربما أكثر، هم الأنسب لتولي زمام تلك القيادة، منذ أن وضع الأساسات لهذا العمل نجم الدين أربكان – رحمه الله – وهم بعملهم هذا يكاد يصل بهم الأمر إلى تجسيد النموذج المطلوب لنهضة البلاد أولاً، ومن ثم الأمة جمعاء، حيث إن النواة الأساسية لنهضة الأمة تكاد تكتمل في الموقع الأكثر تأهيلاً لأن تكون مقر تلك النواة وهي تركيا.. وهذا ما تعبّر عنه نتائج الأعمال والإنجازات على أرض الواقع. ربما هذا ما دفع الوزير الفرنسي للاستعجال وتنبيه الغرب بالإعلان عن هذا الحاصل في تركيا، وإن قالها بشكل غير مباشر وأطلق عليه الإسلام السني، ويقصد دون أدنى ريب، تركيا الجديدة. هذا أمر بالغ الأهمية ولا يجب الاستهانة به، وأقصد تصريحات الوزير الفرنسي أولاً، ومن ثم التحولات الحاصلة في تركيا، المنتظر منها تحولات أكثر وأشمل وأعمق وأجود خلال الفترة القادمة، التي ستكون فترة تحد كبير لها، تتطلب دعماً إسلامياً فاعلاً، فالعالم في حراك واضح، وترتيبات سياسية جديدة لا نريد أن تكتمل وليس لنا فيها شأن ولا تأثير.. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
594
| 01 يونيو 2023
لاعب الكريكيت والنجم الرياضي الباكستاني الدولي، الذي كان من مشاهير اللعبة في باكستان، تحدى خلالها وواجه لاعبين بارزين في فرق دولية منافسة باللعبة، أمسى الآن يتحدى جنرالات الجيش، أقوى سلطة في باكستان. عمران أحمد خان نيازي، الذي اكتسب شهرة وشعبية ونجومية، وشخصية كاريزمية جعلته يدخل عالم السياسة رسمياً بشكل فاعل بانتخابه رئيساً للوزراء في 2018 حيث وعد حينها ببناء باكستان جديدة، تمت الإطاحة به العام الفائت، وانهالت عليه القضايا التي فاقت كما يقول هو عن نفسه، مائة قضية متنوعة ! ومنذ ذلكم التاريخ وهو في شد وجذب ومد وجزر مع النظام الحاكم الحالي، أو إن صح وجاز لنا التعبير، في جولات صراع وتحد مع العسكر، الذي لم يعد خافياً على أحد أنه المتحكم بمفاصل البلاد من وراء ستار، بعد أن صار هذا الستار شفافاً لم يعد يخفي ما وراءه ! تعيش باكستان إذاً غلياناً ربما يفوق غليانات سابقات ماضيات. حيث بدأ تدريجياً بعد عزل عمران خان بسبب اتهامه بالفساد ودعم الإرهاب، ثم محاولة اغتياله نوفمبر الفائت، ليزداد الغليان أكثر فأكثر هذا العام بعد عدة محاولات لاعتقاله من منزله في لاهور، ليصل الأمر ذروته تقريباً بعد اعتقاله بدايات هذا الشهر أثناء وجوده في محكمة بالعاصمة، وبشكل أثار الرأي العام الباكستاني، وليس أنصاره فحسب! رأى كثيرون في عملية الاعتقال تلك، نوعاً من التعسف والإهانة المقصودة بهدف كسر هيبته وشخصيته وشعبيته أمام أنصاره قبل عموم الشعب الباكستاني. الأمر الذي أدى خلال فترة اعتقاله، التي لم تستمر أكثر من يوم أو بعض يوم، إلى أحداث قام غاضبون كُثُر بها، ليسوا من أنصاره فحسب، بل من غيرهم أيضاً، كنوع من الرد على الاعتقال ولكن بخطوات عملية غير متوقعة من الطرف الحاكم، وقد تمثلت في حرق ومهاجمة مقرات ومكاتب ومبان تابعة للجيش، ومواجهات عنيفة مع قوات الأمن، ما دفعت حكومة شهباز شريف للاستنجاد بالجيش نفسه، لضبط الوضع والأمن في مناطق عدة، أشهرها خيبر وبنجاب وإسلام آباد. ماذا يريد خان؟ سؤال يبحث كثيرون خارج باكستان عن إجابته، والتي تدور حول رغبة عمران خان في ضرورة قيام الحكومة الحالية بترتيب ما يلزم لإجراء انتخابات مبكرة أكتوبر القادم، وهذا ما لا يبدو في الأفق أي مؤشرات إلى قيام الحكومة الحالية بذلك، بل إصرارها على محاكمة عمران بتهم الفساد والإرهاب التي وجهها إليه مكتب المحاسبة الوطني، الذي يديره جنرال متقاعد، وهي التهم التي يرفضها عمران أساساً، ويعتبرها حجة من النظام الحاكم الحالي لقطع الطرق أمامه لخوض أي انتخابات قادمة، وقد تحدث عنه خان للجزيرة قائلاً: «الحكومة الحالية والمؤسسة الأمنية والعسكرية يخشون عودتي للسلطة، لذا تجدهم يفعلون أي شيء لإبقائي خارجها. لم يحدث في باكستان أن آلافاً من رجال الشرطة وجنود الدرك يحاولون اعتقال رئيس حكومة سابق، والسبب وراء ذلك أنهم يريدون وضعي في السجن لأنهم خائفون من مشاركتي في الانتخابات». حكم الجنرالات يعتقد خان أن رئيس الحكومة الحالي شهباز شريف، الأخ الأصغر لنواز شريف المقيم في لندن - العقل المدبر والزعيم الروحي للحزب الحاكم الحالي - وساعده الأيمن في إدارة البلاد الجنرال عاصم منير قائد الجيش، أقوى منصب في البلاد بعد أن كان رئيساً للاستخبارات الباكستانية، يعتقد عمران بأنهم من أسباب احتقان الحالة الباكستانية، وأنهم مصدر الغليان الحاصل في باكستان، وأنهم من يضعون العراقيل أمامه لمنعه بكل الطرق من الترشح للانتخابات والقيام بحملات انتخابية. المراقب للأوضاع في هذا البلد يدرك أن الجيش هو العنصر الفاعل الحقيقي الذي يدير البلاد، وإن كان بواجهات مدنية عبر أحزاب. وإن الدخول معه في خلاف أو صراع أو تحد كما الحاصل الآن، أو السير على غير هواه ورؤيته، لا يكون عادة ذا جدوى، إذ سيتم فرض ما يريده الجيش، رغبة أم رهبة، طال الزمن أم قصر، وإن أحداثاً ماضية كثيرة شاهدة على هذا. فقد مر على باكستان منذ الاستقلال أكثر من ثلاثين رئيس وزراء، لم يكمل أحدهم مدته والسبب هو الدخول في خلافات وصراعات وتحديات مع الجنرالات، فكانت الكلمة دوماً للعسكر. رؤية عمران اليوم يريد عمران خان، ومعه أنصاره وربما غيرهم ملايين كُثُر من عموم الباكستانيين، تحسين حال ووضع البلاد، خاصة الأوضاع الاقتصادية، ومعالجة ارتفاع معدل التضخم، وتراجع الروبية، وتراكم الديون. ويرى أن ذلك أمر ممكن لو أن الجيش تحول لأداة وطنية لحماية البلاد، دون الخضوع لمصالح وإستراتيجيات قوى أجنبية مؤثرة كالولايات المتحدة، وأن يعود لمعسكراته وثكناته على الحدود، بدلاً من الانشغال بإدارة سياسات البلاد والتحكم بمفاصله وأجهزته المختلفة، خاصة وأن عمران في مناسبات عديدة، أفاد بأن الجيش متهم في الإطاحة به بتوجيه أمريكي رداً على ترحيبه بعودة طالبان لحكم أفغانستان، وارتفاع نبرة التحدي عنده للغرب، بالإضافة إلى زيارة له قام بها لروسيا رغم الاعتراضات الأمريكية. حيث يعتبر خان أن تلك الزيارة ربما كانت الشرارة الأولى في عملية الإطاحة به. كما يرى عمران وحزبه وآخرون معه من خارج الحزب، أن باكستان تستحق بعد كل هذه السنوات منذ الاستقلال، أن تدار عبر أحزاب مدنية سياسية أمينة مسؤولة، لا تخضع لأمزجة وأهواء الجنرالات أو الخارج، بل تكون معبّرة عن تطلعات وهموم الشعب، الذين لابد أن تكون لهم الكلمة العليا والأخيرة في اختيار من ينوب عنهم في إدارة دفة البلاد، ومن ثم مراقبة أدائه ومحاسبته حال التقصير في عمله، شأنهم شأن أي شعب يرغب في العيش في ظل نظام ديمقراطي. هل ينجح عمران خان في رحلة تحدي الجنرالات، أم أن مصيره لن يختلف عن رؤساء وزراء سابقين، إما التصفية أو متابعة مجريات الحياة الباكستانية المتنوعة، ولكن من وراء جدران سجن ما، خاصة وأن ما يجري الآن في باكستان، كأنما هو إعادة للسيناريو المصري الذي بدأ بانقلاب العسكر على حكم مدني في 2013 وبقية القصة المعروفة.. الأيام القادمة حبلى بالكثير من الأحداث في هذا البلد النووي، وربما الكثير من المفاجآت أيضاً. لكن في كل الأحوال لا نتمنى أبداً خسارة دولة مسلمة أخرى بدخولها أنفاق ومتاهات الاضطرابات والتوترات، ففي عالمنا الإسلامي ما يكفي من نماذج عاجزة فاشلة ومضطربة، ولسنا بحاجة للمزيد.. فاللهم سلّم سلّم.
