رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- مع الكويت.. قلباً وقالباً.. وليس تقلباً - «فز قلبي» لها.. تقديراً لمواقف أميرها الراحل صباح الأحمد - إيران تواصل «تخصيب» العداوة.. وصناعة الكراهية ضد دول المنطقة! - إطلاق المسيرة الإيرانية.. دليل «شاهد» على العدوان الإيراني الغاشم - ضحايا صالة مطار الكويت.. لا علاقة لهم بالحرب ومسيراتها ولا بالسياسة ومساراتها - ما يضر الكويت أمنياً.. يسبب ضرراً بالغاً لنا في قطر ودول المنطقة في غمرة الأحداث الخطيرة المتلاحقة، وفورة التطورات المثيرة المتسارعة، وفتنة التهديدات الكثيرة المتكررة، وفوضى التحديات الكبيرة المتواصلة، التي تواجهها دول المنطقة، جراء الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، وتكرار الهجمات الفارسية الآثمة، على حواضر مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أقف مع دولة الكويت الشقيقة، قلباً وقالباً، وثابتا وليس متقلباً، ومعها شقيقتنا مملكة البحرين. أقف مع «وطن النهار»، ظاهراً وباطناً، قولاً وفعلاً وتفاعلاً، معبراً عن أقصى درجات التضامن الأخوي، وأقوى مستويات الدعم القومي لها، ولشعبها الشقيق، تقديراً لمواقف، أميرها الراحل، الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، صاحب الموقف السياسي، الذي لا ينسى، مع دولتنا قطر، والفعل الإنساني، الذي لا يمحى من الذاكرة. وتأكيداً، على حبي الأخوي الصادق، لدولة الكويت، وشعبها الشقيق، أقول منشداً، على طريقة، عبداللطيف الكويتي، «فز قلبي» حباً لها، ودعماً لمواقفها، ووقوفاً إلى جانبها، في السراء والضراء، والخفاء والعلن. «فز قلبي»، مع الكويت، بشموخ أبراجها، وعراقة «دروازتها»، وحلاوة «درابيلها»، ولذة طعم «رهشها»، وعراقة سوقها التراثي، المسمى «المباركية»، الذي تشم فيه عبق الماضي. «فز قلبي» مع الكويت، منذ متابعتي مسرحياتها، ومشاهدتي مسلسلاتها، وسماعي لـ«سوالفها» التي لا تخلو من «غشمرة»، عبدالحسين عبدالرضا، وخصوصاً في «درب الزلق»! ومع هذه الوقفة، الأخوية، العفوية التلقائية، يخفق قلبي مع الكويت، الراسخة في فؤادي، مع «صوت السهارى»، وأناشيد «شادي الخليج» وقصائد عبدالله العتيبي، مهندس كلمات «الأوبريتات» الوطنية الشهيرة، وألحان «غنام الديكان». ولا أنسى روائع «حسين جاسم»، التي تختلط فيها عذوبة الكلمة، ورومانسية المعنى، وحلاوة الصوت، وشاعرية الإحساس، ولهذا تواصل تأثيرها في وجدان الناس. ووسط، هذه الإبداعات الغنائية، المؤثرة في ذاكرتي، الحاضرة في ذكرياتي، «حلفت عمري»، أن أكون مع الكويت، الثابتة في ضميري، قبل بزوغ ضوء «القبس»، وتوالي «الأنباء»، وغلاوة «الوطن»، وإشراقات مجلة «العربي» التي عرفت من خلالها معنى «التنوير»، وتزيد قيمة الكويت عندي، عندما أتصفح تقويم «العجيري». وهكذا «يفز قلبي» مع الكويت دوماً، الساكنة، في قلبي، مع أهداف جاسم يعقوب، وتمريرات «حمد بوحمد»، وهجمات فيصل الدخيل، التي يشعلها في مرمى المنافسين، مستمداً المهارة والقوة، من شخصية الشيخ الراحل فهد الأحمد القوية. ولكل هذه، الريادة الكويتية، رياضياً، وثقافياً وغنائياً، وفنياً، ومسرحياً، وأدبياً، وشعرياً وشاعرياً، أقف مع الكويت شكلاً ومضموناً، معبراً عن أعلى مستويات التلاحم معها، والدعم لها. وباعتباري، أحد الإعلاميين القطريين المخضرمين، أتوقف بالكثير من التقدير والاحترام والإعجاب، عند تجربة الرمز الإعلامي الكبير «محمد السنعوسي»، المشارك في تأسيس تلفزيون الكويت عام (1960)، والذي اشتهر بتقديم برامجه الحوارية المميزة. وأمام كل هذا الإبداع الكويتي، في شتى المجالات والقطاعات، أقف مع الكويت، روحاً وضميراً وجسداً، تجسيداً لأسمى معاني الأخوة الخليجية. أقف معها، بكل وضوح وصراحة وفصاحة، معبراً عن إدانة الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، والهجمات الآثمة، التي استهدفت عدداً من منشآتها المدنية، ومؤسساتها الحيوية، وفي مقدمتها مبنى الركاب، في مطارها الدولي، مما يشكل انتهاكاً سافراً لسيادتها، وخرقاً لأمنها، وتهديداً لاستقرارها، وترويعاً لأهلها والمقيمين فيها. وعلى هذا الأساس القانوني، ووفقاً لهذا القياس السياسي، فقد أدانت دولتنا قطر بشدة، الهجمات الإيرانية، على «أعيان مدنية» في دولة الكويت الشقيقة، ومملكة البحرين الشقيقة، باعتبار أن ذلك يعد انتهاكاً خطيراً لسيادة الدولتين، وخرقاً سافراً لاتفاقات جنيف الصادرة عام (1949)، وبروتوكولاتها الإضافية، ومبادئ القانون الدولي. ولتوضيح هذا الأمر، الواضح قانونياً، والموضح سياسياً، يشير مصطلح «الأعيان المدنية»، إلى المنشآت والممتلكات والمؤسسات التي لا تمثل أهدافاً عسكرية. ويقصد بها «الأصول المدنية»، التي لا تسهم بنشاطها، وطبيعتها، ودورها وغرضها، وأهدافها مساهمة فعالة في الأعمال الحربية، وبالتالي لا يجوز استهدافها عسكرياً. وهي تتمتع في جميع الظروف والأوقات، بحماية قانونية تامة، بموجب اتفاقيات جنيف، ويحظر ضربها، أو تعطيلها، أو تدميرها، نتيجة عمل عسكري، ويعتبر استهدافها المتعمد عسكرياً، «جريمة حرب»، كاملة الأركان. والمشكلة، أن من أطلق المسيرة الإيرانية، التي يسمونها «شاهد»، على مبنى الركاب في مطار الكويت، لا يفقه شيئاً في القانون الدولي، ولا يدرك الأثر المترتب، على هذا العدوان السافر! وبعيداً، عن السردية الإيرانية المضللة، التي تدخل في إطار الدعاية الكاذبة، والادعاءات الزائفة، التي تروجها طهران، بهدف تزييف الحقائق، وتضليل الرأي العام، وقلب الوقائع، رأساً على عقب، كشفت الكاميرات، التي توثق الحركة، فوق مطار الكويت، الحقيقة الصادمة، التي ينبغي مواجهة تداعياتها، بطريقة قانونية صارمة. وأستطيع القول، إن المسيرة الإيرانية الانقضاضية، التي يسمونها «شاهد»، والتي استهدفت بمتفجراتها، مبنى الركاب، في مطار الكويت، هي في حقيقتها دليل «شاهد»، على العدوان الإيراني الغاشم. وهي «شاهد» مشهود، على انتهاك القانون الدولي، وهي «شاهد» على الفوضى، التي تريد إيران «تخصيبها»، في المنطقة! وهي «شاهد»، على عقلية أصحابها الإجرامية، الذين أطلقوها على الكويت، دون مراعاة استهداف الأبرياء، الذين كانوا يتأهبون للسفر، ولا ذنب لهم، ولا علاقة لهم بالحرب ومسيراتها، ولا بالسياسة ومساراتها! ولا يحتاج الأمر، إلى عبقرية استراتيجية، أو خبرة عسكرية، أو رؤية تحليلية، لإدراك أن إيران تعمدت، مع سبق الإصرار والترصد والتعمد، الاعتداء، بإحدى مسيراتها الانقضاضية، على مبنى الركاب، في مطار الكويت، المخصص لسفر المدنيين، وهو ليس مكاناً لتجمع المدانين. وما من شك في أن تكرار الاعتداءات الإيرانية، على الكويت والبحرين، والإمارات، يؤكد أن إيران أصبحت مصدر الخطر، والتهديد الإقليمي، والاستهداف لأمن الخليج. ولا أدري، لماذا تصر إيران بأفعالها الشيطانية، ضد دول المنطقة، على خسارة رصيدها المتآكل في محيطها الخليجي؟ ولماذا، تواصل خسران ثقة جيرانها، وخسارة تعاطف الرأي العام معها، وخسارة من كانوا يدافعون عن مواقفها، ويحاولون إبعاد شبح الحرب عنها؟ والمؤسف، أنهم يواصلون «تخصيب» العداوة، مع دول المنطقة، وصناعة الكراهية، مع شعوبها، مع إصرارهم على إطلاق مسيراتهم وتوجيه صواريخهم، على الجهات والاتجاهات والمؤسسات المدنية، في المنطقة، دون احترام سيادة الدول، ودون الحرص على حياة المدنيين. وعندما أكشف كل هذه الحقائق، معبراً عن تضامني مع الكويت وأهلها، لا يندرج ذلك في سياق تعبير عاطفي طارئ، ولا هو مجرد كلمات براقة أرددها، ولكنه تضامن أخوي حقيقي، راسخ في الوجدان، يتشكل من حزمة، من المواقف الصادقة، والمبادئ الثابتة. وهذا يدفعني، إلى تأكيد الأمر المؤكد، بأن التضامن الخليجي، يشكل الركيزة الأساسية، لأمن واستقرار وازدهار مجلس التعاون. وأن الأمن، في مفهومه الكامل، وإطاره الشامل، هو كل لا يتجزأ، وما يضر الكويت أمنياً، يسبب ضرراً بالغاً لنا، في قطر، وفي كل دولة خليجية. وهذا يستوجب، ضرورة تعزيز المنظومة الأمنية الجماعية، وتنسيق المواقف السياسية، وتفعيل الاستراتيجيات الدفاعية. والمفارقة الكبرى، بحجم مساحة إيران، أن طهران تترك إسرائيل، تمزق ما يسمى «حزب الله»، وتقطعه إرباً إرباً، ونجدها تعجز عن وقف هجمات «تل أبيب»، على قادة «حزبها» ولا تستطيع، وقف تدمير قرى وضيعات وحواضر الجنوب اللبناني، وتتجاهل استهداف معاقل الحاضنة الشعبية المرتبطة بها، في «حارة حريك» وغيرها! ثم نجدها، توجه مسيراتها وصواريخها، باتجاه جيرانها في دول الخليج العربي، التي سعت وتسعى لوقف الحرب الأمريكية الصهيونية عليها! وهكذا، نجدهم يواصلون عدوانهم الآثم، وهجومهم الغاشم، على الكويت وغيرها، من دول المنطقة، لا ضمير يردعهم، ولا ضابط يوقفهم، ويعيد الانضباط في مواقفهم. وهذا يؤكد، أنهم لا يجيدون سوى إثارة الفتنة، مما يعني أنهم يعيشون خارج القانون وخارج الزمن، وخارج العصر، وخارج معادلات السياسة. ولعل من أكثر عجائب، وغرائب النظام الإيراني، أنهم يعلنون كراهيتهم، للولايات المتحدة ظاهرياً، لكننا نجد قادتهم، يرسلون أولادهم للدراسة فيها، ويبعثون عائلاتهم للإقامة فيها، ويحلمون، بل يخططون للحصول على جنسيتها، ثم يصفونها، بأنها «الشيطان الأكبر»! ومع قيامي بتسليط الأضواء الكاشفة، على «الشيطنة» التي تمارسها إيران، ضد دول المنطقة، ودفاعي الواجب، عن الكويت وأهلها، لا يمكن لأحد، أن يصفني، أو يصنفني أنني «غريب» عنها، كما يقول عبدالكريم عبدالقادر، في أغنيته الشهيرة. لكنني «قريب» منها، بحكم أنني خليجي، وأفتخر أني خليجي. ولا يحتاج الأمر، أن أكون «بدر بورسلي»، شاعر الأغنية الكويتية، أو«عبد اللطيف البناي»، مهندس الكلمة الغنائية، لكي أكتب عن الكويت، وأشيد بها، وأشدو لها. يكفي أنني قطري، وأفتخر، أني خليجي، حتى أكتب عنها، مرتكزا على الحقيقة الراسخة، والمبدأ الثابت، بأن «مصيرنا واحد، ودربنا واحد، وشعبنا واحد».
