رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطبة أبو بكر البغدادي (أمير المؤمنين ) الجمعة الماضية في أعرق مساجد الموصل كانت رسالة مليئة بالرمزيات للعرب وغير العرب من دول الجوار وصولا إلى الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي أشغل كثيرون أنفسهم بنوع الساعة التي كان البغدادي يرتديها بيمينه كانت خطبته ذات دلالة بالغة على عزيمته في تحقيق مشروعه الذي جاء من أجله . ومن يظن أن إعلان الخلافة في العراق والشام على يد تنظيم الدولة هي مجرد سخافة أو مزحة ثقيلة فهو واهم ، فالخلافة لم تُعلن ليتم القضاء عليها حتى إن تمكن التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب في القضاء على قيادات الصف الأول من التنظيم ، فإنه لن يستطيع أن يقضي على حلم الجهاديين الذي بدأ يتحول الى واقع . المسألة أكثر جدية وأبعد خطورة وأعمق دلالة مما يرى كثيرون. فمع ما بدا سقوطاً لبعض النظم العربية نتيجة الحراكات الشعبية التي أُطلق عليها "الربيع العربي" نهاية العام 2010 ومطلع العام 2011 ، ذهب أغلب المتخصصين في شؤون الجماعات الإسلامية المسلحة على أنها النهاية لأدبيات وطروحات "تيار الجهاد العالمي" الذي كان يؤمن بالعنف المسلح سبيلا وحيداً لتغيير النظم الفاسدة ، إلا أن الذهول خيم على الجميع بعد الصعود المدوي لتيارات الجهاد العالمي عقب تعثر الثورات في عدد من المناطق مثل سوريا واليمن وليبيا ومصر . بل وجدنا أن أغلب المناطق التي تنشط فيها التنظيمات الجهادية هي تلك التي طالتها الثورات العربية بشكل أو بآخر ، وهو ما يعيد طرح اشكالية ولادة وتنامي التيارات الجهادية . وكانت الإشكالية الثانية هو بروز تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بقوة في العراق بعد أن ظنّ كثيرون أنه تلاشى تحت ضربات القوات الأمريكية والعراقية ومن ثم تمدده الى سوريا وتصدره المشهد في كل من البلدين.وتزداد الحيرة حين البحث عن الأسباب التي تدفع تنظيم الدولة الإسلامية للإنشقاق عن تنظيم القاعدة الأم ، وانتهاجه سبيلا أكثر رادكيالية في الوقت التي تؤكد الوثائق الأمريكية أن بن لادن قبيل مقتله كان بصدد إجراء مراجعات لأدبيات القاعدة على غرار تلك التي أجرتها عدد من التيارات الجهادية في مصر. ثم عن وجاهة الصراع الذي نشب بين فرع تنظيم القاعدة في سوريا "جبهة النصرة" وتنظيم الدولة (داعش) وصولا الى أبعاد اعلان البغدادي خلافته. وهي جملة تطورات حصلت ، إن كانت على صعيد التطور الفكري أو الانشطار التنظيمي أو التمدد العسكري أو الاقتتال الداخلي .وفي تقديري أن الظواهر الاجتماعية والفكرية والسياسية التي تعج بها منطقتنا تتطلب منا قراءة أكثر عمقا وأوسع أفقا وأبعد مدى في التعاطي مع هذه المتغيرات إذا كنا نرغب أن نؤسس لنهضة حديثة شاملة تضعنا على سكة القطار كحال بقية الشعوب من حولنا.ويدرك المتابع لخط سير الأحداث وأنواعها في العالمين العربي والإسلامي وإلى حد ما العالم الغربي بعد الانتخابات الأخيرة التي أجريت في بعض الدول الأوروبية أن ظاهرة التشدد والعودة إلى الطروحات اليمينية أو القومية التي تعلي من شأن العرق داخل الدولة الواحدة تجتاح العالم. وهي في العالمين العربي والإسلامي بالغة الظهور حتى لا تحتاج إلى أمثلة للتأكيد عليها. وإن كان الفرق بين الغرب والشرق أن صناديق الإقتراع في الغرب هي من تأتي بالأحزاب اليمينية إلى السلطة في حين محاربة الديموقراطيات وقطع الطرق على الشعوب في حكم نفسها بنفسها هو من يفتح الباب على مصراعيه لقوى التشدد والتطرف والتوجهات الراديكالية دينياً للظهور.ويصاحب صعود ظاهرة التشدد في العالم العربي ومحيطه الجغرافي احتقان مذهبي انعكس حربا حقيقية على أسس مذهبية في العراق وسوريا واليمن وربما دول أخرى في قادم الأيام لا سمح الله .ويبدو أن الإسلاميين لن تردعهم كل أساليب القمع والملاحقة من تحقيق مرادهم في إقامة دول يرون أنها إسلامية سواء جاءت عبر طروحات فكرية وتثقيف جماهيري كما يعتمد حزب التحرير وجماعة الإخوان المسلمين أو سلكت سبيل التغيير بالقوة كما تفعل تيارات الجهاد العالمي مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية . وفي ظني أن تجارب العالم في القضاء على الإسلاميين بالقبضة الأمنية فشلت تماما . وأفغانستان والعراق واليمن وليبيا خير شاهد على هذا الأمر ، ولا بد للجهات المعنية في احتواء الإسلاميين البحث عن وسائل أكثر جدوى من الحلول الأمنية.
727
| 12 يوليو 2014
إقامة خلافة إسلامية تجتمع تحت راياتها ولايات تضم المناطق التي كانت خاضعة للإسلام في الشرق والغرب هو هدف يسعى إليه الإسلام السياسي بشتى توجهاته الفكرية مع اختلاف في الأساليب.. ومع تحقيق هذا الحلم تعود الأمة لأخذ مكانتها التي منحها إياه الله عز وجل قبل أن تُسلب منها، وهي تحقيق الأستاذية على البشرية التي تتلهف لنظم اجتماعية واقتصادية وسياسية تكون أكثر عدلا وانسجاما مع طبائع الإنسان. وهذا لن يتحقق إلا بعودة دولة الخلافة.يرى الإسلاميون أن الشقاء الذي تعاني منه المجتمعات الحديثة في الشرق والغرب وتسلط القوى الكبرى على مقدرات الشعوب وسلبها حقها في الحرية والعيش الكريم وأن تمادي قوى الظلم وتفشي الفساد والاستبداد في العالم الإسلامي يعود للابتعاد عن شرع الله وتحقيق مراده في إقامة خلافة إسلامية. وأن الأمة ستبقى مجرد غثاء سيل، يحكم فاسدها صالحها، ويعلو سافلها على شريفها، ويتسلط عليها الأعداء من كل فج، ويطمع في خيراتها وثرواتها القوي والضعيف من قوى الكفر ما لم تقم دولة الإسلام. اليوم يعلن أبو بكر البغدادي ولادة الخلافة الإسلامية، فماذا يعني ذلك؟ بإعلانه الخلافة يرى نفسه أنه أصبح إماماً لجميع المسلمين أينما كانوا، وتصبح الأرض التي أقام عليها خلافته لجميع المسلمين دون النظر إلى جنسياتهم أو أعراقهم أو لغاتهم. فلهم الحق في التمتع بخيراتها وعليهم واجب الهجرة إليها والقتال تحت راياتها ضد أي غاز لها أو معتد عليها. وهذا سيشكل معضلة لقوى الإسلام السياسي حيث لا يجوز التأخر عن مناصرة الخلافة وإعلان البيعة لها والذب عنها بالمال والسلاح واللسان لكل مقتدر وفق الأحكام الفقهية التي تتناول حق الخليفة والدولة على الرعية كما تفصل في حق الرعية على الدولة والخليفة.