رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جمعان عبدالله السعدي

مساحة إعلانية

مقالات

27

جمعان عبدالله السعدي

الإجازة الصيفية.. فرصة للترابط لا للتفرق

09 يوليو 2026 , 11:02م

مع دخول فصل الصيف وانطلاق الإجازة المدرسية، تتغيّر إيقاعات كثير من بيوتنا؛ فالأبناء الذين اعتادوا طيلة العام على جدول الدراسة والواجبات والمواعيد المحددة، يجدون أنفسهم فجأة أمام وقت فراغ طويل. هذا الفراغ قد يتحول عند البعض إلى نعمة تُستثمر في بناء الأسرة وتقوية أواصرها، وقد يتحول عند آخرين إلى عزلة خلف الشاشات وانفصال عن الواقع، وشتّان بين الحالتين.

أذكر أن أجمل ذكريات طفولتنا لم تكن في رحلات باهظة أو رفاهية مكلفة، بل كانت في جلسة عائلية بسيطة بعد صلاة العشاء، يجتمع فيها الكبير والصغير؛ يتحدث الوالد عن أيامه، وتروي الوالدة حكاية من الزمن الجميل، ونحن نستمع بشغف، نتعلم منها القيم قبل أن نتعلمها من أي كتاب. اليوم، ومع تسارع وتيرة الحياة وتعدد وسائلها، أصبحت كثير من هذه الجلسات تذوب أمام هاتف محمول أو شاشة لا تنطفئ، ليتحول كل فرد في البيت إلى جزيرة منعزلة رغم اجتماعهم تحت سقف واحد.

يقول الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)، وفي هذا التوجيه الإلهي إشارة واضحة إلى أن الأسرة ليست مجرد أفراد يتقاسمون المسكن، بل هي نسيج مترابط يقوم على السكن النفسي، والتواصل، والتراحم. وهذا النسيج لا يُبنى بالصدفة، بل يحتاج إلى وقت يُخصَّص له عمدًا، ولا وقت أنسب لذلك من إجازة صيفية طويلة، يخلو فيها الأبناء من ضغوط الدراسة، ويكون الآباء فيها أقرب إلى التفرغ لهم.

ومن التجارب الجميلة التي نراها في بعض الأسر القطرية، تخصيص يوم أو أمسية أسبوعية ثابتة للجلوس معًا، بلا هواتف وبلا مشتتات، يتبادلون فيها الحديث أو يخططون لنزهة بسيطة. وهنا يأتي دورنا كآباء في تقديم "البديل الجاذب"، فالمنع وحده لا يكفي؛ إن إحياء بعض الألعاب الجماعية والتقليدية، أو فتح باب النقاش حول فكرة مفيدة، أو ممارسة رياضة خفيفة معاً، كفيل بأن يسحب البساط تدريجياً من تحت الشاشات التي سرقت عقول أبنائنا، ويعيد توجيه شغفهم نحو تفاعل اجتماعي حي وصحي.

ولكي لا يشعر الأبناء بأن هذه الأنشطة مجرد "أوامر فوقية" تُفرض عليهم، فمن الذكاء التربوي أن نشاركهم في التخطيط لها، لنمنحهم المساحة لاقتراح الوجهات، أو إدارة الحوار في الأمسية العائلية؛ فهذه المشاركة لا تملأ فراغهم فحسب، بل تبني شخصياتهم وتجعلهم شركاء حقيقيين في الكيان الأسري.

ولا يفوتني أن أنبّه إلى دور الأجداد في هذا الموسم، فكم من بيت جد أو جدة ينتظر زيارة الأحفاد طوال العام، وكم في هذه الزيارات من بركة وحكمة تُنقل جيلًا بعد جيل. إن الجلوس مع الجد ساعة يستمع فيها الحفيد إلى قصصه وتجاربه المستمدة من أصالة الماضي، قد يكون أنفع له وأعمق أثراً من أسبوع كامل يقضيه وحيداً أمام عوالم افتراضية.

في الختام، الإجازة ليست وقتاً زائداً نبحث عن أي وسيلة للتخلص منه، بل هي استثمار حقيقي في أجيال قادمة. ولنتذكر دائماً أن الأبناء لا يتعلمون مما نقوله لهم، بل مما نفعله معهم؛ فإذا رأوا منا اهتماماً واقتطاعاً للوقت من أجلهم، نشأوا على ذات القيم ونقلوها غداً لأبنائهم. فلنجعل من هذا الصيف موسماً لترميم ما تصدّع من علاقاتنا، ولنغرس في نفوسهم أن أجمل الأوقات هي تلك التي تُقضى مع من نحب، والله ولي التوفيق.

مساحة إعلانية