رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما زالت مشاهد سجن صيدنايا تتوالى علينا فنشعر بفداحة الظلم الذي يحيق بالبشر لمجرد أنهم بشر. فهذا السجن، الذي تحول إلى مسلخ بشري في عهد نظام بشار الأسد، يكشف عن أهوال تفوق التصور، حيث استحال المكان من منشأة احتجاز إلى فضاء تتجسد فيه أبشع صور العنف والاضطهاد الممنهج. ففي قلب هذا الجحيم المعزول عن أنظار العالم، انتهكت كرامة الإنسان ودمرت أرواح البشر بأبشع الأدوات والأساليب المتوقعة وغير المتوقعة. على مدار سنوات حكم الأسد الابن وقبله الأسد الأب، تجذرت فكرة قمع المعارضة كركيزة أساسية لبقاء النظام، إلا أن وسائل هذا القمع بلغت من البشاعة ما تجاوز الحدود الطبيعية للصراع السياسي. فقد لجأ النظام إلى استخدام التعذيب كسلاح لكسر إرادة كل من تسول له نفسه المطالبة بالحرية أو رفع صوته ضد الاستبداد. وفي هذا السياق، أصبح سجن صيدنايا نقطة سوداء في سجل القمع، حيث تمت فيه ممارسات لا يمكن وصفها إلا بأنها جرائم ضد الإنسانية. هندس التعذيب داخل السجن ليصبح فعلًا روتينيًا يُمارس بأشكال وحشية، تستهدف إلغاء وجود المعتقلين جسديًا ونفسيًا، وتحويلهم إلى ظلال باهتة لإنسانيتهم. تقارير المنظمات الحقوقية وشهادات الناجين كشفت عن تفاصيل تقشعر لها الأبدان. هنا، لم يكن التعذيب مجرد أداة لإجبار المعتقلين على الاعتراف أو التراجع، بل كان غاية في حد ذاته، يُمارَس بنية سحق الكرامة الإنسانية وإرسال رسالة واضحة للجميع بأن الاعتراض يساوي الموت البطيء تحت وطأة العذاب. الضرب المبرح، والصدمات الكهربائية، والحرمان من الطعام والماء، والعزل في زنازين ضيقة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، ليست سوى جزء من قائمة طويلة من الممارسات التي جُعلت واقعًا يوميًا داخل جدران السجن. بل وصل الأمر إلى تنفيذ الإعدامات الجماعية بدم بارد، حيث تحولت ليالي صيدنايا إلى مشاهد مأساوية تختلط فيها أصوات الاستغاثة بصمت الموت المطبق. وما يجعل صيدنايا أكثر رعبًا هو الصمت العالمي الطويل إزاء هذه الانتهاكات. لسنوات، ظل هذا السجن عصيًا على الكشف، وكان القمع فيه يجري تحت ستار الكتمان الممنهج. غير أن الناجين، الذين حملوا معهم ذكرياتهم المحطمة، قدموا للعالم شهادات تقطر ألمًا ومرارة. لقد سردوا كيف كانوا يُجرّون عُراةً أمام أعين الحراس، وكيف كانت جلسات التعذيب تُنفَّذ بطرق أشبه بطقوس سوداء تُكرس فيها السلطة المطلقة للجلاد، وتجعل المعتقل يشعر بانعدام القيمة والقدرة على المقاومة. ربما كانت أشد هذه الشهادات وقعًا هي تلك التي تحدثت عن “مجازر التعذيب”، حيث يشنق المعتقلون بالجملة أو يقتلون خنقًا، ثم تُلقى أجسادهم في مقابر جماعية دون أسماء أو هويات. هذه الجرائم ليست مجرد أحداث عابرة في زمن حرب، بل هي تعبير صارخ عن منظومة قمعية متكاملة تهدف إلى القضاء على كل بذرة معارضة. لقد أدرك النظام أن الاستمرار في الحكم يتطلب سحق كل من يجرؤ على الحلم بغد أفضل، فتحولت صيدنايا إلى آلة حقيقية، لا مجازية، تطحن الأجساد، وأصبحت صورة مصغرة لنظام أدار ظهره لكل القيم الأخلاقية والإنسانية. ما أعمق المأساة حين نعلم أن هذه الجرائم لم تُنفّذ بمعزل عن التخطيط والتنظيم. إنها ليست مجرد حكاية عن سجن، بل انعكاس لحالة القمع التي كان يعيشها الشعب السوري منذ عقود طويلة من حكم الأب والابن. قصة تصرخ في وجه الضمير الإنساني، لتطرح أسئلة مؤرقة عن دور العالم في مواجهة هذه الجرائم وعن مدى جدية التزام المجتمع الدولي بالمبادئ التي طالما رفع رايتها. ومع ذلك، يبقى الأمل بأن عدالة التاريخ ستقول كلمتها ذات يوم، وبأن أرواح الضحايا ستظل شاهدة على فظائع هذا النظام، حتى يأتي اليوم الذي يُحاسَب فيه الجلادون على كل جريمة ارتكبوها بحق شعب لم يطلب سوى الحرية والكرامة. ولكن ماذا عن النسخ الأخرى من هذا السجن التي لا شك أنها موجودة الآن في دول كثيرة؟ عذابات البشر لا تنتهي في أجزاء كبيرة من هذه الكرة الأرضية التي نعيش فيها. بحثاً عن كرامة وحرية.
543
| 16 ديسمبر 2024
مع كل صفحة تُقلب في دفاتر الحاضر، ومع كل خبر يُنشر في زحمة الإعلام الذي يعصف بنا صباحًا ومساءً، يتسرب شعور غريب إلى أعماقنا: هل نعيش في عالمٍ من الحقائق أم في متاهةٍ من الأوهام؟ يبدو أن زخم التزييف والدجل لم يعد مجرد ظاهرة عابرة بل تحول إلى سمةٍ تلتصق بكل حدث، حتى بات من الصعب الوثوق بأي رواية تُروى أو حقيقة تُقال. ومع تصاعد هذا الشعور، يتعاظم السؤال المرير: إذا كان ما يحدث أمام أعيننا اليوم لا يسلم من التحريف، فكيف نصدق ما كتبه المؤرخون عن أحداثٍ مضت؟ هل كان الماضي الذي بين أيدينا واقعًا فعليًا، أم أنه حكايات مختلقة نُسجت على هوى الرواة والمنتصرين؟ قيل قديمًا إن “التاريخ يكتبه المنتصرون”، وهي مقولة تفتح باب الشك واسعًا في كل ما نقل إلينا عبر السنين. التاريخ، كما وصلنا، لم يكن يومًا محايدًا؛ بل كثيرًا ما كان انعكاسًا لرغبات السلطة وتوجهاتها. تُسطر الأحداث وفقًا لمن يملك القوة لا لمن يحمل الحقيقة. يُغيب المهزوم من السرد، أو يُلصق به كل نقيصة، بينما يُقدم المنتصر على أنه بطل، حتى وإن كان ذلك على حساب معاناة الآخرين وطمس حقوقهم. ألم يُكتب تاريخ العالم وفق مصالح الإمبراطوريات الكبرى؟ ألم تُشوه حضارات بأكملها لأنها ببساطة كانت خصمًا في لحظة من اللحظات؟ من يتصفح كتب التاريخ يجد نفسه أحيانًا في حيرة بين روايات متناقضة لنفس الحدث. من نصدق؟ أهي مسألة وجهة نظر، أم أن الحقيقة ضاعت في خضم المبالغات المتعمدة من الطرفين؟ وكلما توغلنا في كتب التاريخ، أدركنا أن الحقيقة ليست ثابتة، بل تُصاغ وفقًا للأهداف والمصالح. فالأحداث تُضخم أو تُختصر، الشخصيات تُؤله أو تُشوه، حتى تتحقق الغايات المرجوة من وراء الكتابة. التاريخ إذن ليس مجرد سردٍ للأحداث بل ذاكرة جمعية تبني هويات الأمم والشعوب. غير أن هذه الذاكرة نفسها يمكن أن تكون أحيانًا انتقائية، تنتقي ما يُعزز الانتماء والفخر وتتجاهل ما قد يثير الشكوك والأسئلة. ألم يتحول التاريخ في كثير من الأحيان إلى أسطورة وطنية؟ الآن مثلاً.. نشهد بوضوح كيف يُصنع التاريخ أمام أعيننا، لكنه يصاغ في الوقت نفسه بطرق مختلفة، تتبدل وفقًا لانتماء الكاتب ومنصته. حدثٌ بسيط قد يتحول إلى أزمة عظمى بفعل التهويل الإعلامي، بينما تُطمس كارثة حقيقية لأنها لا تخدم مصالح القوى الكبرى. ألم نرَ هذا يحدث في صراعات الحاضر؟ في مكان ما، يُصور الضحية كمجرم، والمجرم كبطل، كل حسب أجندة المتحدثين. وما يزيد الأمر تعقيدًا هو أننا أصبحنا جزءًا من هذه الفوضى الإعلامية؛ نشارك ونعلق ونعيد النشر، فنساهم، بوعي أو دون وعي، في إعادة إنتاج سرديات مشوهة لا تعكس بالضرورة الحقيقة. من هنا تأتي الحيرة: إذا كان الحاضر نفسه عرضة للتحريف بهذه السرعة، فكيف نثق بما كتبه المؤرخون عن الماضي؟ وفي ظل هذا التشكيك المتزايد، قد يتساءل المرء: هل هناك حقيقة مطلقة في التاريخ؟ ربما لا. فالتاريخ في النهاية ليس إلا مجموعة روايات يكتبها البشر، والبشر بطبيعتهم ليسوا معصومين عن الخطأ أو التحيز. لكن هذا لا يعني أن نسقط في هاوية اليأس أو أن نتخلى عن البحث عن الحقيقة. قد لا تكون الحقيقة كاملة في رواية واحدة، لكنها قد تظهر في التقاطعات بين الروايات المختلفة. كل حدث تاريخي يحمل بداخله بذورًا من الصدق والكذب معًا، وما علينا إلا أن نقترب بحذر، ونستمع إلى كل الأصوات، حتى تلك التي سُكتت عمدًا. قد لا نملك الحقيقة المطلقة، لكننا نملك الشك، والشك في زمن الأكاذيب هو أول بوابة نحو الحرية.
558
| 09 ديسمبر 2024
ليس الوداع كلمة عابرة ننطقها عند انتهاء لقاء أو انقضاء وقت، بل فصل عميق من فصول الحياة، محطة تتقاطع فيها المشاعر وتتشابك الذكريات. اللحظة التي تتجسد فيها حقيقة الزمان والمكان، حيث يتوقف كل شيء إلا المشاعر التي تعصف بالقلب، تأخذه إلى مدارات لم يكن ليعرفها لولا هذا الموقف. الوداع هو ذلك الارتجاف الذي يتملك الروح، حين ندرك أن ما كان لن يعود، وأن شيئًا ما سيتغير إلى الأبد. إنه تذكير بأن الحياة ليست إلا سلسلة من اللقاءات والانفصالات، نُمسك فيها بلحظةٍ ثم نتركها، نمتلئ بالفرح ثم نفرغ منه، نحتضن الأحبة ثم نفلت أيديهم، لكن، ما أصعب أن نفلت الأيدي بينما القلب ما زال ممسكًا بما لا يريد أن يتركه. في لحظات الوداع، تُختصر الحكايات الطويلة في نظرة أخيرة، كلمة عالقة، أو حتى في صمت يعلو فوق كل ما يمكن قوله. نشعر حينها بثقل اللحظة، بثقل ما لا يُقال، وبثقل الذكريات التي تتراكم فجأة كما لو أنها تسابق الزمن لتحتل مكانها الأخير في الذاكرة. وكأن الوداع مرآة تعكس كل ما عشناه وكل ما نخشى أن نفقده. إنه نقطة نهاية تكتبها الحياة في صفحاتنا، لكنها أيضًا نقطة بداية لفصل آخر لا نعرف عنه شيئًا، سوى أنه خالٍ من أولئك الذين اعتدنا وجودهم. الوداع ليس دائمًا صاخبًا أو مليئًا بالدموع، أحيانًا يكون هادئًا وصامتًا كالغروب، لكنه لا يقل إيلامًا. فالغروب يحمل في صمته كل معاني النهاية، تمامًا كما يحمل الوداع في هدوئه شعور الفقد الذي يعجز اللسان عن وصفه. هناك وداع تختاره بنفسك، ووداع يُفرض عليك، وفي الحالتين، يبقى أثره محفورًا في داخلك. ربما يكون أكثر الأوجاع قسوة هو ذاك الذي لا نملك حيال وقوعه أي خيار، وداع أولئك الذين يرحلون عن عالمنا، يأخذون معهم أصواتهم وضحكاتهم ويتركوننا نتلمس آثارهم في كل مكان، كأن وجودهم ما زال يتردد في الفراغ الذي خلّفوه. لكن حتى الوداع الذي نختاره، الذي نحاول أن نُقنع أنفسنا بأنه قرارنا، يحمل في طياته صراعًا داخليًا لا ينتهي. كيف يمكن أن نتخلى عن جزء من أرواحنا، عن لحظات عشناها بصدق، عن وجوه اعتدنا رؤيتها كل يوم؟ وكيف يمكن أن نقنع أنفسنا بأن هذا هو السبيل الأفضل، حتى لو كان الثمن غاليًا؟ إن وداع الأشخاص أو الأماكن أو حتى الأفكار يشبه موتًا صغيرًا، موتًا نواجهه دون أن نكون مستعدين له. ومع ذلك، يحمل الوداع في داخله درسًا عظيمًا، فهو يعلّمنا أن لا شيء يدوم، وأن التعلق هو أحد أشكال المعاناة التي علينا أن نتعلم تجاوزها. في قلب كل وداع هناك حنين خفي، ليس فقط لما كان، بل لما كان يمكن أن يكون. نحزن على اللحظات التي لم نعشها، على الكلمات التي لم نقُلها، على الأحلام التي لم تتحقق. وفي المقابل، يحمل الوداع أيضًا قوة خفية تدفعنا إلى الأمام، تدفعنا إلى إعادة بناء أنفسنا بعيدًا عن كل ما فقدناه. ربما يكون الوداع هو الطريقة التي تذكّرنا بها الحياة بأننا قادرون على الاستمرار، بأننا رغم كل الفقد والخسارات نملك قدرة عجيبة على البدء من جديد. ولكن، هل يمكن للوداع أن يكون جميلًا؟ ربما، إذا نظرنا إليه على أنه ليس فقط نهاية، بل بداية جديدة. فكما أن الوداع يغلق بابًا، فهو يفتح بابًا آخر، وكما أنه يترك فراغًا، فهو يخلق مساحة جديدة للنمو والتغيير. ربما يكمن جمال الوداع في قدرته على جعلنا ندرك قيمة اللحظة، في جعلنا نتعلم أن نحب بعمق وأن نعبر عن مشاعرنا قبل فوات الأوان. والوداع ليس مجرد فعل نقوم به، بل هو حالة إنسانية عميقة تمس كل جانب من جوانب حياتنا. إنه جزء من الرحلة، جزء من النمو، جزء من تعلمنا كيف نعيش في عالم دائم التغير. وبينما نقف على حافة الوداع، لا نملك إلا أن نحتضن اللحظة بكل ما فيها، أن نودع الماضي بشجاعة ونستقبل المستقبل بأمل، مدركين أن الوداع ليس النهاية، بل جزء من القصة.