945
| 25 مايو 2023
مسلمون كُثُر، عرب وغير عرب، تفاعلوا مع انتخابات تركيا بداية هذا الأسبوع، حتى أطلق المناهضون للرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه، على أولئك المتفاعلين بأنهم أتراك أكثر من الترك أنفسهم، وعابوا عليهم ذلك التفاعل والسهر حتى الصباح بانتظار ما ستسفر عنها النتائج، وغير ذلك من مظاهر الاهتمام والمتابعة.. لن نهتم بما قاله المناهضون للطيب أردوغان، بل نتساءل: لماذا تأترك مسلمون كُثُر تلكم الليلة، وهل هناك ما يمنع ذلك؟ في ظل ظروف الأمة المسلمة خلال مئة عام مضت، يعيش المسلمون بلا قيادة ولو رمزية، على غير ما اعتادت الأمة المسلمة عليه منذ عهد أكرم الخلق محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة والسلام. الأمة كانت تعتبر الخلافة المحور الذي تدور حوله الشعوب المسلمة، سواء كانت في عز قوتها أو أدنى درجات انتكاستها، وأنه لولا قوة وتأثير تلك الرمزية، ما تكاتف وتكالب الغرب في فترة ضعف شديدة للأمة، وتآمر ذلك الغرب بمعنى الكلمة، لإلغاء حتى هذا الرمز من الوجدان الإسلامي، فكانت خطوة الشؤم تلك عبر الأتراك، بغض النظر عن عقائد أولئك الأتراك وأصولهم يوم قيامهم بالتوقيع على إلغاء الخلافة، ضمن شروط الاستسلام للمنتصرين بعد الحرب العالمية الأولى، وبقية القصة المعروفة. بعد أن ألغيت الخلافة العثمانية، آخر خلافة معترف بها في العالم في مارس 1924 بمرسوم من الجمعية الوطنية في تركيا، والذي تم اعتباره خطوة ضمن إصلاحات مصطفى كمال وإزاحة السلطنة العثمانية واستبدالها بجمهورية تركيا، ليعيش المسلمون بعد تلك الخطوة المشؤومة، ضمن حدود رسمها الاستعمار الغربي بأشكاله المتنوعة، ليتفرق هذا الجمعُ، شذر مذر إلى يوم الناس هذا. الغرب قبل الشرق تلك المقدمة شبه الطويلة، إنما للتأمل فيما حدث ليلة الأحد الفائت، وتفسير اهتمام العالم الغربي قبل الإسلامي بالانتخابات التركية، التي أجمع الإعلام الغربي على أنها أكثر انتخابات مهمة ومؤثرة لتركيا وكثير من الدول والتجمعات العالمية خلال المئة عام الفائتة. هذا الإجماع لم يكن ليحصل بطبيعة الحال، لولا بروز تركيا كدولة ذات تأثير في محيط جيوسياسي بدأ يكتسب أهمية بالغة، بل يزداد أهمية مع الوقت بزيادة نهوض وتنامي تأثير وقوة الدولة التركية، التي اكتسبتها خلال آخر عقدين من الزمن، وأن الشخص المركزي أو المؤثر في هذا النهوض، مع رجال وفرق عمل مخلصة حوله، هو الرئيس أردوغان الذي يعيش في دائرة الحكم منذ 2002 وقبل ذلك بسنوات أخرى طويلة في عالم السياسة والقرب من دوائر الحكم واتخاذ القرار. أردوغان شمعة أمل إنّ تفاعل ملايين المسلمين، عربهم وعجمهم، مع الانتخابات التركية، ودعواتهم بنصر مؤزر للسيد أردوغان، إنما بناء على ما ذكرناه آنفاً، وشعور داخلي يتعاظم بالنفوس المسلمة، يفيد بأهمية وضرورة الالتفاف على كل أمل صادق يمكن أن يبعث وينهض بالأمة من جديد، وأن هذا الأمل بدأ يتحقق شيئاً فشيئاً في هذا الشخص مع حزبه، الذي يحمل اسم العدالة والتنمية، يرجون الله أن يستمر لأعوام خمسة أخرى مثمرة قادمة، حيث الأمة بأمس الحاجة لصوت يدافع ويدفع عنها بأي صورة ممكنة، بعد أن تكالب كثيرون عليها، سواء من عملاء الداخل عبر عناصر مبرمجة ومسيّرة لتحقيق أجندات الخارج، أو من الخارج عبر حكومات ومؤسسات غربية - في المقام الأول - تحاول جهدها وبكل وسائلها وإمكاناتها، خنق أي محاولة نهوض في أي بقعة مسلمة، والقيام بتشويه صورة من يتزعم قيادة أي محاولة نهضوية. على مستوى الأفراد، كان بالأمس مرسي رحمه الله في مصر، والآن محاولات لتكرار ما جرى في مصر مع عمران خان في باكستان، وبالطبع أقوى المحاولات ما زالت تجري على قدم وساق في تركيا مع هذا الرجل الطيب، رجب أردوغان؛ أضف إلى ذلك، تشويه وقمع كل محاولات النهوض بالأمة عبر مؤسسات وكيانات سياسية أو اجتماعية أو جماعات إصلاحية، ووصمها جميعاً بالإرهاب وغيرها من دعايات الأمريكان والغرب معاً، حتى كاد المرء يشعر بيأس مسيطر على ملايين المسلمين حول العالم، مع بقاء بعض الأمل في شمعة هناك وقد تم إشعالها في تركيا، وهي ربما سر أتركة المسلمين أثناء انتخابات الأحد الفائت، بل ربما كانوا أتراكاً أكثر من نصف الأتراك الذين وقفوا ضد الرئيس، لحسابات عنصرية وقومية مدعومة بدعايات وأموال الغرب وبعض الشرق. الأفعال قبل الأقوال إنّ وقوف الغرب بشكل سافر دون أدنى خجل ضد أردوغان الشخص والفكرة، بعيداً عن مهنيات وأخلاقيات العمل السياسي والإعلامي، هو ما دفع ملايين المسلمين