رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يوسف عليه السلام، آمن وتعلم وصبر وتعفف حتى تمكن، فعاش مُمَكّناً أعواماً عديدة، حتى كان يُشار إليه بالبنان منذ أن جعله الملك على خزائن مصر حتى وفاته. وخلّد القرآن ذكر تمكينه وأسباب الحصول على ذلك التمكين وبقائه. وفي المقابل، جاء فرعون وقد تمكّن من حكم مصر، فكان صاحب الرأي الأوحد والقرار الذي لا يُرد. وخلّد القرآن ذكر ذلك التمكين وبين أسباب فقدانه، بل وأشار إلى نهاية دنيوية ذليلة، وأخرى تنتظره في آخرته. أما الأول، فقد تمكن حتى صار تمكينه نموذجاً خالداً يُدرّس، فيما الثاني تمكّن إلى حين من الدهر قصير، لكنه فقد تمكينه وزال من الحياة في لحظات، وكأن لم يلبث فيها إلا يوماً أو بعض يوم!
وحول التمكين يدور حديثنا اليوم.
التمكين في اللغة هو امتلاك قدرات ومهارات وعلوم وأدوات، تجعلك تسيطر على أمر ما سيطرة شبه تامة، لتصل بعد حين من الدهر، طال أم قصُر، إلى تمام التمكن، حتى تكون صاحب الأمر والتوجيه الأوحد بعد ذلك الامتلاك. والتمكين بشكل عام قد يكون عند فرد، أو جماعة، أو دولة، أو بشكل أشمل وأوسع، عند أمة من الأمم. على المستوى الفردي، يصل الشخص إلى التمكن في عمله على سبيل المثال، عبر امتلاك قدرات مميزة ومهارات بارزة وخبرات نوعية ومعارف متنوعة، تجعله بالتالي صاحب الكلمة الأولى في عمله. فهذا يوسف - عليه السلام – الذي بدأنا الحديث عنه، أبرز الأمثلة البشرية (وكذلك مكّنّا ليوسف في الأرض) أي منحناه المكانة التي يريدها والتي استحقها بعلمه وصبره وإيمانه. المكانة التي اختارها هو بنفسه، بعد وصوله لمستوى من التمكن جعله يطلب مسؤولية معينة غاية في الأهمية والتأثير وبكل ثقة ويقين.
على مستوى أكبر، نجد دولة المدينة التي أسسها المصطفى - عليه الصلاة والسلام - نموذجاً للدولة المتمكّنة. فحين وصلت دولة الإسلام الأولى إلى درجة من التمكّن، فاعلة ومؤثرة، بدأت تخاطب أخريات كبريات في العالم وبثقة المؤمن الموقن بمعية ونصر الله، من بعد امتلاك أسباب القوة والترهيب، المادية منها والمعنوية، بل وامتلكت زمام المبادرة أيضاً.. لكن سؤالاً يقول:
هل التمكين للمؤمن فقط؟
هذا تساؤل قد يتبادر إلى ذهنك بعد أن عرجنا على نموذج واحد فقط من التمكن الفردي، وآخر من التمكن على مستوى الدولة، لتتساءل حول مدى ارتباط التمكين بالدين، أو بمعنى آخر، هل التمكين محصور فقط على المتدين؟ الإجابة باختصار شديد، لا. ليس شرطاً أن يكون التمكين للمؤمن فقط، بل يمكن أن يكون للكافر أيضاً، لكن بشرط أن يكون عادلاً لا يظلم، وصاحب أخلاق وعمل صالح. هذا الشخص غير المؤمن والمُمكّن في الوقت نفسه، يمنحه الله جزاء التزامه بالشروط السابقة، تمكيناً في الأرض ولكن إلى حين.
أي ليس الأمر يمتد معه إلى ما لا نهاية، بل تلك المنحة الإلهية إنما مقابل تلك الأعمال أولاً، ومن ثم المنحة تلك إنما هي نوع من الإمهال له أيضاً وتذكيره بأهمية الوصول بعد كل هذا التمكين إلى الامتثال لأوامر الله كما جاءت به الرسل، لأن الاستمرار على الكفر، رغم كل أعماله الصالحة أو تفوقه العلمي والمهاري والقدراتي، أو عدله وأخلاقه الطيبة، لا تغنيه عن حقيقة ووجوب خضوعه لله نهاية الأمر، وتلك نقطة أهلك التغافل عنها الكثير الكثير منذ الأزل، أفراداً وشعوباً وحضارات.