إعلان الخلافة على أرض ما لا يعني أن تقف حدود دولة الخلافة عند تلك الحدود بل لا بد لها من التمدد إلى أن تستعيد كل الأراضي التي كانت يوما جزءا من دولة الإسلام وأن يصبح الجهاد هو الشغل الشاغل لها وعلى رأس أولوياتها. وهناك نظرية عند تيار الجهاد العالمي أن الغزو أنفى للغزو كما القتل أنفى للقتل، فلكي يحمي الخليفة الدولة عليه أن يغزو قبل أن يغزى، وأن يعلن الحرب قبل أن تعلن عليه. والجهاد فرض عين على كل بالغ وبالغة لتمكين الدولة المولودة. وبعبارة أخرى أن الرعية مهمتها الأساسية اليوم هو النفير العام والتحول إلى مجتمع جهادي بعد أن كان الجهاد يقتصر عن خلايا وتنظيمات مؤدلجة. وهي لحظة مثالية بالنسبة لطروحات تيار الجهاد العالمي حيث بفعلته تلك يعري من يوصفهم بعلماء السلاطين ويحرج تيارات الإسلام السياسي التي تقاعست عن العمل الجهادي أو أجلته لقيام الدولة أو ادعت أن الجهاد يقتصر على إصلاح المجتمع الذي سيقيم دولته بنفسه. أما وقد أقيمت الدولة وبسطت سيطرتها على مساحة تقدر بعشرات آلاف الأضعاف من دولة المدينة التي كان يحكمها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا يبقى لقاعد أو مخذل عذر عن نصرة الدولة ومؤازرتها والذب عنها بكل ما أوتي من قوة لأنها دولة الإسلام وهنا تصبح الطاعة واجبة على الأمة لأميرها وخليفة والمسلمين ما لم يأمر بإثم، ولا يجوز الخروج عليه أو الاعتراض على ولايته أو بزّها لأن بذلك سيدخل في دائرة الخوارج. ويصبح قتاله واجب.هذا يقينا ما قصد إليه البغدادي بإعلان خلافته، والمتضرر الأكبر هي "القاعدة" الأم التي أنجبت تنظيم الدولة الإسلامية، إذ لم يعد لوجودها مبرر ولا لقاداتها حق الريادة، وما أمامها إلا مبايعة البغدادي والحرب تحت رايته شأن كل حركة إسلامية في الشرق والغرب. ومن تخلف عن البيعة فقد أوجب على نفسه القتل لأنه يعتبر من الطائفة الممتنعة. ومع قيام الخلافة تزول شرعية النظم العربية والإسلامية الحاكمة اليوم، وتسقط مع سقوط مفهومي الوطنية والمواطنة، وتنتفي شرعية الولاء لغير دولة الخلافة وأميرها، ويتحقق مناط البراء ممن يخالفها أو يعاديها أو يمتنع عن بسط الطاعة لها. وهذا كما ينسحب على دول تقول إنها تحكم بشرع الله مثل السعودية فانه ينطبق على أي دولة إسلامية أخرى سواء احتكمت إلى أحكام وضعية أم لا، حكمها إسلاميون أم علمانيون مثل تركيا والسودان والمغرب وغيرها. أنها خلافة لكنها في حقيقتها مشروع إعلان حرب على الجميع. فتدبر يرحمك الله!
880
| 05 يوليو 2014
الأحزاب العربية والإسلامية على اختلاف ألوانها كذا النخب العربية كانت ولا تزال ترى أن الحدود السياسية بين الدول العربية وقفت حاجزا أمام تقدم الشعب العربي، وأن من قام برسم هذه الحدود مازال حيا وفاعلا، ولعله يضحك في قبره إذا ما نظر إلى ما فعلت يداه إلى يومنا هذا. مرت عقود على نشأة هذه الدول، وغالبا ما يجد أهلها صعوبة في التقبل الوجداني للحدود السياسية التي لم يُراع فيها عند وضعها تاريخهم الجغرافي والثقافي والاجتماعي، فبين لحظة وأختها تمزقت أواصر القربى وروابط الدم والتاريخ والجغرافيا وتحولت المنطقة إلى دول رسمت حدودها على الورق قبل أن تجد تطبيقها على الأرض سريعا بفعل القرار السياسي للمنتدب الأجنبي. الحلم العربي كذا الإسلامي كانا يتطلعان دوماً إلى يوم تتحرر فيه الشعوب العربية من نير الاستعمار وأذياله فيعاد تصحيح التاريخ الذي انحرف كثيرا عن مساره في هذه المنطقة. الفرق بين الأحزاب العربية والإسلامية تجلت في نظرة الإسلاميين إلى الأمور من خلفية أوسع عن نظرائهم القوميين، هم يرون العرب جزءاً من أمة واحدة قسمها المستعمر، في حين الأحزاب القومية ترى العرب أمة من دون الناس، لهم هويتهم المستقلة التي استغلتها القوميات الأخرى مثل التركية والفارسية لإقامة إمبراطورياتها. الفرق لم يكن كبيراً طالما أن المصيبة جامعة، من هنا ولد المؤتمر القومي الإسلامي الذي أراد أن يختزل الخلاف ويضيق المسافة بين الأحزاب القومية ونظيرتها الإسلامية، وقد أدى قسطاً من دوره. دارت الأيام، وبدأت الانتفاضات العربية ودعمها الإسلاميون بقوة حيث وجدوا فيها المخلص من تبعات الاستعمار والعودة من جديد إلى مسار التحرر الوطني عبر استعادة الأمة لهويتها الجامعة ولدورها في اختيار نظمها وحكامها. كانت الأحزاب القومية مترددة ومنقسمة على نفسها انقساما جغرافيا وطائفيا. وقد تأخرت في تصنيف التحولات في المنطقة، منهم من وجد فيها استعادة الأمة لحقها في التحرر، وأغلبهم رأى فيها إعادة صياغة المنطقة من جديد على قواعد ترمم الاستعمار بعد التحولات الدولية والإقليمية والتغييرات التي استجدت منذ زحف مركز الثقل الدولي من أوروبا إلى أمريكا، وفي لحظة أفول تشهدها الولايات المتحدة اليوم كقطب دولي أوحد يتفرد بمصير الكرة الأرضية إلى عالم جديد تتعدد فيه الأقطاب، وإن كانت بدرجة أقل من القوة. هنا نتحدث عن قوى جديدة صاعدة، متقاربة من حيث النفوذ والقوة وسرعة الصعود. وهي وإن كانت تعلم أنها لن تصل إلى المستوى الذي تربعت على عرشه الولايات المتحدة إلا أنها قادرة على إزعاجها في مناطق نفوذها، بل قادرة على سلبها بعض مناطق النفوذ كما تسعى اليوم روسيا وإيران في الشرق الأوسط.اختلف الإسلاميون والقوميون تبعا لتحليلاتهم وقراءاتهم المختلفة لحقيقة ما يجري في المنطقة، وما كان حلم الجميع في التحقق تحول إلى مثار شك وريبة؛ إذ لم يعد إسقاط الحدود هو الهدف، وتحول تكريسها وحمايتها هدفا بحد ذاته، يحفظ ما تبقى من هوية الأمة، هكذا أعادت كثير من النخب القومية والإسلامية رؤيتها للأوضاع وقيمتها مع عودة الصراع بين الطرفين بين مؤيد لبعض النظم المتسلطة التي تمارس القتل المنهج وتنتهج الطائفية في إقصاء معارضيها وترفض أي تحول نحو الديمقراطية أو إحداث عملية إصلاح حقيقية في بنية الدولة.نجحت النظم السلطوية في إلصاق صفة الإرهاب والتطرف بحق أي مناضل يسعى إلى التغيير. كما نجحت في إحداث شرخ داخل جبهة النضال القومي والإسلامي ومنحت عن سابق قصد وتخطيط لقوى "الإسلام المتشدد" التمدد والحيلولة مكان الإسلام المعتدل حتى تضرب الجميع وتفرض معادلتها على الشعوب كما فرضتها على المجتمع الدولي من قبل: "إما نحن وإما الإرهاب" ثم سوقت نفسها أنها قادرة على استئصال الإرهاب والتطرف نيابة عن الغرب شريطة غض الأخير نظره وعدم إزعاج النظم مجددا بالمطالبة بتغييرات وإصلاحات لا تروق لها على الأقل في هذه المرحلة.من نهض اليوم لحمل راية القوميين والإسلاميين المعتدلين هو تنظيم داعش. لقد أزال بالفعل الحدود بين العراق وسوريا، وهو على طريق إنشاء دولته على أنقاض دولتين من زمن الاستعمار. وما كان حلما يوما ما تحول إلى كابوس مقلق للجميع. لقد بات التطرف الديني وجيوش القطاع الخاص التي حلّت بديلا للجيوش الوطنية هي صاحبة الكلمة العليا في الميدان. وهي جيوش لا تؤمن بالوطنية وإن ادعى بعضها ذلك، كما أنها جيوش طائفية بامتياز، تغذيها جهات تعتمد الفرز المذهبي والديني منهجا في تغيير وجه المنطقة لتوسع نفوذها به.اليوم تتغير المنطقة، لكن ليس كما كان يحلم الجميع. تزول الحدود لا من أجل إعادة مسار التاريخ إلى وضعه الصحيح، وليس لإذابة الفوارق المذهبية بين أبنائه، وليس إعلانا لمبادئ تحرر جديد، وإنما لتكريس وجه التطرف والتقوقع المذهبي والديني، وإيذانا بعهد من التبعية الخارجية والقمع والاستبداد المتنوع داخلياً بين أنظمة قاتلة وجيوش مرتزقة تجوب البلدان، ودول إقليمية ناهضة تريد أن تستثمر نهوضها بين طوائف وشعوب المنطقة.
