رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إثبات مسائل الاعتقاد بين النقل والعقل

لقد كانت مسائل الاعتقاد في القرون المفضلة تُستقى وتُثبت من خلال الوحي المتمثل في الكتاب والسنة، لا يتجاوزهما المسلمون إلى غيرهما، فإنما يقوم الإسلام على الاتباع والاستسلام لله، فإن ثبت الخبر من السماء فحينئذٍ يكون اليقين والتسليم ولا تكون هناك حاجة للجدل واقتناع العقل عند توهّم التعارض، بل يتهم العبد عقله بالقصور وعدم الإدراك، لا أن يتهم الخبر، مع أن العقيدة بالأساس لا تتعارض مع العقل، فأكمل العقول أكثرها فهمًا للحجج والبراهين التي اشتمل عليها الكتاب والسنة، فالأخبار في الإسلام ليست مجرد روايات تروى بدون برهان. ولما قامت الفتوحات، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، واحتك المسلمون بالفلسفات المختلفة شرقًا وغربًا، تأثر بها بعضهم كالجعد بن درهم الذي أنكر صفات الله، وتلميذه الجهم بن صفوان مؤسس فرقة الجهمية الضالة. ومع توسع المعتزلة في الانفتاح على تلك الفلسفات وضعوا علم الكلام القائم على إثبات العقائد الدينية بالرأي والعقل لا النص، وزاد من تغلغل ذلك الاتجاه حركة الترجمة في عهد المأمون العباسي، فاستجلب كتب الفلسفة واعتنق القول بخلق القرآن، فاستخدم المتكلمون بصفة عامة أساليب الفلاسفة اليونانيين في الجدل والمناظرة. نعم إن هذا الأسلوب قد يجدي في مناظرة الملحدين الذين لا يعترفون بوجود الخالق، فتقام عليهم الحجة بالعقل والرأي كما كان يفعل الإمام أبو حنيفة وغيره مع الملاحدة، أما أن تكون وسيلة لإثبات العقائد لدى المسلمين وجعلها منهجا في هذا الباب، فهذا من الضلال المبين، لأنها ببساطة شديدة تُخضع عالم الغيب لعالم الشهادة، حيث يستخدم أهل الكلام مصطلحات عن الذات والصفات الإلهية توضع للأمور المشاهدة مثل الجوهر والعرض والكيفية. كما أنها تجعل المسلمات العقائدية موضع جدل وشك، مثل قضية إثبات وجود الله التي لا شك فيها، فيأتي هؤلاء المتكلمون ليثبتوا ما استقر في فطرة الناس من وجود صانع للكون، بفرضيات وجدليات تفتح الباب أمام الملاحدة ليشككوا في ذلك، خاصة إذا كانت حجة أهل الكلام غير قوية، فيجد أهل الإلحاد ردا عليها فيؤخذ المنهج الإسلامي بخطأ أتباعه. لقد فتح هذا المسلك الباب أمام ادعاءات تعارض العقل مع النقل، مع أن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح، فردوا أحاديث ثابتة متفق على صحتها في الأمة، بدعوى أنها تخالف العقل، وتحولت العقيدة بذلك إلى جدل وقضايا عقلية عارية عن الفائدة الإيمانية . إنه لمن الخزي أن لا يزال في الأمة من يتبع نهج الفلاسفة والمتكلمين في إثبات العقائد، في الوقت الذي تهاوت فيه الفلسفات اليونانية في الغرب، والتي أسقط العلم كثيرا منها، وأصبح أساطين الفلسفة مجرد شخصيات تاريخية. إن هذا العقل البشري قاصر على إدراك بعض ما يثبته هو بالعلم، فكيف يستطيع الإحاطة بالغيبيات وإدراكها، كما أن العقول متفاوتة في الفهم والإدراك، وليست معصومة من الزلل، فكيف يتم إثبات العقائد من خلالها؟ الوحي المتمثل في الكتاب والسنة وحده من يثبت مسائل الاعتقاد لأنه معصوم، فإن أخبرنا أن الله ينزل إلى السماء الدنيا آمنا وصدقنا، فإن سُئلنا عن كيفية النزول قلنا كما قال الإمام مالك وغيره: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، فإن كنا لم نر الذات الإلهية، فكيف يمكن إدراك كيفية النزول ؟! العقل تُفهم به النصوص، وتُدرك من خلاله آيات الله في الكون ، أما أن يُجعل وسيلة لإثبات العقيدة ومعيارا لقبول التشريع، فهذا عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1491

| 27 سبتمبر 2024

هو رب القلوب..ورب الأعمال أيضًا

«ربُّنا ربُّ قلوب»، عبارةٌ حُرِّفت عن معناها الصحيح وغدت تمثل مهربًا من النقد وتأنيب الضمير، وشماعة تُعلَّق عليها الأخطاء، ومنطقًا لتبرير العجز والكسل والغفلة عن اتباع أوامر الله تعالى والتخلف عن العمل بأحكام الشريعة. لا خلاف على كوْن القلب هو سيد الجوارح ومليكها، وهو محل الهداية والضلالة، والبصيرة والعمى {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]. ولا خلاف كذلك في أن القلب هو كلمة سر النجاة يوم القيامة {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء: 88-89]. ونقرّ كذلك بأن القلب وما وقر فيه من إيمان وتقوى هو معيار التفاضل في الأعمال بين الناس، فربما أتى الرجلان بنفس العمل، وبينهما في الأجر كما بين السماء والأرض، بذلك الشيء الذي يستقر في القلوب من الإيمان بالله والإخلاص له، كتلك البغي التي حدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم، دخلت الجنة بسقيا كلب كما جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا). وحول ذلك المفهوم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية «فَهَذِهِ سَقَتِ الْكَلْبَ بِإِيمَانٍ خَالِصٍ كَانَ فِي قَلْبِهَا فَغُفِرَ لَهَا، وَإِلَّا فَلَيْسَ كُلُّ بَغِيٍّ سَقَتْ كَلْبًا يُغْفَرْ لَهَا». نقر بذلك ونعترف، ولكن هذا القلب لابد لصلاحه من برهان، وبرهانه الأعمال الصالحة التي تترجم صلاح القلب، فكما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُله أَلا وَهِي الْقلب) متفق عليه. وعلى هذا فلا يعد القلب صالحا إلا إذا كانت الأعمال تشهد له، فليس الإيمان والتقوى مجرد دعوى، قال الحسن البصري «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن بما وقر في القلب وصدقه العمل». لقد لبّس الشيطان على الناس أمر دينهم، وسوّل لهم أنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما ذهب المرجئة الذين حادوا عن المنهج الحق الذي كان عليه الناس في عهد النبوة والقرون المفضلة، فعزلوا أعمال الجوارح عن القلوب، وصار العامة يرددون بغير بصيرة ولا هدى: «ربنا رب قلوب»، ونسبوا إلى قلوبهم العمار بينما أعمالهم خراب. وتراهم يقولون إن الله تعالى لا ينظر إلى صورهم ولا أموالهم ولكن ينظر إلى قلوبهم، ويغضون الطرف عما جاء في تتمة المعنى الوارد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ). ذلك لأن الجوارح تصدق القلب أو تكذبه، فلا يمكن لقلب أن يكون سليما صحيحا إلا كانت الجوارح تصدق ذلك، ومن يدعي أن قلبه عامرٌ بمحبة الله والإيمان به وهو مُصرّ على معصيته بعيد عن طاعته، فليعلم أنه مغرور قد غرّه بالله الغرور، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1023