897
| 02 ديسمبر 2024
«امضِ قدماً.. لا تلتفت للوراء».. هذه الكلمات البسيطة تحمل في طياتها فلسفة حياة، وصيغة للتعامل مع تحديات الطريق الذي نسلكه. فكل خطوة نحو الأمام تعني التمسك بالأمل، وتجاهل الندوب القديمة، والاحتفاء باللحظة الحاضرة. قد يبدو الأمر بسيطاً نظرياً، لكنه في الحقيقة يتطلب شجاعة من نوع خاص، شجاعة النهوض من عثرات الأمس، وترك كل ما يُثقل الروح خلفك. إننا جميعاً نحمل خلفنا أكواماً من الذكريات، خيبات وآمال خابت، نجاحات أحياناً وأحلاماً لم تكتمل. كل منا لديه ذلك “الأمس” الذي يُلح عليه في تذكيره بما كان، وما لم يكن. لكن جمال الحياة يكمن في مرونتها، في قدرتها على منحنا فرصة جديدة مع كل شروق شمس، فرصة للبدء من جديد، ولإعادة تشكيل الحاضر وفقاً لرغباتنا وتطلعاتنا. عندما نقرر المضي قدماً دون النظر إلى الوراء، فإننا نقوم بتطهير عميق للروح، نتخلص من أثقال تجذبنا نحو الأرض وتمنعنا من التحليق. لا يعني ذلك التجاهل المطلق للماضي، فالذكريات جزء من تكويننا، بل هي الاستفادة من الماضي دون أن نتركه يتحكم في مساراتنا المستقبلية. هي خطوة نحو الحرية النفسية، نحو التحليق دون قيود، ونحو صناعة حاضر يستحق أن يكون نقطة انطلاق لمستقبل نطمح إليه. نعيش الضغوطات اليومية والتحديات المستمرة فيصبح التوجه نحو الأمام من دون التردد في الماضي قوة حقيقية. لأن الحياة، بكل تناقضاتها، دعوة مستمرة للتغيير والنمو والنضج أيضاً. وهذا النمو لا يأتي إلا من الجرأة في التخلي عن كل ما هو عالق فينا من دون جدوى ولا هدف. ونحن عندما نختار المضي قدماً، فإننا نختار أن نكون أسياد قراراتنا والمسؤولين عن نتائجها ومآلاتها، نصنع مصيرنا بأيدينا، ولا نترك الأحداث الماضية أو الظروف الصعبة تتحكم في رؤانا وخططنا. وكم من مرة نظرنا إلى الخلف، فاكتشفنا أن الوقوف عند تلك النقطة لم يمنحنا إلا ألمًا زائدًا وندمًا لا ينتهي. الماضي قد يكون مرآة، لكنه لا يجب أن يكون قيدًا. قد يُظهر لنا ما ارتكبنا من أخطاء، لكنه لا يملك الحق في منعنا من المضي نحو آفاق جديدة. إن قوة الإنسان تكمن في قدرته على التحول، على الانتقال من مرحلة إلى أخرى من غير أن يحمل معه الأثقال التي ستعيقه عن الوصول إلى أمانيه. التقدم للأمام هو فن من فنون الحياة، فن يتطلب مرونة وجرأة وتقبلًا للمجهول. وعندما نختار ألا نلتفت للوراء، نحن بذلك نمنح أنفسنا مساحة لبناء حكايات جديدة، تجارب غنية، وإنجازات تُضاف إلى قائمة انتصاراتنا. إن النظر إلى المستقبل يمنحنا الأمل، يمنحنا رؤية مختلفة تُعيد صياغة أولوياتنا وأحلامنا. ولأن الطريق إلى الأمام لا يخلو من العقبات، فإن تجاوزها يتطلب إيماناً عميقاً بأن كل خطوة، مهما بدت صغيرة، تحمل في طياتها بداية جديدة. تلك البداية قد لا تكون دائماً واضحة المعالم، لكنها تحمل وعوداً بتجارب أغنى ومستقبل أكثر إشراقاً. المضي قدماً يعني قبول التحدي بأن نكون أقوى مما كنا عليه، وأن نمنح أنفسنا فرصة للنمو في مواجهة ما قد يبدو مستحيلاً. إنه التزام بأن الحياة تستحق المحاولة مرة تلو الأخرى، وبأن كل نهاية في الماضي ليست إلا بداية لشيء أعظم ينتظرنا، إذا ما امتلكنا الشجاعة للمضي بثبات نحو الأمام. لذلك، امضِ قدماً ولا تلتفت للوراء، اترك خلفك كل ما يثقل خطاك، وتذكر أن المستقبل ما هو إلا صفحة بيضاء، تنتظر منك أن ترسم عليها أجمل اللوحات. لا تخشى المغامرة، ولا تتردد في الحلم مجدداً، فكل خطوة للأمام تقربك أكثر من ذاتك الحقيقية، تلك الذات التي لا تشدها قيود الماضي، بل تدفعها تطلعات المستقبل.
1536
| 25 نوفمبر 2024
متلازمة تأجيل السعادة.. حالة ذهنية تتسلل إلى حياتنا دون أن نشعر، تسرق منا لحظات الفرح الصغيرة، وتضعنا في دوامة لا تنتهي من السعي وراء أهداف نعتقد أنها مفتاح السعادة. لكن المفارقة المؤلمة هي أن هذه المتلازمة تجعلنا نعلق السعادة على شروط مستقبلية لا تأتي أبدًا، فنبقى عالقين في انتظار غدٍ أفضل لا ندرك أنه قد لا يأتي، بينما تضيع منا لحظات الحاضر بكل ما تحمله من جمال. رأيتُ مؤخرًا سيدة في مقطع مصور تتحدث عن هذا المصطلح، وقد لفتتني كلماتها حين وصفت كيف أن الإنسان يقضي حياته في انتظار ظروف مثالية ليشعر بالسعادة. كان حديثها صادقًا وبسيطًا، لكنه حمل قدرًا هائلًا من العمق. وجدت نفسي أفكر في هذا الأمر مطولًا: كم من اللحظات الجميلة نفقدها يوميًا لأننا نعيش في انتظار الغد؟ وكم من الأحلام المؤجلة تجعلنا أسرى لفكرة أن السعادة في مكان ما بعيد عنا، بينما هي في متناول أيدينا طوال الوقت؟ الآن.. حيث تسير الحياة بوتيرة متسارعة، أصبح المرء يعيش تحت ضغط مستمر لتحقيق إنجازات مادية ومهنية واجتماعية. وبدلاً من التوقف للحظة للاستمتاع بما لديه، يجد نفسه في سباق محموم لتحقيق المزيد، على أمل أن يمنحه ذلك شعورًا بالرضا. لكن هذا الأمل كثيرًا ما يكون سرابًا، لأننا نقيس السعادة بمعايير متغيرة لا حدود لها. “سأكون سعيدًا عندما أحصل على الوظيفة المثالية”، “سأكون سعيدًا عندما أشتري المنزل الذي أحلم به”، “سأكون سعيدًا عندما أصل إلى الوزن المثالي”. هكذا يستمر المرء في وضع شروط لسعادته، متناسيًا أن السعادة ليست محطة نصل إليها، بل هي رحلة نعيشها في كل لحظة. الخطر الحقيقي لمتلازمة تأجيل السعادة يكمن في أنها تحرمنا من تقدير اللحظة الراهنة. إنها تجعلنا نعيش أسرى لمستقبل مجهول، نطارد فيه أوهامًا على حساب الحاضر. نغفل عن البساطة التي يمكن أن نجدها في كوب قهوة دافئ، أو في حديث مع صديق، أو حتى في لحظة صمت نتأمل فيها جمال الطبيعة من حولنا. هذه المتلازمة تغذي شعورًا دائمًا بعدم الاكتفاء، وتجعلنا نعيش في حالة من التوتر والقلق، وكأننا في سباق مع الزمن لتحقيق شيء ما، دون أن ندرك أننا نضيع أعمارنا في هذا السباق. إن تأجيل السعادة ليس مجرد عادة سيئة، بل هو انعكاس لطريقة تفكير مترسخة في ثقافة الإنسان الحديث. نعيش في عصر تسيطر فيه النزعة الاستهلاكية على حياتنا، وتُقنعنا بأن السعادة مرتبطة بالامتلاك والإنجاز. الشركات والإعلانات تضخ رسائل متكررة تُقنعنا بأننا لن نكون سعداء إلا إذا اشترينا هذا المنتج أو حصلنا على تلك الخدمة. هذه الرسائل تجعلنا نعيش في حالة دائمة من عدم الرضا، فحتى بعد أن نحقق هدفًا معينًا، نجد أنفسنا نبحث عن هدف جديد، وكأن السعادة التي سعينا إليها لم تكن كافية. لكن، هل السعادة حقًّا في المستقبل؟ وهل يمكن أن نجدها في مكان آخر غير اللحظة التي نعيشها الآن؟ السعادة ليست شيئًا يأتي من الخارج، بل هي شعور ينبع من الداخل. إنها قرار نتخذه بأن نعيش اللحظة بكل ما تحمله من جمال ونقص. السعادة ليست في امتلاك الأشياء، بل في تقدير ما نملكه. إنها في الامتنان لكل نعمة صغيرة، في الفرح بالأشياء البسيطة التي نغفل عنها وسط انشغالنا بما هو قادم. ولمواجهة تلك المتلازمة، ينبغي علينا أولاً أن نعيد تعريف مفهوم السعادة في حياتنا. السعادة ليست هدفًا نصل إليه، بل هي حالة نعيشها. إنها تكمن في التفاصيل اليومية، في الأشياء التي تبدو بسيطة لكنها تحمل قيمة عظيمة. إنها في لحظات الحب والعطاء، في الضحكات التي نتشاركها مع من نحب، وفي الإنجازات الصغيرة التي نحققها كل يوم. كما أن مواجهة هذه المتلازمة تتطلب منا أن نكون أكثر وعيًا بحياتنا. علينا أن نتوقف للحظة ونسأل أنفسنا: ماذا يعني أن أكون سعيدًا؟ هل أنا أعيش الحياة التي أريدها، أم أنني أعيش وفق توقعات الآخرين ومعايير المجتمع؟ هذا الوعي هو الخطوة الأولى نحو التحرر من سباق لا نهاية له، سباق يستهلك أعمارنا ويُبقينا في حالة من الترقب المستمر. إن السعادة لا تحتاج إلى شروط معقدة، ولا إلى مستقبل مجهول. إنها موجودة هنا والآن، في هذه اللحظة التي نعيشها. يكفي أن نتوقف قليلاً، أن نتنفس بعمق، أن ننظر من حولنا ونبحث عن الجمال في الأشياء التي نملكها بالفعل. علينا أن نذكر أنفسنا أن الحياة ليست انتظارًا مستمرًا، بل هي احتفال دائم بما لدينا.
1455
| 18 نوفمبر 2024
الفكرة الشعرية كائن حي ينبض بالحياة، تسكن في عالم خفي بين الشعور واللاشعور، تظهر وتختفي مثل طيف عابر. حين تأتي، تكون في لحظة من العفوية التي لا تحتمل القيود أو التحكم المسبق. يعرف هذا الشعراء ويعرفون أيضا أن الفكرة الشعرية لا يمكن إجبارها على البقاء أو التطور تحت الضغط، فهي مثل فراشة ترفرف بجناحيها في فضاء شاسع، تختار وقتها المناسب ومكانها الأثير وليس على الشاعر سوى محاولة اللحاق بها، والاقتراب منها بشغف ثم اقتناصها. لكن اقتناصها بعنف قد يكون مثل محاولة إمساك الفراشة، والنتيجة في كثير من الأحيان تكون واحدة: فقدان الجمال أو تشويهه على أقل تقدير. الشعراء والفنانون عبر العصور لطالما أدركوا أن الأفكار الشعرية تشبه الرحلة، بلا وجهة محددة. الفكرة تهرب وتعود، وربما في هروبها تجد نموها وازدهارها. أما محاولة السيطرة عليها أو تكبيلها بالقوة، فهو انتهاك لروحها الحرة وجمالها المتوقع. وربما تأتي الفكرة على هيئة خاطر عابر أثناء مشي في الحديقة، أو تأمل لحظة غروب، أو حتى لحظات سكون ملتبس في فترة ما قبل النوم مباشرة، فتتسلل إلى الوعي ثم تختفي مرة أخرى في اللاوعي، لتعود مجدداً بعد ساعات أو أيام أو حتى سنوات، لكن هذه المرة أكثر نضجاً. تلك العفوية التي تأتي بها الفكرة الشعرية هي مصدر قوتها وجاذبيتها. والشعر بطبيعته يتغذى على الإلهام اللحظي، ويفقد بريقه إذا ما تحول إلى عمل ميكانيكي مكرر. والإلهام يحتاج إلى فضاء واسع من الحرية، ولهذا لا يمكن أن يتحقق تحت الضغط أو الإكراه بأي صورة من الصور. بل إن أجمل القصائد وأعمق الأعمال الفنية كانت وليدة تلك اللحظات الفريدة من التجلي، حينما جاء الإلهام بلا سابق إنذار، ومن دون أي محاولة للسيطرة عليه، أي بكامل الحرية. حسناً.. قد يبدو هذا تناقضاً أحياناً، لكن الفكرة الشعرية تحتاج إلى مزيج متوازن بين الحرية والانضباط. فالحرية هي ما يسمح لها بأن تتشكل وتنمو، أما الانضباط فهو ما يسمح للشاعر بأن يستعد لاستقبالها عندما تعود. والشعراء الحقيقيون يعرفون أن الوقت ليس دائمًا مناسبًا لاقتناص الفكرة، بل قد يكون على الشاعر أن يتحلى بالصبر، وأن ينتظر تلك اللحظة التي تعود فيها الفكرة إليه من تلقاء نفسها، جاهزة لأن تتجسد في كلمات. لكن متى تقتنص الفكرة؟ ليست كل الأفكار الشعرية هاربة إلى الأبد. بعضها يعود بإرادته، وإذا كانت الظروف ملائمة، فإن الفكرة تأتي إلى الشاعر جاهزة لتتحول إلى قصيدة أو عمل فني. الأمر أشبه بالنهر الذي يجري في مجراه الطبيعي؛ لا تستطيع إجبار النهر على تغيير مساره، لكنه في نهاية المطاف يصل إلى المحيط. الكتابة الشعرية، مثل كل الفنون، تعتمد على أن تترك لنفسك ولأفكارك مجالًا من الحرية. لا تجبر نفسك على إنتاج القصائد أو الأفكار. بل كن صبورًا، دعها تهرب إن أرادت، ستعود إليك إذا كان ذلك مقدرًا. الفكرة الشعرية لا تعرف الزمان أو المكان، لكنها تعرف صاحبها، وستعود حين تجد الوقت مناسبًا. كن مستعدًا لاستقبالها عندما تعود، واحرص على أن تكون جاهزًا، ولكن لا تسعَ خلفها بالقوة. الشعر ليس ساحة صيد، بل هو حقل من الورد الذي ينمو بطبيعته. الفكرة الشعرية الهاربة هي جزء من الطبيعة الإبداعية البشرية. إنها تجربة متكررة لكل من يحمل في داخله شغف الكتابة أو الفن. الهروب ليس فشلًا، بل جزء من العملية الإبداعية التي يجب احترامها. لا تسعَ لاقتناصها عنوة، بل اترك لها الحرية. في يوم من الأيام، ستعود إليك أكثر جمالًا وقوة، وعندها ستكون جاهزًا لاستقبالها وتحويلها إلى عمل خالد.