641
| 28 يونيو 2014
الحدث العراقي مؤخراً كشف جلياً حقيقة ما تتجه إليه الأمور في المنطقة، على نفس القدر الدور العربي الغائب عن مائدة بيته التي يأكل عليها الجميع!! الحدود التي رسمها الاستعمار مطلع القرن الفائت بدأت تتهاوى تدريجيا، وإعادة رسم الخارطة للمنطقة بات أكثر واقعية وجدية من أي وقت مضى.. كيف ذلك؟ في العراق لا شك أن السنّة يعانون الإقصاء والتهميش، ويعاقبون عن كل فعل مارسه الراحل صدام حسين بحق الشعب العراقي الذي لم يكن يميز بين سنة وشيعة وكرد.جهات خارجية زرعت في ضمير ووعي الشيعة العراقيين أن صدام حسين كان رمحا سنية يخترق صدورهم كل يوم.. هل كان الأمر كذلك؟ قطعاً لا، فأغلب رجال صدام كانوا شيعة، ولمن أراد التأكد يستطيع أن يراجع أسماء أغلب قياداته العسكرية والسياسية.الأمر نفسه يقال لشيعة البحرين والسعودية كما يقال لسنة سوريا ولبنان، في حين أن الثابت في التاريخ قديما وحديثا لا تفرق الديكتاتوريات الفردية والنظم المستبدة بين طرف وآخر على أساس ديني أو عرقي أو فئوي. وإنما جحيمها ونعيمها يأتي وفق اعتبارات الولاء لها ولمشروعها، ولإجهاض ولادة أو تشكل جبهة مضادة مهددة لمشروعها تعزز وتغذي النعرات المذهبية والعرقية بأساليب تختلف بحسب الظروف والضغوط ودرجة التهديد.. انظر إن شئت في حال أغلب الدول العربية اليوم، ستجد جوابا لا شك.!جبهتان الآن تعملان على إزالة الحدود "سايكس- بيكية" دون كلل أو ملل، وللجبهتين رؤيتان مختلفتان تماما. كلاهما يعملان على تجريف الحدود بين الدول، لا يهمّ على أي أسس ستزول وترسم من جديد، المهم هو كثرة الخطوط وتداخلها التي تؤيد إلى أكبر قدر من الاختلاف والتمييز والتشظي. الجبهة الأولى دولية وإقليمية تعزز النعرة الطائفية في المنطقة والهدف مزيد من التقسيم على أسس الاختلاف والتنوع أيا كان شكل هذا الاختلاف، في مصر مثلا النوبيون تدغدغ أحلامهم بإنشاء دولة لهم وهناك مخططات وسيناريوهات نوقشت لبناء دولة قبطية. في السودان المخطط كان متقدما وبالغ الوضوح، ولعله من أوائل الدول العربية التي خضعت سريعا. تقسيم الجنوب على أساس ديني، ومن ثم محاولة تقسيم دارفور وكردفان على أسس أخرى.. في ليبيا يكثر الحديث عن المنطقة الشرقية (بنغازي وطبرق) والمنطقة الغربية (طرابلس وما حولها) والمنطقة الجنوبية (الفزّان وبني وليد). في سوريا الحديث مستمر منذ ثلاث سنوات، أما في لبنان فلم يتوقف الحديث عنه يوما ما. من المعلوم أن البحث عن المختلف فيه بين الشعوب يكشف المزيد من الاختلاف ويسرع من عملية التمايز ويزيد من عجلة الانقسام. في اليمن، هناك من يشجع انفصال الجنوب عن الشمال، وهناك من يدعم الجنوبيين بالمال والسلاح للاستقلال عن الدولة.. الأمر نفسه يحصل مع الحوثيين في الشمال على اعتبار أنهم زيديون، علما بأن الحديث عن الحوثيين والزيديين كأنهم شيء واحد أو اسمان لمسمى واحد يكشف حقيقة هذا الربط وخلفيات التمويه، ومعروف أن علي عبدالله صالح زيدي، كبير علماء اليمن الشيخ عبد المجيد الزنداني زيدي، حميد الأحمر زعيم حركة الإصلاح زيدي.. والحبل على الجرار. الجبهة الثانية داعش، هي تزيل الحدود لتخلق دولتها العابرة للدول على أسس طائفية طهورية جدا، تسميها الدولة الإسلامية في العراق والشام وشعار المتحمسين لها "باقية وتمدد". إزالة الحدود لإحداث مزيد من التقسيم على أسس عرقية وطائفية وجهوية ودينية، في معادلة تتشظى الدولة المركزية في الشرق الأوسط وتصبح مراكز الجذب خارجية لا داخلية أمر يجري تطبيقه بحماس. وهو ما يعزز ويضمن عملية التبعية التامة لخارج المركز ويسرع عملية التفتيت في الداخل.. المعركة كلها اليوم تجري على أرض عربية وبمال عربي وسواعد عربية في أغلبها والهدف هو تدمير السقف على أهله بيد أبنائه.. هل ما يحدث خلاف ذلك؟إيران لها مطامع في العالم العربي، وهي لا تقف عن تقديم نفسها حامية وناطقة ووصية على الشيعة العرب وغير العرب خارج دائرة حدودها السياسية، لتركيا أيضاً هواجسها وتطلعاتها، وكلا البلدين يعيشان نفس الفسيفساء العرقية والمذهبية التي تعيشها الدول العربية.. إلا أن الرؤية لإستراتجية وقوة الدولة وعمرها المديد كفيلان بحمايتها ولو مرحليا من التشظي، لكن إلى متى؟ لا أحد يقدر على الجزم.. بكل الأحوال، الانقسام أيا كان نوعه يجعل من إسرائيل الدولة الأكثر تماسكا وتوحدا، ستكون أشبه بالنواة غير القابلة للانقسام على نفسها، في حين أن المحيط من حولها دائما يحمل بذور الانقسام على الذات المولد لمزيد من الاختلاف والتباين.. باختصار.. الجميع من حولنا يدرك اللعبة ويعرف كيف يتعاطى معها باستثناء العرب، لأن العرب منشغلون بالقضاء على ربيعهم قبل أن يزهر.