| 20 سبتمبر 2024

طوفان الأقصى رجّح كفة الإسلاميين في الانتخابات الأردنية

يعد الفوز العريض الذي حققه حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن خلال الانتخابات البرلمانية قبل أيام، صدمة كبيرة للكيان الإسرائيلي الذي لم يكد يفيق من أصداء عملية معبر الكرامة الاستشهادية التي نفذها الأردني ماهر الجازي وأدت إلى مقتل ثلاثة إسرائيليين، حتى تلقى نبأ فوز الإسلاميين بـ 32 مقعدًا وهو ما يزيد عن ضعف التوقعات التي سبقت الانتخابات. يأتي فوز الإسلاميين في الأردن بأكبر كتلة نيابية في تاريخ مشاركتهم، بعد أن ساد ما يشبه اليقين في جميع الأوساط السياسية بأن الإسلام السياسي لن تقوم له قائمة، وأنه لن يقف مرة أخرى في صدارة المشاهد السياسية في أي من الدول العربية بعد إجهاض الربيع العربي. الحدث تفتق عنه الخوض في قضايا شتى، ما بين قائل بأن الأردن يواجه الضغط الصهيوني بورقة الإسلاميين، وقائل بأن الفوز دلالة على تغلغل التيار الإسلامي في المجتمع، وقائل بأن السبب هو بحث الشعب عن بديل لمواجهة أزماته الاقتصادية. وبصرف النظر عن كل ما سبق، يهمني في هذا المقام تسليط الضوء على علاقة فوز الإسلاميين في الأردن بعملية طوفان الأقصى والأحداث في غزة. المتابع للحالة الأردنية يرصد بوضوح أن حزب جبهة العمل الإسلامي وهو الذراع السياسية للإخوان المسلمين، منذ اندلاع معركة طوفان الأقصى وهو يقود الحراك في الشارع الأردني دعما لغزة والقضية الفلسطينية، وكان حراكه سببا من الأسباب الرئيسية في تغذية الوعي الجماهيري وإبقائه متّقدًا تجاه الأحداث في غزة. لذلك لا أبالغ إن قلت بأن طوفان الأقصى هو من رجّح كفة الإسلاميين في هذا الاستحقاق الانتخابي، فقد جاء هذا الفوز تعبيرًا عن مركزية القضية الفلسطينية لدى الجماهير الأردنية، والتي اندفعت لدعم أكثر القوى في الأردن دعمًا واهتمامًا بالقضية الفلسطينية. الذين ذهبوا للتصويت لصالح هذا التيار، معظمهم يرى في ذلك دعمًا لخيار المقاومة الفلسطينية، إذ يرى ذلك الارتباط بين الطرفين فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وزاد من هذه الرغبة الشعبية في دعم التيار الإسلامي، أن الجماهير الأردنية تدرك بوضوح التهديدات الصهيونية التي تحيق بأمن الأردن في ظل تولي اليمين المتطرف قيادة الكيان الإسرائيلي، كالتصعيد الإسرائيلي في الضفة وما له من انعكاسات على الأمن الأردني والتغيير السكاني بتهجير الفلسطينيين، وذلك يعني في حس الناخبين أن الدفاع عن فلسطين من صميم الدفاع عن الأردن. كنت وما زلت على قناعة بأن معركة طوفان الأقصى هي تأريخ لحقبة جديدة، وأننا سوف نشهد العديد من التغيرات والتحولات الإقليمية والدولية، وشيئا فشيئا يرفع الطوفان الغطاء عن الصورة الحقيقية لما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، ولا أرى سوى أن هذه المعركة وإن طالت هي البداية الحقيقية لتفكيك وزوال هذا الكيان الغاصب، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1995

| 13 سبتمبر 2024

نُذُرُ الموت

تسارع إيقاع الحياة بشكل صاخب، وطغت المادية على البشر بشكل مخيف، وفي غمرة التعاطي مع هذا اللون القاسي من الحياة، ننشغل عن الحقيقة الكبرى التي أجمع عليها كل الأحياء، مهما اختلفت مللهم وتوجهاتهم، إنها حقيقة الموت التي لا مناص عن تذكّرها والتفكّر بها. اقتضت الحكمة الإلهية خفاء موعد الموت عن العباد، فلو أن الإنسان يعلم أجله لعاش مهمومًا ينتظر الموت، ولتعطلت الحياة ولم يقم الناس بمهمة الاستخلاف في الأرض وإعمار الكون بطاعة الله تعالى. ولو أن العبد يعلم تحديدًا وقت موته، لهون ذلك لديه أمر المخالفة والعصيان وشجعه على التفريط طيلة العمر، حتى إذا اقترب الأجل تاب وأصلح باعتبار أن الأعمال بالخواتيم، وقطعًا هذا منافٍ للغاية من الخلق {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}. ورغم أن الموت أقرب غائب يُنتظر، ورغم أن كل ما هو آت قريب، إلا أن هناك رسائل ربانية تأتي العبد وتنذره بدنو أجله، وتذكره باقتراب الموت لتنتشله من غفلته. فأول هذه الرسائل مداهمة الموت لمن حولنا، فكم من حبيب أو قريب أو جار أو صديق، كان يضحك معنا ملء فيه، يرسم في مخيلته معالم مستقبله ويبرم للغد موعدًا ولا يعلم أن أكفانه قد نسجت. وقد كان الصالحون من هذه الأمة يعتبرون بالجنازات، ويدركون أنها آجالٌ قد انقضت تذكِّر بآجال على الأثر، فكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا رأى جنازة قال: «امض ونحن على أثرك». ومرت بالحسن البصري رحمه الله جنازة فقال: «يا لها موعظة ما أبلغها وأسرع نسيانها، يا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة، ثم قال: يا غفلة شاملة للقوم كأنهم يرونها في النوم ميت غد يدفن ميت اليوم». وأخص من ذلك موت أهل الدار من الوالدين أو الإخوة أو الأبناء أو الزوج، فما من أهل بيت إلا وفجعوا في حبيبهم، وهي لعمر الله أبلغ رسالة وأبين إنذار. ومن هذه الرسائل المرض الذي يعتري الإنسان، فلو أن بناءً قديمًا تصدّعت جدرانه وتشققت حوائطه فيكون ذلك إيذانًا بسقوطه، ومن ثم يفطن أهل الدار لضرورة ترميمه وإصلاحه قبل أن يخر عليهم السقف من فوقهم. فهكذا المرض، ينذر الله به عباده ليستعدوا ويتوبوا قبل الممات، وها هو الحسن يقول: «من لم يمت فجأة مرض فجأة، فاتقوا الله واحذروا مفاجأة ربكم». ولما دخل الناس يعودون محمد بن واسع في مرض موته أسدى إليهم نصيحة مودع، فقال: « يا إخوتي يا إخوتاه هبوني وإياكم سألنا الله الرجعة فأعطاكموها ومنعنيها، فلا تخسروا أنفسكم». وهذا الزاحف الأبيض الذي يحتل شعر الإنسان ولحيته، لهو من أوضح تلك الرسائل، فالشيب يدل على كبر الإنسان وسرعة دنوه من أجله، فيذكر الإنسان بما استدبر، ويأخذ بتلابيب قلبه إلى ما يستقبل، فيحاسب نفسه على ما مضى، ويجدد العهد مع الله فيما هو آت. قال الله تعالى {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}، وفي معنى النذير يقول ابن كثير: «روي عن ابن عباس، وعِكْرِمَة، وأبي جعفر الباقر، وقتادة، وسفيان بن عُيَيْنَة أنهم قالوا: يعني: الشيب». لما حضرت معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: أقعدوني. فأقعدوه فجعل يذكر الله تعالى ويسبحه ويقدسه ثم قال: الآن تذكر ربك يا معاوية بعد الانحطام والانهدام؟ ألا كان ذلك وغصن الشباب نضير ريان؟ وبكى حتى علا بكاؤه ثم قال: يا رب ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي، اللهم أقل العثرة، واغفر الزلة، وجد بحلمك على من لم يرج غيرك، ولا وثق بأحد سواك». يا خاضب الشيب بالحناء تستره...سل المليك له سترًا من النارِ لن يرحل الشيب عن دار ألمّ بها...حتى يرحل عنها صاحب الدارِ البدار البدار قبل الموت، والاستعداد ليوم الرحيل، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، وأوصي نفسي وإياكم بوصية النبي صلى الله عليه وسلم (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) رواه البخاري. نسأل الله تعالى أن يتوفنا على الإيمان، وأن يجعل الموت راحة لنا من كل شر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1866