555
| 09 يونيو 2026
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال صناعات الطاقة لم يكن باحثاً عن مجد شخصي.. ولا منصب قيادي.. ولا مغنم مادي كان عميقاً في التاريخ.. عريقاً في السياسة.. رائداً في الرياضة اشتهر بموقفه القومي القوي.. وشعوره العروبي الأخوي كان نموذجاً في العطاء القطري عرف بالنزاهة الإدارية والاستقامة الوظيفية كان لبنانياً أكثر من اللبنانيين في مواجهة أزمات وانكسارات هذا البلد العربي بمشاعر عميقة، وأحاسيس دقيقة، تعتلج في النفس، وتذوب في الروح، ينبلج في حراكها الإحساس، وتزداد من خلالها الأنفاس، أقف اليوم على منصة «الشرق»، لرثاء رمز قطري، طيب السيرة، نقي السريرة، اشتهر بالنزاهة الإدارية، والاستقامة الوظيفية، وعدم استغلال المنصب، لتحقيق مآرب شخصية أو مصالح فردية. وكنت أعتقد، قبل شروعي في كتابة هذه «المرثية» أنني أمتلك موهبة الكتابة الاحترافية، بعد أكثر من (40) عاماً، قضيتها في أروقة الصحافة الورقية اليومية. لكن لأول مرة، أجد قلمي حافاً، ومداده جافاً، لا يطاوعني في السير الانسيابي على الورق! وأجده يفاجئني، خلال كتابة هذه «المرثاة»، وكأنه مركبة فقدت وقودها، أو حافلة، «تترنح» على حافة طريق عام، وتعاني من غياب قائدها! وأقولها بصراحة، من الصعب على أي كاتب، مهما أوتي من قدرة، على القيادة الصحفية، أو المهارة الأدبية، أو القوة البلاغية، أو الخبرة الإعلامية، أن يرثي الراحل الكبير، عبدالله بن حمد العطية، صاحب الضمير الوطني، الذي كان نموذجاً، في العطاء القطري. ولا أبالغ، عندما أقول، إن هذا الفقيد الكبير، الذي فقدناه، قبل أيام، ورحل عن عالمنا، كان نظيف اليد، وطاهر القلب، وعف اللسان، اشتهر بالانضباط الإداري، والالتزام التام بقواعد العمل، والاستقامة في المواقف، والاعتدال في الأقوال، والاتزان في الأفعال. ولا يختلف اثنان، داخل قطر وخارجها، أن سيرة هذا الراحل المضيئة، ومسيرته المشرقة، تضعه في المرتبة الأسمى، بين رواد النهضة القطرية، بعدما ساهم بكفاءة وعمل بإصرار، وشارك باقتدار، بجهده وعمله، في دفع عجلة التنمية في البلاد، خصوصاً في قطاع الطاقة. وقبل الاستغراق، في الكتابة، عن المرحوم «بوحمد»، أجد من واجبي الأخلاقي، وضميري الإنساني والمهني، والوطني، أن أعتذر أمام الرأي العام، عن كل كلمة كتبتها، وخرجت عن مسارها، وتجاوزت في مضمونها، ضوابط حرية الصحافة، وانتهكت بمحتواها ـ دون قصد ـ أخلاقيات المهنة. ويشهد الله، وأشهدكم جميعاً، أنني أفخر ـ ولا أنكر ـ بمواقفه النبيلة معي، على الصعيدين الشخصي والعائلي، حيث كان موجهاً ومعلماً ومسانداً وداعماً لي، في جميع فترات حياتي. وخصوصاً، عندما كنت رئيساً لتحرير «الراية» الرائدة، وكان بمثابة الأخ الكبير، والمعلم الأكبر والداعم الأكثر. وفي سياق مواقفه النبيلة معي، لا أنسى موقفاً إنسانياً، يعكس تواضعه، وتسامحه، ونبل أخلاقه، عندما بادر، وهو يشغل منصبه الرسمي، بزيارة والدتي المريضة، في المستشفى، قبل رحيلها عن عالمنا. ولا أكشف سراً، أنني عرفت الراحل الكبير عن قرب، منذ أن كنت طفلاً، ولعبت مع أشقائه في منزلهم، وكبرت معهم، وقضيت معظم طفولتي، ألعب مع أقاربه، الذين كانوا أقراني في «الخريطيات»، هناك حيث تم تشييع الفقيد الكبير إلى مثواه الأخير. وهكذا، عندما أرثي هذا الفقيد الراحل، لا أرثي رجلاً عادياً، أو شخصاً عابراً، وإنما هو أحد الرواد، الذين أنجبتهم قطر، ووهبتهم شمائل الإدارة الناجحة. وما من شك، في أن ما تركه هذا الرجل الفذ بين دفتي كتاب سيرته ومسيرته، يضعه حتماً في المرتبة الأعلى، التي لا يجاوره فيها، ولا يجاريه، إلا نفر قليل، من رواد النهضة القطرية، كل في مجاله. لقد كان الوجيه الراحل عبدالله بن حمد العطية شخصاً موثوقاً في محيطه الوطني، وفي وسطه العملي، وإطاره الوظيفي، وهيكله المجتمعي. وعندما أكتب عنه، فهذا يعني الكتابة، عن جزء لامع ساطع، من تاريخ قطر المعاصر، في مجال العمل التنفيذي. ويعني أيضاً، التوقف عند مرحلة مهمة، في مسيرة العمل الوطني، بحكم أن الراحل، شغل عدة مناصب مرموقة، أبرزها تولي منصب نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الطاقة، تحت القيادة الحكيمة، والإدارة الرشيدة، والإرادة القوية، والعزيمة الصلبة، لصاحب السمو الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أطال الله في عمره، ومتعه بالصحة والعافية. ولا تنبع مكانة العطية، من المواقف التي تقلدها، والمناصب الرفيعة التي تبوأها، بل اكتسب أهميته المجتمعية، باعتباره، بحق لا مبالغة فيه، أحد رموز النزاهة الوطنية، والشفافية الإدارية. إلى جانب أنه، أحد رواد النهضة القطرية، في مجال الطاقة وصناعة الغاز الطبيعي، وخصوصاً بعد ارتباط اسمه، بالتحول التاريخي الذي جعل قطر، أيقونة تصدير الغاز المسال في العالم. وهذا الإنجاز الحضاري، جعله من أهم الشخصيات العالمية، في هذا المجال الحيوي من خلال رئاسته، لمنتدى الدول المصدرة للغاز. وإذا أردت التعرف بحق، على إنجازات العطية، عليك التوجه بنظرك إلى شعلة الغاز المتوهجة، في رأس لفان، التي تقوم بحرق الغاز الفائض، في الغلاف الجوي، لمنع تراكم الضغط العالي. وهي الشعلة، التي ساهمت في وضع قطر، في صدارة الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال، وجعلتها تتبوأ مكانها اللائق بين الأمم، من ناحية ارتفاع معدلات التنمية في البلاد. ولعل ما يميز العطية، أنه لم يكن يوماً باحثاً عن مجد شخصي، ولا منصب قيادي، ولا مغنم مادي، بل كانت المناصب تأتيه تباعاً، تقديراً لكفاءته ونزاهته، وطهارة يده. ومثلما كان خبيراً في شؤون النفط، وحقول الغاز، كان ضليعاً في حقول العلم والمعرفة، وكان عميقاً في التاريخ، عريقاً في السياسة، خبيراً في الرياضة، عظيماً في مجال الطاقة، ورمزاً من رموز النزاهة، وعلما من أعلام الشفافية، ورائدا من رواد المصداقية. أما أكثر وأشهر مميزات المرحوم عبدالله بن حمد العطية، توهجاً، فهي تتمثل في موقفه القومي القوي، وشعوره العروبي الأخوي، تجاه الأشقاء في الوطن العربي، وعلى وجه الخصوص في «بلد الأرز»، وحبه المخلص، والداعم والدائم لهذا البلد، وأهله. ومعرفته الوثيقة والعميقة، بكل تفاصيل التفاصيل، عن لبنان، أرضاً وشعباً وأرزاً ورمزاً. وأستطيع القول، إنه في كثير من الأحيان، كان لبنانياً، أكثر من الساسة اللبنانيين أنفسهم، في مواجهة الأزمات وحلحلة التحديات ولملمة الانكسارات، التي تعرض لها هذا البلد العربي. وكان دوماً، مدافعاً عن وحدة وحرية واستقلال واستقرار لبنان. هكذا عاش «بوحمد»، وغادر عالمنا، مصلحاً، صالحاً، نقياً، طاهراً، طيباً، شريفاً، محباً للخير. ولأنه لا مفر من الموت، الذي لا يستثني كبيرا أو صغيرا، ولا يفرق بين غني وفقير. أتوجه إلى الخالق عز وجل، طالباً الرحمة، لفقيدنا الكبير. اللهم ارحم عبدالله بن حمد العطية، واجعل قبره مناراً مستضاء، لا يشكو فيه ظلمة ولا ضيق. وإلى جنات الخلد، أيها الرجل البار، الواصل بأعمالك الخيّرة، المتواصل بأفعالك النيّرة، والباقي معنا بروحك الجميلة، ومواقفك النبيلة، التي لا تنسى.
3759
| 04 يونيو 2026
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.. قائد بحكمته.. زعيم بحنكته.. أمير بإنسانيته - سقوط المروحية.. جعلنا ننصهر في بوتقة وطنية.. لا فرق فيها بين الكبير والصغير - عشنا «الولعة» حباً في الوطن.. و«اللوعة» حزناً على شهداء الوطن - حفظ الله قطر.. من كل شر.. وكل ضر.. وكل خطر عاشت قطر، حالة غير مسبوقة، من الحزن الوطني، والشجن الاستثنائي، الذي كان يتدحرج في النفوس، مثل دحرجة أمواج الخليج العربي، التي تأتي من بعيد، وترتطم بالشاطئ! ولم تختلف هذه الحالة، الحافلة بالعواطف، عن العواصف، التي شهدتها البلاد، خلال الأيام الماضية، وتخللها برق كثير ورعد مثير! ومثل هطول سحابة من المطر الغزير، عشنا كمداً، استقر في نفوسنا كالغدير، اختلطت فيه «الولعة»، حباً في الوطن، و«اللوعة» حزناً على شهداء الوطن. وتأثراً بهذه النازلة، كانت الحالة الوطنية، متنامية في النفس، متصاعدة، في الأنفاس، أحدثت في دواخلنا، شيئاً من كل شيء، من ذلك الإحساس، الذي يسمونه الأسى، المخلوط بالحسرة والممزوج بالحرقة، والمعجون باللوعة، التي جعلت قلوبنا، تخفق شجناً، وتنبض وجعاً، طوال الوقت. وهي حالة من الحزن الشديد، التي شعرنا بها جميعاً، دون أن يكون لها سقف محدد، أو وصف محدود. لكن مهما كان وصفها، فقد كانت، من ذلك الشعور الصعب، الذي لا يوصف، لأنه يعبر السدود، ويتجاوز الحدود. وفي سياق ذلك التوصيف، انصهرنا جميعاً في بوتقة واحدة، ضمن مشهد وطني جامع، لا فرق فيه، بين المواطن والمقيم، الكبير والصغير. وكان في صدارة المشهد «صاحب السمو» الأمير، الذي أثبت في مواقفه ـ كعادته ـ أنه أمير بإنسانيته، مثلما هو قائد بحكمته، وزعيم بحنكته، وإنسان بعاطفته الجياشة، تجاه أبناء شعبه، في السراء والضراء، وفي مواكب الأفراح، ومراسم العزاء. وفي سياق هذا الوفاء للشعب، والوطن والدولة، كان سموه حريصاً على أداء صلاة الجنازة، على الشهداء، في جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب بالدوحة. كما شارك سموه، في مراسم تشييع جثامين شهداء الوطن، بمشاركة أسرهم، وقدم واجب العزاء لذويهم. ولم يغب عن هذا المشهد العظيم- الذي سيظل محفورا في ذاكرتنا- سمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني الممثل الشخصي للأمير، وسمو الشيخ عبدالله بن خليفة آل ثاني، وسمو الشيخ محمد بن خليفة آل ثاني، وسعادة الشيخ جاسم بن خليفة آل ثاني، ومعالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية. وكذلك سعادة السيد حسن بن عبدالله الغانم رئيس مجلس الشورى، والعديد من أصحاب السعادة الشيوخ والوزراء وسعادة الدكتور مصطفى كوكصو سفير الجمهورية التركية الشقيقة لدى الدولة وكبار الضباط ومنتسبي القوات المسلحة القطرية والقوات المشتركة القطرية التركية، وجموع المواطنين والمقيمين، في مشهد يؤكد عمق الروابط الأخوية والاتحاد أمام الشدائد والتوحد عند المصاعب، والراحة الجماعية، والطمأنينة المجتمعية، التي تجمع بين منتسبي القوات المسلحة وجميع المواطنين والمقيمين على هذه الأرض الطيبة. وبصراحة نستطيع القول إنه لا شرف، يضاهي هذا الشرف الوطني، فهم شهداء قطر، الذين طرزوا بتضحياتهم، قائمة الفخر، مثلما تزين نجوم الليل اللامعة، السماء الحالكة، وقت السحر، وتنشر أضواءها البراقة، حتى بزوغ الفجر. وتضم قائمة العز والفخر: النقيب طيار مبارك سالم دواي المري. والنقيب طيار سعيد ناصر صميخ. والرقيب فهد هادي غانم الخيارين. والوكيل عريف محمد ماهر محمد. وهؤلاء الشهداء، لم يسيروا لأداء مهمتهم الروتينية، بحثاً عن مكسب شخصي، أو مجد فردي، أو بطولة خاصة، لكنهم استجابوا لنداء الواجب الوطني. وكانوا يدركون، أن حماية الوطن مسؤولية عظيمة، وصون السيادة الوطنية واجب دفاعي، والدفاع عن قطر، خيار لا يقبل التردد، ولا يحتمل التأخر. وما من شك، في أن قصة استشهادهم، ستبقى تسطع في سماء الوطن، وتلمع في أجواء قطر، وتشكل قدوة لنا، وللأجيال القادمة، وتدفع شبابنا، لبذل المزيد من العطاء، تلبية لنداء الواجب الوطني. لقد دخل هؤلاء الشهداء، تاريخ الوطن، من أوسع أبوابه، وباتوا يمثلون تاريخا لن يهمله التاريخ، بعد استشهادهم في لحظة قطرية فارقة، لها دلالاتها الوطنية، ومدلولاتها المجتمعية، ولها أيضاً أبعادها الإنسانية. والحمد لله، الذي جعل الإنسانية، بجلالها وجمالها، وكمالها، وخصالها، وعظمتها حاضرة في دولتنا، وتحديداً في ذلك المشهد، الشاهد، على أولئك الشهداء. علماً بأنه، ليس كل من ينتمي، إلى البشر، تجده بالضرورة، إنساناً، مشهوداً له في سلوكه، وبارزا في تصرفاته، ومعروفا بمواقفه ومعترفا له بتعامله الإنساني مع الناس. ولأن الإنسانية في قطر، ليست مجرد كلمات تقال، أو عبارات تكتب، أو مفردات تسجل، ولكنها تتشكل، في المواقف النبيلة، والأفعال الجليلة. ولأنها سلوك حضاري، وأسلوب حياة في التعامل مع الآخرين. ولأنها أصل وفصل، متأصل في الإنسان الأصيل، فقد اكتمل الموقف الإنساني القطري النبيل، وكمُل نبلاً، وتكامل جلالاً، وزاد وفاء، بقيام «صاحب السمو» بتقديم واجب العزاء في شهداء القوات المشتركة القطرية ـ التركية. وكان العزاء الأميري، موجهاً للشعب التركي الشقيق، رئيساً وحكومة وشعباً، وإلى أهالي الشهداء الأتراك الثلاثة، الذين كانوا على متن الطائرة المروحية العسكرية القطرية، قبل سقوطها في مياهنا الإقليمية. وهم الرائد في الدفاع الجوي «سنان تاشكين»، بالإضافة إلى اثنين من الفنيين وهما: سليمان جمرة كهرمان، وإسماعيل أنس جان. و الحقيقة المؤكدة، أن «صاحب السمو»، من خلال موقفه الإنساني، في التعامل مع فاجعة استشهاد منسوبي قواتنا المسلحة، أكد قولاً وفعلاً وتفاعلاً، أنه «تميم» الزعيم الذي يتمم صالح الأعمال في دولته، ويواصل صادق الأفعال في وطنه. وهذه كلها، من فضائل الأخلاق، التي تعكس أخلاق الرجال، وتصل بصاحبها، إلى أعلى مراحل الجمال، وأثمن درجات الكمال. ويعكس موقفه، في التعامل الإنساني، مع حادثة استشهاد أبناء الوطن، قيمة الإنسان في قطر. كما يؤكد، أن الإنسانية، لها الأولوية في السياسة القطرية، وأن الإمارة مسؤولية، والوطن أمانة، والحكم موقف، وأن التعامل الإنساني مع الناس شرف، وليس تشريفا. وهذا الموقف المشرف، يؤكد، أننا شعب يعرف قيمة الوطن ويقدر المواطن، ويحرص على تطبيق واجبات الوطنية، ولسنا نعيش في عوالم الرفاهية. ومثلما للدولة حمائمها وقت السلام، فإن لها حُماتها وجنودها ورجالها وأبطالها، الذين يدافعون عنها، ويثبتون وجودهم في أصعب المواقف. ولها أيضاً شواهدها وشهداؤها، الذين يضحون بأرواحهم دفاعاً عن الوطن. وهم أولئك الرجال الأبطال، الذين نذروا أنفسهم للواجب الوطني، الذي كلفوا به، وانتدبوا إليه. وهكذا هي قطر، كانت هكذا في الماضي، وستظل هكذا في الحاضر، وستبقى كذلك في المستقبل، حيث الدفاع عن سيادتها، ضرورة وطنية، كالماء والهواء. وحيث الفداء يتواصل، دفاعاً عنها، في الأرض والسماء. وحيث تأمين حدودها، يتعزز في البحر والصحراء. وحيث صيانة ترابها الوطني، أولوية أساسية، في سائر الأرجاء وكافة الأجواء. وحيث مواقف الوفاء لا تنقطع، افتخاراً بتضحيات الشهداء. ولعل ما يميز، سيرة أولئك الرجال الأوفياء، ومسيرة الأبطال الشرفاء، الذين استشهدوا، في سبيل الذود عن الوطن، أنهم أدوا واجبهم الوطني بإخلاص، بعدما نذروا أنفسهم فداء ودفاعاً عن تراب قطر. وما من شك في أن المنزلة العالية، والمكانة الرفيعة، التي يبلغها كل واحد فيهم، عند ربه، وفي مجتمعه، ووسط عائلته، ستبقى قائمة وحاضرة، مهما انقضت الأيام، وتوالت السنوات، وتواصلت التحديات. وبطبيعة الحال، وفي جميع الأحوال، لا جدال، في أن الاستشهاد، دفاعاً عن الوطن، يعطي الشهيد حياة أبدية، عوضاً عن حياته الفانية، حيث يكرمه الله بحياة أخرى، فيها من الرزق، ما لا يكون مثله في الدنيا، تجسيداً لقوله تعالى، في الآية (169) من سورة آل عمران، التي يقول فيها عز وجل: «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون». وهكذا يظل شهداء الوطن، أحياء في الذاكرة الوطنية، وإن كانت أجسادهم في التراب، يرزقون من ثمار الجنة، ونعيمها، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وسيبقى شهداء قطر، نموذجاً في الشجاعة، وقدوة في التضحية والفداء، وهذا يستوجب منا أن نقف جميعاً بكل اعتزاز واحترام، أمام تلك الأرواح الطاهرة، التي انتقلت إلى بارئها، وأن نحافظ جيلاً بعد جيل على عطائهم الكريم، وتاريخهم العظيم. رحم الله، شهداء الطائرة «المروحية»، وأسكنهم فسيح جناته، مع الشهداء، والصديقين والصالحين. وستبقى تضحياتهم مصدراً للعز، ومنبعاً لا ينضب للفخر. وحفظ الله دولتنا الغالية قطر. وحفظ أميرنا، وحكومتنا وشعبنا، من كل ضر، وكل شر وكل خطر.