684
| 21 يونيو 2014
ما الذي حصل في العراق؟ كيف انهارت بهذه السرعة مدن بكاملها وتم أسر ما يقرب من 4500 ضابط وجندي عراقي؟ وهل جماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وحدها من تقف خلف هذه النجاحات؟ كل الإجابات التي قدمت حتى الآن لا تعطي تفسيرا كاملا ومنطقياً. عند اختزال المشهد إعلاميا وسياسياً بداعش يعني أن أمرا ما دوليا وإقليما ومحليا يهيأ!. لا يمكن لعاقل أن يصدق أن داعش التي تحاصر دار الزور منذ ثلاثة أشهر عجزت عن دخولها بسبب مقاومات العشائر فيها وهي تخوض مواجهات يومية مع فصائل معارضة سورية تستطيع أن تجتاح مناطق كاملة في العراق وتهمين عليها خلال ساعات! لا أملك هنا إلا أن أميل إلى النظرية التي تقول إن داعش ليست سوى فصيل من فصائل عدة تكاتفت فيما بينها في العراق بعد أن زاد الانقسام السياسي وتعطلت لغة الحوار بين السنة والشيعة ونتيجة لأخطاء تراكمت منذ بدء العملية السياسية وكانت تتجه بشكل واضح إلى إقصاء السنة تماما عن الحياة السياسية. بيان هيئة علماء المسلمين التي يتزعمها الشيخ حارث الضاري وما تردد عن وجود القيادي البعثي عزت الدوري وما سرب من معلومات عن شهود عيان داخل تلك المناطق يعطي مصداقية لهذا التفسير ! لماذا حصر الصورة بتنظيم داعش واستبعاد التفسيرات الأخرى؟ الإجابة واضحة، إيران تريد إنشاء تحالف إقليمي دولي لمحاربة الإرهاب وهي تقصد حتما كل المعارضات المسلحة للنظامين السوري والعراقي، روسيا لا تختلف قيد أنملة عن الرؤية الإيرانية. دول الخليج ومصر وحفتر - ليبيا تريد أيضاً مواجهة الإرهاب مع فارق بسيط، فالأخوان هم التهديد الحقيقي ومن دونهم تفصيل، والحاجة لتحالف دولي يقضي عليهم أمر مرحب به. نفوذ الولايات المتحدة والغرب عموما في المنطقة إلى انكماش وأفوله تدريجي. وبروز الجماعات الراديكالية دينيا العابرة للحدود تطبع المشهدين الأمني والسياسي. كما أن الربيع العربي لم يخلق إلا تحولاً سار بشكل دائري في مصر وتونس واليمن وليبيا ليعود لنفس الوضع الذي ثار عليه الناس. ومن ربيع الشعوب إلى ربيع الجنرالات وأجهزة المخابرات انتهى المطاف وسط تزايد الانقسام المذهبي. أخطأت الولايات المتحدة خطأ كبيرا حين سمحت بالقضاء على الإسلام السياسي المعتدل بعد الثورات العربية،فالنظرية التي كانت تقول: تشجيع الإسلام السياسي المعتدل في الانخراط في الحياة السياسية يجفف منابع الإرهاب ويفقده الحاضنة الشعبية له، ثبت صحتها يوما بعد يوم. الأوضاع التي انتهى اليها المشهدان العراقي والسوري أوجزت لنا عدة مسلمات لا بد من أخذها بعين الاعتبار إذا ما أرادت الجهات المتنفذة تحقيق مصالحها في المنطقة: أولاً، خط النار وقوس الأزمات يتمدد من أفغانستان شمالا وصولا إلى موريتانيا غرباً وهو أن انكمش في فترة أو منطقة فما يلبث أن يعود فيتمدد. وهو لا شك بات يهدد الخارطة السياسية التي شكلتها الحقبة الاستعمارية في المنطقة.. لم تعد حلول القمعية والتشويه الإعلامي ناجعة في الحدّ من غليان الجماعات المعارضة. ومكافحة الإرهاب التي رفعتها الولايات المتحدة في عهد بوش، وتتدثّر بها النظم الإقليمية حالياً ستفشل كما فشلت واشنطن من قبل، فلا الإمكانات المتوفرة لديها ولا تاريخها يؤهلها لكسب المعركة مع الإرهاب. وتفكيرها وسلوكها وإدارتها للأزمات جزء أصيل من المشكلة وليس من الحل. السياسات الرعناء التي تمارسها النظم وتصر عليها اثبت بلا شك أن الإرهاب يتفاقم ويتعزز، وقد أصبح منظومة ثقافية واجتماعية، تجد لها حاضنات شعبية أينما يممت وجهك.ثانياً، أن المعركة ما زالت في أولها، وأن الأمور تتدحرج، وأن التأخر في الحل السوري عزز انتشار اللهيب وقد حصل. قد تشابكت الأزمات حتى تماهت فيما بينها وأصبح أزمة واحدة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان ومصر وليبيا وتونس. ثالثا، الولايات المتحدة فشلت في القضاء على طالبان رغم أنها قاتلت إلى جانبها عشرات الدول وهي لن تستطيع مهما زينت لها النظم في المنطقة بأنها قادرة على مواجهة الإرهاب المستجد في حال وقع تحالف دولي جديد.. الحل ليس أمنيا، الحل سياسي. وقد اُجهض الحلّ السياسي مع إصرار النظم على إجهاض الديمقراطيات الوليدة بعد الثورات العربية.رابعاً، إسقاط الإخوان في المنطقة بغير الطرق الديمقراطية أعاد الروح للتيار الجهادي العابر للحدود واكسبه حاضنة شعبية، مكنته من تشكيل مجاميع مسلحة في العراق اليمن سوريا تونس المغرب ليبيا.خامساً: ضرورة الاعتراف بوجود أزمة سنية شيعية على عدة مستويات، وأن إيران وتركيا إضافة للدول العربية جميعها هم جزء من المشكلة كما أن باستطاعتهم أن يكونوا جزءاً من الحل، والحل لا يكون بانتصار طرف على آخر أو بتعميم القمع وإقصاء الأقليات الدينية والمذهبية، وإنما بترميم الرؤى والطموحات المذهبية لدى هذا الفريق أو ذاك. سادساً، الحل اليوم يبدأ من الاعتراف بالهزيمة أمام هذا الزحف المتشدد والذي ينطلق من مظلومية واضحة كرست لسنوات طوال سلبت الشعوب العربية حقوقها لصالح فئات متنفذة وأقليات نهمة مارست أبشع أنواع الإقصاء والابتزاز الديني والمذهبي.. الحل يبدأ من إعادة النظر في الأمور بعيدا عن سياسات الكيد والمحاور الضيقة، وعلى قاعدة أن الديمقراطية وتبادل السلطة ومكافحة الفساد السياسي والإداري والمالي قيم لا يمكن التنازل عنها أو تعطيلها تحت أي حجة.
