رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قصة خليل الرحمن إبراهيم - عليه السلام - مع قومه، قصة ملهمة لكل صاحب دعوة أو فكرة بنّاءة يريد نشرها، ويدعو ما أمكن من العقول والألباب أن تلتفت إليها أولاً ومن ثم تدبرها ومحاولة فهمها. وهذا ما قام به إبراهيم – عليه السلام – في مشهد تحطيم الأصنام، كآخر المشاهد معهم، من بعد مشاهد عدة طوال فترة دعوته لهم.
كانت من نعم الله عليه إلهامه الرشد والصواب منذ صغره، فلم يتورط عليه السلام كبقية قومه في عبادة الأوثان أو الأجرام السماوية. بل بدأ يتفكر في خلق السماوات والأرض منذ صغره، ورأى ما عليه القوم من جهل وضلال وعبادة أوثان لا تضر ولا تنفع. فأراد أن يبين لهم ذلك. لكن السؤال: كيف له إقامة الحجة عليهم، وهم على فعلتهم تلك سنوات وسنوات؟.
بدأ بمشهد النظر إلى السماء كما جاء في القرآن (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين) إلى آخر الآيات. أراهم كوكب الزهرة وأشار إليه وقال: هذا ربي. حتى إذا اختفى وظهر القمر، قال: هذا هو ربي، فاختفى القمر أيضاً مع بزوغ الفجر. فانتظر قليلاً حتى رأى الشمس تشرق، فقال: هذا ربي، هذا أكبر، وانتظر حتى حان وقت الغروب لتختفي الشمس أيضاً.. هنالك وجد إبراهيم – عليه السلام – فرصة مناسبة ليقيم الحجة على قومه، معلناً أن الإله الحق هو الله، الذي لا يختفي ولا يموت إلى آخر المشهد، كما جاء في كتب التفسير.
أراد إبراهيم – عليه السلام – أن «يستدرج القوم بهذا القول – كما جاء في تفسير البغوي - ويعرّفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه. وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، ويرون أن الأمور كلها إليها. فأراهم أنه معهم كذلك، ومعظّمٌ ما عظموه، وملتمسٌ الهدى من حيث ما التمسوه. فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم ليثبت خطأ ما يدّعون».
والله لأكيدن لأصنامكم
لم يقتنع القوم بمشهد الأجرام السماوية وانفضوا عنه، فقرر الانتقال بهم إلى مشهد آخر. وانتظر فرصة أخرى، فكانت في يوم عيد لهم، كما قال السدي في تفسيره، حيث «كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا. فخرج معهم إبراهيم. فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال إني سقيم، يقول: أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس قال: (وتالله لأكيدن أصنامكم» فسمعوها منه، ومضى المحتفلون بالعيد في حال سبيلهم.
بعد أن انغمس الناس في احتفالاتهم، قام إبراهيم - عليه السلام – واتجه إلى بيت الآلهة، حيث يستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جانبه صنم أصغر منه، وكانت الأصنام بعضها إلى جنب بعض. كل صنم يليه أصغر منه. ورأى طعاماً بين يدي تلك الأصنام قد تركها الناس لتباركها الآلهة، ثم يعودون تارة أخرى ليأكلوها بعد المباركة! فنظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام، فقال لهم مستهزئاً: ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون؟ (فراغ عليهم ضرباً باليمين) وجعل يكسرهن إلا الصنم الأكبر، علق الفأس في عنقه ثم خرج. الظالم حين يفلس
هال القوم منظر آلهتهم المحطمة إلا كبيرهم، وتساءلوا عن الفاعل، حتى تردد اسم إبراهيم – عليه السلام – بينهم وبشكل فيه تقليل شأن واستصغار لقيمته - عليه السلام - حين سألهم ملكهم نمرود عن الفاعل (قالوا سمعنا فتى يذكُرُهم يُقال له إبراهيم). سمعنا عن شاب يدعى إبراهيم، إشارة إلى أنه لم يكن معروفاً وذا شأن في القوم، لكنهم سمعوا أنه يستهزأ بآلهتنا ويسبها ويتوعدها بأمر ما، فربما هو الذي قام بهذا العمل الإجرامي!