6729
| 30 مارس 2026
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة الإيجابية -قطر بادرت عام 2007 بدعوة نجاد كأول رئيس إيراني يحضر قمة خليجية - لا توجد دولة حرصت على فك العزلة عن إيران أكثر من قطر - شبابنا يديرون بكفاءة واقتدار وإصرار مهمة الدفاع عن قطر - الأمر المعيب المخيب.. توظيف خليتين لصالح «الثوري» الإيراني في قطر - الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي متوغل ومتغلغل في مفاصل الدولة الإيرانية لا يوجد نظام سياسي على سطح الكرة الأرضية أو دولة على الخريطة الجغرافية، حرصت على فك العزلة الدولية المفروضة على الجمهورية الإيرانية، وسعت لدمجها سياسياً مع محيطها الإقليمي، وبناء الثقة مع جوارها الخليجي، وكسر الطوق المفروض عليها، أكثر من قطر. ولا يمكن لأحدهم إنكار أن الدوحة كانت حريصة على ترطيب الأجواء، وتلطيف الأرجاء، وتخفيف حدة التوتر وخفض التصعيد، في المنطقة، وإزالة الاحتقان السياسي، ومعالجة الانسداد الدبلوماسي مع إيران. وتوجت قطر هذه التوجهات الودية تجاه إيران، عبر توجيه الدعوة لرئيسها الأسبق محمود أحمدي نجاد، لحضور قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية الثامنة والعشرين، التي عقدت في عاصمتنا القطرية يومي الثالث والرابع من ديسمبر عام (2007). وكان ذلك حدثاً سياسياً غير مسبوق، في تاريخ المجلس الأعلى الخليجي، بعدما أصبح الرئيس نجاد أول رئيس إيراني يحضر قمة خليجية عربية ويشارك فيها، وتسمح له الدولة المستضيفة قطر بمخاطبة ضيوفها، من قادة الخليج. وقد وصفت القمة يومها بأنها من أنجح القمم الخليجية، وأكثرها توهجاً سياسياً، ولمعاناً إعلامياً، وتميزاً دبلوماسياً، لأنها شكلت نسقاً جريئاً، ومنعطفاً جديداً، في علاقات دول مجلس التعاون مع إيران. وتم ذلك بفضل السياسة القطرية الواقعية، التي سعت ومهدت ودشنت فتح صفحة جديدة بين الخليجيين وجيرانهم الإيرانيين. وكان من أبرز نتائج تلك القمة أنها وفرت الفرصة للتقارب بين الرياض وطهران، وهذا تجلى في دعوة الملك عبدالله للرئيس الإيراني لأداء فريضة الحج وهو ما تم بالفعل. ولا أنسى الصورة التي تم التقاطها وجمعت خادم الحرمين الشريفين مع الرئيس الإيراني وهما يبتسمان، على هامش قمة الدوحة الاستثنائية. وخلال هذه القمة أيضاً، عقد الرئيسان: الإماراتي الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ونظيره الإيراني اجتماعاً، بحضور صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، ومتعه بالصحة والعافية والعمر الطويل المديد السعيد. ثم تحول الاجتماع إلى قمة ثنائية مغلقة بين رئيس الإمارات الراحل، رحمه الله، ونظيره الإيراني، لبحث المسائل العالقة بين البلدين. وطوال العقود والعهود الماضية، لم يصدر من قطر ضد إيران أي موقف عدائي أو خطاب عدواني، يشوش العلاقة الودية بين الدوحة وطهران. وكانت التصريحات الرسمية القطرية تتسم دوماً بالعبارات الأخوية، والمفردات الواقعية تجاه الجمهورية الإيرانية، بعيداً عن الوقيعة مع نظامها وشعبها وجمهورها. ومع تصاعد التعقيد بشأن البرنامج النووي الإيراني، كانت الدوحة دوماً حمامة السلام التي ترفرف بجناحيها، لإيجاد تسوية عادلة تحفظ للجمهورية الإيرانية مصالحها الاستراتيجية، وحقها في الحصول على الطاقة النووية السلمية. وفي كل تعقيد في هذا الملف المعقد، ووصول إيران إلى مرحلة العقدة الحرجة مع الإدارة الأمريكية، كانت قطر تحرص على التوسط، لتقريب وجهات النظر بينها وبين الولايات المتحدة. وكانت الدوحة تهدف من هذه السياسة المتوازنة إلى خفض التصعيد في المنطقة، وإزالة مسببات التعقيد، وعدم التعامل مع إيران بلغة التهديد والوعيد. وجاء هذا الموقف القطري احتراماً للعلاقات التاريخية والحضارية والثقافية واعترافاً بالواقع الجغرافي الذي يربطنا بها، باعتبارها من دول الإقليم. ولا يوجد جدار يفصل بينها وبيننا، لأنها تشترك مع دول المنطقة بروابط عديدة، أبرزها إطلالتها على أطول ساحل خليجي يمتد شرقاً ويتواصل شمالاً على طول الخليج العربي، أكرر الخليج العربي. ورغم كل هذه المواقف القطرية الودية، تنكرت طهران لمواقف الدوحة الإيجابية واستهدفتها بصواريخها الباليستية ومسيراتها الانقضاضية وطائراتها الحربية. وها هي تواصل عدوانها الغاشم على قطر، وتستهدف المؤسسات المدنية ومرافق الطاقة الحيوية والمنشآت الصناعية، وكأنها تريد تعطيل الحركة والحياة والحيوية والنشاط في البلاد وترويع العباد! ولكن، بفضل الله، ورعاية الله، وعناية الله، وحماية الله، وإرادة الله، وفضل الله، ومشيئة الله، نجحت منظومتنا الدفاعية، المتنوعة، والمتعددة، في إسقاطها، بعدما تصدت لها بكفاءة واقتدار وإصرار، نتيجة الجاهزية العالية، واليقظة الأمنية الوافية. وقد أشارت الى ذلك وزارة الدفاع، عندما قدمت ملخصا لإجمالي الهجمات منذ بدء العدوان الإيراني، مؤكدة أنها رصدت عددا من الأهداف الجوية والصاروخية، وتم التصدي بنجاح لمعظمها. وقد أكدت الوزارة أنه تم التصدي بنجاح لطائرتين مقاتلتين من طراز «SU-24»، و«3» صواريخ كروز، و«98» صاروخا باليستيا من أصل «101»، و«24» طائرة مسيرة من أصل «39»، وهذه نسبة تعد ممتازة جدا في عالم التصدي للهجمات العدوانية. وما زالت إيران- للأسف- تواصل استراتيجية العدوان على الجيران دون أي حرص على حسن الجوار، ودون إظهار أي مؤشر على عدم انتهاك سيادة الجار. والمعيب المخيب أن توظف إيران «خليتين» داخل قطر، تعملان لصالح الحرس الثوري الإيراني! وتكلفهم بالقيام بمهام تجسسية، لجمع المعلومات عن المنشآت الحيوية والعسكرية في الدولة واستهدافها بأعمال تخريبية، باستخدام الطائرات المسيرة. وكل هذا يتم بتخطيط من ذلك الذراع الإيراني العدواني المسمى «الحرس الثوري». والمؤسف أن إيران باتت تطلق نيرانها على جيرانها، وتوجه عدوانها على كل الاتجاهات الخليجية، وتهاجم بصواريخها ومسيراتها جميع الجهات العربية في الإقليم الخليجي، وتعتدي على من لا ينبغي الاعتداء عليه، من الجيران الإقليميين، دون أن تتوجه بعدوانها على عدوها الحقيقي، الذي يخطط لإسقاط نظامها السياسي! ودون أن تستهدف مسؤولاً صهيونياً واحداً، ودون أن تصيب وزيراً إسرائيلياً وحيداً، من أولئك الذين يعيثون فساداً بجواسيسهم، ويعبثون في الداخل الإيراني، بلا رقيب أو حسيب. وهذا هو الأمر العجيب، المتمثل في حجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي، المتوغل والمتغلغل في مفاصل الدولة الإيرانية! وبعيداً عن أعداء إيران المعروفين، الذين يخططون لإزالة نظامها من الخريطة السياسية، وفي مقدمتهم نتنياهو، وايتمار بن غفير، وسموتريتش، ويسرائيل كاتس وزير العدوان الإسرائيلي، وغيرهم من قيادات حكومة التطرف الصهيوني، ومن يقف خلفهم، هناك في واشنطن، ويدعمهم لوجستياً وعسكرياً، واستخباراتياً. فإنني أتساءل، بحجم مساحة الجمهورية الإيرانية: لماذا هذا العداء الإيراني لدول الخليج العربي؟ لماذا هذا العدوان الصاروخي الغاشم المتواصل من إيران على عواصم وحواضر الجيران؟ لماذا أصبحت صناعة الأزمات وإثارة الخلافات وإشعال الصراعات الإيرانية مع دول المنطقة منهجاً إيرانياً؟! ومنذ نجاح الثورة الإيرانية، في إسقاط النظام «الشاهنشاهي» عام (1979)، لم نلمس بادرة إيرانية حقيقية، تعكس رغبة طهران، في إقامة علاقات متكافئة مع دول الخليج تقوم على الاحترام المتبادل ومبادئ حسن الجوار. والأمثلة كثيرة،،،،،،، والملاحظ، إمعان إيران في افتعال الأزمات مع دول الخليج العربية، والسبب أن من يمسكون مقاليد السلطة، المتسلطة هناك، في الجمهورية الإيرانية، ويحكمون البلاد، ويتحكمون في قرارها يعتقدون أنه لا يمكنهم إيجاد حلول لمشكلاتهم مع الغرب والولايات المتحدة، إلا عندما تكون علاقاتهم مضطربة مع جوارهم الإقليمي، وتسودها حالة طوارئ مزمنة. وهذا يدفعهم إلى خلق بيئة من الصراعات والصدامات والتهديدات الموجهة إلى جيرانهم والاعتداءات المتكررة على جوارهم الإقليمي، حتى لو لم تكن مسببات كل ذلك غير موجودة. ثم يأتي عباس عراقجي وزير خارجية إيران ويطلق تصريحاً يخلو من الدبلوماسية، وزعم بأن بلاده قامت بإبلاغ قطر مسبقاً بالهجمات التي استهدفتها! وما من شك أن هذا الادعاء يعني محاولة تمرير وتبرير العدوان. وهو محاولة يائسة بائسة لخداع الرأي العام، عبر اللجوء إلى «الكذب الاستراتيجي». وهذا يؤدي إلى تقويض الثقة في تلك الشخصية التي تفتقد إلى المصداقية. وهكذا، تتصرف إيران الآن بأسلوب طائش أهوج أخرق أرعن، من خلال عدوانها المتواصل على دول الخليج. وهي بهذا الفعل العدواني أشبه برجل أحمق يشعل النيران في مساكن جيرانه، التي تجاور بيته، ليثبت للمراقبين ضرورة إطفاء ألسنة النار المشتعلة في منزله. وحتى يتم إطفاء الحريق الإيراني فلتعلم إيران وشعبها وجمهورها أننا في دول الخليج العربية، التي تستهدفها بصواريخها، لم نستهدف قادتها وضباطها ورموزها في القطاعات السياسية، والعسكرية، والأمنية. ولم ندمر مواقعها الحيوية، وبنيتها التحتية. ولم تنطلق من محيطنا العربي، رصاصة واحدة، باتجاه الجمهورية الإيرانية، التي سعينا لإيجاد الحلول لمشكلاتها، فلماذا هذا العداء؟ تعالوا إلى كلمة سواء. نعم.. تعالوا يا جيراننا إلى كلمة سواء. وأكررها ثانية وثالثة: تعالوا إلى كلمة سواء. وأتوجه إلى الله عز وجل بهذا الدعاء: اللهم إنا نستودعك قطر، أميرها وشعبها، أرضها وسماءها، برها وبحرها، أمنها واستقرارها، وسلامتها، وسكانها، والمسكونين بحبها، الأوفياء لها. اللهم من أراد بها شراً، رد كيده في نحره، وانصر قواتنا المسلحة، في جميع القطاعات وسائر التشكيلات العسكرية، وكل من يعملون في أجهزتنا الأمنية. وانصر شبابنا الذين يديرون بكفاءة واقتدار وإصرار مهمة الدفاع عن قطر عبر منظومتنا الدفاعية. اللهم سدد ضرباتهم الموجهة نحو الأهداف المعادية، من الصواريخ والمسيرات والطائرات. وأسقط كل عدو يستهدف وطننا قطر.
2586
| 07 مارس 2026
-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا الجوية نجحت في إسقاط صواريخ العدوان ومسيرات إيران - الاستهداف الصاروخي الإيراني أدى لترويع المدنيين وإزعاج الآمنين - إيران فقدت الضوابط الأخلاقية التي تحكم علاقاتها الخليجية! - تخطئ إيران كثيراً عندما تخلط الحابل بالنابل وتستهدف دول المنطقة - الدوحة عملت بلا كلل أو ملل لإخراج إيران من أزماتها الخارجية - إيران خسرت تعاطف الرأي العام الخليجي لجارة تتعرض لعدوان صهيو أمريكي بداية.. أوجه تحية مطرزة بالفخر، إلى قيادتنا الحكيمة، وتحية أخرى، مغلفة بالشكر، لحكومتنا الرشيدة، على إدارتهم الناجحة، لملف الأحداث الدراماتيكية، التي تشهدها المنطقة. وحرصهم على امتلاك قطر، كافة القدرات الدفاعية، وتوفير كامل الإمكانيات التكنولوجية، وجميع المتطلبات اللوجستية، لحماية أمن الوطن والمواطن والمقيم، والتصدي الناجح لأي تهديد خارجي. والتحية موصولة، بسرعة «فرط صوتية»، إلى قيادات وزارة الدفاع، وضباطها ومنسوبيها، لنجاحهم في صد الهجمات الصاروخية الإيرانية، التي استهدفت بلادنا، وحسن تعاملهم الفوري، مع التحديات الأمنية، وإسقاطهم صواريخ العدوان، واصطياد مسيرات إيران، قبل وصولها إلى أهدافها. ولا بد من التأكيد، وإعادة التأكيد، على الحقيقة المؤكدة، بشكل أكيد، أن نجاح القوات المسلحة، في التصدي للصواريخ الإيرانية، هو نتيجة يقظة قطرية مستمرة، وعمل استباقي لا يتوقف، بعدما وضعتنا الجغرافيا، في جوار إقليمي مستهدف. ووسط هذه البيئة الحاضنة للتوتر، التي تعاني من التصعيد، يصبح الحفاظ على الأمن الوطني، هو العمود الفقري، لأي استقرار سياسي، وأي نجاح اقتصادي، وازدهار اجتماعي. والحمد لله، أن دولتنا باتت تملك واحدة، من أفضل منظومات الدفاع الجوي في العالم، وتتوفر لديها آخر ما توصلت إليه التكنولوجيات الدفاعية، والمستجدات العالمية، في هذا الشأن، وأثبتت الأحداث التي نعيشها، جودتها وحسن فعاليتها، وقدرتها على صد العدوان. وما من شك في أن الدعم اللامحدود، الذي يوليه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، لتطوير القوات المسلحة، جعلها تمتلك قوة ردع متطورة، قادرة على حماية الأجواء، وصيانة الأرجاء، والتدخل السريع، للتصدي لأي تهديد خارجي محتمل، أو عدوان منفعل، أو إشكال مفتعل. ولعل الأحداث الأخيرة، التي نعيشها، والتطورات التي نشهدها، أكدت للقاصي والداني و«الدنيء»، صحة هذه الحقيقة، بعد نجاح دفاعاتنا الجوية، في التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية، بالإضافة إلى التعامل الناجح مع الشظايا والمخلفات الصاروخية. ويعد نجاح عمليات الاعتراض الدفاعي الفوري، أمراً يدعو للفخر، بقدرات قواتنا المسلحة المتطورة، التي أصبحت تعتمد في عملياتنا الدفاعية، على هيكل تكنولوجي معقد، ونظام متعدد، يتكون من نطاقات مختلفة، وطاقات متنوعة، تشمل الدفاع الصاروخي الجوي والأرضي والبحري، وكلها تغطي الأراضي القطرية، وتحمي مياهنا الإقليمية، وتدافع عن أجوائنا بفاعلية. