رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية
[email protected]
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

210

فاطمة العتوم

غذاء المرضى.. الحلقة الصامتة في معادلة الجودة الصحية

21 فبراير 2026 , 03:22ص

أصيبت أمي، بكسرٍ في قدمها، على سريرٍ أبيض في غرفةٍ بيضاء، تتلقى العلاج وفق بروتوكولات دقيقة، وأجهزة تومض حولها بكفاءة لا يختلف عليها اثنان. كانت المتابعة حثيثة، لكن شيئاً واحداً كان ينهار بصمت: طبق الطعام الموضوع أمامها. في كل وجبة، كانت تنظر إلى الطبق، تقترب قليلاً، ثم تتراجع.

الرائحة غير مستساغة، الطعم باهت، القوام غير متوازن، والألوان لا تُغري مريضاً بالكاد يملك شهية، ثم يُرفع الطبق كما هو تقريباً… إلى سلة المهملات. ثلاثة أسابيع من الهدر الغذائي، وثلاثة أسابيع من نقصٍ صامت في التغذية وخطة التعافي.

إن جودة الرعاية الصحية تتجلى في تفاصيل قد تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها عميقة الأثر في مسار التعافي. أحد أبرز هذه التفاصيل هو الطعام الذي يُقدَّم للمريض يومياً. 

خلال هذه الثلاثة أسابيع من مرافقتي لوالدتي (وهي سيدة متقدمة في العمر تم اجراء جراحة للكسر الذي في قدمها، وهي مريضة سكر وقلب وارتفاع في ضغط الدم) في مركز الجراحة التخصصي، كنت أراقب بعين الكاتب وأحلل بعين الخبير في الصحة البيئية، لا يمكنني فصل هذا المشهد عن مؤشرات الجودة المؤسسية. في المرافق الصحية، لا تُقاس كفاءة خدمة الغذاء بعدد الوجبات المقدمة، بل بنسبة ما يُستهلك فعلياً، ومستوى القبول الحسي، وانخفاض معدلات الهدر. فالرائحة غير المقبولة ليست مسألة ذوق، بل قد تكون انعكاساً لقصور في إجراءات التنظيف قبل الاستخدام، أو خللا في تطهير الأدوات، أو ضعفا في إدارة التخزين وسلسلة التبريد، أو تلوثا تبادليا داخل بيئة التحضير.

الجودة الحسية في أنظمة سلامة الغذاء ليست ترفاً، بل أداة رقابية أولية. تغير الرائحة أو الطعم هو إنذار مبكر لأي خلل تشغيلي، خصوصاً في بيئة تضم مرضى من كبار السن وذوي أمراض مزمنة. والمريض المسنّ، بحساسيته الجسدية العالية، يلتقط هذه المؤشرات فوراً، فيفقد ثقته بالطعام قبل أن يلمسه.

حالة والدتي كانت تتطلب غذاءً يؤدي أدواراً متعددة في آنٍ واحد: ضبط مستويات السكر عبر توزيع متوازن للكربوهيدرات، دعم القلب وضغط الدم عبر تقليل الصوديوم والدهون المشبعة، وتعزيز التئام العظم والأنسجة عبر توفير البروتين والعناصر المعدنية الأساسية. لكن الوجبة التي لا تُؤكل لا تحقق أياً من هذه الأهداف، مهما كانت قيمتها الغذائية النظرية مدونة على الورق.

كما أن محدودية التنوع تقلل من فرص الالتزام الغذائي. كبار السن تتراجع شهيتهم بسهولة، ويحتاجون إلى تحفيز بصري وحسي يعيد فتح الرغبة في الأكل. التكرار والرتابة لا يخدمان هذا الهدف، بل يعمّقان الفجوة بين ما يُقدَّم وما يُستهلك.

تحسين هذا الواقع لا يحتاج إلى حلول معقدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة إدارية واضحة. يبدأ ذلك بمراجعة صارمة لبروتوكولات النظافة والتطهير، والتحقق الميداني من فعاليتها، ومراقبة بيئة المطبخ من حيث إدارة الروائح، وفصل مناطق التحضير، والالتزام بضوابط التخزين في درجات حرارة مناسبة. ويستمر بإشراك أخصائيي التغذية السريرية في تصميم قوائم متنوعة، موجهة لحالات مرضية مركبة، مع اعتماد مؤشرات أداء تقيس رضا المرضى ونسب الهدر الغذائي بصورة دورية.

في قطاع الرعاية الصحية، تُبنى السمعة على اكتمال المنظومة، لا على تميز جزء منها. وجود منظومة علاجية متقدمة لا يعفي من مسؤولية ضمان غذاء آمن، نظيف، مقبول حسياً، ومصمم وفق احتياجات مرضى حقيقيين. فالغذاء في المستشفى ليس خدمة فندقية، بل مكوّن بيئي وصحي يؤثر مباشرة في مسار التعافي. وأي فجوة فيه هي فجوة في نظام الجودة ككل. 

فالوجبة التي تُرمى ليست مجرد طعام فائض، بل مؤشر جودة يستحق التوقف عنده بجدية.

مساحة إعلانية