للأتركة وبنوع ربما بدا فيه تعصبٌ كذلك، ليس للطيب أردوغان بقدر ما هو ردة فعل مطلوبة يجدها المسلم في نفسه ضد عداء غربي سافر لكل ما هو إسلامي، أو قريب من روح الإسلام، وهو ما بدا واضحاً في هذه الانتخابات، قبلها وأثناءها، بل ربما يستمر لما بعد ذلك في حال بقاء الطيب رئيساً لأعوام خمسة قادمة بإذن الله، ولكن دون شك بوتيرة أهدأ وأخفى. لهذا لا أجد غضاضة في أن يكون المسلم تركياً ولو لليلة واحدة، هي ليلة الثامن والعشرين من الشهر الجاري، دعماً للطيب، وإظهاراً لروح الأخوة الإسلامية والتعاون الحقيقي، المطلوب إظهارها أمام من لا يريدون بهذا الدين ولا أهله، إلا مزيد شر ومزيد خنوع وذل وخضوع. لا يفوتني قبل أن أختم هذا الحديث، توجيه دعوة لكل تركي سني، ألا يساهم في هدم ما بناه إخوة له، لاسيما الشباب منهم، الذين لم يعاصروا زمن بناة ما هم الآن عليه من إنجازات يشهد لها العالم، متأثرين بدعايات كاذبة للغرب لن تزيدهم غير تخسير، وبالتالي أهمية توسيع آفاقهم، وألا تكون هموم المعيشة اليومية حائلاً يمنعهم من رؤية مستقبل باهر ينتظرهم. مستقبل لا يريد كثيرون من خارج تركيا أن يتحقق لهم ولا لدولتهم. إنه المستقبل الذي يراه مسلمو العالم كما المتربصون بتركيا، بشكل واضح لا غبار عليه. أما المسلمون فيدعمونه، وأما المتربصون فيعاكسونه. هل يتنبه بعض الـ 45% من الذين وقفوا ضد الطيب قبل أيام، ويقطعون السبيل أمام رغبة أقلية علوية عنصرية، في حكم أغلبية سنية في بلد مثل تركيا، ذات التاريخ والإرث الإسلامي السني العظيم الذي لا يحتاج لكثير شروحات وتفصيلات؟ أرجو ذلك، وأسأل الله لتركيا كل تقدم وفلاح، وللطيب رجب، كل سداد ونجاح. والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
1368
| 18 مايو 2023
يوم الأحد القادم بإذن الله، ستكون تركيا على موعد مع أبرز وأكثر انتخابات مثيرة تكون قد عاشتها، سواء الدولة بأجهزتها المختلفة أو الشعب بأحزابه وطوائفه وتنوع ميوله ومزاجه، منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية بدايات القرن الفائت. الانتخابات القادمة التي سترسم ملامح الجمهورية التركية الجديدة - إن صح وجاز لنا التعبير- ستكون أشبه باختبار جدي جديد للشعب التركي، لمعرفة مدى قدرته ووعيه ونضجه لاختيار ربان أو قائد سفينة بلدهم، في ظل محيط هائج هادر، ووسط مؤامرات أو ترتيبات أو تنسيقات ظاهرة وباطنة، من القريب قبل البعيد، المسلم وغير المسلم، لأجل ضبط حركة هذا البلد وإعادة رسم ملامحه وخططه ورؤاه الاستراتيجية من جديد، أو إن كنا أكثر وضوحاً، لتوجيه هذا البلد المحوري نحو طريق أشبه بما تم رسمه له منذ معاهدة لوزان عام 1923 التي ينتظر كثير من الأتراك، وليس كلهم، يوليو القادم للاحتفال بالتخلص من قيودها الظالمة. تركيا منذ أن تولى حكمها حزب العدالة والتنمية في 2003 بقيادة السيد رجب طيب أردوغان، الرئيس الحالي للجمهورية، نهضت بشكل ملحوظ لا يمكن التغافل عنها، لاسيما من أطراف دولية مهمة لها مع الدولة التركية صولات وجولات تاريخية، تظهر بين الحين والحين بأشكال متنوعة. نهضت تركيا مرة أخرى لتكون دولة محورية في منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، لتمسي ذات ثقل ووزن استراتيجي، حتى صار الاصطفاف أو التحالف معها مكسباً للمتحالفين، مثلما هو بالطبع مكسب لها أيضاً، وما النمو الاقتصادي المتصاعد والمشهود لتركيا خلال عقد واحد من الزمن، رغم الكثير من التحديات، إلا دليل على تصاعد أهمية وثقل هذه الدولة، وهو ما يمكن اعتباره مكسباً للأمة المسلمة بشكل عام، قبل أن تكون للأمة التركية، وخاصة بعدما برز الدور التركي في كثير من قضايا المسلمين حول العالم، وهو ما يدعو الأمة المسلمة إلى المحافظة على هذا المكسب، بعد أن طال الزمن عليها لم تشهد خلاله انجازات ملموسة. فقد انشغلت أو تم اشغالها بصورة وأخرى بمشكلات وأزمات لا تكاد تخرج من واحدة إلا وأخرى تنتظر، وما يحدث لتركيا اليوم من تربص البعض القريب والبعض الغريب البعيد، يستدعي التنبه السريع إليه والوقوف معها، فما زال الغرب تحديداً، يحتفظ في ذاكرته بصور الجيوش العثمانية وهي تصل إلى عمق أوروبا، بل لا زال يتذكر قوة وعظمة الإمبراطورية العثمانية التي حكمت مساحات شاسعة من آسيا وأوروبا لأكثر من خمسمائة عام. إذن هي مشاهد لا تسر الغرب كثيراً، على رغم أن تركيا اليوم عنصر فاعل مؤثر في حلفهم المسيحي العسكري المسمى بالناتو. وأحسبُ أن هذا النادي وهو يرى دولة مسلمة جارة لأوروبا وقد أوشكت على أن تكتفي