هكذا استقر الأمر في وجدان القوم واقتنعوا به، فقرر الملك استدعاء إبراهيم، لتجري المحاورة الشهيرة بينه وبينهم والتي أقام خلالها الحجة عليهم، ليتبين لهم في النهاية، تفاهة عقولهم. ويمكنك الرجوع إلى تفسير سورة الأنبياء لتفاصيل القصة إن أحببت.
بعد إقامة الحجة الدامغة عليهم، هل انتهوا عن ضلالهم وإضلالهم؟ بالطبع لا، فأنّى للظالم ومن معه من منتفعين على شكل ساسة وكهنة وأصحاب مصالح، الاعتراف بالخطأ الذي كان واضحاً جلياً في وجدانهم، وإن بدا ظاهرهم أنهم مع الملك نمرود، أو مع كل ما يبقي على مصالحهم.
كانت حيلتهم للخروج من ذلكم المأزق الذي وضعهم إبراهيم فيه، وكعادة الظلمة في كل زمان ومكان، هو التخلص منه، لوأد فكرته ودعوته قبل أن تنتشر وتتوسع، ولإرهاب من تسول له نفسه النيل مما هم عليه من معتقدات وأفكار، وإن كانت بالية تافهة. ثم كان القرار الحاسم. إحراق إبراهيم في نار عظيمة يشترك الجميع في جمع حطبها. فبدأ الجميع تنفيذ ما قرره نمرود، ليتفاجأ هذا الجمع بمعجزة تقع أمامهم لن تتكرر تارة أخرى في عالم البشر، وقد احتشدوا لرؤية إبراهيم وهو يحترق في نارهم، لتكون حجة أخرى أخيرة عليهم، تؤكد صدق إبراهيم في دعوته.
بل ران على قلوبهم
لكن هيهات هيهات أن تتأثر قلوب ران عليها ما كانوا يكسبون، كما في الحديث الصحيح: إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون). انتهى المشهد بنجاة إبراهيم الخليل – عليه السلام – الذي جعل الله النار عليه برداً وسلاما، فخرج ولم تحترق إلا الحبال التي تم ربطه بها في مشهد مخالف للسنن والقوانين الطبيعية، ومع ذلك كله، لم يؤمن أولئك القوم!.
خلاصة ما يمكن به ختم هذا الحديث، أن أصحاب الدعوات هم هكذا. ثبات على طريق الحق، في صراع مستمر لا يتوقف مع أصحاب الفكر المشوش والمغلوط أو العقائد الفاسدة. صراع قد تضطر في إحدى مراحله أن تكسر وتحطم أوثان الباطل بصورة وأخرى، ضمن مشاهد متنوعة تجد أن كل فريق يسعى لإقامة الحجة على الآخر بطريقة وأخرى، فهكذا هي مشاهد الصراع بين الحق والباطل في كل زمان ومكان. الفريقان لا يعرفان اليأس. لكن ما يميز فريق الحق أن حججه دامغة حاسمة، مقابل حجج للباطل، خادعة كاذبة خاطئة، والعاقل من ينظر لعاقبته، ولا يغترُّ بعاجلته، كما قال أبو حامد الغزالي. فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه
لعن الله عصاة بني إسرائيل ومن وافقهم في النهج والمسلك، ليس لانغماسهم في المنكرات وتعمُّد الإتيان بها فحسب،... اقرأ المزيد
264
| 24 سبتمبر 2026
انتبه من البيت العـنكبوتي
العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن... اقرأ المزيد
390
| 17 سبتمبر 2026
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع،... اقرأ المزيد
264
| 10 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2586
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
1755
| 20 أكتوبر 2026