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يشمل الرادارات المتطورة، وأجهزة الإنذار المبتكرة، ذات الإشعارات، وصاحبة الإشارات المبكرة التي ترصد النشاطات الجوية المعادية، من مسافات بعيدة، خارج الأجواء القطرية، مثل «زرقاء اليمامة»، التي اشتهرت بامتلاكها جودة النظر، وحدة البصر. وفي داخل قطر، تستحق وزارة الداخلية، وضباطها وكوادرها، أن أوجه لهم التحية باعتبارهم «العيون الساهرة»، على أمن الوطن، وسلامة المواطن، وكل من يقيم ويسكن ويعيش آمناً في قطر. ولا شك في أن السياسات الأمنية الناجحة، التي تنتهجها وزارة الداخلية، والعمل البارز، الذي يقوم به رجالها، له دور مهم، في التصدي لمختلف التهديدات، ومواجهة جميع التحديات. ولا أنسى البيانات التوضيحية، التي تنشرها في هذه الظروف الطارئة، ولا أقول القاهرة، وحرصها على التنبيه، بأهمية رفع مستوى اليقظة الوطنية، في مختلف الأوساط المجتمعية. والتأكيد، على أهمية أن يتحول كل مواطن، إلى حارس للوطن، وهو في بيته، من خلال التزامه بالتعليمات والتوجيهات، الصادرة من الجهات المختصة، التي تساهم في تشكيل وتفعيل اليقظة الوطنية. وفي إطار هذه اليقظة المجتمعية، لا ينبغي الاعتماد على الأجهزة المعنية وحدها، رغم دورها المحوري في حفظ الأمن. ولكن، المناعة الحقيقية، والمنظومة الدفاعية، تنبع من داخل المجتمع الواعي، الذي يدرك، أنه شريك فاعل ومتفاعل، في الدفاع عن وطنه، حتى وهو في بيته. وفي سياق ذلك، يتحقق الأمن الكامل، والنظام الشامل، عبر الوعي الوطني، الذي نكون خلاله حراساً للوطن، بقلوبنا وعقولنا، وعيوننا ووعينا، وفهمنا وحسنا، لما يجري حولنا، بعد استهداف دولتنا، بالصواريخ والمسيرات الإيرانية. وهنا تبرز نقطة محورية، يجب النظر إليها والوقوف عندها طويلا، وهي مدى مشاعر الاحترام الكبير لدور قطر في المجتمع الدولي، وجهودها الاستثنائية لإشاعة أجواء الأمن والاستقرار، منذ أن اتخذت مبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية والدبلوماسية الوقائية، والمساعي الحميدة بين جميع الدول، بعيدا عن الأثنيات أو القوميات أو الديانات، كأولوية في سياستها الخارجية، وهو التزام دستوري لدولة قطر، جعل من فض المنازعات بالطرق السلمية ركنا أساسيا من أركان سياستها الخارجية، وخير دليل على ذلك اتصالات قادة وزعماء العالم المستمرة بحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإدانتهم العدوان الإيراني الغاشم. وما من شك في أن الاستهداف الصاروخي الإيراني، الذي شمل عواصم وحواضر مجلس التعاون، يعد انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية، وتجاوزاً على القانون الدولي، وعدواناً سافراً على ميثاق الأمم المتحدة. وهو يدخل في سياق السياسة الحمقاء، والدبلوماسية الخرقاء، التي باتت إيران تتعامل بها مع جيرانها. والمؤسف أن الاعتداءات الصاروخية الإيرانية المتواصلة، أدت إلى ترويع المدنيين، وإزعاج الآمنين، والإضرار بمشاعر الساكنين. وبهذه الأفعال، أقولها بلا انفعال، إن إيران خسرت كثيراً من مكانتها في دول الخليج العربية. وخسرت الكثير من الثقة المتآكلة في نظامها السياسي. وخسرت الكثير من التعاطف الخليجي معها. وخسرت الرغبة، في مساعدتها لتسوية أزماتها الداخلية والخارجية، وما أكثرها. وخسرت تحسين علاقاتها مع جيرانها. وتخطئ إيران كثيراً، عندما تخلط الحابل بالنابل، وتستهدف دول المنطقة، بصواريخها وطائراتها المسيرة. وهي بذلك، تخسر تعاطف الرأي العام الخليجي، بحكم أنها جارة، تتعرض لعدوان «صهيوأمريكي». لكن اعتداءاتها على جوارها الإقليمي، تؤكد أنها تريد إشعال المنطقة، وإشغال سكانها، بمشاكلها مع الولايات المتحدة. وبهذه الأعمال العدائية الإيرانية، تثبت إيران أنها جارة جائرة، لا تستحق الثقة. ولا يمكن أن تكون شريكاً موثوقاً، في منظومة الأمن الإقليمي، أو التعاون السياسي، حاضراً ومستقبلاً. وأستطيع القول، إن إيران، خسرت علاقاتها مع دول وشعوب الخليج العربي الذين كانوا يتعاطفون معها، ويحاولون التوصل إلى تسوية سلمية لمشاكلها مع الإدارة الأمريكية، وأزماتها المزمنة مع الولايات المتحدة. ومن الواضح، أن الجمهورية الإيرانية، دخلت مرحلة اللاوعي، وفقدت الضوابط الأخلاقية والسياسية، التي تحكم علاقاتها مع دول الخليج العربي، وأصبحت تتصرف بلا توازن سياسي، وبلا اتزان قانوني، وكأن من يحكمها الآن، عصابة خارجة على القانون وخصوصاً بعد قيامها باستهداف سلطنة عُمان بصواريخها ومسيراتها، وضرب ميناء «الدقم»، التابع للسلطنة. وهي الدولة المسالمة، التي كانت تتوسط لها، وتسعى لإيجاد الحلول السياسية، لبرنامجها النووي، والوصول إلى تسوية سلمية، لمشكلتها الكبرى مع الإدارة الأمريكية. وبطبيعة الحال، وفي جميع الأحوال، لا يوجد أي تفسير، لقيام إيران باستهداف ميناء «الدقم» العُماني، المخصص للنشاط التجاري وليس العسكري، وضرب الميناء بطائرتين مسيرتين، استهدفت إحداهما سكن عمال متنقلا! بالإضافة، إلى هجومها غير المبرر، على ناقلة النفط «سكاي لايت»، شمال ميناء «خصب»، بمحافظة «مسندم» العُمانية. ولا يمكن لأي مراقب محايد، تبرير استهدافها إحدى صالات المطار في الكويت. ولا يستطيع أي متابع تمرير، استهدافها أحد المباني السكنية في البحرين. أو استهداف، أحد الفنادق في دبي. ووسط هذا التدوير العدواني، والتدمير الإيراني، لا يمكن السكوت، أو السكون، على أفعال طهران العدائية، وأعمالها العدوانية، ضد العواصم العربية والحواضر والمدن الخليجية، وخصوصاً الدول التي سعت بكل جهدها، لإيجاد تسوية عادلة للملف النووي الإيراني، يحفظ كرامة الجمهورية الإسلامية. وحسناً فعلت وزارة الخارجية، عندما استدعت السفير الإيراني، وأبلغته برسالة قطرية حازمة، ذات مفردات حاسمة، وعبارات واضحة، عبرت خلالها عن احتجاجها الشديد، واستيائها البالغ، ورفضها القاطع، واستنكارها الواسع، لاستهداف أجواء وأراضي قطر، بالصواريخ والمسيرات الإيرانية. وإدانتها، لهذا الفعل العدواني، الذي يشكل انتهاكاً سافراً لسيادة قطر، وتعدياً على حدودها، وتهديداً لأمنها، وترويعاً لأهلها، ورعبا لسكانها، وخرقاً صارخاً للقانون الدولي. وتم خلال الاستدعاء، ولا أقول الاستعداء، التأكيد، بأن هذا العدوان، يعد تصرفاً طائشاً، يتنافى تماماً مع مبدأ حسن الجوار، والعلاقات الودية، بين البلدين. لا سيما أن الدوحة، عملت بلا كلل أو ملل، أو وجل، أو عجل، لدعم الحلول الدبلوماسية، لإخراج إيران من أزماتها الخارجية. وسعت جدياً، لخفض التصعيد جذرياً، وتصرفت بمسؤولية أخلاقية، للحفاظ على المصالح الإيرانية. وبذلت المساعي الدبلوماسية الحثيثة، والجهود السياسية الصادقة، لخفض منسوب التصعيد في المنطقة. ثم فوجئت، مثل غيرها من عواصم الخليج، بأن إيران، تستهدفها بصواريخها ومسيراتها. وهذا يثبت تصرفها الطائش ضد دول مجلس التعاون، الذي لا يغيض صناعة، ولا يقل جودة، ولا ينقص كفاءة عن منسوجاتها وأعمالها المعدنية، وحياكة خيوط سجاداتها الفارسية !
1458
| 02 مارس 2026
-«الأولمبي الآسيوي».. موعد مع المجد في عهد «بوحمد» - صفات الرئيس.. سمو التفكير والشغف الكثير.. والطموح الكبير المحفز على التطوير - رئيس الرياضة الآسيوية يمثل الجيل الجديد من القادة برؤية عصرية وإستراتيجية قطرية -القائد القطري الأولمبي يواصل مسيرة الإنجاز الرياضي والنجاح الإداري هو قامة قطرية، ذات قيمة رياضية، تمتزج في شخصيته القيم الأولمبية، وتختلط في مواقفه الصفات الإدارية، وتتمحور في رؤاه المواصفات القيادية. وهذه السمات الشخصية كلها، تشكل شخصية الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني، رئيس اللجنة الأولمبية القطرية، الفائز برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي، الذي تأسس في السادس عشر من نوفمبر (1982). وبهذا الفوز المستحق، يتربع «بوحمد»، على رأس الهرم القيادي، لهذا الكيان القاري، ويصبح الرئيس الخامس، لهذا المجلس الرياضي، الذي يعتبر الهيكل التنظيمي الجامع، لكل اللجان الأولمبية الآسيوية، وعددها (45) لجنة وطنية. وها هو القيادي القطري الناجح، يواصل مسيرة الإنجاز الرياضي، والنجاح الإداري، والعمل الأولمبي الفالح، التي بدأها عام (2015)، بعد توليه رئاسة اللجنة الأولمبية القطرية، التي تأسست في الرابع من مارس عام (1979)، وأصبحت عضواً فاعلاً، ومكوناً متفاعلاً في أنشطة اللجنة الأولمبية الدولية، منذ عام (1980). وها هو يتبوأ أعلى منصب رياضي في القارة الآسيوية، ويصبح رئيساً لمنظومة الرياضة الأولمبية القارية، بدعم واسع من لجانها الوطنية، التي تتطلع لترسيخ قيم التميز الرياضي، وتطوير الأداء الأولمبي، بما يحقق تطلعات القواعد الجماهيرية، ويعزز مكانة القارة الآسيوية، وأبطالها ونجومها في الرياضة العالمية. والحكاية بدأت هناك وأكررها هناك، في طشقند، عاصمة أوزبكستان، كان الحدث، وكان تقليد الشيخ جوعان بوسام التفوق الرياضي، بمبادرة رئاسية، من فخامة الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، الذي حضر اجتماعات الجمعية العمومية السادسة والأربعين، للمجلس الأولمبي الآسيوي. وهناك، في العاصمة الأوزبكية، صوتت (44) دولة، من أصل (45)، لصالح «بوحمد»، في موقف قاري، يعكس ثقة اللجان الأولمبية الوطنية، بالإدارة القطرية، والإرادة الشبابية، ممثلة في قدرات الشيخ جوعان القيادية. وهنا في الدوحة، وسائر العواصم الآسيوية، يتواصل الحديث عن ذلك الحدث، وتتوالى التهاني للرئيس الجديد، لأكبر منظمة رياضية قارية، على مستوى الكرة الأرضية، وأهمها تهنئة مجلس الوزراء لسعادته بمناسبة تزكيته رئيسا للمجلس الأولمبي الآسيوي، وذلك في إنجاز جديد للرياضة القطرية، يعكس مكانة دولة قطر وما تتمتع به من ثقة وتقدير إقليمي ودولي، ولدورها الفعال وإسهامها الإيجابي وإنجازاتها المبهرة في المجال الرياضي. وهذا ليس بغريب على سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني، القيادي القطري الطموح والحريص على تعزيز الروح الأولمبية، في بطولات وملاعب ومسابقات القارة الآسيوية، وإطلاق القوة المحركة، للمنافسة الرياضية الشريفة، والمحفزة لملايين الرياضيين، والإداريين والمشجعين، والمتابعين في القارة الصفراء، التي تعتبر أكبر القارات تعداداً سكانياً، وأكثرها تنوعاً بشرياً وثقافياً وإنسانياً. ومن خلال كل هذا التنوع البشري، يسعى «بوحمد» إلى إسعاد الجماهير، وجعلهم سعداء، بأن تكون قارتهم الآسيوية، رقماً ذهبياً لامعاً، وليس دامعاً، في البطولات العالمية، لا يمكن لأي قارة أخرى تجاوزه، في المعادلة الأولمبية الدولية. ويمثل الشيخ جوعان، الجيل الجديد الشاب، من القادة الرياضيين، في القارة الآسيوية، الذين يتصدرون المشهد الأولمبي، ويملكون رؤية إدارية عصرية، تتجاوز المصلحة الذاتية، وتعمل لتحقيق المصلحة الجماعية، والمجتمعية. ويتبنى قائد الرياضة الآسيوية الجديد، استراتيجية إصلاحية، وفق رؤية قطرية، يسعى من خلالها لترتيب وتنظيم أوضاع البيت الأولمبي الآسيوي، وعلاجه من حالة «التأكسد»، ودفعه إلى مرحلة التجدد، والانطلاق بقوة لتحقيق المجد. ولعل ما يميز الشيخ جوعان، وهو الرئيس الأولمبي المجدد، أنه يملك سمو التفكير، والشغف الكثير، والطموح الكبير، المحفز على التطوير. ناهيك عن الحرص على توفير، بيئة تنافسية عادلة ومعدلة، تدفع إلى التغيير، وتعمل على الارتقاء، بأنشطة، أكبر منظمة رياضية قارية، عبر تعزيز الروح الأولمبية في عروقها، وتفعيلها في أروقتها، وتنشيطها في بطولاتها ومسابقاتها. وهذا يتحقق، من خلال مواكبة التكنولوجيا الحديثة، في قطاع الرياضة، والنهوض بالأنشطة الرياضية، عبر استخدام أحدث الأساليب العلمية، وتنظيم البطولات بطريقة مبتكرة، من خلال الاستعانة بأحدث السبل التكنولوجية. ولا أستثني من ذلك، استخدام تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، في التنظيم الرياضي، والتنسيق الإداري. ويكفي أن سعادته، حقق على مدى سنوات العقد الماضي، ما لم يحققه أي قائد أولمبي من أبناء جيله. ومن بين إنجازاته، تعزيز دور قطر، كقوة رياضية متنامية على الساحة الدولية، وترسيخ مكانتها، ومكانها كنموذج عالمي، في الاستضافة الرياضية. وفي عهده وعهدته، نالت الرياضة القطرية، شرف استضافة العديد من البطولات العالمية، أذكر منها على سبيل المثال، وليس الحصر، كأس العالم لكرة السلة (2027)، وكأس العالم لكرة الطائرة (2029)، وقبلها بطولة العالم لألعاب القوى (2019)، وبطولة العالم لكرة الطاولة (2025). ولا أنسى فوز قطر، بالذهب العالمي، تحت مظلة رئاسته اللجنة الأولمبية القطرية، بعد تتويج البطل القطري معتز برشم ببطولة العالم، في الوثب العالي، خلال (3) بطولات عالمية متتالية. وكانت البداية في لندن عام (2017)، والدوحة عام (2019)، ويوجين عام (2022). ووسط كل هذا، الإنجاز الرياضي القطري، وكل هذا المجد العالمي، يبقى سجل الشيخ جوعان مضيئاً، وسيظل ساطعاً، وسيستمر براقاً، خصوصاً أنه يتولى رئاسة اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الآسيوية، التي ستحتضنها الدوحة مجدداً عام (2030)، بعد نجاحها في استضافتها عام (2006). ولكل هذه النجاحات الرياضية المتتالية، وبسبب تلك الإنجازات القطرية المتوالية، يشكل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي، إنجازاً كبيراً، لا يحسب لشخصه فحسب، بل هو انتصار للرياضة القطرية، بكل شخوصها وشخصياتها وإنجازاتها وانتصاراتها، وبطولاتها. وهو إنجاز قاري، لكل رياضي وإداري قطري، ساهم في تأسيس اللجنة الأولمبية القطرية، ولكل الأجيال، التي أعقبت هذا التأسيس، وتعاقبت جيلاً بعد جيل، من الرياضيين والمدربين والإداريين والقياديين. وهو إنجاز إداري غير مسبوق لكل الرؤساء الذين تعاقبوا على رئاسة اللجنة الأولمبية القطرية. وكل هؤلاء يحق لهم أن يفخروا بأن القيادي القطري الشاب «ابن الوطن»، أصبح رئيساً للمجلس الأولمبي الآسيوي. وعندما أقول ذلك، لا أنسى الدور التاريخي والتأسيسي والقيادي، الذي لعبه الشيخ فهد الأحمد، باعتباره الأب الروحي لهذا المجلس. وهو أول من تولى رئاسته عام (1982)، وتميزت فترته الرئاسية، بوضع القواعد الأساسية، واللبنات التنظيمية، بعد إشهار هذا الكيان الرياضي القاري. ومن خلال شخصيته القيادية الفذة، منح القارة هوية رياضية مستقلة ومستقرة، حتى رحيله عام (1990). وقد عايشته رياضياً، وعاصرته إنسانياً، وحاورته صحفياً، ومنها حوار أجريته معه عام (1984)، خلال بطولة كأس آسيا، التي أقيمت في سنغافورة، وشهدت انطلاقة منتخبنا العنابي، على المستوى القاري. وأشهد، على كل صعيد، أن الراحل الشهيد فهد الأحمد، كان قيادياً رياضياً، من الطراز الفريد، وكان محنكاً في مؤتمراته الصحفية، وحكيماً في تصريحاته الإعلامية. وهذه الصفات، وغيرها، يمتاز بها الرئيس الجديد، للمجلس الأولمبي الآسيوي، سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني، الذي أثار إعجابي الشديد، في مؤتمره الصحفي الأول، بعد فوزه بالرئاسة. ولعل ما أثار اهتمامي، كمتابع إعلامي، ومشجع رياضي، وصحفي قطري، صاحب تجربة عتيقة وخبرة عميقة، في تغطية الأحداث الرياضية، والبطولات الآسيوية، في بداية مسيرتي الصحفية، ما أعلنه سعادته، وأكده في مؤتمره الصحفي قائلاً: «لسنا هنا للبحث عن الأضواء، التي هي من حق الرياضيين، وما أريده في المجلس الأولمبي الآسيوي، أن يتحدث عملنا عن نفسه». وفي هذا التصريح، تأكيد صريح، على نكران الذات، والحرص على المصلحة الجماعية، على حساب البهرجة الشخصية. وهذا يعني، فيما يعني، أن رئيس المجلس الأولمبي الآسيوي الجديد، يريد التأكيد، أنه لا يكبر بأضواء هذا المنصب. ويؤكد أيضاً، الحقيقة الثابتة، والراسخة والساطعة، أن المنصب الرئاسي، يكبر لشخصية صاحبه، وأن الرئاسة، تتطور بأعمال رئيسها، وتزدان بحسن إدارته. وفي إطار هذه الثوابت الإدارية، ينطلق من هنا، من قطر، شعار المرحلة الجديدة، في المجلس الأولمبي الآسيوي، برئاسة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني، ويتلخص هذا الشعار، في عبارة براقة، تعكس معاني التعاون والشراكة، وتتشكل مفرداتها، في الكلمات التالية: «معاً نعمل من أجل آسيا». وبطبيعة الحال، سيعمل بوحمد، على ترجمة هذا الشعار إلى واقع، يتأكد بالأفعال، وليس الأقوال، ويتجسد بأعمال الرجال، ويتحقق بإنجازات الأبطال، وقطر لها تجربة ناجحة في صناعتهم، والتفوق في انتشارهم، والتألق في إبرازهم، والأمثلة كثيرة، لا تستطيع هذه الكلمات تحديدهم، ولا يمكن لهذه هذه المقالة حصرهم.