363
| 11 نوفمبر 2024
شعور مزعج يطاردنا حين نفقد شيئًا عزيزًا، أو حين نفشل في تحقيق حلم لطالما تمنيناه. شعور النقص والفقد والعجز الذي يتسلل إلينا بصمت، يضعفنا ويقيد أيدينا، ويجعلنا نكاد نلج بوابة الصمت والقلق، ولا نجد في أعماقنا إلا إحساسًا قاتمًا بالعجز وقلة الحيلة. نقرأ الآية الكريمة؛ «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»، فنشعر بما يشبه اليد الحانية التي تربت على أرواحنا فجأة. لا شك أن هناك أوقاتًا نشعر فيها بأن الحياة قد أغلقت أبوابها في وجوهنا، وكأن الحظ يعاكس خطواتنا، والأحلام تتلاشى أمامنا. هذا الشعور بالحزن والانكسار هو ما يدفعنا نحو اليأس. لكن حين نتأمل هذه الآية، نجد فيها وعدًا عميقًا، وعدًا بأن ما قد نراه نقمة أو حرمانًا، قد يحمل لنا في طياته خيرًا لا ندركه. هذا اليقين ليس مجرد كلمات، بل طاقة أمل تمس جراحنا بلطف، وتفتح في أرواحنا نافذة مشرقة نحو الغد. في حياتنا اليومية، كثيرًا ما نمر بأحداث مؤلمة، ربما كانت فراقًا لأحباء، أو فقدان عمل نعتقد أنه نهاية العالم، أو حتى رفضٍ لمشروع كنا نطمح له. وفي خضم ذلك، نشعر بثقل الواقع، ونغرق في حزن العجز ونبكي أحلامنا المفقودة. لكن بعد فترة، عندما تضيء بصيرة قلوبنا، ندرك أن هذه الصدمات لم تكن سوى جسر لعبورنا إلى حياة أفضل أو إلى مكانٍ أكثر سكينة، ونرى الخير الذي لم نكن نراه من قبل. هنا، تصبح الآية وكأنها صوت داخلي يُسمعنا همسات الأمل، وكأنها تهمس في أذاننا: “لا تحزنوا، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون”. طبعا ليس من السهل دائماً أن نجد الأمل وسط الألم، لكن هذه الآية تمنحنا رؤية مختلفة عن الحياة، تجعلنا ندرك أن الأمور ليست دائمًا كما نراها. إنها دعوة لإعادة التفكير، لفهم الأحداث بمنظور آخر، منظور إلهي يحكمه العلم والحكمة. فكل حدث نمر به ليس عبثًا، وكل محنة هي جزء من لوحة كبرى يصعب علينا رؤيتها بوضوح، لكن الإيمان يجعلنا نسير نحوها بثبات، ونثق بأن الله يضع لنا الخير حتى في أشد الأوقات حلكة. وكم من مرة كانت هذه الآية سبيلًا لتجاوز أزمات قاسية، تذكيرًا بأن لا فشل يبقى للأبد، وأن لا خسارة تنهي مسيرتنا، بل هي وقفة للتأمل قبل استئناف الطريق. من منا لم يشعر يومًا بأن شيئًا قد كُسر داخله، ثم وجد لاحقًا أن هذا الكسر كان سببًا في بناء شخص جديد بداخله، شخص أكثر قوة وثقة. “وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم”. تجربة تعيشها كلما ضاقت بك السبل، تعيشها كطريق نحو الرضا والسلام. فهي ليست وعدًا بحياة خالية من الألم، بل دعوة لرؤية الخير حتى في الشدة. نتعلم منها أن نرى الجمال في كل ما يأتينا من الله، أن نستوعب أن الحياة ليست مجرد مكاسب وخسائر، بل دروس تتشكل بصورها المختلفة، وكلها تصب في خير لا يُدرك إلا بالإيمان واليقين. فهذه الكلمات السماوية تأخذ بيدنا في أوقات ضعفنا، وتجعلنا نعيد ترتيب أولوياتنا ونضع الأمل أمامنا ونتصالح مع أقدارنا بخيرها وشرها على حد سواء، ونطمئن إلى أن ما يجري ليس سوى جزء من خطة أوسع وأكبر من أن ندركها في ذات اللحظة.
495
| 05 نوفمبر 2024
نتغير.. نعم! كلنا نتغير ودائما. الحياة سلسلة متتابعة من الأحداث والتحولات التي لا تعرف الثبات، قد نرغب أحيانًا في أن تبقى الأمور على حالها، أو نعتقد أن بإمكاننا الحفاظ على ذواتنا كما هي، من دون تغيير، لكن الواقع يعاند هذه الرغبات. فكما قال الفيلسوف الإغريقي: “لا يمكنك أن تسبح في النهر مرتين، لأن المياه تتغير في كل مرة”. لذلك فالتغيير ليس خيارًا إضافيًا يمكن تجاهله، بل هو ضرورة حتمية إما أن نتكيف معه أو نجد أنفسنا متخلفين عن الركب. الحياة في سيرها إذن تشبه مياه ذلك النهر؛ فهي في تدفق دائم، لا تعرف التوقف. قد نرغب في الوقوف أمام التيار، لكنه سيتجاوزنا بلا مبالاة. وفي هذه الصورة الرمزية، يظهر المعنى العميق للتغيير؛ حتى وإن حاول المرء الحفاظ على نسخته القديمة، ستظل الحياة بكل عناصرها؛ البشر، الظروف، والتجارب، تتبدل من حوله. وهنا تتجلى الحقيقة الأزلية: نحن في صميم التغيير سواء رضينا أم أبينا. يرى عالم النفس كارل يونغ أن “التغيير لا يحدث إلا عندما يصبح الإنسان قادرًا على مواجهة ما يزعجه”. غالبًا ما تأتي التغيرات الكبرى في حياتنا بعد مواقف صعبة تفرض علينا ترك المساحات القديمة والمألوفة. ويمكن أن يكون هذا التغيير بهيئة نهاية علاقة، أو انتقال إلى مكان جديد، أو حتى فقدان وظيفة. هذه التحولات قد تبدو في البداية مؤلمة، لكنها تدفعنا إلى النضج وترسم لنا زوايا جديدة لفهم الحياة. خاصة أن الحياة المعاصرة تحديداً تضعنا أمام متغيرات سريعة لا يمكن تجاهلها، سواء كانت تقنية أو اجتماعية. فقد يشعر البعض بالخوف أو الانزعاج من هذه التغيرات، لكن جوهر الحكمة يكمن في إدراك أن التكيف هو أحد أذكى طرق البقاء. عندما ندرك أن العالم لا يدور حولنا، نصبح أكثر استعدادًا لتقبل تلك التحولات. والتاريخ يخبرنا أن البشر الذين رفضوا التغيير وفضلوا العيش في منطقة الراحة سرعان ما أصبحوا جزءًا من الماضي. في المقابل، أولئك الذين انفتحوا على التطور والتبدل وجدوا أنفسهم أمام فرص جديدة جعلتهم أقوى وأكثر نضجًا. فقبول التغيير ليس فقط ضمانة للنجاة، بل هو أيضًا فرصة لاكتشاف جوانب غير متوقعة في أنفسنا وفي العالم من حولنا. وبمقابل التغيير، نجد أن الركود كحالة سلبية تعرقل تقدم المرء، فالعيش في دائرة مكررة من الروتين قد يمنحنا شعورًا مؤقتًا بالأمان، لكنه يعرقل إمكانيات النمو والنضج. وقد شبه الشاعر الإسباني أنتونيو ماتشادو ذلك بقوله: “الطريق يصنع بالمشي”، في إشارة إلى أن الحياة الحقيقية تتحقق بالحركة، لا بالجمود. ولذلك فنحن عندما نتجنب التغيير خوفًا من المجهول، نخسر فرصة إعادة تعريف هويتنا وتجربة مسارات جديدة في الحياة. حسناً.. ماذا عن الألم الذي قد ينتج عن التغيير؟ لا بد أنه يحمل في طياته دروسًا قيمة، تماما كما تتسبب مياه النهر المتدفقة بتآكل الصخور، قبل أن تصقلها، لتصبح أكثر انسيابية ولمعانًا. الحياة إذن لا تترك لنا خيارًا سوى المضي قدمًا مع التيار. وكما تتبدل الفصول في الطبيعة، كذلك تتبدل مراحل حياتنا. من الطفولة إلى الشيخوخة، ومن الفرح إلى الحزن، تظل الحياة سلسلة من التحولات التي لا يمكن إيقافها. ما نحتاجه هو الوعي بأن التغيير ليس تهديدًا لنا، بل فرصة لنمونا وتجدد أفكارنا. إن القبول بحتمية التغيير يجعلنا أكثر استعدادًا للاستفادة من التحولات، مهما بدت صعبة في بدايتها. نحن جزء من هذا النهر الكبير الذي لا يتوقف عن الجريان، ومن الحكمة أن نتعلم السباحة في تياره بدلاً من مقاومته. فالحياة، في نهاية المطاف، لا تنتظر أحدًا.