1154
| 14 يونيو 2014
انتخابات رئاسية في مصر.. انتخابات رئاسية في سوريا.. انتخابات برلمانية في العراق.. انتهاء الانقسام السياسي في فلسطين.. قد يكون ربيعاً جديداً يزهر لكنه ليس ربيع الشعوب ولا يشبه الربيع الذي تفتح مطلع العام 2011. ذاك ربيع أراد كل متضرر منه هدمه وتدميره وتشويهه ونعته بأبشع النعوت، فكان لهم ما أرادوا.ربيع اليوم أزهر براعم الجيوش لا الشعوب.. هنا عودة هادئة للسلطة الأمنية وقبضتها الحاكمة منذ ولادة الجمهورية.. وهناك استعادة قسرية للسلطة مصحوبة بالصخب الإعلامي والبراميل المتفجرة سياسيا وعسكرياً. أفل الربيع العربي وحلّ أرضه فصل جديد، هم يرونه ربيعا مشرقاً، وغيرهم يراه شتاء دامياً، يرافقه رعد وبرق وغيوم ملبّدة، حبلى الثلوج، حاجبة لخيوط الشمس سنوات طوال.. الربيع الجديد شعاره الاستقرار عوضاً عن "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية "، خصمه الإرهاب لا الاستبداد وتوابعه (الفساد والإفساد)، والإرهاب تلك الصفة الأكثر شهرة في العالم اليوم، والأقل انضباطا في التعريف والأوسع في ضمّ النقيض إلى النقيض. أياً كان تعريفه فالإرهاب المطلوب سحقه هو الإسلام السياسي، لا فرق بين معتدل ومتشدد، بين متسلف وإخواني وتحريري.. هي تفاصيل ليست بالمهمة، وكلّ من يدعو للثورة على ما استتب من أمر فهو إرهابي خارجي، شق عصا الجماعة والجمعة، لا فرق إن كان خروجه بالقلم أم بالسيف، فهو زارع بذور الوهن والضعف والخور في نفوس الأمة التي تصارع المؤامرات الخارجية عليها من الغرب المقتول حسداً وغيظاً من نعمة الأمن والبحبوحة والرقي في هذه البلدان العربية المتفضلة على العالم بوجودها بينهم. الإسلام المطلوب اليوم هو "الإسلام الصوفي" أو "الإسلام الجامي" الذي يسبح بحمد الحاكم إذا عطس أو تكلم أو أشار، فنفسق ونخون ونلعن كلّ متردد في حكمة حاكم أو جحد نعمه العظيمة التي منّ بها على "الرعية" التي لا حق لها سوى العيش بسلام وأمان، وما دون ذلك فهو من همزات الشياطين وخبالات الجن.الحرب على الإسلام السياسي.. لماذا؟الإسلام السياسي أثبت عن جدارة أنه عدو الجميع!فهو عدو الغرب دون فرق بين شرق وغرب، بين أوروبي وأمريكي، لم يأبه الإسلاميون للعظمة والصدارة التي عليها الغرب اليوم، يردونه ندا لهم في التعامل.. حاولوا في ذلك وزينت لهم طروحاتهم سوء أعمالهم.. انظر لطريقة تعاطي محمد مرسي مع الولايات المتحدة حسب ما يسرب من وثائق ومراسلات بينه وبينهم.. الإسلاميون لا يكترثون لامتيازات الحقبة الاستعمارية التي توّجت الغرب سيدا مطاعا بين بني البشر، وظنوا أن الشعوب إذا اختارتهم فإن الكون لا يستطع زجرهم، ولو اجتمع له الثقلان من الإنس والجن.. خاب ظنهم وغار فألهم.وهو عدو إسرائيل ثمرة الحقبة الاستعمارية، الإسلاميون لا يقبلون بها طولاً ولا عرضاً رغم أنها عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومعترف بها (فوق الطاولة وتحتها)، عند جميع الدول الإسلامية والعربية، والعلاقات معها على خير ما يرام. الإسلاميون يريدون إزالة إسرائيل من الوجود، لا فرق أن صرحوا بذلك علناً أم أضمروه في صدروهم وأدبياتهم الداخلية.. لا ثقة بهم بتاتا والتعامل مع الشيطان خير لإسرائيل وأرحم.وهو عدو للنظم الحاكمة، للدولة العميقة والعقيمة، لجميع النظم المتسلطة، سواء كانت نظما بوليسية أو عسكرية، برلمانية أم جمهورية أم ملكية. وهو عدو الأحزاب والتيارات المدنية وما يتبعها من مؤسسات المجتمع المدني، فالإسلاميون مشكوك في وطنيتهم وولائهم للعلم والجمهورية، لا يؤمنون بالحدود السياسية للدول والأوطان، وغايتهم الخلافة الإسلامية. وشعار المرحلة اختصرها حفتر ليبيا بكلمات خفيفات على اللسان، ثقيلات في الميزان: لا رغبة لي في الحكم، ولكن سألبي نداء الشعب إذا استدعاني.. مهمتي تطهير ليبيا من الإرهاب والإخوان المسلمين.. ليبيا ستكون مقبرة الإسلام السياسي.هل سينجح الأمر؟ هو مرهون بعوامل عديدة، منها أنواع السلاح التي تحارب بها النظم، ومنها الأدوات المتوفرة لدى الإسلام السياسي فكريا وسياسيا واجتماعيا في كسب المعركة التي نصبت له أو التقليل من حجم خسائرها.
1009
| 07 يونيو 2014
إلى أين تتجه الأمور بين الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وتنظيم النصرة لأهل الشام الذراع الرسمية لتنظيم القاعدة في سوريا؟ سؤال يحتاج إلى إجابة طالما أن المؤشرات توحي بمزيد من التصعيد بناء على الاقتتال القائم بين الطرفين منذ مدة وما استتبعه من معارك إعلامية وشرعية وسياسية.الخلاف بدأ تبايناً في وجهات النظر واختلافا في التقدير.. هل جبهة النصرة هي فرع للدولة الإسلامية، وزعيمها أبو محمد الجولاني ليس إلا جنديا عند أبي بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة؟ أم أن الرجلين كلاهما مبايع لزعيم تنظيم القاعدة الدكتور أيمن الظواهري وبالتالي ما يحكم به الأخير في أي خلاف بينهما يعتبر نافذاً؟ لم يتعد الخلاف من الناحية الشرعية هذا الأمر، ولا أعتقد أن الدماء التي سالت بين الطرفين تستحق أن تكون ثمرة لخلاف من هذا النوع في الأساس، ولن نقف طويلاً عند أدلة هذا الفريق أو ذاك وقد سوّد الطرفان المنتديات الجهادية ومواقع التواصل الاجتماعي في إثبات حقهما فيما يقومان به، وأنا أتفق مع من يقول بأن الخلاف بين التنظيمين يمثل ولادة جديدة لتنظيم القاعدة، لكنها ولادة أتت بتوأمين، الأول جبهة النصرة التي تشبه كثيراً والدتها شكلاً ومضموناً وقد تبزها تموضعا في الإطار الاجتماعي والسياسي معتمدة على سلسلة من التجارب النقدية للتيار الجهادي والثاني تنظيم الدولة المولود الأكثر جرأة وتشدداً وتصلباً حتى من الوالدة المنجبة له. والسؤال التالي: هل سيقف الصراع بينهما عند الحدود السورية أم سيتمدد جغرافيا تناسبا مع تمدده فكريا وسياسيا؟على ما يبدو أن مؤشرات التمدد أكثر من غيرها، وتمدده سيخترق حدود سايكس-بيكو إلى العراق وربما مناطق أخرى في وقت لاحق. ودعوات الظواهري لتنظيم الدولة بالرجوع إلى العراق، لأن الأمانة هناك أكبر من يحملونها لم تعد تجد آذانا صاغية عند تنظيم الدولة الذي بدأ حربه الإعلامية كما العسكرية على قيادات تنظيم القاعدة الحالية والمنظرين للتيار السلفي الجهادي الذين انحازوا إلى تنظيم جبهة النصرة على حساب تنظيم الدولة. والاتهامات بالعمالة والصحوات والإرجاء والردة والفكر الخارجي أصبحت سلاحاً يستعمله الفكر القاعدي المنشق على نفسه بين نسختين، الدولة الأكثر تشددا وتصلباً وتطرفاً وبين جبهة النصرة المهادنة والأكثر برغماتية في التعاطي مع الواقع السياسي والعسكري والاجتماعي في سوريا.وتبعا لهذا الصراع المتنامي يأتي التمدد باتجاه معاكس، فكما تمدد تنظيم الدولة من العراق إلى سوريا بإيفاد مقاتلين تحت راية جبهة النصرة ها هو التمدد المعاكس من سوريا إلى العراق. وهو تمدد فكري قد يعقبه تمدد عسكري. ويدرك المتابع لسلسة تغريدات أبي مارية القحطاني شرعي جبهة النصرة والناطق باسمها أنه يمهد لعملية مراجعة فكرية لجبهة النصرة في تعاطيها مع الواقع السياسي والعسكري والاجتماعي في العراق انطلاقاً من التجربة التي خبرها وتنظيمه في سوريا. يقول أبو مارية مبرراً مراجعاته وممهدا لها: "ولعل البعض تابع تغريداتنا قبل عامين أو أقل، ولكننا ببركة الشام جعل الله لنا فرقانا، فميزنا بين منهجين وعلمت أنني إن بقيت معهم (أي تنظيم الدولة) فأنا على ضلال وعرفت حقيقة منهج القاعدة بعد أن تواصلنا مع الإخوة. وجاءت رسائلهم تحمل معنى الجهاد فوجدت الفارق بين منهج الشيخ عطية الله الليبي وكأنني كنت في عالم ثانٍ وقارنت بين منهج جماعة الدولة وما بين منهج تنظيم القاعدة وعلمت يقينا أن أهلنا في العراق ظُلموا وظَلموا، لأن من تسلط عليهم لا يحمل منهج وفكر القاعدة، وظَلموا لأنهم حملوا كثيرا على القاعدة وهم معذورن، لأنهم يعتقدون أن داعش هي فرع من القاعدة". ويتابع أبو مارية في تغريداته: "وبعد اطلاعي على رسالة الشيخ عزام الأمريكي المسربة في حادثة استشهاد الشيخ أسامة أيقنت جيدا أنهم خوارج وغلاة وأكد لي صحة الرسالة الإخوة الثقاة الذين وفدوا من خرسان فأيقنت جيدا أن من الواجب أن نبين ونصدع بالحق".وبعد أن تبين له الفرق بين منهجين، منهج القاعدة الصحيح ومنهج تنظيم الدولة الخارجي، يتوجه إلى الشعب العراقي وفصائله المقاتلة: أقول لأهلي في العراق سامحونا لأننا ظلمناكم، سامحونا لأننا وصفناكم بالصحوات وقلدنا خوارج العصر، ولا ننكر أن هناك صحوات حقيقة وجدت في العراق وما زالت تدعمها أمريكا والهالكي (نوري المالكي). ولكن اعتذارنا من الفصائل التي قتل قادتها على يد الخوارج (الدولة الإسلامية في العراق) فقاتلتهم وعاقبت بالمثل فحكم عليهم بالصحوات. وكما أعتذر لمن سبقني بالهجرة والجهاد إخواني وشيوخي في جماعة أنصار السنة (أنصار الإسلام). فهل هذا يعتبر اعترافا صريحاً من قبل تنظيم القاعدة بأخطاء ارتكبها في العراق قد أدت إلى ما آلت إليه الأوضاع في العراق؟ وهل تتأسس على ذلك مراجعة فكرية لكل الطروحات التي ولدت في العراق أو من رحم التجربة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي له؟ وإلى أين قد تصل هذه المراجعات؟ تبقى الإجابة رهن قادم الأيام.!