2835
| 29 يناير 2026
-«مغربية وسط سكة تلاقينا» عندما أكتب، بكل تقدير، عن الزميل الراحل، أحمد عبدالملك، الإعلامي القدير، لا أقول إننا في أمسية «مغربية وسط سكة تلاقينا». ولا أسجل في هذا المقال، شهادة وفاة، ولا أكتب رسالة رثاء، وإنما أدوّن إشادة وفاء، لزميل إعلامي خبير، وأديب كبير، عايشته وعاصرته، وعملت وتعاملت معه. أكتب هذه الإشادة، وفاء لقيم الزمالة المهنية، وأخلاقيات المهنة، التي جمعتني به. أكتبها في «أحضان المنافي»، وهو عنوان روايته الصادرة عام (2005). أكتبها بكل إنسانية، و«بلا دبلوماسية»، وهذا عنوان كتابه الصادر عام (2006)، ويتضمن مجموعة مختارة من مقالاته المنشورة، في الصحافة القطرية. أكتبها، بعدما طوى زميلي الروائي «أحمد»، المولود في الفاتح من يناير عام (1951)، صفحته الأخيرة، وأسدل أهداب عينه إلى الأبد. وقبل رحيله، اختلفت معه، في بعض المواقف، واتفقت معه، في الكثير من الوقفات، وبقي الاحترام المتبادل بيننا. والأهم، أن الشيء المشترك، ولا أقول المشربك، بيني وبينه، أنه يحمل اسمي، وأنا أحمل اسمه، فكلانا أحمد! وكلانا نعمل في مجال إبداعي محمود، ونحمد الله على فرصة الظهور في أروقة الإعلام القطري، والاستفادة من أجواء الحرية الصحفية الواعية، والمسؤولة، التي ننعم بها في دولتنا قطر، التي تؤمن بمبدأ حرية التعبير. وفي إطارها، نواصل تحقيق طموحاتنا المشروعة على طريق النجاح المهني في الوسط الإعلامي. ولا أكشف سراً، أنني عرفت الزميل الراحل، قبل أكثر من (40) عاماً، وتحديداً في بدايات عام (1983)، بعد عودته من الولايات المتحدة، حاملاً شهادة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة «بافلو»، وعودتي من العاصمة المصرية عام (1981)، بعد تخرجي من كلية الإعلام بجامعة القاهرة. وكان اللقاء الأول بيننا، في تلفزيون قطر، وكان وقتها يتولى إدارة مراقبة الأخبار، وكنت حينها، أتولى رئاسة قسم الخدمات الإخبارية، في نفس الإدارة التلفزيونية. وبعدها زاملته، عندما كنت رئيسا لتحرير «الراية»، وكان يشغل رئاسة تحرير شقيقتها «جلف تايم» الصادرة باللغة الإنجليزية. وطوال سنوات معرفتي به، التي تمتد إلى أكثر من (40) شتاء، أو (40) صيفاً، وجدت فيه شخصيته الإعلامي الموهوب، والصحفي المحبوب، صاحب الطاقة الثقافية القطرية، التي تنبض بالفكر والإبداع والمعرفة. وكان خلال تلك السنوات، رفيقي في مهنة المتاعب، وكنت رفيقه في التعب، وزميله في الشغف، والبحث المتواصل عن الجديد المختلف في عوالم الصحافة، بعيداً عن الفكر المتخلف. وخلال عمله الإبداعي، في تلفزيون قطر، كان لديه دوماً، ما يثري الشاشة، ويغري المشاهد، بالإصغاء إليه، والإعجاب بما يقدمه في برامجه الإخبارية أو الحوارية. ولكل هذا الإبداع الإعلامي، لا يستطيع أي منصف إنكار أن الزميل الراحل أحمد عبدالملك يعد واحداً من ألمع الإعلاميين القطريين، وأشهر الصحفيين الخليجيين، وكانت كتاباته بمثابة مصابيح مضيئة، تسطع بالنور، وتنشر التنوير. ولعل ما يميز الراحل أنه خلال مسيرته الإعلامية الطويلة، كان أديباً بين الصحفيين، وفي نفس الوقت صحفياً بين الأدباء الروائيين. وكانت إصداراته تبعث بحكم أسلوبه الرائع، ومسلكه الماتع، خيوطا من النور الساطع، والبريق اللامع، وتحظى بالكثير من الصدى الواسع، لذلك كانت تحدث الفرق الشاسع. ويكفي أنه الفائز بجائزة «كتارا» للرواية العربية، عام (2019)، عن روايته «ميهود والجنية» وبالجائزة ذاتها عام 2022 عن روايته «دخان»، وهذا إنجاز قلما يحدث لأديب أو روائي آخر. وبعيداً عن تأثير سحر تلك «الجنية»، أقولها بصراحة صحفية، أن الزميل الراحل لم يكن مجرد «ميهود»، متوعك صحياً، رحل عن عالمنا، لكنه كان علماً إعلامياً، ومعلما صحفياً، وأديباً روائياً. وبرحيله، خسرت الثقافة القطرية أديباً محترفاً وإعلامياً محترماً وصحفياً مخضرماً. ولن ننسى الإرث الأدبي، والثقافي والروائي، والإعلامي والمعرفي والصحفي الذي تركه، حيث تزخر المكتبة بأكثر من (40) إصداراً له، في شتى فروع المعرفة والثقافة والرواية والإعلام. ولأن «الموتى يرفضون القبور»، وهو عنوان إصداره الروائي، الصادر عام (2016) سيبقى الراحل أحمد عبدالملك حاضراً في ذاكرتنا، وباقيا في ذكرياتنا، لن يطويه النسيان مهما مرت السنوات والأزمان. وبعيداً عن فلسفة الموت والحياة، ولحظات الانتصار، أو «الانكسار»، وهو عنوان روايته، التي تحمل مضامين صراع الإنسان مع الآخر، وغصات الذات المقهورة، والنفس المكسورة، ولا أنسى المسرحية التي كتبها بعنوان: «المعري يعود بصيراً». وأرد عليها بأن «الروائي يبقى شهيراً» وخصوصاً عندما يملك موهبة أحمد عبدالملك. كذلك لن ننسى «زلزال حنان»، وصولا إلى «عذابات غزة»، و«عندما تغادر الأشرعة»، و«أنا الكلمة»، و«باها» و«بوح السبعين». وعزاؤنا أنه سيبقى بعد رحيله حاضراً في أروقة الإعلام القطري، ومنابر الثقافة، وفضاء المعرفة، ومعارض الكتب، وضمائر كل من يؤمن بالإبداع الثقافي. رحم الله الراحل أحمد عبدالملك، صاحب القامة الإعلامية العالية، والقيمة الأدبية الغالية، الذي جعل من المقال قطعة أدبية، في زمن بدأت فيه الصحافة الورقية تلفظ أنفاسها، تحت سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات «إكس»، المسمى «تويتر سابقا»، و«فيسبوك» وغيرها، في عصر «الريلز» والذكاء الاصطناعي. ولأننا من جيل «الذكاء الطبيعي»، سنبقى نذكر الزميل الراحل، كلما تهادت إلى مسامعنا كلمات «مغربية وسط سكة تلاقينا» التي كتب كلماتها الإعلامي المبدع، وأنشدها المبدع الآخر «علي عبدالستار»، ضمن قائمة أغنياته الرائعة، التي تختلف كلياً، وتبتعد جذرياً، وتتباين نوعياً عن أعماله الأخيرة، ولا أقول الفقيرة فنياً وغنائياً وموسيقياً.
705
| 25 يناير 2026
-قطر نظمت فأبدعت.. واستضافت فأبهرت - «كأس العرب» كانت بطولة منسية جعلتها قطر تنافسية - الدوحة حققت ما تعجز «الجامعة العربية» عن تحقيقه بكل مؤسساتها - الشغف الرياضي كان حاضراً خلال الاستضافة القطرية بكل استفاضة كغمضة عين، مر أسبوع كامل، على ختام بطولة «كأس العرب»، التي استضافتها قطر في ملاعبها، ونظمت فعالياتها المصاحبة في ساحاتها، واحتضنتها في قلوب أهلها، والتزمت خلال مبارياتها وسائر أحداثها، بكل تقاليد الضيافة القطرية، وكل معايير الاستضافة الرياضية. لقد مر الأسبوع، كلمح البصر، وما زالت أصداء النجاح الهائل، والتنظيم المذهل، الذي حققته قطر، تتواصل في عالمنا العربي، وفي وسائل الإعلام الدولي، وفي وسائط التواصل الاجتماعي. ومرة أخرى، وليست أخيرة، أثبتت قطر مجدداً قدراتها التنظيمية الهائلة، وإمكاناتها الإدارية الماثلة، في مجال استضافة البطولات، وتنظيم الفعاليات، وفق أعلى الدرجات، وأرقى المعدلات، وأفضل المعايير المعتمدة عالمياً، على جميع المستويات. وفي هذا السياق، ومن خلال رصد هذا السباق الحضاري، تعجز الكلمات، وتتعطل العبارات وتفشل المفردات، عن وصف النجاح المبهر، الذي حققته قطر، خلال استضافتها الباهرة، لبطولة «كأس العرب» التي أسدل الستار، على مبارياتها وانتهت فعالياتها، يوم الخميس الماضي، وتوج منتخب المغرب ببطولتها، وفاز بكأسها، بعد فوزه المثير على نظيره الأردني بنتيجة2/3. وبعيداً عن المجاملة، استطيع القول بلا مجادلة، إنه لم تحقق دولة، في الشرق والغرب، نجاحاً تنظيمياً لافتاً، كالذي حققته قطر، بشهادة جميع المتابعين وبآراء كل المراقبين، وتحليل كل الصحفيين، وتعليق جميع الإعلاميين، وإشادة الحاضرين من المسؤولين والمشجعين، بالتنظيم القطري المتقن، لبطولة «كأس العرب». وقبل أن تتبناها قطر، وتضخ فيها روحاً جديدة، كانت هذه البطولة، نسياً منسيا، لا أحد يلتفت إليها، ولا جمهور يتابعها، ولا وسائل إعلام تحرص على متابعتها! ولا «الفيفا» يعترف بها، وهو الاتحاد الدولي، المعني بنشر كرة القدم، وتطويرها، وتوسيع بطولاتها، وزيادة جمهورها. لكن قطر، كان لها رأي آخر، ولهذا حرصت على استضافتها، وانتزاع الاعتراف الدولي بها، وانطلاقاً من حرصها، على إسعاد الشعوب العربية، وتوحيدهم تحت مظلة اللعبة الشعبية الأولى، ولتحقيق هذا الهدف القومي، فعلت قطر، ما تعجز جامعة الدول العربية على فعله، بكل مؤسساتها، ومؤتمراتها، وبياناتها! و«أمينها العام»، الذي اكتفى بتهنئة المنتخب الفائز، والدولة المنظمة، في تغريدة «مقتضبة»، عبر حسابه في منصة «إكس»، وكأنه دوّنها من «غير نفس»! وربما يكون مشغولاً، بإصدار بيان «صميدعي»، يثير الرعب، في أوصال حكومة نتنياهو، ويجعلها تفكر في وقف مشاريع الاستيطان، في الضفة الغربية، بعد إعلان المجلس الوزاري الصهيوني عن بناء (19) مستوطنة جديدة. وقد يكون «منهمكاً»، بإعداد «تغريدة»، تدين ما أصبح» منتهكا»، في الأراضي الفلسطينية المحتلة! وبعيداً عن «جامعة العرب»، قدمت قطر نموذجاً عالمياً، عالي الجودة، في التنظيم الرياضي، خلال استضافتها لبطولة «كأس العرب». ولا عجب، أن يكون الشغف الرياضي، حاضراً في هذه الاستضافة، بكل استفاضة، في جميع الملاعب، والمباريات، والمدرجات، التي كانت نابضة «بالهدير الجماهيري» المشحون بالهتافات. وبعدما كانت «كأس العرب»، بطولة هامشية منسية، أصبحت تنافسية، تحظى بالمتابعة الجماهيرية، والتغطية الإعلامية، غير العادية. وهذا يؤكد، أنها ليست بطولة عابرة، لكنها شكلت في أحداثها الغائرة، رسالة محبة قطرية، موجهة إلى أمتنا العربية بكل شعوبها، وشعابها، وشبابها، وشيّابها. لقد أعادت قطر الاعتبار، لبطولة «كأس العرب»، بكل كفاءة واقتدار، وساهمت في إحيائها بكل عزيمة وإصرار. ومنذ ركلة البداية، شهدت البطولة حضوراً جماهيرياً، هو الأكبر والأكثر والأوسع في تاريخها. ويكفي أن المباراة النهائية، حضرها (84.517) مشجعا، رغم غزارة هطول الأمطار، في مختلف النواحي والديار، ومعظم المناطق، في دول الجوار، التي أغرقت الحواضر، وأفاضت بالكثير من الأسرار، وسببت العديد من الأضرار. وبهذا الرقم الجماهيري، وصل إجمالي حضور البطولة (1.203.832) وهو رقم قياسي، غير مسبوق في تاريخ البطولة، يعكس المزاج الرياضي الإيجابي، السائد في أوساط المشجعين. رغم حالة الاحتقان السياسي، الذي تعيشه المنطقة نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على حواضر وخواصر المنطقة. وأجزم، ولا أزعم، أن هذا الحضور الجماهيري، والنجاح التنظيمي، يؤكد حقيقة أن قطر قدمت نسخة استثنائية، غير مسبوقة من نوعها، سواء داخل الملاعب، أو خارجها، وجميع مخارجها، ومخرجاتها. وستبقى مباراتها النهائية، نموذجاً على الإثارة الخلاقة، وخصوصاً بعدما تسببت، في ارتفاع منسوب «الأدرينالين» في شرايين المشجعين، نتيجة لأحداثها المثيرة، وتقلباتها الكثيرة! وهذا أدى، إلى تصاعد حالات الكر والفر، في أنفاس المتابعين، بسبب زيادة ذلك الهرمون الحيوي، الذي يقوم الجسم البشري، بإفرازه تلقائياً، في حالات التوتر والترقب، والقلق، والإثارة، مما يؤدي إلى زيادة معدلات ضربات القلب، وتسارعها، نتيجة الضغط النفسي والعصبي، والتقلب بين التفاعل الإيجابي والانفعال السلبي. وكانت بداية الحالة «الأدرينالينية»، بسبب الهدف المبكر والمباغت، الذي أحرزه اللاعب المغربي «أسامة طنان»، من كرة «فرط صوتية»، سددها من منتصف الملعب، ولم ترصدها رادارات الدفاع الأردني، استقرت في مرمى الحارس «يزيد أبو ليلى»، الذي لم يكن في ليلته! ونتيجة لقوة التسديدة المذهلة، ظل الهدف «الطناني»، في المرمى الأردني، «يطنطن»، طيلة الشوط الأول! ومع انطلاق الشوط الثاني، كان اللاعب «علي علوان»، يخطط لتغيير موازين المباراة، عندما ارتقى عالياً، وحول كرة رأسية، بقوة وعنفوان، دخل مرمى المغرب محرزاً هدف التعادل، وكأنه يعرف الإحداثيات، والمكان والعنوان. والمثير أن «رأسية علوان»، أعادت تذكيرنا، بالمسلسل الأردني الشهير «راس غليص»، الذي تقوم أحداثه على الإثارة، والرغبة في الانتقام. ثم أضاف الهدف الثاني، من ضربة جزاء، ليثبت أن الجزاء من جنس العمل، وأن من يخلص في عمله، ويعمل من أجل وطنه، له الجزاء الأكبر. لكن هذا المبدأ، تحول للطرف الأخير، وهو منتخب المغرب، الذي نجح في تحقيق التعادل، عن طريق لاعبه القناص «حمدالله»، في الوقت الذي كانت فيه المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، في وقتها الأصلي. وكان خلالها الجمهور الأردني، يستعد لتوزيع «الكنافة»، احتفالاً بالانتصار، وكان يغني: «بالله تصبو هالقهوة وزيدوها هيل». «واسقوها للنشامى على ظهور الخيل». وبمهارة الخيال العربي، ورشاقة الفارس «الأمازيغي»، أحرز «حمد الله» هدفه الثاني، خلال الشوط الإضافي، لتضج المدرجات المغربية، بالهتاف الجماهيري، وتهتف بعبارة: «الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله». «ديما المغرب»، «ديما المغرب»، يا «حمد الله». احتفالاً بالفوز، الذي أشرق من الشرق، في ملعب «لوسيل»، هنا في قطر، على المغرب. هكذا دارت أحداث المباراة النهائية، في كأس العرب، وكأنها فيلم هندي، بطولة «أميتاب باتشان»، بعدما اختلطت فيها الأحداث، وكأنها خليط من «الماسالا»، يمتزج فيها الفرح والحزن، والتوتر والتشويق، والإثارة والتشجيع، والدموع والبكاء، والرقص والغناء. وهكذا أثبتت قطر، خلال استضافتها الناجحة لبطولة «كأس العرب»، أن الرياضة بمفهومها العام، وكرة القدم بشكل خاص، ليست مجرد لعبة تركل بالأقدام، لكنها أصبحت جزءاً أصيلاً من ركائز الرؤية الوطنية الاستراتيجية القطرية. وليس هذا أمر غريبا ولا يعد عجيبا بعدما استثمرت قطر فيها شبابها، وراهنت على إنسانها، وصقلت نجومهما، وصنعت كوادرها، واحتضنت بطولاتها. وبهذا كله، فتحت قطر آفاقاً جديدة، للتنظيم الرياضي الاحترافي، الذي رسخ مكانة الدوحة على الساحة الرياضية، لتصبح عاصمة الرياضة الدولية. ووسط كل هذا النجاح التنظيمي القطري، يقف شخص خلف الكواليس، يعمل في صمت، بعيداً عن الأضواء، يتابع التفاصيل الصغيرة والكبيرة. وتتجسد في شخصيته، كل ملامح العطاء لوطنه، والوفاء لدولته، والولاء لقائد المسيرة. ولأنه علم معروف، فهو لا يحتاج إلى تعريف، باعتباره رمزا وطنيا، يعمل بلا كلل ولا ملل ولا وجل، من أجل رفعة قطر. لكن يقتضي الواجب، تعريف الجمهور، بدوره في كل النجاحات، التي تحققها قطر، في المجالات الرياضية، والتنظيمية، والإدارية، وغيرها. إنه صانع النجاح سمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني، «الممثل الشخصي» لصاحب السمو أمير البلاد المفدى، الذي يقف خلف العديد من النجاحات القطرية والإنجازات الوطنية. ولا أنسى التوقف عند، الرجل الذي أدار الملف الأمني بكفاءة واقتدار، وأشرف على أداء الأجهزة الأمنية، ذات الصلة بالحدث الرياضي العربي، وساهم في تأمين البطولة، وقادها إلى بر الأمان، بعيداً عن الحوادث المزعجة، والأحداث المفجعة، بفضل يقظة العيون الساهرة، على أمن الوطن والمواطن، والزائر، والمقيم. وهذا تحقق، من خلال التعامل الحضاري الراقي، مع ضيوف قطر، من المسؤولين والمشجعين، في إطار الالتزام بالتنظيم المحكم، والأداء المنظم والترتيب الملزم، في سياق دبلوماسية الضبط والانضباط، التي يطبقها سعادة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني وزير الداخلية، قائد قوة الأمن الداخلي «لخويا». ووسط أجواء الأخوة العربية، سارت البطولة من نجاح إلى آخر، وأثبتت أن جميع العرب «أخوياء» وأحباء وأعزاء. وهكذا، كانت بطولة «كأس العرب»، التي استضافتها قطر بنجاح، بطولة جامعة، عززت روابط المحبة ورسخت قيم المودة، ونشرت مبادئ التعايش، والإخاء وعززت قيم السلام والود بين الأشقاء. ولكل هذا، أقولها من القلب، بكل وفاء، وأزفها بكل ولاء، إلى قائد الوطن، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وأوجهها من القلب إلى أمير الوطن، وأطلقها من القلب إلى سيد الوطن، وأسجلها من القلب إلى زعيم الوطن، وأدونها كبيرة، بحجم مساحة الوطن: «بكم تحلو، وبجهودكم وتوجهاتكم تزدهر، وبتوجيهاتكم، قطر تزهر، وتتألق وتتفوق وتنجح وتنتصر».