627
| 28 أكتوبر 2024
وجدتني وأنا في بداية حياتي العملية، أي بعد تخرجي بشهور قليلة أعمل بوظيفة حلالة مشكلات! فعلا عملت في هذه الوظيفة التي كلفني بها مدير التحرير مؤقتاً بعد أن خرج الزميل المخضرم الذي كان محررا لباب قضايا الناس في الجريدة في إجازة طويلة. كان هذا الباب، بمسمياته المختلفة من أشهر أبواب الصحيفة الورقية التقليدية، إذ كانت كل الصحف والمجلات حريصة على وجوده لتفاعل القراء معه دائما. إذ يرسل أحدهم مشكلته أيا كان نوعها وينتظر أن تحلها له الجريدة أو المجلة بطريقتها، وكثير من المشكلات والقضايا حلت بالفعل من خلال المطبوعة أو بعد نشرها واطلاع المسؤولين عليها. لكن المشكلات ليست كلها من ذلك النوع الذي يمكن حله بواسطة المسؤول، فهناك مشكلات أسرية وأخرى عاطفية وأخرى نفسية، ومشكلات كثيرة اطلعت من خلال العمل الذي لم أكن أملك فيه أي خبرة خاصة أنني يومها لم أكن أتجاوز الثالثة والعشرين من عمري. لم أعرف ماذا أفعل ولمن أقول مشكلتي الجديدة في عملي وانا التي للتو أصبحت مسؤولة عن حل مشكلات الناس. المهمة في البداية كانت صعبة جدا. كانت تصلني رسائل يومية كثيرة، فكنت أقضي وقتي في فرزها وتصنيفها والاجتهاد في البحث عن حلول مناسبة لها قبل نشرها ثم تلقي ردود الفعل. ولم أكد أنسجم مع ذلك العمل وأتأقلم مع مشكلات القراء للدرجة التي نسيت فيها مشكلاتي الشخصية حتى عاد الزميل من إجازته. عدت لتلك الذكريات القديمة قبل أيام عندما سألتني إحدى القارئات المتابعات لما أكتب في كل مكان عن أمر له علاقة بالمشكلات. التقيتها صدفة وأنا أمارس رياضة المشي فكان سؤالها الأول والذي يبدو جاهزا لأول شخص تقابله في ذلك اليوم؛ كيف نتعامل مع مشكلاتنا؟ في خضم الحياة اليومية، نجد أنفسنا نواجه العديد من التحديات والمشكلات العابرة التي قد تعترض طريقنا نحو النجاح. هذه المشكلات تتنوع في طبيعتها، فهي قد تكون بسيطة أو معقدة، لكنها جميعًا تتطلب منا القدرة على التكيف والاستجابة بشكل فعال. تعتبر المشكلات العابرة جزءًا لا يتجزأ من تجربتنا الإنسانية. ويمكن أن تظهر بشكل مفاجئ، مما يجعلها تبدو كعقبات كبيرة في بعض الأحيان. إلا أن فهمنا لطبيعة هذه المشكلات يساعدنا على التعامل معها بشكل أفضل. من المهم أن ندرك أن الحياة ليست مثالية، وأن تلك المشكلات هي جزء من الرحلة التي نخطوها نحو تحقيق أهدافنا. عندما نواجه مشكلة، فإن أول خطوة يجب أن نقوم بها هي قبول الواقع كما هو. هذا القبول يسمح لنا بالتحرر من الانزعاج والقلق، ويتيح لنا التركيز على الحلول بدلاً من الاستغراق في الشكوى. بعد ذلك، ينبغي علينا تحليل المشكلة بعناية. ما أبعادها وما الأسباب الكامنة وراءها؟ من خلال الفهم العميق لجذور المشكلة، سنتمكن من تحديد الحلول الأكثر فعالية. الحلول تأتي بعد التحليل. هنا، يجب أن نكون مبدعين في تفكيرنا وأن نستغل جميع الموارد المتاحة. قد تتضمن الحلول تغييرًا في الاستراتيجيات، أو طلب المساعدة من الآخرين، أو حتى إعادة تقييم أهدافنا وأولوياتنا. هذه العملية تتطلب منا الشجاعة والمرونة. يلعب التفكير الإيجابي دورًا محوريًا في كيفية مواجهتنا للمشكلات. عندما نواجه تحديًا، يمكن أن نختار بين رؤية المشكلة كعائق أو كفرصة للنمو. التفكير الإيجابي يعزز من قدرتنا على التعامل مع الصعوبات ويحفزنا على الاستمرار في السعي نحو النجاح. بعد تجاوز أي مشكلة، من الضروري أن نقيم التجربة واستخلاص الدروس منها. كل تجربة تحمل في طياتها درسًا يمكن أن يساعدنا في تحسين استراتيجياتنا المستقبلية. هذا التعلم لا يعزز فقط ثقتنا بأنفسنا، بل أيضًا يساهم في تشكيل شخصيتنا وتطوير مهاراتنا. والمشكلات العابرة هي جزء من الحياة، والطريقة التي نتعامل بها معها تحدد نجاحنا في تحقيق أهدافنا. من خلال قبول الواقع وتحليل المشكلات والبحث عن الحلول وتعزيز التفكير الإيجابي، يمكننا التغلب على أي عقبة في طريقنا. يجب أن نكون دائمًا مستعدين لمواجهة التحديات، فكل تجربة هي فرصة جديدة للنمو والتعلم. حتى عملي المبكر في باب المشكلات كان فرصتي الذهبية للتعلم الذي استثمرته طوال حياتي. فمن مشكلاتنا نتعلم الكثير ومن مشكلات غيرنا نتعلم أيضا.