1420
| 31 مايو 2014
قبل أيام وقعت الفصائل المقاتلة في سوريا (الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، فيلق الشام، جيش المجاهدين، ألوية الفرقان، الجبهة الإسلامية) على ميثاق شرف ثوري للكتائب المقاتلة على الأرض يرتكز على 11 نقطة، تؤكد فيها سعيها لإقامة دولة العدل في البلاد بعد زوال نظام الأسد دون أن تحدد هوية هذه الدولة.. هل هي الدولة الإسلامية التي تسعى لإيجادها جبهة النصرة و"الدولة الإسلامية في العراق والشام"، أم أنها دولة تعددية مدنية كتلك التي يسعى ويحفد إليها الائتلاف الوطني؟ الميثاق ترك الباب مواربا، وهو ما يعتبر تطورا نوعيا في فكر وأدبيات تنظيمات سلفية تمارس العمل الجهادي، وهي وفق تقسيم الباحثين، تصبّ في خان السلفية الجهادية الوطنية، أي تلك التي تعمل ضمن رقعة جغرافية محددة يحمل أفرادها جنسية ما يعرف بالحدود السياسية للدولة.وإذا كان الهدف هو إسقاط النظام ومن يسانده عسكريا، مثل إيران وحزب الله ولواء أبي الفضل عباس أو داعش، التي تعرقل تقدم المعارضة، فإنه لا مانع من التعاون مع أطراف إقليمية ودولية في سبيل ذلك. ينص الميثاق الذي أكد الالتزام بتحييد المدنيين في دائرة الصراع، وعدم امتلاك أسلحة دمار شامل على الحفاظ على وحدة التراب السوري، ومنع أي مشروع تقسيمي بكل الوسائل المتاحة.وقد أثنى على ميثاق الشرف عدد من منظري التيار الجهادي، أمثال الشيخ الكويتي حامد العلي والشيخ السوري أبو بصير الطرطوسي، وكلاهما له أتباع ومؤيدون بين الفصائل المقاتلة. أما المهاجر السعودي إلى أرض الشام الدكتور عبد الله المحيسني فقد رأى أن الميثاق فيه كثير من الإبهام والالتباس، حيث يفتح المجال لمزيد من التنازلات والفرقة والاختلاف. في حين أثار حفيظة تنظيمي داعش وجبهة النصرة، حيث اعتبر تنظيم الدولة أن الصحوات في سوريا كشفت عن وجهها الحقيقي.أما جبهة النصرة فنقدت الميثاق بندا بندا ورأت أن أغلب بنوده، مثل قتال النظام أو داعش، أمر واقع وقد توحدت الفصائل حوله ولا يحتاج إلى ميثاق للتأكيد عليه.وبالتالي توجهت الأنظار إلى البنود الأخرى التي تمثل القطبة المخفية من صدور الميثاق أو المؤشر على غاياته الحقيقية. فالبند السادس من الميثاق نص على أن «قوانا الثورية تعتمد في عملها العسكري على العنصر السوري»، بينما أكد البند السابع على أن «الشعب السوري يهدف إلى إقامة دولة العدل والحرية». وهو يعني رفضاً للمهاجرين الذين وفدوا إلى سوريا مع كل من جبهة النصرة وتنظيم داعش، ولم يذكر بشكل صريح وواضح أن الهدف هو إقامة دولة إسلامية في سوريا بعد سقوط النظام وهو أمر تتقاطع أهداف كل من الجبهة وداعش عليه. وهكذا يعتبر ولادة هذا الميثاق هو نقطة المفاصلة والتمايز بين الفصائل المقاتلة على الأرض السورية وبين تنظيمي جبهة النصرة الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة في سوريا وبين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.وبذلك، تتضح صورة القتال الدائر بين الفصائل المتشددة ضد بعضها البعض من وجهة نظر "داعش". فهو لا يعتبر القتال من قبيل "الفتنة ولا البغي ولا رد الصائل"، وإنما هو "حرب ردة"، ومعنى ذلك أنه لا سبيل لانتهائها إلا بإعلان "أمراء الجبهة الإسلامية" كفرهم وتوبتهم عن هذا الكفر، وكما هو متوقع فإن ذلك لا بد أن يكون أمام قادة "الدولة الإسلامية".جبهة النصرة التي وقفت إلى جانب الفصائل السورية المقاتلة ضد داعش وتعاونت معها في أكثر من معركة تخشى من أن يكون الميثاق موجها بالدرجة الأولى ضدها وضد "المهاجرين"، أي المقاتلين الأجانب على الأرض السورية. لذا تحدثت في بيانها عن قلقها من نفس "الأخوة الوطنية والترابية في بنود الميثاق جميعها" فيما هو مخالف لما قررته نصوص الوحي من الأخوة الإيمانية دون النظر إلى الوطن والجنس واللون ونحو ذلك. وإذا كان الميثاق هدف إلى "إقامة دولة العدل والقانون والحرية"، فـ"النصرة" تؤكد أنها لا تريد إلا دولة "تقوم على حاكمية الشريعة بلا خفاء ولا مداورة، بل ونعلنها بكل صراحة بأننا لن نقبل بأي دولة مدنية أو ديمقراطية أو أي دولة لا تقوم على حاكمية الشريعة".وهكذا تتبدى الأمور وتتباين المواقف تمهيدا للمفاصلة والفرز في إطار تخطيط إقليمي ودولي يريد إعادة ترتيب الأوضاع في سوريا على قواعد جديدة، والبداية ميثاق شرف الثوري هو بمثابة بيان رقم واحد في أي انقلاب عسكري.