2682
| 25 ديسمبر 2025
هنا.. يرفرف العلم «الأدعم» خفاقاً، فوق سطور مقالي، ويخفق عالياً فوق جميع السواري، على إيقاعات «العرضة»، وأهازيجها الوطنية، وأناشيدها الحماسية، وكلماتها التراثية، وقوافيها الشعرية، المستمدة من قصائد شعراء قطر، الفائضة بالعز، والنابضة بالفخر. هنا في سماء الوطن، ترتفع رايات الوطن، فوق البيوت، وترفرف داخل القلوب، وينساب عبق «العود»، ويفوح في مختلف الأرجاء، وينتشر في كامل الأجواء، احتفالاً بالمناسبة الوطنية. إنه «الثامن عشر» من ديسمبر، وهو يوم الوطن، ومؤسس الوطن، وقائد الوطن، وباني الوطن. وهو اليوم الخالد في ذاكرتنا، والراسخ في ذكرياتنا، لما يحمله من دلالات عميقة، ومعانٍ عريقة، وروابط وثيقة، تؤكد وحدة القطريين جميعاً، قيادة وشعباً. ويجسد العلاقة الأزلية، والشراكة الأبدية، بين مكونات شعبنا القطري، في المصير والمسير. وفي هذا المسار، لا جدال أن موجات الفخر، التي تسير في دواخلنا، وتتدفق في شراييننا، وتتشكل في جيناتنا، وتتحرك في أعماقنا، تنبع من تاريخ قطري عريق، وسجل وطني وثيق، يفيض بالفخر، ويمتلئ بالمعاني، صنعه في قطر، قائد حكيم، وهو حاكم حليم، وفارس عظيم، له الفضل- كل الفضل- في تأسيس دولتنا قطر، وترسيخ كيانها، وتثبيت مكانها، وتعظيم إنسانها، وإعلاء بنيانها، ورفعة شأنها، بين الأمم. والبداية كانت هناك... بل كانت من هناك، في «فويرط»، التي تستلقي، في ذلك الموقع الساحلي القطري، الواقع شمالاً، على ساحل البحر، الذي شهد مولد مؤسس الدولة، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، في حدود عام 1827م. ومنذ ذلك التاريخ، شبّ «الشيخ المؤسس» على حب قطر، والدفاع عن مقدراتها، وصيانة حدودها، والحفاظ على حقوقها والبحث عن مصالحها، بعدما تولى مقاليد الحكم رسمياً، خلفاً لوالده، في الثامن عشر من ديسمبر عام 1878، مؤكداً حرصه على استقلالية هيكلها السياسي، والتزامه بتأكيد نهجها السيادي. وفي سياق ذلك النهج، والالتزام بتثبيت ذلك المنهج، انتقل من «الضعاين»، إلى هناك في «الوجبة» غرباً، التي شهدت الموقعة الواجبة، لإثبات السيادة، حيث دارت المعركة المصيرية الفاصلة، ضد العثمانيين، في الخامس والعشرين من مارس عام 1893، وانتهت بانتصار القطريين. وأدت المعركة، إلى انفصال قطر سياسياً عن الدولة العثمانية، بقوة السيف القطري، وعزل الوالي العثماني محمد حافظ باشا، الذي كان يتولى منصب والي البصرة، وجاء إلى قطر في حملة عسكرية، لإخضاعها، لكنه خضع لإرادة شعبها، المتلاحم حول قائده المؤسس. ومن «الوجبة»، التي شهدت وتشهد على شجاعة المؤسس، نصل إلى «لوسيل»، وما أدراك ماذا تعني «لوسيل» في تاريخ قطر؟.. بعدما زرع فيها المؤسس، بذرة الدولة الفتية، والإمارة الغنية، التي أثبتت قدرتها على مواجهة التحديات الجيوسياسية، في خضم منطقة كانت تعاني من الاضطرابات السياسية، والصراعات الأيدلوجية، على النفوذ والمصالح بين العثمانيين، والبريطانيين. ووسط كل هذا، كانت «لوسيل» حاضرة الحواضر في زمانها، وأكثر المناطق أماناً، وهذا جعل قطر أكثر ازدهاراً، بعدما تجاوزت مرحلة الثرى، والوصول إلى آفاق الثريا، خصوصاً بعدما أنعم الله عليها بالثراء، نتيجة شهرتها في تجارة «اللؤلؤ»، التي كانت من الإستراتيجيات الاقتصادية، في سياسات «المؤسس». ومن خلالها حقق موارد مالية، من هذه التجارة، مكّنته من تحويل دولتها الزاهرة، في عصره، المزدهرة، في عهده، وجعلها من أغنى الحواضر في المنطقة. وهذا أدى إلى تحسين ظروف المكان، وساهم في زيادة عدد السكان، والتوسع في العمران، وأدى إلى شهرة الكيان، كنتيجة طبيعية لقوة البنيان القطري، الذي استمد مكانته في المنطقة، من وقوف قطر مع الحق، ودفاعها عن المظلوم، وحرصها على نصرة المضيوم. ومثلما تفخر قطر بسيرة قائدها، ومسيرة مؤسسها، تفخر «لوسيل» بأن ترابها يحتضن رفاته، بعد رحيله عن عالمنا في 17 يوليو عام 1913م. ومن ذلك الموقع، إلى هذا الواقع القطري، حافظ الأبناء على مصالح الوطن، وأكدوا حرصهم على تعزيز الموروث الوطني الأصيل، المتوارث من عهد الأجداد، المتسلسل إلى زمن الآباء، المتواصل إلى عهد الأحفاد الذين تولوا حكم قطر. وها نحن نعيش في عهد «تميم المجد»، الذي تشهد البلاد في عهده وتزدهر في عهدته، نجاحات وطنية، وإنجازات حضارية، وقفزات تنموية، في جميع المجالات الداخلية والخارجية. وأستطيع القول ـ بثقة ـ إننا نعيش في عهد قطري «تميمي»، أساسه العطاء، وجذوره النماء، وأصله الوفاء، ومبدؤه الولاء لقائد الوطن، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى. ووسط كل هذا الإنجاز القطري المتواصل، والنجاح الوطني المتسلسل، ها هو شعار المناسبة الوطنية السنوية، يتردد على ألسنة القطريين. وهو الشعار المقتبس من كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، التي خطَّها سموه للشباب أثناء زيارته لجامعة قطر عام 2016، المتجسد في هذه الكلمات، المتردد في هذه المفردات: «بكم تعلو ومنكم تنتظر». ليجسد رؤية الوطن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار لترسيخ نهضته واستدامة عطائه. وما من شك، في أنَّ في مضمون هذا الشعار، تكمن رسالة أميرية، قطرية، وطنية، مجتمعية، جماعية، جامعة، موجهة لكل مواطن، وكل مقيم على هذه الأرض. هذه الرسالة الجامعة لجميع الجموع، تفيد أن خدمة قطر، مسؤولية مشتركة، بين كل من يقيمون فيها، ويتنفسون هواءها، ويستنشقون نسيمها، ويسكنون في مساكنها، وأصبحوا من سكانها، وهذا الأمر، لا يحتاج إلى تفنيد، بل يتطلب التنفيذ. ولعل ما يفيد، في سياق هذه الرسالة، أن الوطن يعلو بسواعد أبنائه، ويرتفع شأنه بإنجازات شبابه، وهم القاعدة الراسخة لصيانة حاضره، والركيزة الأساسية لصناعة مستقبله. وهكذا، من عام إلى آخر، تهلُّ علينا ذكرى اليوم الوطني، ومعها، وخلالها يحتفل الوطن، بمنجزاته الداخلية، ونجاحاته الخارجية. وما من شك، في أن الثامن عشر من ديسمبر، ليس مجرد تاريخ مدون، على أوراق التقويم، ولكنه يوم من أيام التكريم، لأنه يعكس قيمة الشخصية القطرية، ويعزز قوة الهوية الوطنية. وخلال هذا اليوم، نكرر الوعد، ونجدد العهد لقائد الوطن، «تميم المجد»، ونؤكد التزامنا بالقيم التي أرساها المؤسس، ونستذكر جهود كل حكام وأمراء وشيوخ قطر، وإسهاماتهم في بناء الدولة، وازدهارها واستقرارها واستمرارها. ولعل ما يميز يومنا الوطني لهذا العام، أنه يشهد نهائي بطولة «كأس العرب» التي تحتضنها قطر، وشهدت مبارياتها حضوراً جماهيرياً، هو الأوسع والأكبر والأكثر، في هذه النسخة من البطولة. ولكل هذا الامتياز الجماهيري، أستطيع القول، إن يومنا الوطني، يحتضن في داخله احتفالا قوميا، لكل العرب، تحت مظلة عاصمة الرياضة العربية. ويزداد هذا المعنى عمقاً قومياً قوياً، أننا نترقب بكل الشغف والاهتمام، مخرجات حوار «الأقدام الذكية»، في نهائي بطولة «كأس العرب»، بين المنتخبين الشقيقين: الأردني والمغربي، الذي سيقام، مساء اليوم في استاد «لوسيل». هناك في محيط تلك المنطقة التاريخية، التي كانت حاضرة الحواضر القطرية، في زمن مؤسس قطر. ولأن قطر كانت في عهد المؤسس، مركزاً إقليمياً مهماً في تجارة اللؤلؤ، بحكم اهتمام «راعي العليا»، بهذه التجارة، وعلاقاته الوطيدة مع تجارها، وتعاملاته الوثيقة مع أصحابها. أختم مقالي على أنغام موسيقى البحر، بعدما بدأت المقال على إيقاعات «العرضة». وها هو صوت «النهام» يأتي من بعيد، من ذلك الزمن الجميل، وينساب إلى مسامعنا صادحاً، وسط محامل «النواخذة»، الراسية على شاطئ «كتارا». هناك، ومن هناك، تصدح «النهمة» تلو الأخرى، على إيقاعات فن «لفجري». ومن خلال ذلك، تتشكل شخصية قطر التراثية، وتتبلور قيمتها التاريخية، وتتمحور ركيزتها الجغرافية، في الامتزاج بين أمواج البحر، ورمال البر، التي تشكل هوية شبه جزيرة قطر.
