رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في هذه الأيام المباركة، بعد أن ودعنا شهر رمضان المبارك، جلست مع نفسي، في الليلة الرمضانية الأخيرة، أنظر في مذكراتي، وأسترجع ذكرياتي، مع العديد من الأخوة الأحباء، الذين رحلوا عن عالمنا، خلال أيام وليالي شهر الصيام، الذي لم يخل من مراسم العزاء.
ومع رحيل أولئك الأعزاء، استحضرت أيضاً، قصصا مأساوية، تحكي سيرة آلاف الشهداء، ومسيرة هؤلاء الأحباء ضحايا حرب الإبادة الجماعية، التي تشنها إسرائيل، على أهلنا الأشقاء.
وهذا يحدث يومياً، بل وفي كل ساعة، ولن أبالغ إذا قلت في كل دقيقة في غزة، بلد العزة، والتضحية والفداء.
وهنا، من موقعي في قطر، وطن الكرامة والكبرياء، يشرفني أن أنحني إجلالاً وإكراماً وتكريماً، لتضحيات الفلسطينيين الشرفاء، وبينهم شيوخ وأطفال ونساء.
وسلام مني على الضحايا الأبرياء، الذين هدمت بيوتهم فوق رؤوسهم، بفعل القصف الإسرائيلي المجنون.
وسلام إلى الجرحى، الذين يئنون، والأسرى الذين يعانون، ويتم تعذيبهم، في غياهب السجون.
سلام على الأطفال الذين بترت أطرافهم، والأمهات الثكالى، اللواتي فقدن أطفالهن.
سلام على الشهداء الأحياء، الذين ينتظرون دورهم، للفوز بأوسمة الشهادة.
سلام على من انتقلوا من ديار الفناء، إلى دار البقاء، ومن دار الفساد والشوائب الى دار النقاء، ومن دار الكدر والتلوث إلى دار الصفاء، وأصبحت سيرتهم، منارة تشع بالضياء.
سلام مني، أوجهه إلى الإنسان الفلسطيني المعذب، الثائر المشرد، المجاهد المستهدف.
أكتبه بكل عنفوان، معطر برائحة الزنبق والريحان، وعبق «الياسمين»، وهو عطر أمي، وأريج الإقحوان.
وستظل تضحيات شهداء غزة، محفورة في الوجدان، ومحفوظة في ملف حقوق الإنسان.
وسيبقى اللسان عاجزاً عن وصف هبتهم في حياتهم، وهيبتهم في مماتهم.
وأسأل الله، أن يلهم أهاليهم الصبر والسلوان، ويعوضهم خيراً عما فقدوه، من الأرواح، والأموال، والممتلكات، و«البيارات».
وبأصدق الكلمات أنوه، بمواقف جميع الشرفاء، في شمال قطاع غزة وجنوبه، الذين يلتفون حول المقاومة الفلسطينية، ويفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، ولم يستسلموا لليأس، رغم القصف، وإطلاق النار، وآثار الدمار، الذي يحيط بهم، وضغوط الحصار.
وهذا سلام مني أيضاً على الأوفياء لوطنهم والمؤيدين لمقاومتهم، والمتمسكين بأرضهم، والمؤمنين بقضيتهم العادلة، أولئك الأتقياء، وهؤلاء الأنقياء، في مواقفهم.
سلام مني إليهم، وسلام آخر عليهم، وقد احتفلنا بالعيد، ولا يوجد في غزة وقطاعها، مواطن فلسطيني واحد سعيد.
وهذا هو العيد الثالث، من أعيادنا الإسلامية، الذي يدق أبواب غزة، بينما أهل القطاع المقطوع عن العالم، يواجهون حرب الإبادة الجماعية، للشهر السادس عشر على التوالي، ويتم استهدافهم بالهجمات الصاروخية الوحشية، والاعتداءات الهمجية، الصهيونية.
* وفي خضم، تلك الممارسات النازية، التي تسعى إسرائيل من خلالها، لفرض شروط الاستسلام، على الفلسطينيين، ونزع روح السلام..
أوجه تحية السلام، لكل المقاومين الثوار، والمناضلين الأحرار، الذين يدافعون عن القضية الفلسطينية العادلة، بكل شجاعة وإصرار.
وما من شك، في أن الأهداف الوطنية، التي يسعون لتحقيقها والغايات النبيلة، التي يدافعون عنها، والقيم السامية، التي غرسوها في تراب وطنهم المحتل، والمثل العليا، التي نشروها، في قطاع غزة، ستثمر أجيالاً جديدة، من المقاومين الشجعان، للقضاء على هذا الكيان.