1633
| 24 مايو 2014
مع بداية الثورات العربية ونجاحها في تونس ومصر، دون أن تتحول إلى ثورات مسلحة- كما حصل في ليبيا وسوريا فيما بعد، نشأت إشكالية عند التيار الجهادي الذي لم ير بداً من المواجهة المسلحة مع النظم الحاكمة لتغييرها. نجاح التحركات السلمية للشعوب في التغيير أثر على كل أدبيات تنظيم القاعدة التي كانت ترى أن العنف الشديد هو السبيل الوحيد لقلب نظام الحكم ولإعادة الصراع بين الغرب والعالم الإسلامي إلى بعده الديني.ولما بدأت الأزمة في سوريا وزادت أعمال البطش، وجد التيار الجهادي ومعه تنظيم القاعدة الباب مفتوحاً للعودة من جديد إلى الساحة، ونفخ الروح في أدبياته الفكرية والسياسية حيث جاء الخطاب الأول لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري مؤكداً أن السنة مستهدفون في سوريا طائفيا وراح يعمل على تحويل المشهد من حراك سياسي نحو التغيير إلى صراع مذهبي ديني يعزز في الأساس من فكر القاعدة ويهيئ لها التربة الخصبة للوجود تحت ستار حماية أهل السنة ومواجهة ما يتعرضون له، محاولاً استثمار التعاطي الأمريكي مع الأحداث بداية الأزمة للتدليل على أن العدو الأساسي للسوريين وللمسلمين من خلفهم هي الولايات المتحدة التي تدعم النظام لقمع شعبه وأن النظام ليس إلا واجهة للإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية، وهذا الكلام يختزل المشهد السوري الذي هو أكثر تعقيدا وتداخلاَ من ذلك بكثير. دخول تنظيم القاعدة على خط الثورات العربية وتحديدا في سوريا أضاع الثورة على شعبها وأدخل المجتمعات العربية في أتون صراعات مذهبية. وقد انشغلت المنتديات الجهادية مع بداية الثورات العربية في الإجابة على السؤال الصعب: هل سلوك الطرق السلمية في النضال هو الطريق الأسهل والأقل كلفة والأكثر أماناً في إحداث التغيير المنشود وإعادة السلطة إلى الشعب التي قطعاً ستختار الحكم بما أنزل الله ؟ ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال عند المنظرين لتيار الجهاد العالمي، إذ يعني ذلك القضاء على جهد ستين سنة من التنظير والتطبيق الذي مارسه هذا التيار في أكثر من منطقة عربية ومسلمة آملاً في بناء دولة إسلامية راشدة على منهاج النبوة. إلا أن مفكري تيار الجهاد العالمي ومنهم قيادات القاعدة كانوا يراهنون على أن الثورات العربية ستدعم وتثبت المشروع الجهادي وستعطيه قفزة ماراثونية تطوي حقبات زمنية في تحقيق الهدف المنشود..ويكشف القيادي في تنظيم القاعدة عبد الله بن محمد في كتابه "المذكرة الإستراتجية" عن رسالة كتبها الشيخ أسامة بن لادن بعد نجاح الثورة المصرية يرى فيها أن "الثورات العربية في محصلتها النهائية ما هي إلا كيوم "بعاث" الذي قتلت فيه صناديد الأوس والخزرج واضطربت فيه موازين القوى في المدينة ليفتح المجال بعد ذلك أمام أي قوة فتية تصلح للقيادة وتستطيع ملأ الفراغ، فكان الأمر كما وصفته عائشة رضي الله عنها: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم.. أخرجه البخاري. وقد استشرف تنظيم القاعدة أن حالة التوافق والالتحام التي ظهرت عليها الشعوب في مواجهة النظم العاتية وتمكنت من إسقاطها ليست إلا وضعاً استثنائيا لا يمكن أن يستمر وهو خاص بمرحلة الثورة وإسقاط النظام، فإذا ما انهار النظام فإن الاستثناء سيزول والفرقة والاختلاف بين القوى الثورية ستبدأ وما حدث في تونس ومصر بعد الثورة خير دليل على ذلك، وهذا في الأصل يرجع إلى أن العرب قوم لا تصلح لهم الديمقراطية بحال! وهذا ما دندن عليه بعض علماء الاجتماع في الغرب - وهذا من حفظ الله لهم - والدليل على ذلك أن لبنان وهي الكيان الوحيد الأقرب للنظام الديمقراطي في العالم العربي هو نفسه أكثر هذه الأنظمة اضطرابا، ولذلك نرى أن مع كل أزمة سياسية في لبنان يتجدد الحديث عن الحرب الأهلية! ولو قلنا إن لبنان له خصوصية فهذا العراق يرزح تحت عتبات الظلم والفقر والتناحر مع أن نظامه الديمقراطي قد صنع على عين أمريكا، فالمشكلة ليست في النظام الديمقراطي - على مساوئه - على وجه التحديد، ولكن في طبيعة العرب وخصائصهم الاجتماعية التي لا تنقاد إلا للقوي".. (المذكرة الإستراتجية ص: 5). ومع الاقتتال القائم اليوم بين هذه الفصائل في سوريا، وما لحق بالشعب السوري من مآسٍ على خلفية انحراف بوصلة النضال، نخشى أن تلحق التجربة السورية بسابقتيها الجزائرية والعراقية.. ويصبح المواطن السوري يبحث عن الاستقرار والأمان أيا كان من يحكمه ومهما بلغ جبروته وظلمه!
1440
| 10 مايو 2014
هي أول انتخابات برلمانية يعيشها العراق منذ انسحاب القوات الأمريكية منه عام ألفين وأحد عشر، مقتل وجرح العشرات في التفجيرات التي وقعت لم تحل دون ذهاب العراقيين لصناديق الاقتراع، عمليات العدّ والفرز تجري على قدم وساق، وترجيحات بتصدر قائمة دولة القانون القوائم الانتخابية، نتيجة الفرز ستكون حاسمة لجهة هوية رئيس الوزراء القادم وشكل الحكومة.. ربما يفوز المالكي بولاية ثالثة أو يؤتى بغيره، والتحديات الداخلية كثيرة والتدخلات الخارجية هي أيضاً، الولايات المتحدة استبقت النتائج بالقول: إنها تخشى من الحرب الأهلية إذا ما فاز المالكي بالانتخابات، تصريحات تحمل دلالات عديدة وإشارات في أكثر من اتجاه، فكيف سيكون الحال إذا ما فازت قائمة دولة القانون؟العراق إذن أمام استحقاق انتخابي جديد، حال عاشته بعض دول الجوار أو تنتظره قريباً، والمنطقة في عمومها تكاد تكون مشتعلة، محاور تتشكل ومحاور في طور التشكل، ويتبع هذا وذاك تغيرات مستمرة وتبدلات محمومة لم تبدأ مع الثورة التونسية وحتماً لن تنتهي غداة انتهاء الاستحقاقات الانتخابية، تركيا إيران السعودية سوريا من دول الجوار العراقي.. العلاقات بينها لم تتخذ خطاً مستقيماً في يوم من الأيام، ومؤكد أنها كانت موزعة على محاور تتصارع فيما بينها، العلاقات السعودية العراقية هي اليوم في أوج تأزمها، العلاقات التركية العراقية تارة إلى تأزم وتارة إلى انفراج، التقارب الإيراني العراقي لم يسبق له مثيل، وسوريا يعلم الجميع ما بها وما تواجهه!. التحديات والتهديدات الداخلية لهذه الدول متشابهة، الطائفية وتصدير الإرهاب والتبعية تُهمٌ يَكِيلُها كلّ طرف للآخر، وهي أمور يتلظى بنارها الجميع، فهل تتوحد هذه الدول في مواجهة الأخطار نفسها، أم أنها بصدد إعادة التموضع في محاور جديدة؟ تصريحات المالكي في مؤتمره الصحفي يوم الخميس أعطى انطباعاً سلبياً أكثر منه إيجابياً، فالرجل بدأ الحديث عن أغلبية سياسية وأن الديمقراطية ليست توافقية. وهذا مؤشر على رغبة المالكي بالتفرد بالمشهد السياسي العراقي على تناقضاته وخطورته. ويبرر المالكي أن المحاصصة الطائفية كانت وراء أغلب المشاكل التي تواجه العراق حالياً والتي قد تؤدي إلى استقلال كردستان العراق ومن ثمّ تقسيم البلاد. لكن خصومه يردون بأن حكومته كانت طائفية في الممارسة والأهداف، وأن إقصاء العرب السنة عن الفعل السياسي أمر تتفق على وقوعه وحدوثه كلّ القيادات السنية في العراق، وأن التهميش لم يطل السنة على خلفية مذهبية بل طال قيادات شيعية على خصومة سياسية مع المالكي وتوجهاته.ما أوردته صحيفة الشرق الأوسط عن تقارير استخباراتية أمريكية ترجح انزلاق العراق من جديد إلى دوامة الحرب الأهلية في حال عاد المالكي للحكومة هو في جوهره خطير، حيث لم يتعاف العراق أصلا من جروح الاحتلال والاقتتال الداخلي، وموجة التفجيرات عادت أكبر من ذي قبل وإن كان يحسب للمالكي التحسن الطفيف في الوضع الأمني إلا أن اندلاع الثورة في سوريا أعاد الأمور أسوء من ذي قبل. وعادت الدولة الإسلامية تسيطر على مدن ومحافظات أوسع بل إن ثورة سنية مسلحة قد انفجرت بوجه الحكومة وفقا لما يقول طارق الهاشمي نائب الرئيس الفار إلى تركيا من الملاحقة.أيّا كان شكل التحالفات السياسية أو نوع الخارطة الحزبية القادمة بعد النتائج الرسمية، فإن التغير سيطال العراق، شأنه شأن دول عديدة في المنطقة. وسواء عاد المالكي للحكومة أو سُمي غيره لها، فإن أحدا لا يمكن أن يتكهن بما سيؤول إليه الوضع.. خصوم المالكي من الشيعة أمثال أحمد الجلبي يتهمه بتخريب العلاقة مع السعودية ودول الخليج، وأنه في حال فاز برئاسة الحكومة فسيعيد ترتيب العلاقة السعودية العراقية.. الرفض السعودي المطلق لعودة المالكي واضح فالمملكة لم تلتق معه في ملف واحد، سواء في الملفات الداخلية حيث تعتبر السعودية معنية حصراً بحماية حقوق أهل السنة في العراق أو في الملفات الخارجية مثل العلاقة المشبوهة مع إيران أو التورط في الملف السوري لصالح النظام ضد الثورة، وحتى في العلاقة مع تركيا فالمالكي لم ينتهج أسلوب الخصومة مع أردوغان خلافا للسعودية رغم الاستياء العراقي الشديد من تعاطي أنقرة مع إقليم كردستان أو إيوائها طارق الهاشمي عدو المالكي اللدود.