وتعتمد على ذاتها في كثير من المجالات، لن يكون بالأمر الهين عليه أو بالذي يمكن غض الطرف عنه، حتى وإن أبدى هذا الغرب ظاهرياً أنه على وفاق مع تركيا ! إسقاط أردوغان هدف غربي انتخابات الرئاسة التركية هذه المرة صارت محط اهتمام وأنظار العالم، كما هو الحال مع بعض أهم الانتخابات الرئاسية في العالم، وصارت فصلاً جديداً من فصول بناء الدولة التركية الحديثة، واعتبارها من الفصول المشهودة لهذه الجمهورية التي بدأت فعلياً شد الأنظار إليها منذ أكثر من عقد من الزمان، ولم تكتسب أهميتها من إنجازاتها على أرض الواقع فحسب، بل كذلك من أهمية رجل تركيا القوي، رجب طيب أردوغان، الذي كشف الغرب وبعض الشرق العربي أنيابهم ضده، وصارت وسائل إعلامهم تعادي الرجل شخصياً، وتدعو بكل الطرق والوسائل والصور لإسقاطه، في مشهد يثبت لك زيف الادعاءات الغربية ومزاعم الحريات وغيرها. لا أقول جديداً إن أشرت بصورة سريعة إلى أن هذه الانتخابات وما يصاحبها الآن من عداء غربي سافر لا أخلاق له، قد حركت الشارع الإسلامي من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، وصارت ملايين المسلمين هنا وهناك تدعو للسيد أردوغان بالفوز، وتدعو الأتراك إلى عدم التفريط بالرجل، مهما يقال عنه في إعلام الغرب والشرق، ومهما يحاول كثيرون تشويه صورته. الرجل لم يظهر له مثيل في التاريخ التركي الحديث، حتى تحول لأيقونة إسلامية ملهمة للإندونيسي والباكستاني والهندي، بالإضافة إلى العربي والإفريقي والأوروبي المسلم. صار في يقين الشعوب المسلمة، أن أردوغان هو رجل المرحلة، سواء لتركيا أو للمسلمين. وقد زاد هذا اليقين وتأكد بعد تعاظم واشتداد حملات التشويه والتحريض الغربية ضده، والتي ما تتأجج نيرانها عادة إلا بعد أن تتعرض مصالحهم للخطر - بحسب وجهة نظرهم - وأن هذا الرجل القوي خطر على استراتيجياتهم ومصالحهم بصورة وأخرى، باعتبار أن خروج أي دولة مسلمة عن التبعية للغرب، إنما هو خطر على أمنهم ومصالحهم القومية، وصار بالتالي في المشهد التركي، اسقاط أردوغان هدفا لا يقل أهميته عما جرى للدولة العثمانية قبل مئة عام، حين تم تقييدها بمعاهدات استسلام وخضوع. الشعب القطري وأردوغان الانتخابات التركية لها أهميتها في الشارع القطري، وإن كنت هنا لا أزعم أني أتحدث نيابة عنه، لكن يمكن إدراك اهتمام القطريين بالانتخابات التركية، وأنه نابع من تقديرهم واحترامهم للسيد أردوغان، ومواقفه مع قطر، وأكاد أزعم أن نسبة كبيرة من الشعب القطري تدعو الله أن يتخطى السيد أردوغان الانتخابات القادمة ويحسمها من الجولة الأولى، فإن ما نتابعه عبر وسائل الإعلام التركية وغيرها من مشاهد للمعارضة التركية، تدعو كثيرين ليس في قطر فحسب، بل جُل العالم الإسلامي، أن يستمر حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان في حكم وإدارة تركيا، لأن غيره سيعني انتكاسة متوقعة للبلد وتغييرات دراماتيكية على خرائط الأحداث في كثير من أجزاء هذا العالم، غالبيتها لا تسر محبي تركيا من غير الأتراك. وأحسبُ أن دعم الدولة التركية وزعيمها الحالي في إنجاح الحدث الأبرز في تركيا، هو موقف تاريخي يتطلبه الموقف من كل مسلم، بعدما اتضحت كمية وحجم التنسيقات الحاصلة بين قوى عربية وغربية لبث الفوضى في هذه الدولة، وتشويه صورة زعيمها التاريخي قبيل الانتخابات. أردوغان رجل المرحلة فوز الطيب أردوغان - وهو الأقوى حظاً من منافسيه - سيعطي نكهة جديدة ومميزة للدولة التركية لسنوات خمس أخرى بإذن الله، ويضعها في قائمة الدول المؤثرة على الجوار والإقليم وصولاً الى جغرافيات أوسع وأبعد، ولا أظنه سيكون شاقاً على الأتراك في اختيار الرجل الأنسب لقيادتهم، بل أحسبُ – وهو رأيي الشخصي - أنه لن يختلف كثيرون على أنه الأنسب لهم للمرحلة القادمة، بحكم الإنجازات والوقائع والاثباتات على الأرض، وبالتالي لا أظن سيختار التركي رئيساً غير أردوغان، إلا ذاك الحزبي شديد الولاء لحزبه، أو المستسلم للدعايات المغرضة من الداخل والخارج، فلا شك أنه سيختار غيره. قد يرى البعض أن الأمر نهاية المطاف شأن تركي، والأتراك هم الأدرى والأقدر على استشعار أهمية المرحلة التاريخية التي تمر بها بلادهم، واختيار قائدهم. نعم هذا صحيح، وهو رأي نحترمه، لكن من وجهة نظري الشخصية أيضاً، أرى الأمر من بعد أن تكالب الغرب وبعض الشرق ضد الرجل، ليس لتركيته القومية، بل لتركيته الدينية أو الإسلامية، صار الدفاع عنه هماً إسلامياً مشتركاً يتطلب موقفاً من المسلمين - شعبياً على أقل تقدير ولا أقول رسمياً - وأهمية دعم وتعزيز صورة هذا الزعيم التاريخي، الذي لو لم يكن له تأثير على العالم الإسلامي بشكل وآخر، لما رأيت كل ذلك التكالب الغربي عليه، ولم يكن أحد من المسلمين اهتم لأمره أو أمر ما يجري في تركيا، شأنها شأن كثير من الدول المسلمة الخاملة، والمنكفئة على ذاتها. إنها تلكم النوعية المرغوبة في هذا العالم. دول غنية لكن خاملة، لا أثر لها إلا ما يكون لصالح المتسلط على الحضارة الإنسانية الحالية، وهو الغرب تحديداً. وهذا ما يعمل السيد أردوغان على تغييره منذ زمن. وما تكراره لشعار أن العالم أكبر من خمسة – يقصد بدول الفيتو – إلا دليل على رغبة في تغيير جذري للنظام، ليس على الصعيد التركي فحسب، بل كل صعيد له علاقة بهذا البلد، وهذا سر خطورته. كل التوفيق والسداد للرجل الطيب، الذي ندعو الله أن نراه متوجاً بالنصر يوم الإثنين القادم، والناس من حوله تشكر الله وتحمده، وتحتفل به في مسجد آيا صوفيا في بث تلفزيوني مباشر للعالم أجمع، وما ذلك على الله بعزيز.
1641
| 11 مايو 2023
مزعج أن ينقض أحدهم عهده معك ويخونك، بل ويعتدي عليك مادياً ومعنوياً بصورة وأخرى، ما يستدعي منك فعلياً في كثير من الأحيان إلى رد الصاع صاعين، باعتبار فداحة الجرم المرتكب من هذا الذي ينقض العهود، بل يتمادى في ذلك ليعتدي بقتل وسرقة وترهيب وغيرها من أفعال تستوجب رداً يتناسب معها. وهذا أمر أشارت إليه آية كريمة في سورة المائدة (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم). قيل بأن الآية - كما جاء في تفسير القرطبي - نزلت في رجال من قبيلة عُرينة، كانوا قد قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتووا المدينة (أي كرهوا المقام بها) وقد أصابهم مرض ما، فأمر لهم الرسول الكريم بعلاج معين هو أن يشربوا من أبوال وألبان إبل الصدقة، فانطلقوا إلى مراعي تلك الإبل، يشربون من أبوالها وألبانها مدة من الزمن. لما تعافوا من مرضهم، ظهرت نواياهم الخبيثة، حيث قتلوا راعي الإبل ومثلوا به ووضعوا الشوك في عينه، ثم استاقوا النعم؛ فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - خبرهم من أول النهار، فأرسل في آثارهم؛ فما ارتفع النهار حتى جيء بهم؛ فأمر بمسامير فأحميت فكحّلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وما قتلهم، وتم إلقاؤهم في الحرة، يستسقون الناس فلا يُسقون. فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. ما فعله الرسول الكريم بقطاع الطرق أولئكم، المرتدين عن الدين، قتلة الأبرياء وسرّاق الإبل، إنما هو حماية للمجتمع من تلك النوعيات المفسدة في الأرض أن تظهر أخريات مثلها، أو تتجرأ واحدة منها على المسلمين. وما العقوبة الغليظة إلا لغلظة وقسوة وشناعة فعلتهم، وهو جزاء دنيوي وفي الآخرة عذاب عظيم كما في الآية الكريمة. غدر بني النضير في السيرة كذلك نجد قصصاً من غدر يهود، مثل بني النضير ومن بعدهم بني قريظة، وقبلهم بني قينقاع. فأما غدر بني النضير حسب رواة السير، أنهم حاولوا اغتيال النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – بعد أن ذهب إليهم في شأن لهم صلة به يتباحث معهم، وقد رحبوا به – صلى الله عليه وسلم – بادئ الأمر، ثم خلا بعضهم ببعض، بعد أن جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم – مع بعض أصحابه إلى جانب جدار من بيوتهم، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فَمَنْ رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقام أشقاهم وهو عمرو بن جحاش بن كعب، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر من السماء بما أراد القوم.. إلى آخر القصة. وفي رواية أخرى لغدر بني النضير قد تكون هي الأصح حسب بعض رواة السير، أن تآمرهم بدأ منذ خروج الصحابة مهاجرين إلى المدينة، لكن فاجأهم النبي - صلى الله عليه وسلم – بعلمه بما يقومون به مع كفار قريش، وذكّرهم بالمعاهدة التي بينهم وبينه، فتوقفوا. لكنهم عادوا بعد غزوة بدر مرة أخرى بعمل دنيء خسيس. حيث أرسلوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – أن يخرج إليهم في ثلاثة من أصحابه، ليلقاهم ثلاثة من أحبارهم، فإن « آمنوا بك اتبعناك « هكذا كانت رسالتهم. فوافق الرسول الكريم على ذلك. كانت خطتهم - كما جاء في فتح الباري لابن حجر العسقلاني - أن يخرج اليهود الثلاثة ومعهم خناجر مخفية يقومون بمهمة الاغتيال على حين غرة. لكن تنامى خبر ذلك إلى امرأة من بني النضير لها أخ من مسلمي الأنصار، فأخبرته بأمر بني النضير، ليقوم