576
| 21 أكتوبر 2024
من أفضل الهدايا التي أقدمها لمن حولي في مناسبات مختلفة، وأحيانا بلا مناسبة، الدفاتر الجميلة المخصصة لكتابة اليوميات، رغم أنني لا أكتب يومياتي، أو بالأصح أقلعت عن عادة كتابة يومياتي منذ زمن بعيد جدا لسبب لا أريد أن أذكره في هذه المقالة ولكنني قد أفعل في مقالة أخرى مستقبلاً. أجمع كثيرا من هذه الدفاتر ويأتيني أصدقائي ببعضها خاصة وهم يعرفون أنني أجمعها كواحدة من هواياتي المفضلة. أحبها منها الدفاتر غير المسطرة. ما زلت أشعر أن الأسطر نوع من القضبان التي قد تحد من حرية من يود الكتابة بلا قيود أو رقابة.. هل أبالغ؟ ربما، ولكنه شعوري كلما هممت بالكتابة على ورق مسطر! خصوصا إن كنت أود كتابة نص متداع لا حدود له.. كاليوميات تماما. في بداياتي مع الكتابة كانت كتابة اليوميات واحدة من متعي الصغيرة السرية ولعلها تدريبي الذي أفلح في تعليمي بعض أسرار الكتابة ولهذا أنصح بها دائما كل من يود الدخول في ذلك العالم السحري.. تعتبر كتابة اليوميات من العادات الجميلة التي تحمل في طياتها فوائد عديدة للكاتب حتى وإن كان لا يجيد الكتابة بمعناها الإبداعي، فهي ليست مجرد وسيلة لتوثيق الأحداث اليومية، بل أداة فعالة للتعبير عن المشاعر والأفكار. وفي عالم سريع الحركة والتدفق، يمكن أن تكون اليوميات ملاذًا يساعد الناس على فهم أنفسهم بشكل أفضل. كما أن كتابة اليوميات تساهم بتعزيز الوعي الذاتي ومعرفة ما في دواخلنا، وعندما يخصص المرء وقتًا للتفكير في ما حدث خلال يومه، فإنه يتاح له فرصة لاستكشاف مشاعره وأفكاره وما أفرحه وما أحزنه وما أثار اهتمامه وفضوله وتعجبه. وهذا النوع من التأمل يمكن أن يساعد في تحديد الأنماط السلبية أو الإيجابية في السلوك، مما يسهل اتخاذ قرارات أفضل في المستقبل. علاوة على ذلك، فإن كتابة اليوميات تعزز من مهارات الكتابة والتعبير. من خلال التعبير عن الأفكار والمشاعر، يتعلم الأفراد كيفية صياغة جملهم وتنظيم أفكارهم بشكل أكثر فعالية. هذه المهارات ليست مفيدة فقط في السياقات الشخصية، بل تمتد أيضًا إلى الأبعاد الأكاديمية والمهنية. وتعتبر اليوميات أيضًا أداة فعالة للتعامل مع الضغوط النفسية. في أوقات التوتر أو الحزن، يمكن أن تساعد الكتابة في تخفيف العبء النفسي، من خلال وضع الأفكار على الورق، يمكن للمرء أن يشعر بالتحرر من المشاعر السلبية، مما يسهل عملية الشفاء النفسي. بالإضافة إلى ذلك، فإن اليوميات توفر وسيلة لتوثيق الذكريات. مع مرور الزمن، تصبح تلك الكتابات كنزًا من التجارب الحياتية، مما يتيح لنا العودة إلى تلك اللحظات واسترجاع المشاعر والأحداث. والذكريات لا تساهم فقط في تعزيز انتمائنا لذواتنا في الماضي، بل تساعد أيضًا في بناء شخصياتنا الراهنة لأنها تعرفنا على طبيعة تفكيرنا وتحولاته. أخيرًا، تتيح كتابة اليوميات مساحة للتخطيط والتفكير في المستقبل. من خلال تحديد الأهداف وتدوين الخطوات اللازمة لتحقيقها، يمكن أن تكون اليوميات دليلاً يدعم المرء في مسيرته نحو تحقيق طموحاته. بالتالي، فإن أهمية كتابة اليوميات لا تقتصر على مجرد تسجيل الأحداث، بل تمتد لتشمل تعزيز الوعي الذاتي، وتطوير المهارات الكتابية، وتخفيف الضغوط النفسية، وتوثيق الذكريات، والتخطيط للمستقبل. إنها ممارسة تعزز من جودة الحياة وتساعد الأفراد في رحلتهم نحو فهم أنفسهم بشكل أعمق. تعتبر كتابة اليوميات وسيلة فعالة لتحسين الصحة النفسية، فعندما نكتب عن مشاعرنا، يصبح لدينا منافذ للتعبير عن القلق والحزن والفرح وغيرها من المشاعر مما يساعد في تخفيف الضغط النفسي. ومن خلال مراجعة الأحداث والمشاعر، يمكننا أن نتعرف على الأنماط السلبية في تفكيرنا وسلوكنا. كما أن الكتابة تساعد في تنظيم الأفكار وترتيبها، مما يقلل من الشعور بالارتباك والتوتر. وممارسة الكتابة بشكل منتظم يمكن أن تتجه بنا إلى المزاج الإيجابي. ومن خلال كتابة الأهداف والتقدم نحو تحقيقها، يمكن أن نشعر بالإنجاز، وتقوية التفكير النقدي والتأمل.. وأنا متأكدة أن كل من يكتب يومياته، وإن بشكل غير منتظم، يستطيع إضافة المزيد من الإيجابيات.. فالقائمة تطول لدى أصحاب اليوميات. فهل تكتبون يومياتكم؟
657
| 14 أكتوبر 2024
والآن.. بعد أن مر عام، كأنه الدهر كله، على بدء العدوان الاسرائيلي على غزة في أعقاب الطوفان، ما زال السؤال قائما؛ هل ستسامحنا غزة؟ وهل ستتغير الإجابة عندما نعيد السؤال الذي لاح لنا وسط خذلاننا المبكر؟ وهل نستحق ذلك منها بعد تضاعف حجم الخذلان وخفت الصوت وتمدد العدوان؟ غزة.. الأمل الكبير والمنكوب في الوقت ذاته، والتي باءت كل محاولات العدوان بالفشل في إطفاء شعلة مقاومتها بكل شيء تملكه وبكل فعل تستطيع وبكل ابتكار اجتهدت فيه، وبكل ما أوتي شعبها من عزيمة.. لا يسعنا أن نُخاتلك عن وجعك، فقد كُنتِ وستظلين جرحًا غائرًا في الضمير الذي ما زال حياً وسط كل هذا الموات العام، ورمزاً للتحرر والقوة الحقيقية الكامنة في الصبر والإرادة. نحن أصدقاؤك في العالم كله يا غزة، نحن المؤمنين بك وطناً للحرية وحضناً للمقاومة وجغرافية للصمود، ونحن أيضا العاجزين عن نصرتك كما ينبغي، نعتبر أنفسنا سفراء لحقيقتك الباهرة، بمجرد الدعاء والكلام والكتابة، وبمجرد الشعور أننا منك أرضاً وبحرا وسماً وبشرا، ولكن لا عذر لنا في تقصيرنا ولا في تخاذلنا أو عجزنا الذي نتكئ عليه مع كل نوبة جديدة ليقظة للضمير المحتضر. عام كامل مر على طوفانك الجليل وعلى عدوانهم الشرس، وعلى محاولات العالم النادرة في الوقوف معك بالقضايا والاعتصامات والمظاهرات والتصريحات والشجب والتنديد والصور والقصائد والمقالات.. ولكن على أهميتها وعلى ضرورتها بقيت عناوين للعجز أما القوة الغاشمة التي أحرقت الأرض وقصفت البيوت وقتلت البشر أو جوعتهم وهجرتهم وحرمتهم من أبسط متطلبات الحياة اليومية، والأرقام تتصاعد يوماً بعد يوم، وتتصاعد معها حقيقة الصمود الأسطورية لهذا القطاع الذي اختصر فلسطين كلها في في مقاومة المحتل المعتدي. عام كامل منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى السابع من أكتوبر 2024 والذي يوافق اليوم، كان الأجدر بنا فيه أن نكون جسرًا لدعم غزة باليقين وبالحقيقة وبالوجود وبأن نكون نفسها، لا جدارًا من الصمت ولا دعاء خافتاً في الوجدان ولا كلمات خجول تقال لمجرد إثبات موقف أو إعلان وجهة نظر. عام كامل وغزة تُطارد حلمها الكبير، على بساطتها، في الحياة بكرامة والعيش بحرية، والبقاء على قيد الصمود. فهل لنا الآن إذن أن نقول أننا كنا معك يا غزة؟ لم نجع ولم نعطش ولم تسل دماؤنا بين شقوق الجدران وأنقاض البيوت المهدمة فوق رؤوسنا.. حتى وإن بقينا نتحدث عنك بكل ما أوتينا من إيمان، فنشعر بالأسى ونحن نتابع المشاهد الدامية بكل صورها وأشكالها عبر الشاشات..وحسب! وهذا يعني أننا مقصرون جدًا، وكثيرا وطويلا تجاهك يا غزة. لقد كان ينبغي أن نكون حراساً لحلمك الذي تقاتلين من أجله على الأقل، لكننا، ونحن نغرق في تفاصيل حياتنا اليومية، ونستهلك الوقت في أمور عابرة، نسكت إشارات ضمائرنا الموجعة بالقول أننا معك! على مدار عام كامل، رأينا كيف تقاومين وكيف تواجهين وكيف تصمدين وكيف تبقين على قيد الحياة وسط الأنقاض وبين الأشلاء والدماء رغم المستحيل في القياسات المعتادة. ورأيناك في هذا العام كيف تغيرين الجميع حولك ؛ العدو والصديق، من ضدك ومن معك.. لكن وحدك لم تتغيري، ووحده شعبك، في حياته بالمقاومة وفي مماته بالشهادة بقي البطل الأول والأخير في قصتك الكبيرة المستحيلة. ربما لم يتصور أحد عند بدء العدوان أنه سيستمر عاماً كاملاً بكل الأحوال المتوقعة، وأنك ستصمدين طوال هذا العام بكل عنفوانك ورغم كل آلامك وجراحاتك.. لكن من قال غزة تخضع لمنطق الأحوال المعتادة أصلا وهي التي اختارت لنفسها أن تكون حرة حتى وهي محاطة بكل هذا الاحتلال؟ لن تحتاجي إذن أن تغفري لنا أو تسامحينا.. فقد خذلناك طوال عام.. وما زلنا في عجزنا سادرين!
