رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لاعب الكريكيت والنجم الرياضي الباكستاني الدولي، الذي كان من مشاهير اللعبة في باكستان، تحدى خلالها وواجه لاعبين بارزين في فرق دولية منافسة باللعبة، أمسى الآن يتحدى جنرالات الجيش، أقوى سلطة في باكستان. عمران أحمد خان نيازي، الذي اكتسب شهرة وشعبية ونجومية، وشخصية كاريزمية جعلته يدخل عالم السياسة رسمياً بشكل فاعل بانتخابه رئيساً للوزراء في 2018 حيث وعد حينها ببناء باكستان جديدة، تمت الإطاحة به العام الفائت، وانهالت عليه القضايا التي فاقت كما يقول هو عن نفسه، مائة قضية متنوعة !
ومنذ ذلكم التاريخ وهو في شد وجذب ومد وجزر مع النظام الحاكم الحالي، أو إن صح وجاز لنا التعبير، في جولات صراع وتحد مع العسكر، الذي لم يعد خافياً على أحد أنه المتحكم بمفاصل البلاد من وراء ستار، بعد أن صار هذا الستار شفافاً لم يعد يخفي ما وراءه !
تعيش باكستان إذاً غلياناً ربما يفوق غليانات سابقات ماضيات. حيث بدأ تدريجياً بعد عزل عمران خان بسبب اتهامه بالفساد ودعم الإرهاب، ثم محاولة اغتياله نوفمبر الفائت، ليزداد الغليان أكثر فأكثر هذا العام بعد عدة محاولات لاعتقاله من منزله في لاهور، ليصل الأمر ذروته تقريباً بعد اعتقاله بدايات هذا الشهر أثناء وجوده في محكمة بالعاصمة، وبشكل أثار الرأي العام الباكستاني، وليس أنصاره فحسب!
رأى كثيرون في عملية الاعتقال تلك، نوعاً من التعسف والإهانة المقصودة بهدف كسر هيبته وشخصيته وشعبيته أمام أنصاره قبل عموم الشعب الباكستاني. الأمر الذي أدى خلال فترة اعتقاله، التي لم تستمر أكثر من يوم أو بعض يوم، إلى أحداث قام غاضبون كُثُر بها، ليسوا من أنصاره فحسب، بل من غيرهم أيضاً، كنوع من الرد على الاعتقال ولكن بخطوات عملية غير متوقعة من الطرف الحاكم، وقد تمثلت في حرق ومهاجمة مقرات ومكاتب ومبان تابعة للجيش، ومواجهات عنيفة مع قوات الأمن، ما دفعت حكومة شهباز شريف للاستنجاد بالجيش نفسه، لضبط الوضع والأمن في مناطق عدة، أشهرها خيبر وبنجاب وإسلام آباد.
ماذا يريد خان؟
سؤال يبحث كثيرون خارج باكستان عن إجابته، والتي تدور حول رغبة عمران خان في ضرورة قيام الحكومة الحالية بترتيب ما يلزم لإجراء انتخابات مبكرة أكتوبر القادم، وهذا ما لا يبدو في الأفق أي مؤشرات إلى قيام الحكومة الحالية بذلك، بل إصرارها على محاكمة عمران بتهم الفساد والإرهاب التي وجهها إليه مكتب المحاسبة الوطني، الذي يديره جنرال متقاعد، وهي التهم التي يرفضها عمران أساساً، ويعتبرها حجة من النظام الحاكم الحالي لقطع الطرق أمامه لخوض أي انتخابات قادمة، وقد تحدث عنه خان للجزيرة قائلاً: «الحكومة الحالية والمؤسسة الأمنية والعسكرية يخشون عودتي للسلطة، لذا تجدهم يفعلون أي شيء لإبقائي خارجها. لم يحدث في باكستان أن آلافاً من رجال الشرطة وجنود الدرك يحاولون اعتقال رئيس حكومة سابق، والسبب وراء ذلك أنهم يريدون وضعي في السجن لأنهم خائفون من مشاركتي في الانتخابات».
حكم الجنرالات
يعتقد خان أن رئيس الحكومة الحالي شهباز شريف، الأخ الأصغر لنواز شريف المقيم في لندن - العقل المدبر والزعيم الروحي للحزب الحاكم الحالي - وساعده الأيمن في إدارة البلاد الجنرال عاصم منير قائد الجيش، أقوى منصب في البلاد بعد أن كان رئيساً للاستخبارات الباكستانية، يعتقد عمران بأنهم من أسباب احتقان الحالة الباكستانية، وأنهم مصدر الغليان الحاصل في باكستان، وأنهم من يضعون العراقيل أمامه لمنعه بكل الطرق من الترشح للانتخابات والقيام بحملات انتخابية.