وحتماً لن تنهزم الأمة التي أنجبتهم، ولن يفنى الشعب، الذي رباهم، على الشجاعة، والإقدام.
أقول هذا الكلام، رداً على من يحركون مظاهراتهم المحدودة، وتظاهراتهم المعدودة، ضد حركة المقاومة الإسلامية.
ولا أريد القول، إنها مظاهرات، مدفوعة بقيمة «الشيكل»، ولكن توقيتها، وشعاراتها، ومساراتها، وهتافاتها، تؤكد أن محركها واحد، ومحرضها واحد.
ويكفي أن الترويج لها، والنفخ فيها، يتم في موقع «إسرائيل بالعربية»، التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية، والذي يتم فيه، نشر الدعاية الصهيونية، الموجهة إلى العرب، بهدف التأثير على ضعاف النفوس، واستمالتهم، لتأييد المشروع الصهيوني في المنطقة.
ومن الناحية الواقعية، لا خلاف مع الذين نظموا المظاهرات، وشاركوا في الاحتجاجات، بأن الظروف الحياتية، والأوضاع المعيشية، التي كانوا يعيشونها، قبل السابع من أكتوبر، ليست كما بعده.
فهذا أمر مفروغ منه، قبل سماع الكلام الفارغ، الذي يرددونه في هتافاتهم، وقبل رفع الشعارات الفارغة من مضمونها الوطني، التي يحملونها، وكلها تصب في مستنقع المصلحة الإسرائيلية، ومنها شعار «بره بره حماس تطلع بره»!
وهذا يساهم في إضعاف الموقف التفاوضي الفلسطيني، وتضخيم الضغوط على المقاومة، وتعظيم التحديات على الجميع.
*وها هي «حماس» تؤكد مجدداً، أنها تتعامل بكل مسؤولية، وكل إيجابية، وكل مرونة وطنية، مع المقترحات المطروحة، لإنهاء معاناة أهالي غزة، حتى لو وصلت الأمور إلى ضرورة خروجها من المشهد مقابل التزام إسرائيلي، أولا بوقف الحرب نهائياً.
والتزامها دائماً بتنفيذ القرارات الدولية، وفي مقدمتها، وأهمها، وأبرزها، «حل الدولتين»، ولا حلول غير ذلك.
بدلاً من قيام، الذين يتحركون بقوة «الشيكل»، بتوجيه الجماهير داخل قطاع غزة وخارجه، للقبول بأهداف الحرب الوحشية، التي تشنها إسرائيل، مما يتساوق مع شروط الاحتلال، ويتناسق مع مصالحه، ويستجيب لمطالبه، ويتواطأ مع رغباته!
وأقولها، بكل الثوابت القومية والقيم الوطنية، والحقوق الفلسطينية، والروابط الأخوية، بأنه لا يجوز لأي مواطن فلسطيني، تمكين إسرائيل، من تنفيذ مشروعها اللعين، وهو يعلم أنها تسعى لابتلاع كامل الجغرافيا الفلسطينية، وتعمل على التخلص من كل حقائق التاريخ، المتعلقة بعدالة القضية الفلسطينية.
وما أعرفه شخصياً عن أهالي غزة، أن المقاومة جزء لا يتجزأ من أولوياتهم، وركن لا ينفصل من ثوابتهم.
ولعل ما يميزهم، ثباتهم في النوائب، وصلابتهم في مواجهة المصاعب، وتضامنهم مع بعضهم البعض في المحن والمصائب.
وما من شك، في أن الشعوب، لا تصان حقوقها إلا بالتضحيات، والأوطان، لا تتعطر أجواؤها، عندما تكون أراضيها محتلة، إلا بدماء الشهداء، التي تراق، ذوداً عن الحرية، وسعياً لنيل الاستقلال.
* وما حدث، ويحدث في غزة، مرت به الكثير من الشعوب، ومنها الشعب الجزائري الشقيق، الذي تعرض بكل مكوناته، أيام الاستعمار الفرنسي، إلى أبشع أشكال التصفية، وأفظع أنواع التنكيل وأشد أنواع التعذيب، وأحقر عمليات الاعتقال وأقسى عمليات الإعدام، وقطع الرؤوس، وإرسالها إلى باريس، ليتم عرضها في ما يسمونه «متحف الإنسان»!