| 06 سبتمبر 2024

كونوا مع النساء رجالًا

كلمة «رجل» قد انسابت في نهر تراثنا الإسلامي والعربي محملة بأسمى المعاني، ولم يذكرها القرآن الكريم إلا وهي متصلة بفضائل الأخلاق والأعمال. ذكرها القرآن في معرض الحديث عن الطهارة بكامل ما تعنيه الكلمة من طهارة الباطن والظاهر {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا}. وفي معرض الحديث عن التعلق ببيوت الله وأداء فرائضه وذكره وإيثار مرضاته {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}. وفي معرض الحديث عن البذل والعمل للدين {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}. وفي معرض الحديث عن الحزم وشدة العزم {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ}. لكن الأمة قد ابتليت بشراذم ينتسبون إلى الرجولة زورًا، ليس لهم نصيب منها إلا ما استوطن في أفهامهم العقيمة، من الفحولة وطول الشوارب وخشونة الصوت وسلاطة اللسان ومد اليد بالأذى. بعض هؤلاء الأشباه، يبحثون عن مغامرات يثبتون فيها رجولتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، فيقذفون النساء بحروفهم من وراء حجاب، فما أيسر أن يضرب أحدهم مفاتيح لوحته ويقذف عرض امرأة، ويتهمها في أخلاقها ونزاهتها، لا لشيء إلا لأن كلماتها لم توافق هواه. عجز أن يكون له دور في الحياة العملية كالرجال، فلم يجد سوى العنتريات التي يطلقها في عالم الحروف، ويحصي جولاته التي ظن أنه ربحها في رشق النساء بقاذورات منطقه، فهو المفلس العاجز الذي لا يملك من أدوات الخصومة إلا النيل من أعراض النساء. إن للرجولة أصولًا وقواعد، ودلالات من المروءة والشهامة ونبل الأخلاق، لن يغني عنها شاربٌ ترعى عليه الصقور، أو صوت جهوري ترتعد له فرائص أنثاه المسكينة. على أشباه الرجال أن يبحروا في سير العظماء والنبلاء، حتى يتعلموا معاني الرجولة، ويدركوا كيف يتعامل الرجال مع النساء. قتلتني شهامة كليم الله موسى مع الفتاتين، أكرمهما القوي الأمين، وأبت نفسه الشريفة أن يحبسهما الضعف عن جلب الماء {فسقا لهما ثم تولى إلى الظل}. يعلم أن الرجل الحر ما كان له أن يخدش حياء امرأة ويطلق عينيه في تفاصيلها، لا كأشباه الرجال، الذين يعمد الواحد منهم إلى البحث والتنقيب، حتى إذا ما وجد شاردة من القول، أتى بها متهلل الأسارير، ثم يلوي عنق الكلمات، أو يبترها من سياقها، ويغرق في النزع، ويدق عليها الطبول، ويظن أنه قد ظفر بمن كتبتها. يقولون إن معاملة النساء فن، وأنا أقول إن معاملة النساء شهامة ومروءة ونبل أخلاق، فما كان بالرجل من يجرح امرأة، وما كان بالرجل من يطأ لها على جرح، وما أكرم النساء إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم. أرثي لحال أشباه الرجال، وأنا أصغي سمعي لنبرة عنترة في زمن الجاهلية: وأغضّ طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها تبا لمدنية رقدت في قعرها القيم، وضلت في أرضها الشهامة والمروءة، وشطنت عن موارد الأخلاق الزلال. أبكي على زمن كانت تزحف فيه الجموع من أجل قلب امرأة ألم به الحزن، نعم، ها هو الحاجب المنصور قد رجع إلى قرطبة بعد الغزو، ليوافق صلاة عيد الأضحى، والناس يهللون ويكبرون في مصلاهم، وقبل أن ينزل من على صهوة فرسه، اعترضته امرأة عجوز تقول بقلب قد أتى عليه الكمد: يا منصور كل الناس مسرور إلا أنا. قال المنصور: وما ذاك؟ قالت: ولدى أسير عند الصليبيين فى حصن رباح، فلم ينزل الرجل من على جواده، ونادى في جيشه ألا تلامس أقدامهم الغبراء حتى يطلقوا أسرى المسلمين. كل ذلك من أجل قلب امرأة، ألا بُعدًا للمتجردين من المروءة، الذين لا يحسنون سوى كسر قلوب النساء، ورحم الله الإمام الشافعي إذ قال: «والله لو كان الماء البارد ينقص من مروءتي لشربته حارًا». لكم يحزنني غفلة «فرس» لا تعلم أن صاحبها لا يملك أيا من ملامح الفروسية، وأن ذلك المختال فوق ظهرها ما هو إلا صفر في دفتر الرجال، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1800