الأنصاري من فوره بإعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يخرج إليهم. قرر عليه الصلاة والسلام بعد ذلك الخبر، أن يصبّحهم بالكتائب المسلمة، فحاصرهم يومها بعد قتال ومناوشات لم يستمر ويصبر عليها يهود بنو النضير، فلجأوا إلى حصونهم كعادتهم في القتال من وراء جُدُر، ليدخلوا بعد ذلك في خلافات بينية، وصار بأسهم بينهم شديدا. ومكثوا على ذلك مدة، فيما الحصار يشتد حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحُبت، خاصة بعد أن أحرق المسلمون نخيلهم، فما كان منهم إلا رفع رايات الاستسلام، خاضعين لما يأمرهم به النبي - صلى الله عليه وسلم – فأمر لهم ما أقلّت الإبل إلا السلاح، فاحتملوا ما يستطيعون حمله، حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها، ويحملون ما يقدرون عليه من خشبها. وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام. غدر بني قريظة لم يتعظ هذا الفرع من يهود مما جرى لفروعهم السابقة، بني النضير ومن قبلهم بني قينقاع. حيث دخل بنو قريظة في عمل أقبح وأكثر خسة وإجراماً وخطراً على المسلمين، في وقت كان المسلمون بأمس الحاجة للمساندة من أي حليف. وعلى رغم أن بني قريظة كانوا في معاهدة سلام وأمان واحترام وعدم اعتداء مع دولة الإسلام، إلا أنهم كعادتهم نقضوا العهد هذا، من بعد أن غرّتهم كثرة الأحزاب النجسة المشركة حول المدينة، وقد وجدوها فرصة ثمينة للنيل من المسلمين، على رغم أنه لم يكن قد وجدوا من المسلمين تجاههم ما يستدعي ذلك النقض، لكنها نفوس مجبولة على الخسة ونقض العهود والمواثيق منذ القدم وإلى يوم الناس هذا، بل إلى ما شاء الله للأرض أن تدوم، وهذا ليس بالأمر الجديد نقرأه عليكم. فكان جزاؤهم المعروف المستحق، قاسياً بقسوة خيانتهم لله وللرسول في أحرج الأوقات والظروف. إنّ قصص الغدر والخيانات كثيرة في كل الحضارات، وتتكرر في كل زمان ومكان، بل لم ولن تتوقف إلا بتوقف الحياة على هذه البسيطة. وما رد الفعل من ضحايا الخيانات حين تنقلب الأمور لصالحهم، سوى بعض الجزاء الدنيوي العادل، فيما الأخروي يعلمه الله. وما سرد قصص الخيانات تلك بالأمر الجديد، لكن من باب العبرة والعظة، لأنها تتكرر بنفس السيناريوهات أحياناً. وحتى لو اختلفت، واختلفت الوجوه فيها، فالقصص هي ذاتها، بنفس الأهداف والتوجهات، وكذلك آثارها هي ذاتها. لكن الغرابة أن تتكرر مع أناس كان أسلافهم ضحايا غدر وخيانات، فإذا بهم اليوم سائرون على المنوال نفسه مع الغادرين والخائنين، في صورة لا يمكن تفسيرها سوى أنها الحماقة، لا أكثر ولا أقل.. نعم إنها الحماقة التي أعيت من يداويها.
10695
| 04 مايو 2023
مما جاء في كتب الأمثال العربية أن أعرابياً بدأ يحمل أمتعة كثيرة على بعيره، حتى تراكم فوق ظهره أكثر مما يطيقه هذا الحيوان، الذي بدأ يئن من ثقل الأحمال، لكن ذلك الأنين لم يلفت انتباه الأعرابي الذي استمر في وضع الأحمال حتى بقيت له حزمة قش، قرر أن يحملها غذاء لدابته في الطريق. سمع الأعرابي أخيراً أنين البعير فانتبه إلى أن ذلك ربما بسبب كثرة الأحمال، ما جعله يضع عليه الحزمة بهدوء. قشة بعد قشة خوفاً من أن ينهار بعيره الذي ظل يقاوم، إلى أن جاءت اللحظة التي وضع فيها آخر قشة على ظهره، فانهار البعير وسقط، فتعجب الناس من حوله وقالوا: قشة قصمت ظهر البعير. فذهبت مثلاً. أكثر ما يثير انتباهي في المسلسلات التاريخية، هو كيفية تهاوي أو انهيار الدول والممالك بسبب فصول متعددة من الصراعات، التي هي عبارة عن تراكمات من الأفعال والسلوكيات، كما تراكمت الأحمال على ظهر ذلك البعير، لتتطور تلك التراكمات وتكبر وتتعاظم في صورة خيانات ومؤامرات ودسائس تجري في الأوساط المتنفذة ومن يدور في فلكها، بغض النظر عن حجم ومستوى كل جهة حاكمة، ومستوى من تحكمهم. حتى إذا دنت لحظة الزوال بسبب فعل أو قول ما، رأيت الدولة أو المملكة تنهار، فيعتقد الناس أن الفعل أو القول الأخير كان السبب في الانهيار، فيما حقيقة الأمر أو السبب هو ما تراكم على ظهر البعير من أسباب الزوال والانهيار أكثر مما يطيق، والبعير ها هنا متمثل في الدولة أو الإمبراطورية أو المملكة أو ما شابه. خبث النفوس البشرية حتى نقترب من الصورة أكثر، حاول أن تتأمل في حلقات متنوعة من المسلسل التاريخي التركي « قيامة أرطغرل»، والذي ستلاحظ في عديد حلقاته كمية الخيانات والمؤامرات التي كانت في القصور الرئاسية مثلاً في إمارة حلب أو دولة السلاجقة، أو حتى في مخيم البدو الرحّل، قبيلة قايي التي ينتمي إليها أرطغرل، ما