لكنهم، رغم كل ذلك الإجرام الاستعماري الفرنسي المنظم، لم يستسلموا، ولم يتراجعوا ولم يضعفوا، ولم يتضعضعوا، ولم يتقهقروا، ولم يُقهروا.
ولم يوجهوا أصابع الاتهام، إلى قادة المقاومة، بأنهم دمروا البلاد، وأنهم تسببوا في استشهاد مليون ونصف المليون جزائري.
ولم يخرجوا في مظاهرات فوضوية، اجتماعية، ضد قيادات المقاومة الوطنية، بل كانت تظاهراتهم الشعبية الحاشدة، ضد المستعمر الفرنسي، الذي ظل يستعمر الجزائر، منذ عام 1830، ولم يغادرها، إلا بالكفاح المسلح.
أكرر، بالنضال المسلح، بعدما أدركت الأحزاب الجزائرية، أن أهدافها الوطنية، لن تتحقق إلا بالمقاومة والمواجهة.
ولهذا قررت الانخراط، في الثورة المسلحة، بقيادة جبهة التحرير الوطني، التي انطلقت شرارتها في ليلة 31 أكتوبر 1954، وأسفرت بعد 7 سنوات من النضال، بإعلان الاستقلال في الخامس من يوليو 1962.
وما من شك، في أن الثورة الجزائرية المسلحة، شكلت ملحمة بطولية خالدة، في تاريخ الأمة العربية، ومسيرة النضال الوطني، وحركة التحرر من الاستعمار.
وأثبت الجزائريون، خلال ثورتهم ـ المسلحة ـ أن ظلم المستعمر المسعور، لا يدوم، وأن الاحتلال، لا يمكن أن يصمد، أمام إرادة الشعوب، التي تسعى لنيل حريتها.
وهكذا، فإن من يريد الحرية، لا بد أن يدق أبوابها، بكل يد مضرجة بالدماء، ولا بد لتحقيق الهدف الوطني، من تحريك قوافل الشهداء.
* ووسط هذه الحقائق، المستقاة من الثورة الجزائرية ـ المسلحة ـ خرج علينا المتحدث باسم حركة فتح في غزة، المسمى «منذر الحايك» بتصريح تمت حياكته في «النول» الإسرائيلي، مطالباً حماس بالتخلي عن إدارة القطاع المقطع، تمهيداً لإعادة غزة، إلى الحالة التي كانت عليها قبل 20 عاماً، عندما كانت خاضعة، لسيطرة السلطة الفلسطينية.
ولكن، مهلاً أيها «الحايك»، على رسلك أيها المتحدث باسم «فتح».
اسمح لي أن أفتح معك، هذا النقاش وأسألك:
ما هي المدن والبلدات والمخيمات، التي تخضع حالياً لسلطة السلطة، المتآكلة، في مناطق الضفة الغربية المحتلة، التي لم تسلم من العدوان الإسرائيلي؟
وخصوصاً بعدما عاثت إسرائيل فساداً، وتمعنت إفساداً في جميع الأماكن.
ولا أقصد، ما يقوله «محمد عبده»، عن «الأماكن» المشتاقة كلها، لمن يخضعها لسلطة صاحب الأغنية.
ولنفترض ـ جدلاً ـ أن حماس غادرت المشهد الفلسطيني، إلى غير رجعة، كيف سيكون «اليوم التالي» لهذه المغادرة؟
هل ستقبل إسرائيل بمبدأ «حل الدولتين»، الذي تطرحه «المبادرة العربية» والقرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية؟
هل سترحب «تل أبيب» بقيام دولة مستقلة، للفلسطينيين، جنباً إلى جنب مع الكيان الصهيوني؟
هل سيحصل كل فلسطيني، على حقوقه المشروعة غير القابلة للانتقاض أو المساومة؟
هل ستوقف حكومة التطرف الإسرائيلي، مخططات تهويد القدس، ومحيطها المقدس؟
هل سيضمن لنا «الحايك»، بعد تخلي «حماس» عن حكم غزة، توقف جحافل الغوغاء المستوطنين، من انتهاك حرمة المسجد الأقصى؟
ولا أعتقد، أن المتحدث باسم «فتح» في غزة، لا يعلم أن العدوان على أهله الفلسطينيين، لم يبدأ بعد السابع من أكتوبر.