| 30 أغسطس 2024

في ذكرى احتراقه.. هل نرتقب الطير الأبابيل لحماية الأقصى؟

خمسة وخمسون عامًا مضت على جريمة حرق المسجد الأقصى، التي نفذها يهودي متطرف يوم 21 آب/أغسطس 1969م، فتضرر المسجد بشكل كبير، حيث أتت النار على واجهاته وسقفه وسجاده وأثاثه ومصاحفه، وامتدت إلى مسجد عمر، وطال الحريق ثلاثة أروقة من أصل سبعة، وسقط جزء من السقف، واحترقت 74 نافذة خشبية، وكذلك المنبر التاريخي الذي أحضره صلاح الدين من حلب بعد تحرير القدس من أيدي الصليبيين، والعديد من الأضرار الأخرى. حينها قطعت الحكومة الإسرائيلية المياه عن محيط المسجد وتلكأت في إرسال سيارات الإطفاء، في ظل استخدام أهل القدس الوسائل البدائية لإطفائه إلى أن جاءت سيارات الإطفاء من بيت لحم والخليل ومناطق من الضفة، ثم زعم الاحتلال أن الحريق ناتج عن تماس كهربائي، وبعد أن أثبت الفلسطينيون أنه بفعل فاعل وألقت الحكومة الإسرائيلية القبض على منفذها، ادعت بعدها أن الفاعل معتوه ثم أطلقت سراحه. كان الحادث جللًا، حتى أن رئيسة وزراء الاحتلال حينها غولدا مائير قالت: «عندما حُرق الأقصى لم أنم تلك الليلة، واعتقدت أن إسرائيل ستُسحق، لكن عندما حلَّ الصباح أدركت أن العرب في سبات عميق». كان الحادث حلقة من سلسلة الجرائم الصهيونية بحق الأقصى لطمس معالمه وهويته، والتوطئة للحلم الصهيوني المنشود وهو هدم الأقصى وبناء الهيكل المزعوم. وفي الوقت الراهن ازدادت محاولات تهويد الأقصى بشدة وتعالت المطالبات بهدمه وبناء الهيكل، بما يفرض علينا التساؤل: هل من الممكن بالفعل أن يتم هدم المسجد الأقصى؟ وهل هدمه ممتنع قدَرًا؟ كثير من الناس يتعامل مع هذه المسألة بشيء من الاطمئنان، باعتبار أن الأقصى أولى القبلتين ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وخصته الشريعة مع المسجد الحرام ومسجد الرسول بمزيد فضل عن سائر المساجد على الأرض، فبالتالي سوف يحميه الله. هؤلاء يستحضرون دائما مقولة عبدالمطلب جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم «للبيت رب يحميه» والتي قالها أمام أبرهة الذي غزا مكة لهدم كعبتها، فحدثت المعجزة التي تضمنت هلاك هذا الجيش بحجارة السجيل التي ألقتها الطير الأبابيل كما جاء في القصة التي أوردها القرآن الكريم. مقولة عبدالمطلب لم تكن وحيًا، ومعجزة حماية المسجد الحرام كانت لتمهيد بزوغ شمس الرسالة المحمدية، وليس فيها دلالة على أن هدم الكعبة ممتنع قدرًا، فليس هناك نص قرآني أو نبوي ينفي احتمالية هدم الكعبة في وقت من الأوقات، فالله تعالى لم يتعهد بحفظها كما تعهد بحفظ القرآن الكريم من التحريف. بل قد هدمت الكعبة مرتين بعد الإسلام، مرة عندما هدمها عبدالله بن الزبير بعدما احترقت في عهد يزيد، ثم أعاد ابن الزبير بناءها، والمرة الثانية عندما دخل الحجاج مكة فهدمها وأعاد بناءها على النحو الذي كان قبل بناء عبدالله بن الزبير. كما جاءت الأحاديث النبوية الصحيحة بأن الكعبة سوف يتم تخريبها في آخر الزمان، فدل على أن هدم الكعبة غير ممتنع قدرًا في أي زمن من الأزمان حتى وإن أعيد بناؤها. الأمر نفسه يقال في الأقصى، ليس هناك من نص نبوي أو قرآني يخبرنا بامتناع هدمه أو تخريبه. وقد يعترض البعض على هذا بأن المسجد يتعلق بأحكام شرعية كاختصاصه مع الحرمين بشد الرحال وزيادة أجر الصلاة فيه عن غيره، فالجواب أن هدمه لا يبطل خصائصه، فالأرض التي عليها البناء مقدسة سواء كان البناء موجودا أو غير موجود، والله تعالى سماه مسجدا في سورة الإسراء على الرغم من أنه كان وقت الرحلة المباركة ساحة لم يكن بها البناء المعروف الذي نعرفه. كما أنه ظل في أيدي الصليبيين قرابة قرن من الزمان لا يرفع فيه أذان، وعلى الرغم من ذلك لم تنتف خصوصيته. أردت طرح هذه القضية حتى لا يركن البعض إلى فضائل الأقصى ومكانته الدينية اعتقادًا منهم بأنه معصوم من الهدم، وأنه بالضرورة سوف تحدث معجزة ربانية لحمايته على غرار الطير الأبابيل، وبناء على ذلك ينبغي رفع درجة الانتباه واليقظة تجاه المخططات الصهيونية لتهويد الأقصى وهدمه، وإذكاء الحمية لنصرته والدفاع عنه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1593