المراقب للأوضاع في هذا البلد يدرك أن الجيش هو العنصر الفاعل الحقيقي الذي يدير البلاد، وإن كان بواجهات مدنية عبر أحزاب. وإن الدخول معه في خلاف أو صراع أو تحد كما الحاصل الآن، أو السير على غير هواه ورؤيته، لا يكون عادة ذا جدوى، إذ سيتم فرض ما يريده الجيش، رغبة أم رهبة، طال الزمن أم قصر، وإن أحداثاً ماضية كثيرة شاهدة على هذا. فقد مر على باكستان منذ الاستقلال أكثر من ثلاثين رئيس وزراء، لم يكمل أحدهم مدته والسبب هو الدخول في خلافات وصراعات وتحديات مع الجنرالات، فكانت الكلمة دوماً للعسكر.
رؤية عمران
اليوم يريد عمران خان، ومعه أنصاره وربما غيرهم ملايين كُثُر من عموم الباكستانيين، تحسين حال ووضع البلاد، خاصة الأوضاع الاقتصادية، ومعالجة ارتفاع معدل التضخم، وتراجع الروبية، وتراكم الديون. ويرى أن ذلك أمر ممكن لو أن الجيش تحول لأداة وطنية لحماية البلاد، دون الخضوع لمصالح وإستراتيجيات قوى أجنبية مؤثرة كالولايات المتحدة، وأن يعود لمعسكراته وثكناته على الحدود، بدلاً من الانشغال بإدارة سياسات البلاد والتحكم بمفاصله وأجهزته المختلفة، خاصة وأن عمران في مناسبات عديدة، أفاد بأن الجيش متهم في الإطاحة به بتوجيه أمريكي رداً على ترحيبه بعودة طالبان لحكم أفغانستان، وارتفاع نبرة التحدي عنده للغرب، بالإضافة إلى زيارة له قام بها لروسيا رغم الاعتراضات الأمريكية. حيث يعتبر خان أن تلك الزيارة ربما كانت الشرارة الأولى في عملية الإطاحة به.
كما يرى عمران وحزبه وآخرون معه من خارج الحزب، أن باكستان تستحق بعد كل هذه السنوات منذ الاستقلال، أن تدار عبر أحزاب مدنية سياسية أمينة مسؤولة، لا تخضع لأمزجة وأهواء الجنرالات أو الخارج، بل تكون معبّرة عن تطلعات وهموم الشعب، الذين لابد أن تكون لهم الكلمة العليا والأخيرة في اختيار من ينوب عنهم في إدارة دفة البلاد، ومن ثم مراقبة أدائه ومحاسبته حال التقصير في عمله، شأنهم شأن أي شعب يرغب في العيش في ظل نظام ديمقراطي.
هل ينجح عمران خان في رحلة تحدي الجنرالات، أم أن مصيره لن يختلف عن رؤساء وزراء سابقين، إما التصفية أو متابعة مجريات الحياة الباكستانية المتنوعة، ولكن من وراء جدران سجن ما، خاصة وأن ما يجري الآن في باكستان، كأنما هو إعادة للسيناريو المصري الذي بدأ بانقلاب العسكر على حكم مدني في 2013 وبقية القصة المعروفة..
الأيام القادمة حبلى بالكثير من الأحداث في هذا البلد النووي، وربما الكثير من المفاجآت أيضاً. لكن في كل الأحوال لا نتمنى أبداً خسارة دولة مسلمة أخرى بدخولها أنفاق ومتاهات الاضطرابات والتوترات، ففي عالمنا الإسلامي ما يكفي من نماذج عاجزة فاشلة ومضطربة، ولسنا بحاجة للمزيد.. فاللهم سلّم سلّم.
رمضان.. الصمت الذي يروي القلب
يطل رمضان بهدوئه الخاص، وكأن الزمن نفسه يتباطأ ليمنحنا فرصة للنظر داخل أنفسنا، والاستماع إلى أصوات قلوبنا. الصيام... اقرأ المزيد
99
| 20 فبراير 2026
نحو بيئة داعمة للذكاء الاجتماعي المبكر
يُعد الذكاء الاجتماعي إحدى الركائز الأساسية في بناء شخصية الطفل المتكاملة، خاصة في الصفوف الأولى من التعليم، حيث... اقرأ المزيد
51
| 20 فبراير 2026
تحديات الحضانة
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل مكانة أساسية في تعزيز استقرار المجتمع القطري، ودعم تماسكه، إذ... اقرأ المزيد
48
| 20 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6537
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
972
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
795
| 18 فبراير 2026