وأن الاعتداءات الصهيونية الهمجية الوحشية، على الشعب الفلسطيني، لم تنطلق انتقاماً، من «طوفان الأقصى»، فحسب.
ولكنها تتواصل ضد الفلسطينيين، منذ عقود وعهود، قبل أن يولد «الحايك»، وقبل أن ينسج تصريحاته، على «النول» الإسرائيلي، وقبل تأسيس حركة حماس عام 1989.
* ونعلم جميعاً، أن إسرائيل، تريد تفكيك حركة «حماس»، لأنها تقود المقاومة ضد المشروع الصهيوني، لتكون بعدها بلا حماس، وبلا إحساس، وبلا ساس، وبلا راس، وبلا حاضنة شعبية من الناس.
ونعلم أيضاً، أن إسرائيل تريد نزع سلاح المقاومة، حتى يسهل عليها، افتراس الجميع، في قطاع غزة وخارجه، وفرض مخطط التهجير، والتطبيع، والتركيع، وضمان عدم وجود، قطعة «جراخي» واحدة، يتم إطلاقها حتى احتفالاً بقدوم العيد.
وما من شك، في أن أحداث مخيمات اللاجئين، في «طولكرم» و«نابلس» و«جنين»، تشهد، على أن الاستهداف الإسرائيلي، لا يقتصر، على قطاع غزة، الذي تديره «حماس».
ولكنه يشمل حتى المناطق، التي يفترض أنها تخضع لحكم السلطة».
وما أدراك ما السلطة، المتعاونة، أو المتفاهمة أو الفاهمة، لمتطلبات المرحلة «الانبطاحية»، التي أجبرتها على القبول بالجزرة، حتى لا تستهدفها العصا، على اعتبار أن العصا الإسرائيلية، لمن عصى، حكومة نتنياهو!
* ونصل إلى الحقيقة الكبرى، التي ربما يعرفها المتحدث باسم «فتح»، بأن إسرائيل، تريد فعلاً سلاماً، مع الفلسطينيين، لكنها تريده، ناقصاً، مهشماً، مهمشاً، منزوعاً من السلام!
وتريد شعباً فلسطينياً صامتاً، لا يقدر على الكلام، ويظل دوماً، في حالة صيام، ليس بسبب شهر رمضان، الذي ودعناه، لكن بسبب سياسة التجويع، التي تطبقها إسرائيل على الجميع.
أما سبب تراجع القضية الفلسطينية، قبل أحداث غزة، فيرجع إلى أن «المنظمة»، المعنية بتحرير الوطن الفلسطيني المحتل، نسيت أن اسمها يتضمن كلمة «التحرير»، وأصبحت منفصلة عن شعبها وشعابها!
وقامت بتسليم أدوارها إلى حركة «فتح»، التي باتت لها كلمة الفصل، في كل ما يصدر عنها ومنها، لدرجة تحويل «المنظمة»، إلى مجرد واجهة، لتنفيذ المشروع «الفتحاوي» السياسي الخاص والخالص، ولا أقول المخلص!
والمؤسف، أن «المنظمة»، ومعها ذراعها الأشهر «فتح»، تبرمجت، وتكيفت مع ما تريده إسرائيل منها، وليس ما يريده الشعب الفلسطيني.
أما «السلطة»، التي تريد العودة، لكي تحكم قطاع غزة، فالمؤسف أنها تحولت إلى جهاز أمني بامتياز خاضع للاحتلال، متسلط على الشعب، وعلى المقاومة الوطنية، ولم يعد يهمها سوى التنسيق الأمني المفرط مع «تل أبيب»، وحماية مشروعها السياسي الفاشل، المتمثل في الدفاع بشكل أساسي عن أوهام «اتفاق أوسلو»!
* وبعيداً عن العاصمة النرويجية، التي شهدت ذلك الاتفاق المشوه، ومن العاصمة القطرية، المدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني، أقترح على المتحدث باسم «فتح»، أن يفتح أبواب عقله جيداً، ويقرأ عن الجزائر كثيرا وغيرها من الدول التي حاربت مستعمريها، حتى استطاعت أن تنتزع حريتها انتزاعا، ويتعلم من دروس «ثوراتها»، ويبتعد عن الخضوع والخنوع لمشاريع الاحتلال الإسرائيلي، ولا يتأثر بطريقة تفكير «ثيران» الاستسلام، ويعيش الواقع الحقيقي بعيدا عن الظن والأوهام!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1110
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
582
| 12 أكتوبر 2026