لا أريد أن أبحر وأتوسع كثيراً في عالم التمكين الواسع بذاته، فما يهمنا ها هنا هو التوقف للحظات قليلات مع أكثر أنواع التمكين رعباً وتخويفاً، وهو ذلكم الذي تحدث عنه القرآن حول حضارات كانت متمكنة، وشعوب وأفراد كانوا متمكنين، وقد بلغت شهرتهم وقوتهم الآفاق. حيث تمكنوا في الأرض وامتلكوا أسباب القوة والإنتاج والعمران وغيرها. لكن حين وصلت الأمور بهم بعد حين من الدهر طويل، إلى الحقيقة الحياتية الكبرى التي ذكرناها آنفاً، وهي وجوب الخضوع لله نهاية الأمر والاستسلام والانقياد له بالطاعة، كفروا وتجبروا وعصوا الرسل والآيات، فانتهت سيرتهم، بل كل أسباب قوتهم، فصاروا أثراً بعد عين.
انتهت سيرتهم في لحظات، وانتهت معهم واختفت كل مظاهر العمران والتمكين التي كانوا عليها، لتسير بعدها الحياة في دورتها دونهم، وكأنما لم يُخلقوا أساساً ولم يكن لهم أثر في هذه الحياة الدنيا، ليأتي من بعدهم آخرون لأجل أن تستمر معهم الحياة في دوراتها المتتابعة، وإلى حين يرث الله الأرض ومن عليها. وصف القرآن تلكم المشاهد، وأوضح لكل من يأتي بعدهم وإلى قيام الساعة، بأن قواعد ومعادلات الحياة الدنيا هي هي، لا تتغير بتغير الزمان أو المكان (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكّناهم في الأرض ما لم نُمكّن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين).
التمكين.. قواعد ومعادلات
التمكين إذن عبارة عن مجموعة من القواعد أو المعادلات. طاعة الله أولى القواعد. ثم تليها قواعد أخرى كالعلم والعمل الصالح، تصحبهما أخلاق فاضلة ضمن إطار من العدل والقسط بين الناس. فإن نجحت أيها الإنسان في حفظها ومسايرتها والتوافق معها بشكل صحيح، حصلت على مبتغاك ومرادك، ومكّنك الله في عملك أو محيطك أو حياتك بشكل عام. وهذا الحديث مثلما أنه موجّه للأفراد، فهو كذلك للدول والأمم والشعوب. الأمر أو القواعد والمعادلات هي نفسها لا تختلف.
أما تجاوز تلك القواعد والمعادلات، فلا شك أنه يؤدي إلى دخول تدريجي في عالم التمكين المخيف، أو - إن صح وجاز لنا التعبير- الاستدراج الخفي الذي لا يتنبه له كثير من المتمكنين، حتى يصير الاعتقاد لديهم بعد تكاثر الخيرات وامتلاك أساليب وأدوات القوة والسيطرة في الأرض، أن ذلك التمكين نوع من الرضا الإلهي، رغم علمهم ويقينهم بأمر مخالفتهم لقواعد البقاء واستمرارية منحة التمكين لديهم، فيحدث إثر ذلك مع الزمن، نوع من التغافل المتدرج لأوامر الله وما أنزله على رسله، ليستمر فعل التغاضي والتغافل عن أفعال وسلوكيات متنوعة غير مقبولة يرونها هينة، وهي عند الله عظيمة، تجلب نقمة تتبعها حسرة وندامة.
لقد كان قارون في الزمن الغابر، مثالاً ونموذجاً آخر للفرد المتمكّن، ومثله أقواماً متمكنين كعاد وثمود وسبأ وغيرهم. لتظهر اليوم مشاهد جديدة من التمكين كما الحاصل عند الحضارة الغربية بشكل عام، والتي بدأت تتغافل وتتناسى حقيقة التمكين المخيف مع الزمن، بل هم اليوم في غفلتهم يعمهون (فلما نسوا ما ذُكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون).
إنهم بعد أن أعرضوا عن أوامر الله وتناسوها وجعلوها وراء ظهورهم - كما جاء في تفسير ابن كثير - (فتحنا عليهم أبواب كل شيء) أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذاً بالله من مكره؛ ولهذا قال (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) أي من الأموال والأولاد والأرزاق (أخذناهم بغتة) أي على غفلة (فإذا هم مبلسون) أي آيسون من كل خير، وهو الحزن الشديد والندم على أمر فات، وهو ها هنا، كل ذلك الخير والتمكين الذي كانوا عليه. إنَّ تجاوزات هذه الحضارة وبطر الحق وغمط الناس ومصادمة الفطرة البشرية، مؤشرات على احتمالية زوال التمكين الذي هي عليه منذ عقود، فالجزاء من جنس العمل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3042
| 24 سبتمبر 2026