825
| 18 ديسمبر 2025
-إعمار غزة بين التصريح الصريح والموقف الصحيح - دول المنطقة ليست «الممول الرسمي» لمخططات الغرب المنحاز لإسرائيل - الغرب يطالب روسيا بإعمار أوكرانيا.. ولا يطبق ذلك على إسرائيل التي دمرت غزة! راق لي جدا، وأعجبني كثيراً، التصريح الصريح، والكلام الفصيح، الذي أطلقه معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، خلال المقابلة التي أجراها مؤخرا، مع المعلق الأمريكي تاكر كارلسون على هامش منتدى الدوحة 2025، بخصوص عدم التزام قطر بدفع فاتورة إعمار ما أحدثته إسرائيل في قطاع غزة، من خراب ودمار. فهذا التصريح الواضح في مفرداته والظاهر في كلماته يتسم بالواقعية السياسية، بعيداً عن الوقيعة الدبلوماسية، ويعكس موقف القطريين جميعاً شعباً وحكومة. ويعبر عن الوعي العميق والفهم الدقيق لوقائع الواقع السياسي الحالي المرتبط بالشأن الفلسطيني. خاصة أن حكومة الاحتلال هي الطرف المعتدي، الذي ينبغي أن يتحمل تكلفة إصلاح الأضرار، وتكاليف الإعمار، وإزالة آثار الدمار، الذي تسبب فيه جيشها الغدار، ولا أقول المغوار، خلال عدوانه على القطاع الفلسطيني المدمر. ويأتي هذا التصريح، في خضم هشاشة النظام الدولي الفوضوي، الذي يفتقر إلى الانضباط، ويفتقد الضوابط القانونية والأخلاقية، التي تلزم إسرائيل بتنفيذ القرارات الأممية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية. وليس مستغرباً ولا مستهجناً ولا مستعجباً ولا مستنكراً، إطلاق هذا التصريح، الذي يؤكد فيما يؤكد، في فحواه وصداه ومداه، التزام قطر بموقفها الثابت والدائم والداعم للقضية الفلسطينية. وهذا يعتبر أمراً مسلماً، غير قابل للنقاش أو الانتقاص، وخصوصاً بعد تأكيد معالي رئيس مجلس الوزراء، على استمرارية التمويل القطري للفلسطينيين، الذي سيكون مقتصراً على تقديم المساعدات الإنسانية. مع التزام الدوحة بمواصلة دعمها الكامل والشامل، للشعب الفلسطيني الشقيق، وبذل قصارى جهدها لتخفيف معاناته. بالإضافة إلى رفض كافة المحاولات الصهيونية، لتصفية القضية الفلسطينية، سواء عبر مشاريع التهجير القسري، أو التوسع الاستيطاني. ورفض المساعي الغربية لفرض حلول ناقضة أو ناقصة، تنتقص من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. ويأتي التصريح القطري في سياق مواقف دول مانحة أخرى، تصر على أنها لن تقدم أموالاً لإعمار ما دمرته إسرائيل في غزة، في ظل غياب مسار سياسي واضح يؤدي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ومستقرة، قابلة للحياة، تنبض فيها روح فلسطين الحرة، بكل تاريخها وجميع هويتها، وكافة ثقافتها وسيادتها وسياستها، وحقوقها المشروعة، ولسانها العربي، الذي يلهج بلغة الضاد، ورأسها المرفوع عالياً، وعنقها الشامخ، الذي تلتف حوله «الكوفية» الفلسطينية. ويؤكد هذا التصريح، فيما يؤكد، أن هناك إدراكاً قطرياً كاملاً، أن الوضع الفلسطيني الواهن والحال الراهن، لا يتحمل أي خروقات إسرائيلية، أو تجاوزات صهيونية، تؤدي إلى توسيع رقعة الفراغ الهائل في قطاع غزة. وهذا يتطلب وعياً سياسياً أكثر ونضجاً معرفيا أكبر لفهم المتغيرات والمستجدات في العلاقات، من خلال تبني الواقعية السياسية، التي تؤدي إلى تبني القرار المناسب، الذي ينسجم مع مصالح الدولة، ويتوافق مع ما يريده نسيجها الوطني. وأستطيع القول إن الواقعية السياسية التي تنتهجها قطر تعبر عن المناهج الأساسية، في العلاقات الدولية، التي تستند إلى مواقف عقلانية. بعيداً عن «الدوغمائية»، التي تعني الجمود السياسي المؤدي إلى تمرير مواقف، تتعارض مع المصلحة الوطنية والقومية. ولأنهم في الغرب الأوروبي المنحاز لإسرائيل، يلجؤون إلى مجالسهم التشريعية لإقرار قوانينهم، المتعلقة بشؤون وقضايا الشرق الأوسط. ولأن إسرائيل تقوم بتمرير قراراتها المثيرة للجدل عبر «الكنيست»، وهو مجلسها النيابي، لإضفاء الصيغة الإلزامية على مواقفها المتعلقة بانتهاك الحقوق الفلسطينية. أدعو مجلس الشورى الموقر، لتأكيد وتوثيق تصريح معالي رئيس مجلس الوزراء، بشأن عدم التزام قطر، بدفع فاتورة إعمار ما دمرته إسرائيل في قطاع غزة. للتأكيد أمام الرأي العام العالمي، بأن ذلك يعكس موقفاً وطنياً جامعاً، يمثل جميع مكونات الشعب القطري. وأقولها بكل الوضوح والصراحة والشفافية، لا ينبغي النظر إلى دول المنطقة، على أنها «الممول الرسمي» لمخططات الغرب المستنكرة، ومشاريعهم المستهجنة. ولا ينبغي التعامل معنا، بأننا «الدافع الرئيسي» لفاتورة إعمار الحواجز والمناطق الفلسطينية، التي دمرتها إسرائيل في قطاع غزة، بسبب انحياز الغرب لها ودعمهم لعدوانها. ولا يمكن القبول بذلك، قطرياً، وخليجياً، وعربياً وقانونياً، وسيادياً، وسياسياً، ومنطقياً. والغريب، العجيب، المريب، أن دول الغرب الأوروبي تطالب روسيا بدفع فاتورة إعمار أوكرانيا، لكنها لا تطبق هذا المبدأ على إسرائيل، التي دمرت قطاع غزة تدميراً ساحقاً ماحقاً، بدعم أمريكي وإسناد أوروبي. ولا يخفى على أحد أن الدول الأوروبية قدمت لإسرائيل أنواعا متعددة، وأشكالاً متنوعة من الدعم المباشر وغير المباشر، تم توزيعه على القطاعات السياسية والعسكرية، والاستخبارية، والاقتصادية، والتكنولوجية، في الكيان الصهيوني. وهي بهذا الموقف غير الأخلاقي تعتبر شريكا أساسيا في جريمة تدمير قطاع غزة، وينبغي أن تساهم بالنصيب الأكبر لإعادة إعماره. ولا أنسى وجود مؤسسات غربية حكومية ساهمت بشكل مباشر في تمويل العدوان الصهيوني على قطاع غزة، عبر شراء السندات الحكومية الإسرائيلية، التي تحولت إلى أداة وآلية مباشرة لتمويل الإبادة، ضد أكثر من مليوني فلسطيني. وتظهر هذه الحقيقة التناقض الفاضح ولا أقول الواضح فحسب، بين الخطاب الأوروبي المناهض للعدوان الروسي على أوكرانيا، ومطالبة روسيا بتسديد فاتورة الإعمار. وتطبيقات هذا القرار على أرض الواقع عندما يتعلق الأمر بالعدوان الصهيوني على قطاع غزة، مما يؤكد ازدواجية المعايير الأوروبية، بعيداً عن القيم الأخلاقية، والضوابط القانونية، والالتزامات الإنسانية. وفي سياق مقالي عن قواعد الإعمار، لا أكشف سراً من الأسرار، عندما أوجه أصابع الاستنكار إلى دول أوروبية، تصدرت المشهد الدرامي الدامي، الذي يغطي القطاع الفلسطيني. وفي مقدمتها ألمانيا التي يقتضي الواجب الأخلاقي، والإنساني، والسياسي، أن يكون لها دور رئيسي، في إعادة إعمار ما دمرته، شريكتها التجارية، وحليفتها الاستراتيجية في قطاع غزة، بحجة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. والمعيب أنها تتباهى بأن دعم إسرائيل يشكل مبدأ راسخاً في سياستها، منذ عقود وعهود. وتتفاخر بأن الوقوف إلى جانب إسرائيل ودعمها سياسياً وعسكرياً، يشكل النواة الأساسية لسياستها في المنطقة. رغم حملة الإبادة التي مارستها وتمارسها حكومة التطرف الصهيوني ضد أهالي غزة. ورغم القتل والقمع والاعتقال الذي يستهدف الأبرياء ويتعارض مع حقوق الإنسان. ورغم سلوك الجيش الإسرائيلي المشين وعمله المهين، الذي يخرج عن إطار القانون الدولي اللاإنساني، ويشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان. ورغم عرقلة إسرائيل لمبدأ حل الدولتين وقيامها بتوسيع مشاريع الاستيطان، الذي يعتبر واحداً من أعمال الشيطان الصهيوني. ولأن معظم دول الغرب الأوروبي لم تفعل ما يمكن فعله، لتجنب المدنيين الفلسطينيين ويلات العدوان الصهيوني. ولأنها لم تتحرك ميدانياً لوقف الدمار الهائل الذي أحدثته الآلة العسكرية الإسرائيلية، في القطاع الفلسطيني. ولأنها لم تقدم ما يمكن فعله، لوقف الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، ولم تستخدم الأدوات القانونية المتاحة دولياً، لوقف الدمار. ولأنها كانت متواطئة، قولاً وفعلاً وتفاعلاً مع إسرائيل، في عدوانها المشين على الفلسطينيين. ولكل هذا، وذاك، وهذاك، من ذلك النوع الأبشع والأقذر، بين كل أنواع الانحياز الغربي لإسرائيل، ينبغي على دول الغرب الأوروبي، التي دعمت حكومة الإرهابي نتنياهو، في عدوانه الوحشي على أهالي غزة، وساهمت بشكل مباشر وغير مباشر، في تدمير حواضرهم وبيوتهم ومدارسهم ومستشفياتهم، وأبراجهم، و«بياراتهم»، وقدمت السلاح، والعتاد العسكري، والغطاء السياسي، والدعم اللوجستي والاستخباراتي، الذي ساهم في تدمير القطاع الفلسطيني. أقول بملء فمي وبأعلى صوتي: ينبغي على هذه الدول مجتمعة أن تتحمل تكلفة الإعمار، وإزالة آثار الدمار، وإصلاح كافة الأضرار، في قطاع غزة المنهار.
684
| 14 ديسمبر 2025
-«المتنبي» حاضراً في افتتاح «كأس العرب» - «أبو الطيب» يتألق في نَظْم الشعر.. وفي تنظيم البطولات تتفوق قطر - «بطولة العرب» تجدد شراكة الجذور.. ووحدة الشعور - قطر بسواعد أبنائها وحنكة قادتها تحقق الإنجاز تلو الآخر باستضافتها الناجحة للبطولات - قطر تراهن على الرياضة كقطاع تنموي مجزٍ ومجال حيوي محفز - الحدث العربي ليس مجرد بطولة رياضية بل يشكل حدثاً قومياً جامعاً -دمج الأناشيد الوطنية العربية في نشيد واحد يعبر عن شراكة الجذور ووحدة الشعور لم يكن «جحا»، صاحب النوادر، هو الوحيد الحاضر، حفل افتتاح بطولة «كأس العرب»، قادماً من كتب التراث العربي، وأزقة الحضارات، وأروقة التاريخ، بصفته تعويذة البطولة، وأيقونتها النادرة. كان هناك حاضر آخر، أكثر حضوراً في مجال الإبداع، وأبرز تأثيراً في مسارات الحكمة، وأشد أثرا في مجالات الفلسفة، وأوضح تأثيرا في ملفات الثقافة العربية، ودواوين الشعر والقصائد. هناك في «استاد البيت»، كان من بين الحضور، نادرة زمانه، وأعجوبة عصره، مهندس الأبيات الشعرية، والقصائد الإبداعية، المبدع المتحضر، الشاعر المتفاخر، بأن «الأعمى نظر إلى أدبه، وأسمعت كلماته من به صمم»! وكيف لا يأتي، ذلك العربي الفخور بنفسه، إلى قطر العروبة، ويحضر افتتاح «كأس العرب» وهو المتباهي بعروبته، المتمكن في لغة الضاد، العارف بقواعدها، الخبير بأحكامها، المتدفق بحكمها، الضليع بأوزان الشعر، وهندسة القوافي؟ كيف لا يأتي إلى قطر، ويشارك جماهير العرب، أفراحهم ويحضر احتفالاتهم، وهو منذ أكثر من ألف عام ولا يزال، يلهم الأجيال بقصائده ويحفزهم بأشعاره؟ كيف لا يأتي وهو الذي يثير الإعجاب، باعتباره صاحب الآلة اللغوية الإبداعية، التي تفتّقت عنها ومنها، عبقريته الشعرية الفريدة؟ كيف لا يحضر فعاليات «بطولة العرب»، ذلك العربي الفصيح، الشاعر الصريح، الذي يعد أكثر العرب موهبة شعرية، وأكثرهم حنكة عربية، وأبرزهم حكمة إنسانية؟ كيف لا يحضر افتتاح «كأس العرب»، وهو الشخصية الأسطورية العربية، التي سجلت اسمها في قائمة أساطير الشعر العربي، باعتباره أكثر شعراء العرب شهرة، إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق في مجال التباهي بنفسه، والتفاخر بذاته، وهو الفخر الممتد إلى جميع الأجيال، والمتواصل في نفوس الرجال؟ هناك في الاستاد «المونديالي»، جاء «المتنبي» من الماضي البعيد، قادماً من «الكوفة»، من مسافة أكثر من ألف سنة، وتحديداً من العصر العباسي لحضور افتتاح كأس العرب! ولا عجب، أن يأتي «أبو الطيب»، على ظهر حصانه، قادماً من القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، لمشاركة العرب، في تجمعهم الرياضي، الذي تحتضنه قطر. وما من شك، في أن حرصي على استحضار شخصية «المتنبي» في مقالي، وسط أجواء «كأس العرب»، يستهدف التأكيد المؤكد، بأن هذا الحدث العربي، ليس مجرد بطولة رياضية.. بل هو يشكل، في أهدافه ويختصر في مضامينه، حدثاً قومياً جامعاً، يحتفل بالهوية العربية المشتركة، ويحتفي بالجذور القومية الجامعة لكل العرب. وكان ذلك واضحاً، وظاهراً، في حرص قطر، على دمج الأناشيد الوطنية للدول العربية، خلال حفل الافتتاح، ومزجها في قالب واحد، وصهرها في نشيد واحد، يعبر عن شراكة الجذور، ووحدة الشعور، مما أضاف بعداً قومياً قوياً، على أجواء البطولة. ووسط هذه الأجواء الحماسية، والمشاعر القومية، أعاد «المتنبي» خلال حضوره الافتراضي، حفل افتتاح كأس العرب، إنشاد مطلع قصيدته الشهيرة التي يقول فيها: «على قدر أهل العزم تأتي العزائم» «وتأتي على قدر الكرام المكارم» والمعنى المقصود، أن الإنجازات العظيمة، لا تتحقق إلا بسواعد أصحاب العزيمة الصلبة، والإرادة القوية، والإدارة الناجحة. معبراً عن إعجابه بروعة حفل الافتتاح، وانبهاره، بما شاهده في عاصمة الرياضة. مشيداً بروعة ودقة التنظيم القطري، مشيراً إلى أن هذا النجاح الإداري، يجعل كل بطولة تستضيفها قطر، تشكل إنجازاً حضارياً، وتبرز نجاحاً تنظيمياً، يصعب تكراره في دولة أخرى. وهكذا هي قطر، بسواعد أبنائها، وعزيمة رجالها، وحنكة قادتها تحقق الإنجاز تلو الآخر، خلال استضافتها الناجحة للبطولات الرياضية، وتنظيمها المبهر للفعاليات التنافسية، والأحداث العالمية. وخلال السنوات الماضية، تبلورت في قطر، مرتكزات استراتيجية ثابتة، وتشكلت قناعات راسخة، وهي الرهان على الرياضة، كقطاع تنموي منتج ومجزٍ، ومجال حيوي محفز، قادر على تفعيل وجرّ القطاعات الأخرى، للحاق بركبه، والسير على منواله. وتشغيل المجالات الأخرى، وتحريك التخصصات الأخرى، مثل السياحة، والاقتصاد، والإعلام والدعاية، والترويج للبلاد، على المستوى العالمي، بأرقى حسابات المعيار العالمي. ويكفي تدشينها «استاد البيت»، ليحتضن افتتاح «كأس العرب»، الذي سبق له احتضان «كأس العالم»، وهو ليس مجرد ملعب، بل رمز تراثي، يجسد في تفاصيله الهندسية، معنى أعمق، ورمزا أعرق، حيث يحمل في مدرجاته عبق التراث القطري، وعمل الإرث العربي. وفي سياق كل هذا، تنساب في داخلك، عندما تكون حاضراً في ملاعب «كأس العرب»، نفحات من الروح العربية، التي نعيشها هذه الأيام، ونشهدها في هذه الساعات، ونشاهدها خلال هذه اللحظات وهي تغطي المشهد القطري، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. وما من شك، في أن تكرار نجاحات قطر، في احتضان البطولات الرياضية الكبرى، ومن بينها بطولة «كأس العرب»، بهذا التميز التنظيمي، وهذا الامتياز الإداري، يشكل علامة فارقة في التنظيم الرياضي. .. ويؤكد نجاح قطر، في ترسيخ مكانتها على الساحة الرياضية، بصفتها عاصمة الرياضة العربية، والقارية، والعالمية. ويعكس قدرتها على تحقيق التقارب، بين الجماهير العربية، وتوثيق الروابط الأخوية بين المشجعين، وتوطيد العلاقات الإنسانية، في أوساط المتابعين! ولعل ما يميز قطر، في مجال التنظيم الرياضي، حرصها على إضافة البعد الثقافي والحضاري، والتاريخي والتراثي والإنساني، في البطولات التي تستضيفها، لتؤكد بذلك أن الرياضة، في المنظور القطري، لا تقتصر على الفوز والخسارة، وإنما تحمل بطولاتها، مجموعة من القيم الجميلة، وحزمة من الأهداف الجليلة. ولهذا، فإن البطولات التي تستضيفها قطر، لها تأثير جماهيري، يشبه السحر، وهذا هو السر، الذي يجعلها الأفضل والأرقى والأبدع، والأروع، وليس في روعتها أحد. ومثلما في الشعر، يتصدر «المتنبي» ولا يضاهيه في الفخر شاعر، فإن في تنظيم البطولات تأتي قطر، ولا تضاهيها دولة أخرى، في حسن التنظيم، وروعة الاستضافة. ولا أكتب هذا مديحاً، ولكن أدوّنه صريحاً، وأقوله فصيحاً. وليس من قبيل المبالغة، ولكن في صميم البلاغة، القول إنه مثلما يشكل الإبداع الشعري في قصائد «المتنبي» لوحات إبداعية، تشكل قطر، في البطولات الرياضية التي تستضيفها، إبداعات حضارية. ولكل هذا الإبداع في التنظيم، والروعة في الاستضافة، والحفاوة في استقبال ضيوف «كأس العرب».. يحق لدولتنا قطر، أن تنشد، على طريقة «المتنبي»: «أنا الذي حضر العربي إلى ملعبي» «وأسعدت بطولاتي من يشجع كرة القدمِ» وقبل أن أرسم نقطة الختام، أستطيع القول ـ بثقة ـ إن هناك ثلاثة، لا ينتهي الحديث عنهم في مختلف الأوساط، في كل الأزمنة وجميع الأمكنة. أولهم قصائد «أبو الطيب»، والثاني كرة القدم باعتبارها اللعبة الشعبية العالمية الأولى، أمــــا ثالثهم فهي التجمعات الحاشدة، والبطولات الناجحة، التي تستضيفها - بكل فخر- «بلدي» قطر.
