رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

1458

سعدية مفرح

لا تؤجل سعادتك أبداً

18 نوفمبر 2024 , 02:00ص

متلازمة تأجيل السعادة.. حالة ذهنية تتسلل إلى حياتنا دون أن نشعر، تسرق منا لحظات الفرح الصغيرة، وتضعنا في دوامة لا تنتهي من السعي وراء أهداف نعتقد أنها مفتاح السعادة. لكن المفارقة المؤلمة هي أن هذه المتلازمة تجعلنا نعلق السعادة على شروط مستقبلية لا تأتي أبدًا، فنبقى عالقين في انتظار غدٍ أفضل لا ندرك أنه قد لا يأتي، بينما تضيع منا لحظات الحاضر بكل ما تحمله من جمال.

رأيتُ مؤخرًا سيدة في مقطع مصور تتحدث عن هذا المصطلح، وقد لفتتني كلماتها حين وصفت كيف أن الإنسان يقضي حياته في انتظار ظروف مثالية ليشعر بالسعادة. كان حديثها صادقًا وبسيطًا، لكنه حمل قدرًا هائلًا من العمق. وجدت نفسي أفكر في هذا الأمر مطولًا: كم من اللحظات الجميلة نفقدها يوميًا لأننا نعيش في انتظار الغد؟ وكم من الأحلام المؤجلة تجعلنا أسرى لفكرة أن السعادة في مكان ما بعيد عنا، بينما هي في متناول أيدينا طوال الوقت؟

الآن.. حيث تسير الحياة بوتيرة متسارعة، أصبح المرء يعيش تحت ضغط مستمر لتحقيق إنجازات مادية ومهنية واجتماعية. وبدلاً من التوقف للحظة للاستمتاع بما لديه، يجد نفسه في سباق محموم لتحقيق المزيد، على أمل أن يمنحه ذلك شعورًا بالرضا. لكن هذا الأمل كثيرًا ما يكون سرابًا، لأننا نقيس السعادة بمعايير متغيرة لا حدود لها. “سأكون سعيدًا عندما أحصل على الوظيفة المثالية”، “سأكون سعيدًا عندما أشتري المنزل الذي أحلم به”، “سأكون سعيدًا عندما أصل إلى الوزن المثالي”. هكذا يستمر المرء في وضع شروط لسعادته، متناسيًا أن السعادة ليست محطة نصل إليها، بل هي رحلة نعيشها في كل لحظة.

الخطر الحقيقي لمتلازمة تأجيل السعادة يكمن في أنها تحرمنا من تقدير اللحظة الراهنة. إنها تجعلنا نعيش أسرى لمستقبل مجهول، نطارد فيه أوهامًا على حساب الحاضر. نغفل عن البساطة التي يمكن أن نجدها في كوب قهوة دافئ، أو في حديث مع صديق، أو حتى في لحظة صمت نتأمل فيها جمال الطبيعة من حولنا. هذه المتلازمة تغذي شعورًا دائمًا بعدم الاكتفاء، وتجعلنا نعيش في حالة من التوتر والقلق، وكأننا في سباق مع الزمن لتحقيق شيء ما، دون أن ندرك أننا نضيع أعمارنا في هذا السباق.

إن تأجيل السعادة ليس مجرد عادة سيئة، بل هو انعكاس لطريقة تفكير مترسخة في ثقافة الإنسان الحديث. نعيش في عصر تسيطر فيه النزعة الاستهلاكية على حياتنا، وتُقنعنا بأن السعادة مرتبطة بالامتلاك والإنجاز. الشركات والإعلانات تضخ رسائل متكررة تُقنعنا بأننا لن نكون سعداء إلا إذا اشترينا هذا المنتج أو حصلنا على تلك الخدمة. هذه الرسائل تجعلنا نعيش في حالة دائمة من عدم الرضا، فحتى بعد أن نحقق هدفًا معينًا، نجد أنفسنا نبحث عن هدف جديد، وكأن السعادة التي سعينا إليها لم تكن كافية.

لكن، هل السعادة حقًّا في المستقبل؟

وهل يمكن أن نجدها في مكان آخر غير اللحظة التي نعيشها الآن؟

السعادة ليست شيئًا يأتي من الخارج، بل هي شعور ينبع من الداخل. إنها قرار نتخذه بأن نعيش اللحظة بكل ما تحمله من جمال ونقص.

السعادة ليست في امتلاك الأشياء، بل في تقدير ما نملكه. إنها في الامتنان لكل نعمة صغيرة، في الفرح بالأشياء البسيطة التي نغفل عنها وسط انشغالنا بما هو قادم.

ولمواجهة تلك المتلازمة، ينبغي علينا أولاً أن نعيد تعريف مفهوم السعادة في حياتنا. السعادة ليست هدفًا نصل إليه، بل هي حالة نعيشها. إنها تكمن في التفاصيل اليومية، في الأشياء التي تبدو بسيطة لكنها تحمل قيمة عظيمة. إنها في لحظات الحب والعطاء، في الضحكات التي نتشاركها مع من نحب، وفي الإنجازات الصغيرة التي نحققها كل يوم.

كما أن مواجهة هذه المتلازمة تتطلب منا أن نكون أكثر وعيًا بحياتنا. علينا أن نتوقف للحظة ونسأل أنفسنا: ماذا يعني أن أكون سعيدًا؟ هل أنا أعيش الحياة التي أريدها، أم أنني أعيش وفق توقعات الآخرين ومعايير المجتمع؟ هذا الوعي هو الخطوة الأولى نحو التحرر من سباق لا نهاية له، سباق يستهلك أعمارنا ويُبقينا في حالة من الترقب المستمر.

إن السعادة لا تحتاج إلى شروط معقدة، ولا إلى مستقبل مجهول. إنها موجودة هنا والآن، في هذه اللحظة التي نعيشها. يكفي أن نتوقف قليلاً، أن نتنفس بعمق، أن ننظر من حولنا ونبحث عن الجمال في الأشياء التي نملكها بالفعل. علينا أن نذكر أنفسنا أن الحياة ليست انتظارًا مستمرًا، بل هي احتفال دائم بما لدينا.

اقرأ المزيد

alsharq دور الوسطاء في حرب إيران

من العجيب أن تواصل الولايات المتحدة الأمريكية تهديدها بضرب إيران ولا تزال المنطقة صامتة إزاء هذا التهديد الصريح... اقرأ المزيد

111

| 23 فبراير 2026

alsharq سلام عليك في الغياب والحضور

لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها من الخوف، إلا بعد أن كبرتُ واكتشفتُ أن بعض الظلال... اقرأ المزيد

84

| 23 فبراير 2026

alsharq شعاب بعل السامة

تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث... اقرأ المزيد

324

| 23 فبراير 2026

مساحة إعلانية