| 23 أغسطس 2024

رسالة إلى الذين أفتوا بمنع الترحّم على هنية

إن احترام روح الإنسان لهو من تعظيم خالقه سبحانه، وتعد تفاصيل الجنائز من غسل وتكفين ودفن تؤكد على هذا المعنى، ولذا قام النبي صلى الله عليه وسلم عند مرور جنازة لرجل يهودي، فلما سئل عن ذلك قال: (أليست نفسًا)؟ لكننا قد ابتُلينا ببعض المنتسبين إلى العلم، لا يقيمون للموت وزنًا ولا يراعون له حُرمة، وفجروا في خصومة الأموات كما فعلوا مع الأحياء. هؤلاء المنتسبون إلى العلم، صدعوا الرؤوس بشيطنة المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس، ورشقوها بالتهم جزافًا بغير علم ولا برهان، سوى أن الحركة تنتسب فكريا لجماعة الإخوان المسلمين. تفاقم الأمر لدى هذه الطائفة، وبلغ عداؤهم للمقاومة أن أصدروا فتاواهم بمنع الترحّم على الشهيد بإذن الله إسماعيل هنية والذي ارتقى على يد الصهاينة في طهران. شيخ من هذه الفئة يُخطّئ من يترحم على هنية علانية في المجالس، ويُوجب عليه أن يبين مساوئه وأخطاءه ويحذر الناس منه، لكن هذا الملقب بالشيخ، يجيز التقية التي يعيبونها على الإمامية، فيقول يجوز أن نترحم عليه إذا اقتضت المصلحة مثل امتصاص غضب الناس إذا لم نترحم عليه، ولكن يشترط أن يعيد الكرة ويبين فساده وأخطاءه، وعلل ذلك بقوله إن الترحم عليه يهون عند الناس أمر إفساده، وهكذا أصبح إسماعيل هنية لدى هؤلاء القوم لا يستحق أن نترحم عليه مثله مثل المشركين الذين قال فيهم الله تعالى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}. هذه الفتاوى الصادمة من المنتسبين إلى العلم، جعلتني أتساءل في غضب: على أي الأدلة الشرعية استند هذا الشيخ في تقرير عدم جواز الترحم على إسماعيل هنية؟ فمن المعلوم أن النهي عن الاستغفار للمشركين، أما المؤمنون فهم كما يقول الإمام ابن القيم: «لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين». فسؤالي هنا للشيخ: هل تعتبر إسماعيل هنية من المؤمنين؟ أم من المشركين؟ أم أنك تتوقف في الحكم عليه؟ فإن حكمتَ له بالإيمان فمعنى هذا جواز الترحم عليه بالاتفاق، خلافا لما أفتيتَ به. وإن حكمت بكفره فقد أتيت ببهتان عظيم، وكفرت مسلما يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولم ينكر معلوما من الدين بالضرورة، ولم يجحد أي ركن من أركان الإيمان، ومن ثم فقد اتبعتَ نهج الدواعش والتكفيريين. وإن توقفتَ في الحكم عليه، فقد أتيت ببدعة أخرى وشابهت جماعات التوقف والتبين في منهجها الضال، والذي لطالما حاربتموه وحذرتم الناس منه. فاختر لنفسك أيها الشيخ من هذه الثلاث. ودعونا نساير الشيخ في دعواه بأن إسماعيل هنية صاحب بدع ومساوئ، ونتساءل: هل منع الإسلام الترحّم على أهل البدعة؟ الجواب أنه يجوز الترحم على صاحب البدعة ما لم تكن بدعة مخرجة من الملة، وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: كل مسلم لم يُعلم أنه منافق جاز الاستغفار له والصلاة عليه، وإن كان فيه بدعة أو فسق». هذا من جهة الرد العلمي على ذلك المنتسب للعلم، وعلى صعيد الواقع، لنا أن نطلق حمم غضبنا في وجه هذا الرجل متسائلين: ماذا فعل إسماعيل هنية المناضل المجاهد رجل القرآن حتى تمنع الترحّم عليه؟ تمنع الترحم عليه لأنه يقاوم عدوا محتلا يعلم القاصي والداني أن مشروعه لا يقتصر على فلسطين وحدها وأن هدفه دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات؟ تمنع الترحم عليه لأنه يريد استرداد حق شعبه في أرضه ويطرد منها الصائل الجائر؟ تمنع الترحم عليه لأنه رفض الركوع لغير الله ولم يسر في ركب المطبعين بائعي القضية؟ هات لنا بينة وقرينة تدين الرجل، إن كنت بنيت فتواك على تلقيه الدعم من إيران فاسأل نفسك لم فعل؟ أليس بعد أن أغلقت في وجهه الأبواب العربية؟ وإن ادعيت أنه تسبب في قتل الأبرياء في غزة بمعركة طوفان الأقصى، فأنت مع الأسف تدين الضحية لا الجاني، ولا تعرف معنى الشرف والحرية، فالذي قتل الأبرياء هو الذي قتلهم منذ أن احتل أرضهم، وإلى الله المشتكى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

3309

| 16 أغسطس 2024

أبناء المهاجرين في الغرب وتحديات الهوية

يواجه الوجود الإسلامي في بلاد الغرب تحديات عدة، أبرزها الحفاظ على الهوية الدينية، ويعظم هذا التحدي في الأجيال اللاحقة التي تلي الجيل الأول من المهاجرين، فهذا الجيل الأول يحمل معه منظومات التصورات والقيم والأخلاقيات التي استقاها في مجتمعه الإسلامي ومن ثم لا تتأثر هويته بشكل كبير خاصة في نطاق العقائد والتصورات.لكن الخطر على الهوية يزداد ويتفاقم في نطاق الجيل الثاني وما يليه، وهو ما ينذر بالتأثير على أوضاع المسلمين مستقبلا، تتمثل هذه الإشكالية في فقدان هذه الأجيال الشعور بالانتماء للدين، ويصبح الدين بالنسبة لهم وصفًا لا منهجًا، فلا يكترث كثير من أبناء هذه الأجيال بالشعائر التعبدية، ويتضح ذلك في ترك الصلاة وترك ارتداء الحجاب، وإقامة علاقات بين الجنسين خارج إطار الزواج، وتناول المسكرات. ولئن كان ذلك لا يعني فقدانًا كاملًا للهوية الدينية، لكنه تعبير عن اتساع رقعة الانحراف الذي ينذر بتلاشي هذه الهوية على المدى البعيد. وأما عن أسباب ضعف الهوية الدينية لدى هذه الأجيال، فنستطيع إجمالها في ثلاثة أسباب، السبب الأول يرجع إلى الأسرة المهاجرة ذاتها، وهو استجابة الأسرة لإيقاع الحياة السريع الصاخب في الغرب والانشغال بسببه عن تربية الأبناء التربية الإسلامية الصحيحة التي تضمن الحفاظ على هويتهم، ويعظم هذا الخطر في حال زواج المهاجر من أجنبية تخالفه في العقيدة، ما يؤدي إلى تهميش الدين في حياة أبنائه منها. وأما السبب الثاني فإنه يعود إلى البيئة المحيطة التي تهيمن عليها العلمانية والتحرر بمفهومه الغربي الليبرالي، فلا شك أن هذه البيئة الضاغطة تترك أثرًا بالغًا على هذه الأجيال، خاصة في ظل غياب دور الأسرة عن التوجيه والإرشاد والمراقبة بفعل الانخراط في الواقع الصاخب كما أسلفنا. والسبب الثالث هو ظاهرة الإسلاموفوبيا وتنامي رفض المجتمعات الغربية للوجود الإسلامي، وهو ما يمثل ضغطًا نفسيًا وفكريًا وثقافيًا على تلك الأجيال، التي يتماهى بعض أبنائها مع الحياة الغربية فرارًا من هذه العزلة المضروبة عليهم من المجتمع العلماني. ومن أجل الحفاظ على الهوية الدينية لهذه الأجيال في الغرب، يستلزم أن تتضافر جهود عدة جهات، الجهة الأولى: هي الأسرة لا شك، فإن المسؤولية الكبرى في هذا الشأن تقع على عاتقها، إذ ينبغي أن توفر الأسرة بيئة داخلية تقدس القيم الدينية وتطبق تعاليم الدين لتغرس في الأبناء العقيدة والتصورات الصحيحة والمنظومة الأخلاقية التي ينبغي أن يكونوا عليها إضافة إلى الشعائر التعبدية والتمسك بها. والجهة الثانية المنوط بها العمل لتعزيز الهوية الدينية لدى هذه الأجيال هي المساجد والمراكز الإسلامية في دول الغرب، فهي توفر لهم بيئة خاصة مصغرة ومحضنا تربويا يزيل عنهم الشعور بوحشة الاغتراب، إذ يجد الأبناء في هذه المؤسسة أعوانًا على امتثال تعاليم الدين، إضافة إلى أنها تكون صمام أمان بكون هذه المحاضن ملاذًا للرد على كل الشبهات التي تدور في نفوس الناشئة أو تُنثر أمامهم في المجتمعات الغربية خاصة فيما يتعلق بالشبهات حول العقيدة. الجهة الثالثة التي يقع على كاهلها مسؤولية تعزيز الهوية الدينية لدى هذه الأجيال، هي المؤسسات التعليمية الخاصة التي يمكن أن يلتحق بها الأبناء، من خلال مناهجها التي تنسجم مع التعاليم الدينية وتعززها ولا تخرج عن أطرها، وتغرس الأخلاق والقيم الدينية في نفوس الطلاب المسلمين، يستطيعون أن يواجهوا بها الأخطار التي تتهدد هويتهم. وأما الجهة الرابعة فهي المجموعات والرابطات والجروبات على مواقع التواصل الاجتماعي التي يمكن أن يرتبط بها الشباب في الغرب، وتمثل منابر توجيه لهذه الأجيال، وتقدم إجابات حضارية واعية عن أسئلتهم في البيئة الغربية التي لديها حساسية من الوجود الإسلامي، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1446