2742
| 07 ديسمبر 2025
في هذه الأيام المباركة، بعد أن ودعنا شهر رمضان المبارك، جلست مع نفسي، في الليلة الرمضانية الأخيرة، أنظر في مذكراتي، وأسترجع ذكرياتي، مع العديد من الأخوة الأحباء، الذين رحلوا عن عالمنا، خلال أيام وليالي شهر الصيام، الذي لم يخل من مراسم العزاء. ومع رحيل أولئك الأعزاء، استحضرت أيضاً، قصصا مأساوية، تحكي سيرة آلاف الشهداء، ومسيرة هؤلاء الأحباء ضحايا حرب الإبادة الجماعية، التي تشنها إسرائيل، على أهلنا الأشقاء. وهذا يحدث يومياً، بل وفي كل ساعة، ولن أبالغ إذا قلت في كل دقيقة في غزة، بلد العزة، والتضحية والفداء. وهنا، من موقعي في قطر، وطن الكرامة والكبرياء، يشرفني أن أنحني إجلالاً وإكراماً وتكريماً، لتضحيات الفلسطينيين الشرفاء، وبينهم شيوخ وأطفال ونساء. وسلام مني على الضحايا الأبرياء، الذين هدمت بيوتهم فوق رؤوسهم، بفعل القصف الإسرائيلي المجنون. وسلام إلى الجرحى، الذين يئنون، والأسرى الذين يعانون، ويتم تعذيبهم، في غياهب السجون. سلام على الأطفال الذين بترت أطرافهم، والأمهات الثكالى، اللواتي فقدن أطفالهن. سلام على الشهداء الأحياء، الذين ينتظرون دورهم، للفوز بأوسمة الشهادة. سلام على من انتقلوا من ديار الفناء، إلى دار البقاء، ومن دار الفساد والشوائب الى دار النقاء، ومن دار الكدر والتلوث إلى دار الصفاء، وأصبحت سيرتهم، منارة تشع بالضياء. سلام مني، أوجهه إلى الإنسان الفلسطيني المعذب، الثائر المشرد، المجاهد المستهدف. أكتبه بكل عنفوان، معطر برائحة الزنبق والريحان، وعبق «الياسمين»، وهو عطر أمي، وأريج الإقحوان. وستظل تضحيات شهداء غزة، محفورة في الوجدان، ومحفوظة في ملف حقوق الإنسان. وسيبقى اللسان عاجزاً عن وصف هبتهم في حياتهم، وهيبتهم في مماتهم. وأسأل الله، أن يلهم أهاليهم الصبر والسلوان، ويعوضهم خيراً عما فقدوه، من الأرواح، والأموال، والممتلكات، و«البيارات». وبأصدق الكلمات أنوه، بمواقف جميع الشرفاء، في شمال قطاع غزة وجنوبه، الذين يلتفون حول المقاومة الفلسطينية، ويفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، ولم يستسلموا لليأس، رغم القصف، وإطلاق النار، وآثار الدمار، الذي يحيط بهم، وضغوط الحصار. وهذا سلام مني أيضاً على الأوفياء لوطنهم والمؤيدين لمقاومتهم، والمتمسكين بأرضهم، والمؤمنين بقضيتهم العادلة، أولئك الأتقياء، وهؤلاء الأنقياء، في مواقفهم. سلام مني إليهم، وسلام آخر عليهم، وقد احتفلنا بالعيد، ولا يوجد في غزة وقطاعها، مواطن فلسطيني واحد سعيد. وهذا هو العيد الثالث، من أعيادنا الإسلامية، الذي يدق أبواب غزة، بينما أهل القطاع المقطوع عن العالم، يواجهون حرب الإبادة الجماعية، للشهر السادس عشر على التوالي، ويتم استهدافهم بالهجمات الصاروخية الوحشية، والاعتداءات الهمجية، الصهيونية. * وفي خضم، تلك الممارسات النازية، التي تسعى إسرائيل من خلالها، لفرض شروط الاستسلام، على الفلسطينيين، ونزع روح السلام.. أوجه تحية السلام، لكل المقاومين الثوار، والمناضلين الأحرار، الذين يدافعون عن القضية الفلسطينية العادلة، بكل شجاعة وإصرار. وما من شك، في أن الأهداف الوطنية، التي يسعون لتحقيقها والغايات النبيلة، التي يدافعون عنها، والقيم السامية، التي غرسوها في تراب وطنهم المحتل، والمثل العليا، التي نشروها، في قطاع غزة، ستثمر أجيالاً جديدة، من المقاومين الشجعان، للقضاء على هذا الكيان. وحتماً لن تنهزم الأمة التي أنجبتهم، ولن يفنى الشعب، الذي رباهم، على الشجاعة، والإقدام. أقول هذا الكلام، رداً على من يحركون مظاهراتهم المحدودة، وتظاهراتهم المعدودة، ضد حركة المقاومة الإسلامية. ولا أريد القول، إنها مظاهرات، مدفوعة بقيمة «الشيكل»، ولكن توقيتها، وشعاراتها، ومساراتها، وهتافاتها، تؤكد أن محركها واحد، ومحرضها واحد. ويكفي أن الترويج لها، والنفخ فيها، يتم في موقع «إسرائيل بالعربية»، التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية، والذي يتم فيه، نشر الدعاية الصهيونية، الموجهة إلى العرب، بهدف التأثير على ضعاف النفوس، واستمالتهم، لتأييد المشروع الصهيوني في المنطقة. ومن الناحية الواقعية، لا خلاف مع الذين نظموا المظاهرات، وشاركوا في الاحتجاجات، بأن الظروف الحياتية، والأوضاع المعيشية، التي كانوا يعيشونها، قبل السابع من أكتوبر، ليست كما بعده. فهذا أمر مفروغ منه، قبل سماع الكلام الفارغ، الذي يرددونه في هتافاتهم، وقبل رفع الشعارات الفارغة من مضمونها الوطني، التي يحملونها، وكلها تصب في مستنقع المصلحة الإسرائيلية، ومنها شعار «بره بره حماس تطلع بره»! وهذا يساهم في إضعاف الموقف التفاوضي الفلسطيني، وتضخيم الضغوط على المقاومة، وتعظيم التحديات على الجميع. *وها هي «حماس» تؤكد مجدداً، أنها تتعامل بكل مسؤولية، وكل إيجابية، وكل مرونة وطنية، مع المقترحات المطروحة، لإنهاء معاناة أهالي غزة، حتى لو وصلت الأمور إلى ضرورة خروجها من المشهد مقابل التزام إسرائيلي، أولا بوقف الحرب نهائياً. والتزامها دائماً بتنفيذ القرارات الدولية، وفي مقدمتها، وأهمها، وأبرزها، «حل الدولتين»، ولا حلول غير ذلك. بدلاً من قيام، الذين يتحركون بقوة «الشيكل»، بتوجيه الجماهير داخل قطاع غزة وخارجه، للقبول بأهداف الحرب الوحشية، التي تشنها إسرائيل، مما يتساوق مع شروط الاحتلال، ويتناسق مع مصالحه، ويستجيب لمطالبه، ويتواطأ مع رغباته! وأقولها، بكل الثوابت القومية والقيم الوطنية، والحقوق الفلسطينية، والروابط الأخوية، بأنه لا يجوز لأي مواطن فلسطيني، تمكين إسرائيل، من تنفيذ مشروعها اللعين، وهو يعلم أنها تسعى لابتلاع كامل الجغرافيا الفلسطينية، وتعمل على التخلص من كل حقائق التاريخ، المتعلقة بعدالة القضية الفلسطينية. وما أعرفه شخصياً عن أهالي غزة، أن المقاومة جزء لا يتجزأ من أولوياتهم، وركن لا ينفصل من ثوابتهم. ولعل ما يميزهم، ثباتهم في النوائب، وصلابتهم في مواجهة المصاعب، وتضامنهم مع بعضهم البعض في المحن والمصائب. وما من شك، في أن الشعوب، لا تصان حقوقها إلا بالتضحيات، والأوطان، لا تتعطر أجواؤها، عندما تكون أراضيها محتلة، إلا بدماء الشهداء، التي تراق، ذوداً عن الحرية، وسعياً لنيل الاستقلال. * وما حدث، ويحدث في غزة، مرت به الكثير من الشعوب، ومنها الشعب الجزائري الشقيق، الذي تعرض بكل مكوناته، أيام الاستعمار الفرنسي، إلى أبشع أشكال التصفية، وأفظع أنواع التنكيل وأشد أنواع التعذيب، وأحقر عمليات الاعتقال وأقسى عمليات الإعدام، وقطع الرؤوس، وإرسالها إلى باريس، ليتم عرضها في ما يسمونه «متحف الإنسان»! لكنهم، رغم كل ذلك الإجرام الاستعماري الفرنسي المنظم، لم يستسلموا، ولم يتراجعوا ولم يضعفوا، ولم يتضعضعوا، ولم يتقهقروا، ولم يُقهروا. ولم يوجهوا أصابع الاتهام، إلى قادة المقاومة، بأنهم دمروا البلاد، وأنهم تسببوا في استشهاد مليون ونصف المليون جزائري. ولم يخرجوا في مظاهرات فوضوية، اجتماعية، ضد قيادات المقاومة الوطنية، بل كانت تظاهراتهم الشعبية الحاشدة، ضد المستعمر الفرنسي، الذي ظل يستعمر الجزائر، منذ عام 1830، ولم يغادرها، إلا بالكفاح المسلح. أكرر، بالنضال المسلح، بعدما أدركت الأحزاب الجزائرية، أن أهدافها الوطنية، لن تتحقق إلا بالمقاومة والمواجهة. ولهذا قررت الانخراط، في الثورة المسلحة، بقيادة جبهة التحرير الوطني، التي انطلقت شرارتها في ليلة 31 أكتوبر 1954، وأسفرت بعد 7 سنوات من النضال، بإعلان الاستقلال في الخامس من يوليو 1962. وما من شك، في أن الثورة الجزائرية المسلحة، شكلت ملحمة بطولية خالدة، في تاريخ الأمة العربية، ومسيرة النضال الوطني، وحركة التحرر من الاستعمار. وأثبت الجزائريون، خلال ثورتهم ـ المسلحة ـ أن ظلم المستعمر المسعور، لا يدوم، وأن الاحتلال، لا يمكن أن يصمد، أمام إرادة الشعوب، التي تسعى لنيل حريتها. وهكذا، فإن من يريد الحرية، لا بد أن يدق أبوابها، بكل يد مضرجة بالدماء، ولا بد لتحقيق الهدف الوطني، من تحريك قوافل الشهداء. * ووسط هذه الحقائق، المستقاة من الثورة الجزائرية ـ المسلحة ـ خرج علينا المتحدث باسم حركة فتح في غزة، المسمى «منذر الحايك» بتصريح تمت حياكته في «النول» الإسرائيلي، مطالباً حماس بالتخلي عن إدارة القطاع المقطع، تمهيداً لإعادة غزة، إلى الحالة التي كانت عليها قبل 20 عاماً، عندما كانت خاضعة، لسيطرة السلطة الفلسطينية. ولكن، مهلاً أيها «الحايك»، على رسلك أيها المتحدث باسم «فتح». اسمح لي أن أفتح معك، هذا النقاش وأسألك: ما هي المدن والبلدات والمخيمات، التي تخضع حالياً لسلطة السلطة، المتآكلة، في مناطق الضفة الغربية المحتلة، التي لم تسلم من العدوان الإسرائيلي؟ وخصوصاً بعدما عاثت إسرائيل فساداً، وتمعنت إفساداً في جميع الأماكن. ولا أقصد، ما يقوله «محمد عبده»، عن «الأماكن» المشتاقة كلها، لمن يخضعها لسلطة صاحب الأغنية. ولنفترض ـ جدلاً ـ أن حماس غادرت المشهد الفلسطيني، إلى غير رجعة، كيف سيكون «اليوم التالي» لهذه المغادرة؟ هل ستقبل إسرائيل بمبدأ «حل الدولتين»، الذي تطرحه «المبادرة العربية» والقرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية؟ هل سترحب «تل أبيب» بقيام دولة مستقلة، للفلسطينيين، جنباً إلى جنب مع الكيان الصهيوني؟ هل سيحصل كل فلسطيني، على حقوقه المشروعة غير القابلة للانتقاض أو المساومة؟ هل ستوقف حكومة التطرف الإسرائيلي، مخططات تهويد القدس، ومحيطها المقدس؟ هل سيضمن لنا «الحايك»، بعد تخلي «حماس» عن حكم غزة، توقف جحافل الغوغاء المستوطنين، من انتهاك حرمة المسجد الأقصى؟ ولا أعتقد، أن المتحدث باسم «فتح» في غزة، لا يعلم أن العدوان على أهله الفلسطينيين، لم يبدأ بعد السابع من أكتوبر. وأن الاعتداءات الصهيونية الهمجية الوحشية، على الشعب الفلسطيني، لم تنطلق انتقاماً، من «طوفان الأقصى»، فحسب. ولكنها تتواصل ضد الفلسطينيين، منذ عقود وعهود، قبل أن يولد «الحايك»، وقبل أن ينسج تصريحاته، على «النول» الإسرائيلي، وقبل تأسيس حركة حماس عام 1989. * ونعلم جميعاً، أن إسرائيل، تريد تفكيك حركة «حماس»، لأنها تقود المقاومة ضد المشروع الصهيوني، لتكون بعدها بلا حماس، وبلا إحساس، وبلا ساس، وبلا راس، وبلا حاضنة شعبية من الناس. ونعلم أيضاً، أن إسرائيل تريد نزع سلاح المقاومة، حتى يسهل عليها، افتراس الجميع، في قطاع غزة وخارجه، وفرض مخطط التهجير، والتطبيع، والتركيع، وضمان عدم وجود، قطعة «جراخي» واحدة، يتم إطلاقها حتى احتفالاً بقدوم العيد. وما من شك، في أن أحداث مخيمات اللاجئين، في «طولكرم» و«نابلس» و«جنين»، تشهد، على أن الاستهداف الإسرائيلي، لا يقتصر، على قطاع غزة، الذي تديره «حماس». ولكنه يشمل حتى المناطق، التي يفترض أنها تخضع لحكم السلطة». وما أدراك ما السلطة، المتعاونة، أو المتفاهمة أو الفاهمة، لمتطلبات المرحلة «الانبطاحية»، التي أجبرتها على القبول بالجزرة، حتى لا تستهدفها العصا، على اعتبار أن العصا الإسرائيلية، لمن عصى، حكومة نتنياهو! * ونصل إلى الحقيقة الكبرى، التي ربما يعرفها المتحدث باسم «فتح»، بأن إسرائيل، تريد فعلاً سلاماً، مع الفلسطينيين، لكنها تريده، ناقصاً، مهشماً، مهمشاً، منزوعاً من السلام! وتريد شعباً فلسطينياً صامتاً، لا يقدر على الكلام، ويظل دوماً، في حالة صيام، ليس بسبب شهر رمضان، الذي ودعناه، لكن بسبب سياسة التجويع، التي تطبقها إسرائيل على الجميع. أما سبب تراجع القضية الفلسطينية، قبل أحداث غزة، فيرجع إلى أن «المنظمة»، المعنية بتحرير الوطن الفلسطيني المحتل، نسيت أن اسمها يتضمن كلمة «التحرير»، وأصبحت منفصلة عن شعبها وشعابها! وقامت بتسليم أدوارها إلى حركة «فتح»، التي باتت لها كلمة الفصل، في كل ما يصدر عنها ومنها، لدرجة تحويل «المنظمة»، إلى مجرد واجهة، لتنفيذ المشروع «الفتحاوي» السياسي الخاص والخالص، ولا أقول المخلص! والمؤسف، أن «المنظمة»، ومعها ذراعها الأشهر «فتح»، تبرمجت، وتكيفت مع ما تريده إسرائيل منها، وليس ما يريده الشعب الفلسطيني. أما «السلطة»، التي تريد العودة، لكي تحكم قطاع غزة، فالمؤسف أنها تحولت إلى جهاز أمني بامتياز خاضع للاحتلال، متسلط على الشعب، وعلى المقاومة الوطنية، ولم يعد يهمها سوى التنسيق الأمني المفرط مع «تل أبيب»، وحماية مشروعها السياسي الفاشل، المتمثل في الدفاع بشكل أساسي عن أوهام «اتفاق أوسلو»! * وبعيداً عن العاصمة النرويجية، التي شهدت ذلك الاتفاق المشوه، ومن العاصمة القطرية، المدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني، أقترح على المتحدث باسم «فتح»، أن يفتح أبواب عقله جيداً، ويقرأ عن الجزائر كثيرا وغيرها من الدول التي حاربت مستعمريها، حتى استطاعت أن تنتزع حريتها انتزاعا، ويتعلم من دروس «ثوراتها»، ويبتعد عن الخضوع والخنوع لمشاريع الاحتلال الإسرائيلي، ولا يتأثر بطريقة تفكير «ثيران» الاستسلام، ويعيش الواقع الحقيقي بعيدا عن الظن والأوهام!
1089
| 03 أبريل 2025
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن...
5784
| 07 يوليو 2026
سيلعب منتخب مصر الحبيبة أمام المنتخب الأرجنتيني بأحد...
1458
| 07 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية...
1449
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية...
1362
| 12 يوليو 2026
• في كل صيف، تتكرر الحكاية نفسها؛ وجهات...
1227
| 08 يوليو 2026
في المقال السابق تحدثت عن السؤال الذي ينبغي...
1053
| 08 يوليو 2026
من الأفكار الشائعة لدى البعض من غير المختصين...
876
| 08 يوليو 2026
مع دخول فصل الصيف وانطلاق الإجازة المدرسية، تتغيّر...
705
| 09 يوليو 2026
هناك أفراح تمر في حياتنا كأي مناسبة، وهناك...
660
| 07 يوليو 2026
لم تعد المنافسة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين...
630
| 09 يوليو 2026
- أسس نظامًا راسخًا ومهّد طريق الأجيال ولمستقبلهم...
603
| 13 يوليو 2026
لم نستيقظ فجر اليوم (أمس) على وقع الضربات...
579
| 13 يوليو 2026
مساحة إعلانية