يفيدك أن مسألة الخيانات أو زوال الممالك، لا تتعلق بالمكان أو الزمان، وإنما بالنفوس البشرية، أو إن صح التعبير، هي مجموعة متراكمة من الأفعال والسلوكيات تؤدي لنفس النتيجة، في كل زمان ومكان، ولا علاقة للزوال ها هنا بحجم التجمعات أو تعقيداتها، سواء كانت على شكل قرية صغيرة أم دولة كبيرة، وصولاً إلى الإمبراطوريات العظيمة. وبسبب سوء وخبث بعض النفوس البشرية التي تجدها تتكرر في كل زمان وكل مكان، يستمر صراع الحق والباطل، وتدافع الخير والشر. وبسبب ذلكم الصراع، تظهر ممالك وتزول أخرى، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ليست الخيانات وصراعات السياسة والحكم هي السبب الأوحد في انهيارات الأمم والممالك، بل تضاف إليها أحمال أخرى تزيد من التراكمات على ظهر البعير أو الدولة، وتكون على شكل ترف وسرف واضح تقوم بها طائفة أو طوائف من الناس، يمكن إطلاق لفظ المترفين عليهم. حيث إنهم في كل أمة - كما جاء في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله – «هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال ويجدون الخدم ويجدون الراحة، فينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة، حتى تترهل نفوسهم وتأسن، وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات، وتلغو في الأعراض والحرمات «. وبالعودة إلى مسلسل قيامة أرطغرل مدار الحديث، يظهر أمير حلب كمثال على ما نقول، في شكل حاكم ماجن مترف يتبع شهواته، حتى سهلت على المتنفذين في بلاطه التحكم به وبقراراته التي كانت تتصادم أو تسير عكس مصالح إمارته وشعبه. الترف والإسراف أمراض مهلكة إن ظهر ترف وإسراف في أجهزة دولة ما، فهذا يعني استئثار فئة قليلة بغالبية الامتيازات على حساب فئات عديدة أخرى في المجتمع. هذا الاستئثار دافع أكيد إلى نشوء مرض آخر يُضاف إلى أسباب الانهيار المتراكمة على ظهر البعير، هو تسلل نوع من الحقد أو الكراهية في نفوس فئات محرومة على تلكم الفئات المترفة المسيطرة والمستأثرة بالخيرات وما شابه. إن هذا الترف مرض مهلك يتضمن مرضاً مهلكاً آخر ينخر في جسم البعير هو الظلم، الذي عادة يكون مصاحباً للترف. ولهذا أينما وجدت مترفين، وجدت ظلماً وظالمين بصورة وأخرى. الترف يؤدي كذلك إلى الإسراف. مرض مؤذ آخر قد يكون عاملاً أساسياً في دخول البلاد أجواء الفقر، الذي إن استوطن بلداً طارت عنه القيم، وحلت فيه فواحش ما ظهر منها وما بطن، وكأنما المترفون فئة يرسلهم الله ابتلاء للمجتمع الذي يعيشون فيه، تكون مهمتهم النخر في أركان وأساسات ذاك المجتمع - دون قصد بالطبع – فيزيدون من الأحمال على ظهر البعير، قشة بعد قشة. انتشار الفساد والظلم والعدوان في أي زمان وأي مكان، يدفع بعد حين من الدهر، طال أم قصر، أن تصل فئة المترفين – باعتبار الترابط الوثيق بين المال والمناصب - إلى مراكز القرار والتحكم في شؤون البلاد والعباد، لتتولى تلك الفئة بعد ذلك – وهم في غياب تام عن الوعي – السير في المشهد الأخير للكيان القائم. مشهد الهلاك والزوال بصورة وأخرى، لتجري عليهم السنّة الإلهية في هلاك أو زوال الأمم عبر سنّة التدرج المعروفة، والتي بها تُبنى الأمم أو بها كذلك تزول. من هنا نجد أهمية الأخذ على يد المترفين والمسرفين والظالمين، وعدم ترك المجال سهلاً يسيراً لوضع أحمالهم غير الصالحة على ظهـر بعيرهم، كيلا يتم قصمه وكسره، وبالتالي سقوطه.. وفي قصص الأولين الكثير من الدروس والعبر، فهل من مدّكر؟
2148
| 27 أبريل 2023
مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
6237
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...
1962
| 12 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
948
| 16 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي...
921
| 12 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...
774
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
735
| 18 فبراير 2026
أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...
594
| 16 فبراير 2026
في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...
546
| 12 فبراير 2026
في زمن السوشيال ميديا، أصبح من السهل أن...
468
| 12 فبراير 2026
تحتل سورة الفاتحة مكانة فريدة في القرآن الكريم،...
465
| 13 فبراير 2026
الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو...
462
| 13 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...
459
| 16 فبراير 2026
مساحة إعلانية