| 09 أغسطس 2024

عاش أبو العبد هنية.. ومات شانئوه

كثيرًا ما كان يردد «نحن مشاريع شهادة»، عاش حياته مجاهدًا مناضلًا، تنبئك أحواله بأن هذا الرجل لم يكن سوى شهيد يمشي على الأرض. تبوأ عدة مناصب قيادية في حركة أقضت مضاجع الصهاينة وأعوانهم، لكنه مع ذلك كان ابن المخيم والحارة والشارع، يرتدي الدشداشة ويجلس بها أمام دار بيته، ويلعب الكرة مع الشباب، ويؤم المصلين فيبكي ويبكيهم، ويمشي في حاجة جيرانه ويتفقد أحوالهم. هنيئًا لأبي العبد إسماعيل هنية الشهادة، نحسبه قد نالها ولا نزكيه على الله، بعد عقود من البذل والعطاء، ولئن كان قد فارق الدنيا، فإنه قد فارق حياة النصَب والمعاناة والظلم إلى دار السلام بإذن الله تعالى، في الحياة الأبدية التي كان يتحدث عنها معلمه وقائده الشيخ أحمد ياسين رحمه الله: «هذه الدنيا فانية، نحن نريد الحياة الأبدية». سيظل أبو العبد حيًا بسيرته الطيبة، حيًا بأفعاله وأقواله من أجل نصرة الحق ونصرة القضية، ونحسبه قد أدى ما عليه ووفى. لطالما تعرض هنية للظلم والأقاويل الباطلة التي نالت منه، لكنه لم يكن يرد على خصومه بالكلمات الرنانة، بل كان واقعه وأحواله تنبئ عنه وتبرئ ساحته، وكم أطلقوا فيه الألسنة وادعوا أنه أخرج عائلته من غزة ويعيشون في فنادق الدوحة في الوقت الذي يموت الآلاف من شعب غزة، لكن أبى الله إلا أن يدحض افتراءاتهم بعد أن كانت تزف إليه أنباء استشهاد أبنائه وأحفاده وعائلته جملة وفرادى على مرأى ومسمع العالمين، حتى بلغ من فقدهم من عائلته ستين شهيدًا، وهو صابر محتسب، يردد: إن دماءهم ليست بأغلى من دماء غيرهم من الفلسطينيين. وها هو بموته على يد الصهاينة يرد على فئام من القوم زعموا أنه تاجر حروب يخدم العدو الصهيوني، فها هو العدو الصهيوني يغتاله، لتبطل ادعاءات المفترين الذين روجوا أن هذا المجاهد المناضل أداة صهيونية. لم يمت أبو العبد، إنما مات أولئك الذين فاقوا الصهاينة في الشماتة والاحتفاء بموته، وكأن الذي قتل لا يربطهم بهم دين ولا تربطهم به عروبة، فلا للدين امتثلوا ولا للعروبة صانوا ولا للإنسانية انتسبوا، فهؤلاء مآلهم إلى مزابل التاريخ عندما يجيء الحق ويزهق الباطل. مات أولئك الذين أظهروا في موت هنية مدى عدائهم للقضية الفلسطينية التي تكشف خيانتهم وتبعيتهم وهرولتهم خلف التطبيع، متجاهلين أن المقاومة الفلسطينية قد نابت عن الأمة في معركة مصيرية والتصدي لخطر جسيم يحيق بالأمة كلها لا فلسطين وحدها. هؤلاء الشامتون في موت هنية لن يفرحوا طويلًا، فالمقاومة ليست أشخاصًا، إنما هي فكرة، والأفكار لا تموت. عندما استشهد المؤسس الشيخ أحمد ياسين رحمه الله وفرح بذلك أصحاب الضمائر الميتة، لم تزدد المقاومة إلا بأسًا وشدة، وعلى الدرب ارتقى الكثيرون، كلما استشهد قائد برز عشرة، وبين استشهاد ياسين واستشهاد هنية عقدان من الزمن تطورت فيهما المقاومة تنظيمًا وتسليحًا وكفاءة بما أذهل العالم بأسره. وكما قال الإمام أحمد لخصومه «بيننا وبينكم الجنائز»، نأمل أن نعيش لكي نرى جنائز هؤلاء الشامتين وكيف تتعامل الأمة مع أحداث موتهم، أما هنية فقد تدفقت الجماهير في العديد من المدن العربية والإسلامية لأداء صلاة الغائب على فقيد الأمة، وقامت مظاهرات عدة تنديدًا باغتياله، وتهافت الناس على مواقع التواصل الاجتماعي لبث كلماته وخطبه وتصريحاته وتلاوته في الصلاة، كل هذا يحدث قبل أن يوضع جثمانه في قبره، فحتى وقت كتابة هذه السطور ينتظر أهل قطر الكرام وصول جثمانه للصلاة عليه في مسجد محمد بن عبد الوهاب بالدوحة، فهي الأرض التي استقبلته وأكرمته حيًا، ها هي تستقبله وتكرمه ميتًا. رحمك الله أبا العبد وتقبلك في الشهداء، وجعل موتك نورًا ونارًا، نورًا للمناضلين المخلصين، ونارا على الطغاة المجرمين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2508