459
| 07 أكتوبر 2024
لماذا ننسى؟ هذا السؤال كان بوابة التفكير بماهية الذاكرة، كيف تتكون وتكبر وتتطور حتى تشيخ ثم تموت في حالات كثيرة. ما الجدوى إذن من كل ما نتعلمه ونجاهد في تخزينه بين ثغرات الذاكرة إن كان النسيان هو مصيره في النهاية؟ قرأت قبل أيام خبرا عن صدور ترجمة باللغة العربية لكتاب عنوانه «أدب النسيان.. ثقافة تجاوز الماضي»، لكاتب اسمه لويس هايد، وعزمت على الحصول عليه قريبا لعلي أجد فيه بعض الإجابات عن أسئلة صرت أنسى بعضها حول الذاكرة تحديدا. على الغلاف الأخير المنشور مع خبر صدور الكتاب كتب المترجم على ما يبدو: «منذ سنوات عديدة، بينما كنت أقرأ عن الثقافات الشفوية القديمة، حيث كانت الحكمة والتاريخ يعيشان في الألسن بدلاً من الكتب، أثارت فضولي ملاحظة قصيرة. قرأت حينئذ أن «المجتمعات الشفوية» تحافظ على توازنها... من خلال التخلص من الذكريات التي لم تعد لها أهمية حالية». كان اهتمامي في ذلك الوقت منصبا على الذاكرة نفسها، وعلى الطرق القيمة التي يلجأ إليها الناس والثقافات في الاحتفاظ بالماضي في الذاكرة، ووجدت أن هذه الملاحظة كانت مناقضة لما كنت مهتما به واستثارت رغبتي الفطرية في معارضة الأشياء، فبدأت في جمع قصاصات من حالات أخرى تثبت أن التخلي عن الماضي مفيد أيضا، مثل الاحتفاظ به. اتضح لي أن هذا الكتاب، الذي نتج أخيرًا عن هذه المقتطفات، هو عبارة عن تجربة في كل من الفكر والشكل. بالنسبة للتجربة الفكرية، فهي تسعى إلى اختبار فرضية أنه يمكن للنسيان أن يكون أكثر فائدة من الذاكرة، أو أن الذاكرة تعمل بشكل أفضل بالتوازي مع النسيان ولست أقصد طبعا أن تمجيد النسيان يعني معاداة الذاكرة أحيانًا، لا بد أن تقضي أي تجربة جديرة بالإجراء عن نتائج وكذلك هو حال التجربة التي أجريتها. ومثلما فعلت أنا، لا شك في أنه سوف يتوقف القراء عند بعض الحالات ليقولوا: «كلا، علينا أن نتذكر هذا الأمر». المفارقة هنا هي أن التحريض على مقاومة النسيان في حد ذاته يسلط الضوء على إحدى وظائف النسيان». وقفت كثيرا عند تلك الجملة الهائلة جداً: التحريض على مقاومة النسيان في حد ذاته يسلط الضوء على إحدى وظائف النسيان»! يا له من أمر معقد وبسيط في الوقت نفسه، ومع هذا فهو واضح جدا في تعريف النسيان على الأقل كمقدمة لما يسمى بأدب النسيان! وأدب النسيان موضوع شائق يعبر عن تجربة إنسانية عميقة، فهو يمثل العلاقة المعقدة بين الذاكرة والنسيان. لأن النسيان ليس مجرد غياب للذكريات، بل هو عملية طبيعية تحدث في حياة كل إنسان، ما دمنا نعيش في عالم مليء بالمعلومات والتجارب، مما يجعل من المستحيل الاحتفاظ بكل شيء في ذاكرتنا. لذلك، ينسى الإنسان أشياء قد تكون مهمة في لحظة معينة، لكنها تفقد قيمتها مع مرور الزمن. والنسيان ليس دائماً سلبياً، بل يمكن أن يكون له جوانب إيجابية. في بعض الأحيان، يساعدنا النسيان على تخفيف الألم الناتج عن الذكريات المؤلمة، ويتيح لنا فرصة البدء من جديد. وعندما ننسى تجارب مؤلمة أو مواقف مؤسفة، يمكننا أن نفتح المجال لتجارب جديدة وإيجابية، وهذا يساهم في تطوير شخصياتنا ويساعدنا على التكيف مع التغيرات التي تطرأ على حياتنا. لكن في الوقت نفسه، يثير النسيان مخاوف عديدة لدى البشر عموما. فقد يشعر المرء بالقلق من فقدان هويته أو جزء من نفسه بسبب النسيان. كما أن هناك ذكريات تشكل جزءاً أساسياً من تجاربنا، وعندما ننسى تلك اللحظات المهمة الكامنة في تلك الذكريات، نشعر كأننا فقدنا اتصالنا بالعالم من حولنا. لذا، يتطلب الأمر توازناً دقيقاً بين الحفاظ على الذكريات وغيابها. ولذلك.. بدلاً من محاربة النسيان، يمكننا أن نتعلم كيف نعيش معه، وكيف يمكن أن نستخدم أدوات متاحة دائما، كالكتابة، أو الفنون، أو حتى المحادثات مع الآخرين لتوثيق تجاربنا. فهذه الطرق تعزز من قدرات الذاكرة وتساعدنا على الاحتفاظ بالأشياء التي نعتبرها مهمة.
1464
| 30 سبتمبر 2024
مساحة إعلانية
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...
1887
| 12 فبراير 2026
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
1659
| 15 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...
1653
| 10 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي...
870
| 12 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...
852
| 10 فبراير 2026
لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...
681
| 11 فبراير 2026
منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...
615
| 11 فبراير 2026
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...
597
| 09 فبراير 2026
لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...
528
| 09 فبراير 2026
في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...
525
| 12 فبراير 2026
يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...
459
| 10 فبراير 2026
في زمن السوشيال ميديا، أصبح من السهل أن...
459
| 12 فبراير 2026
مساحة إعلانية