| 02 أغسطس 2024

القدوات والأمانة

قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم عن اليهود {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } [آل عمران: 75]. لقد بلغ عظم شأن الأمانة أنها أنصفت اليهود على الرغم مما ارتكبوه بحق الأنبياء، وذلك حين شهد القرآن لبعضهم بأداء الأمانة رغم كفرهم وجحودهم، لذا كان الرموز وأهل الصدارة وأصحاب التaوجيه في المجتمع والذين يتخذهم الناس قدوات لهم، هم أولى الناس بالتخلّق بهذا الخُلق القويم، وأحوج الناس إلى التحلّي بالأمانة، لأنها ترفع صاحبها، وتمنحه المصداقية، وتؤلف قلب الجماهير تجاهه وتجاه فكرته. وإنك لترى في قصة موسى عليه السلام كيف رفعته الأمانة وأنصفته بعد فراره إلى مدين من بطش فرعون، وقرّبته من أهل الصلاح، ونال بها دعمهم وتأييدهم، وذلك حين سقى لفتاتين كان أبوهما شيخا كبيرا، ولا يسقيان حتى يصدر الرعاء، فعادت إليه إحداهما تُبلغه أن أباها يدعوه ليجزيه على صنيعه، فبعد أن تحدث إليه وقص عليه قصته {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، قال ابن عباس وغيره: «لَمَّا قَالَتْ: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ} قَالَ لَهَا أَبُوهَا: وَمَا عِلْمُكِ بِذَلِكَ؟ قَالَتْ: إِنَّهُ رَفَعَ الصَّخْرَةَ الَّتِي لَا يَطِيقُ حَمْلَهَا إِلَّا عَشَرَةُ رِجَالٍ، وَإِنَّهُ لَمَّا جِئْتُ مَعَهُ تقدمتُ أمامهُ، فَقَالَ لِي: كُونِي مِنْ وَرَائِي، فَإِذَا اجْتَنَبْتُ الطَّرِيقَ فَاحْذِفِي بِحَصَاةٍ أَعْلَمُ بِهَا كَيْفَ الطَّرِيقُ لِأَهتدى إِلَيْهِ». والنبي صلى الله عليه وسلم كانت الأمانة صفته ولقبه بين الناس حتى قبل البعثة، وقد جاء فيما رواه أحمد عن السائب بن عبد الله في قصة إعادة بناء الكعبة قبل البعثة: «فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر ولا يرى الحجر أحد فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل يكاد يتراءى منه وجه الرجل. فقال بطن من قريش: نحن نضعه. وقال آخرون: نحن نضعه. فقالوا: اجعلوا بينكم حكما. فقالوا: أول رجل يطلع من الفج فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتاكم الأمين. فقالوا له فوضعه في ثوب ثم دعا بطونهم فرفعوا نواحيه [معه] فوضعه هو صلى الله عليه وسلم». لذلك وجد مشركو مكة صعوبة بالغة في تخوين النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، نظرا لأنه قد اشتهر بين الناس بالأمانة حتى مع خصومه، وقد ورد في أحداث الهجرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر عليا رضي الله عنه أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس. إن القلم ليجد نفسه مدفوعًا إلى طرق هذا الموضوع نظرًا لأن بعض المتصدرين للشأن العام ويوجهون الجماهير، قد نأوا بأنفسهم عن خُلق الأمانة، وأصبحوا مثالا سيئًا في القدوة. فالرمز الذي يستخدم مكانته في الصدارة لتحقيق منافع شخصية على حساب الآخرين ليس أمينًا. والرمز الذي يتهاون في الوفاء بوعوده ومواعيده مع الناس ليس أمينا. والرمز الذي يعيش بشخصيتين بين الناس ويخالف فعله قوله ليس أمينا. والرمز الذي يجعل من محاضراته ومؤلفاته بوقًا للأنظمة الجائرة والترويج لسياساتها الظالمة ليس أمينا. والرمز الذي يحث الناس على الصبر على الظلم الاجتماعي دون أن يشير إلى حقوق الناس ويطالب بها ليس أمينًا. والرمز الذي يفشي أسرار الناس التي اؤتمن عليها ويكشف عوراتهم ليس أمينًا. إنما الأمانة صفة الأنبياء وأصحاب الدعوات، ولذا قال هرقل ملك الروم في حواره مع أبي سفيان بن حرب قبل إسلامه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم: «سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَزَعَمْتَ: «أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ، وَالصِّدْقِ، وَالعَفَافِ، وَالوَفَاءِ بِالعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ»، قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ» رواه البخاري. فحري بكل من جعله الله في موقع الصدارة والقدوة أن يكون له قسط وافر من هذا الخُلق، ليكون زادا له في مسيرته بين الأنام ويوم يلقى ربه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1080

| 26 يوليو 2024

«بيبي» المتطرف والصفقة التي لن تكون

لقد بات من المقطوع به أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقطع الطريق على أية مفاوضات مع حركة حماس من شأنها الوقف النهائي لإطلاق النار. حماس أبدت مرونة في مقترحات الوسطاء، إلا أن نتنياهو يتمسك بموقفه الرافض لوقف القتال بشكل نهائي، فهو يريد إبرام صفقة تبادل الأسرى ووقفا مؤقتا للحرب، يضمن له استئناف القتال مرة أخرى ضد المقاومة، وكما هو واضح شرط تعجيزي. نتنياهو قد صرح بأنه سوف يستمر بالضغط العسكري على حماس، زاعمًا أنها مع استمرار الضغط أبدت مرونة وقدمت تنازلات، بما يعني أنه يطمع من خلال استمرار العمليات العسكرية أن ترضخ حماس لكامل شروطه. قطعًا الضغط الذي يعنيه نتنياهو ليس إلحاق الهزائم بالمقاومة، فجيشه يشكو علنًا عدم كفاية الدبابات والمعدات العسكرية للحرب بسبب تدمير نسبة كبيرة منها على يد المقاومة، كما أن العمليات الموثقة ضد القوات الإسرائيلية التي تنشرها حماس والفصائل المقاومة وتتابع سقوط الجنود الإسرائيليين ينفي كون نتنياهو يحقق انتصاراته التي يدعيها على حماس. أضف إلى ذلك أن استمرار المقاومة في عملها بنفس الكفاءة والكثافة في استخدام الأسلحة والقذائف واستمرارها في التصنيع المحلي، يجعل من العسير تصديق الرواية الإسرائيلية بإضعاف شبه كامل لقدرات وتسليح المقاومة. لكن الضغط الذي يعنيه نتنياهو هو استمرار قصف المدنيين ودك المنازل وحرق خيام النازحين بمن فيها ولو في المناطق الآمنة، هذا هو الضغط الذي يعنيه نتنياهو الفاشل، فهو يستمر في تدمير غزة ليضغط الداخل الفلسطيني والمحيط العربي على حماس بتحميلها المسؤولية عن الدمار الذي لحق بالقطاع. نتنياهو يدرك أن المقاومة قدمت الحد الأدنى مما يمكن القبول به إزاء مقترحات التفاوض، لرفع المعاناة الجسيمة على سكان القطاع، وأنها سوف تستمر في رفضها شروط نتنياهو المجحفة، التي بموجبها سوف يعاود القتال بعد هدنة مؤقتة يحرر فيها الأسرى الإسرائيليين. «بيبي» كما يطلقون على رئيس الوزراء في الداخل الإسرائيلي، يرغب في استمرار الحرب إلى أن تصير غزة لا تصلح للحياة مرة أخرى، وإلى أن تفنى المقاومة الفلسطينية عن بكرة أبيها، وذلك على الرغم من المعارضة الإسرائيلية والضغوط التي تمارسها الجماهير الإسرائيلية ضد الحكومة لقبول صفقة تبادل الأسرى. هذا السفاح لا يعبأ بالأسرى الذين قتل عدد كبير منهم أثناء عمليات القصف على القطاع، وأجزم أنه ودّ لو قتل كل الأسرى حتى يتخلص من ورقة الضغط هذه وإن أدى للاصطدام مع الجماهير الإسرائيلية الغاضبة. أكثر ما يعول عليه نتنياهو في المضي قدمًا في الحرب متجاوزًا مقترحات التفاوض، هو قوة اليمين المتطرف في حكومته الائتلافية، والذين يرفضون حل الدولتين رفضًا قطعيًا، ويرفضون وقف إطلاق النار حتى القضاء الكامل على المقاومة، لدرجة إطلاق التهديد بإسقاط نتنياهو حال استجابته للمفاوضات. وبعد أن لاح في الأفق اقتراب عودة ترامب إلى البيت الأبيض خاصة بعد ازدياد شعبيته عقب محاولة اغتياله، بدأ نتنياهو في إعادة تمتين العلاقات مع المرشح الجمهوري، والذي يؤيد استمرار الحرب الإسرائيلية على حماس، على الرغم من اعتزامه العمل على وقف الحرب في أوكرانيا إذ يرى أن روسيا لا تمثل تهديدا للولايات المتحدة الأمريكية. ويعول نتنياهو على الرجل الذي نقل في السابق سفارة بلاده إلى تل أبيب، والذي اتهم كذلك الرئيس الحالي بالضعف أمام حركة حماس، فيما يترجم أنه (أي ترامب) سوف يتخذ مواقف أكثر صرامة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لصالح الكيان المحتل. تأسيسا على ذلك، يمكن القول أنه لا يُتوقع نجاح المفاوضات ولا عقد صفقة لإطلاق النار، ليس هذا ضربًا من التشاؤم، لكنها الحقيقة التي تؤكد عليها مواقف الإرهابي الصهيوني الذي يقف في ظهره يمين متطرف يسعى لدولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

849

| 19 يوليو 2024

في مجلس الخُزامى... وجدتُ قلبي إحسان الفقيه

كمن انتقل بغتةً من صخب الحياة وإيقاعها المحموم إلى جزيرة نائية لا تسمع فيها سوى أنفاس السكون الساحرة، دُعيتُ إلى محاضرة في مجلس الدكتورة نورة آل حنزاب، فالتقيتُ هناك بقلبي الذي تشعب في أودية الحياة، وجدته في تلك الأجواء الإيمانية التي تكتنفها السكينة في عصر غلب عليه طغيان المادة والتنكر لمتطلبات الروح. في هذا المكان، سكبت تلك السيدة على الأرواح مما حباها الله عن حقوق الأُخوّة والحب في الله، ليدرك السامع كم هو عظيم هذا الدين الذي أولى تلك الروابط أهمية قصوى، تنعكس على لحمة المجتمع المسلم فيكون كما أراده الله: بنيان مرصوص. أكدت المحُاضِرة على انطلاق قضية الحب في الله والبغض في الله، من كوْن المسلم يحب ما يحبه الله ورسوله، ويبغض ما يبغضه الله ورسوله، وفي هذا استكمال للإيمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. استشهدتْ على فضل الحب في الله والتآخي في الله بحشد من النصوص التي تأخذ بتلابيب المرء إلى الدار الآخرة، كحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فذكر منهم: (رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه). عَرّجت د. نورة على أهم الصفات التي ينبغي تحريها فيمن يصاحب المرء، كالتقوى وحسن الخلق والعقل والتزام تعاليم الكتاب والسنة، وتلك هي الأخوة الخاصة، بينما تتضمن الأخوة العامة محبة جميع أهل الإيمان بشكل عام. أسهبت المحاضِرة في بيان حقوق الأخوة، في زمن ضاعت فيه الحقوق وفرقت بين الناس المطامع والاغترار بزخرف الحياة الدنيا، فمن ذلك أن يكون الأخ في عون أخيه وقضاء حاجاته، وألا يطلق فيه اللسان بغيبة أو بهتان، وأن يكتم أسراره ولا يتطلع للبحث عنها، ويتلطف في نصحه، ويدعوه بأحب الأسماء إليه، ويعفو عن زلاته، ويستر عيوبه، ويدعو له ولذريته، وغيرها من فضائل الأعمال التي تعمق أواصر الأخوة والمحبة.من المؤكد أن هذه السطور لن تستوعب التعليق على تلك المحاضرة الماتعة فاكتفيت بالإشارة إلى بعض ما جاء في سياقها. هذا الموضوع ليس غريبًا على الذاكرة، فكثيرا ما مرت عيناي على مضمونه خلال المطالعة، بيد أن الكلمات عندما تجري على لسان وهب جهده للحق والخير وخرجت من قلب ينبض بالحق والخير (نحسب صاحبته كذلك والله حسيبها ولا نزكيها على الله)، فهذا شأن آخر. هذا شأن الكلمة التي تحدث أحد الأدباء عن خلودها بثلاث عوامل: «اتصلت بالحق والخير، وكان لها من قوانين الله في خلقه سند، ومن إلهامه لعباده مدد». ومما جذب انتباهي وإعجابي، تلك المزاوجة التي رأيتها في إطار العمل النسوي في قطر، بين التطوير والتثقيف والسعي لامتلاك أدوات العصر، وبين الاهتمام بالبناء الروحي، من خلال صروح علمية وتعليمية ضخمة تقوم عليها وترعاها وتعمل تحت مظلتها نساء قطريات، يبذلن في رفعة بلادهن تحت ظلال مرجعيتهن الإسلامية الجامعة، فكأنها رسالة عملية للمفتونات ببريق الحضارة الغربية: التقدم والرقي والازدهار هو ثمرة للتمسك بتعاليم الدين الذي يحض ويأمر بالأخذ بأسباب القوة والحضارة، وأن التدين ليس مرادفًا للظلامية ولا التخلف ولا الرجعية. لا يفوتني في هذا المقام سوى بذل الشكر للدكتورة نورة، ليس فقط على محاضرتها الثرية، وإنما على جهودها المتدفقة لربط الأرض بالسماء، وتعضيد علاقة المجتمع القطري بمرجعيته الدينية، فهي أول قطرية تُنشئ مركزًا للعناية بالقرآن وعلومه وهو مركز آل حنزاب، ورسالته كما يعرف نفسه مؤسسة تعليمية تسعى إلى نهضة الأمة من خلال تقديم خدمات تعليم القرآن والثقافة الإسلامية ومهارات القرن الواحد والعشرين للأطفال والنساء على مستوى العالم، وريادة تتمثل في رأس مال فكري واع ومناهج عصرية ونظم متطورة. ويسعى المركز ضمن رؤيته لـ 2030 لتخريج مليون حافظة للقرآن الكريم. ولا عجب فالسيدة نورة أكاديمية وناشطة اجتماعية وصاحبة رؤية ورسالة قيمية وأخلاقية، وأسست كذلك أكاديمية نون، للعناية بالجيل الجديد وترسيخ الهوية الإسلامية، وهي ممثلة لبلدها في محافل دولية، ولها باع في نصرة القضية الفلسطينية. هذا الاحتكاك بقطاع العمل النسائي بقطر، جعلني أستبشر بأن المرأة القطرية على الطريق الصحيح، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1011

| 05 يوليو 2024

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

4818

| 09 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1494

| 11 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1257

| 11 مارس 2026

alsharq
من سينهي الحرب؟

سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...

1194

| 16 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1089

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

963

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

855

| 09 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

771

| 12 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

723

| 12 مارس 2026

alsharq
مضيق هرمز والغاز الطبيعي وأهمية البدائل

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...

696

| 14 مارس 2026

alsharq
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...

684

| 15 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

663

| 13 مارس 2026

أخبار محلية