1370
| 03 مايو 2014
لا مفاجآت في الجولة الأولى لانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، الأمر كان متوقعا عند النخب والشعب اللبناني على السواء.. ورغم تأكيد حزب الله، الحزب الأكثر قوة وحضورا وسيطرة على الحياة السياسية، أن الوقت مواتٍ لانتخاب رئيس صنع في لبنان.. وهو ما ترجمته رغبة البطريرك الماروني رئيس الكنيسة المارونية المعني الأول بموقع رئاسة الجمهورية بشكل مختلف، فجميعهم يعلم أن رئيسا صنع في لبنان لم يتم في أي انتخابات رئاسية حصلت أو ستحصل في المستقبل المنظور، فلبنان منذ نشأته ولد مخطوفا من طوائف داخلية أو دول إقليمية نافذة وإن تبدلت أسماء هذه الدول وموازينها داخله. وتكاد لا تسمع عن دولة في الجوار اللبناني أو المحيط الشرق - الأوسطي، فضلا عن بلاد ما وراء النهر أو أعالي البحار إلا وكان لها دور ونفوذ في لبنان في مرحلة من تاريخه المليء بالضجيج.. لبنان صنع لغير أهله، نقولها للأسف! الخاسر الوحيد في المطبخ السياسي اللبناني هو الشعب اللبناني نفسه، والديمقراطية الممارسة في لبنان لا تشبهها أي من فلسفات ونظريات الديمقراطية المعمول بها في العالم.. لا هو بلد ديمقراطي ولا هو بلد دكتاتوري، لا هو نظام رئاسي ولا هو برلماني، لا هو محكوم من نخبه السياسية ولا هو مصنوع تماما من الخارج.. والشعب اللبناني أو الناخب أو المواطن، أيا ما يحلو لك تسميته هو دائما الحاضر في المعادلة السياسية الغائب عن فعل أي شيء، فحضوره ونفوذه ودوره لا يتعدى منح الشرعية للزواج أو مباركة فستان العروس عند كل زواج يتجدد مع دورة انتخابية جديدة، برلمانية كانت أم رئاسية.الحفلة اليوم هي انتخاب رئيس للجمهورية، بعد أن يئس البعض من تكرار سيناريو التمديد للرئيس الحالي كما درجت العادة مع الرئيسين السابقين. لكن بدعة سياسية ما زالت حظوظها قائمة وهي إمكانية انتخاب رئيس من المدرسة العسكرية، فقد رُوّج خلال العقد الأخير لرئيس قوي يأتي من المؤسسة العسكرية، لأنها المؤسسة الوحيدة غير المنقسمة على نفسها، والمؤسسة الأكثر وطنية بين مؤسسات الدولة كما هو الانطباع دون التصريح به لخشية العواقب المترتبة عليه..اللاعبون في انتخاب الرئاسة وإن كانوا من الخارج إلا أن للداخل دورا لا بأس به.. فهو يعتبر موسم المساومات، يستبشر به السياسيون اللبنانيون تماما كما يستبشر الفلاح بنضج ثماره ودخول موسم القطاف، وكلما كانت الغلال كبيرة كلما كان الربح وفيرا.. الأمر نفسه في موسم المقايضات السياسية، يحكى عن دولة إقليمية فاعلة خصصت خمسين مليون دولار لشراء ذمم نواب في البزار الرئاسي، طبعا الخبر تسربه صحيفة معادية للدولة المذكورة، والأمر نفسه ينطبق على دول إقليمية أخرى لا تقل ثراء ونفوذا عن خصيمتها الإقليمية.. وبما أن البزار لا ينقضي في جلسة واحدة كان على رؤساء الكتل إلقاء ما بأيديهم من أوراق.تيار المستقبل يصوت لسمير جعجع بأقل من خمسين صوتا تقريبا لأنه مرشح قوى 14 آذار وهو يعلم تماما أن جعجع لن يصبح رئيسا أبداً في هذه الظروف، فالفيتو عليه من دول نافذة ما زال قائما.. حزب الله الند الطائفي والسياسي لتيار المستقبل يصوت بورقة بيضاء، لأنه لا يريد حرق مرشحه ميشال عون، لأن الحزب يريد رئيسا حاضنا للمقاومة كما سوّق لذلك رئيس كتلته في البرلمان محمد رعد، والأمر مفهوم تماما والمراد منه واضح تماما ولا يحتاج إلى ذكاء نادر لإدراكه.أما وليد جنبلاط الرجل الأكثر دهاء في لبنان إلى جانب نبيه بري رئيس مجلس النواب طبعا فهو لا يرمي بورقة بيضاء، إذ لا يسمح حجم طائفته ولا عدد نوابه أن يصعّد رئيسا لكرسي الرئاسة، هو يدرك تماما حدود الملعب المسموح له التحرك به، لكنه مساوم بارع، وبائع ماهر.. فإذا ما انطلقت صافرة المزاد يعرف كيف يحصد ربحاً أكثر قيمة مما يملك من أوراق.وبما أن الصراع الإيراني السعودي على أوجه اليوم، فهو يعلم أن أوراقه ستزداد قيمة مع زيادة الطلب من هذا الفريق أو ذاك على ما في يديه من أوراق. وينضم لجنبلاط كلُّ من يرى نفسه خارج الاصطفاف الإيراني السعودي أو من المتضررين من حصص حزب الله والمستقبل من دواخل طوائفهم، فلا يجدون غير جنبلاط يلتحمون معه تحت يافطة "الكتلة الوسطية" وهي تشبه كلّ شيء إلا الوسطية بالمفهوم الذي يتعارفه الناس ويألفونه. والحقيقة التي لا تغيب عن أحد في لبنان أو خارجه أن الرئيس يصنع في الخارج دائماً، وما يراه المواطن اليوم ليس إلا مشهداً من فصول إرادته المسروقة وانعدام خياراته في مجلس نواب جدّد لنفسه، وهو اليوم، وباسم الشعب الذي انتخبه قبل انتهاء صلاحياته، كومبارس في المسرحية التي ألفت خارجا وإن جرت على المسرح اللبناني.
978
| 26 أبريل 2014
الخوف من أن تكون الثورة قد أجهضت تماماً أو أن تكون في طور الإجهاض أضحى ظاهرة مشتركة في جميع الدول العربية التي انطلقت فيها ثورات الربيع العربي من مصر إلى تونس إلى ليبيا ثم اليمن وانتهاء بسوريا.. في تونس، على سبيل المثال، لا يتحدث مثقف أو مهتم بالشأن العام للبلاد إلا ويبدي خوفه العميق مما آلت له الأمور اليوم.. بعيد الساعة الثامنة ليلا لا تكاد تجد متجولا في شوارع العاصمة تونس. أفراد فقط، ربما يعدون على أصابع اليد الواحدة، يتسكعون هنا وهناك على طول شارع الحبيب بورقية.. الشارع الأشهر في البلاد قبل الثورة وبعدها. وعجبك يزول مباشرة حين يجيب الجميع بالنفي على سؤالك حول ما إذا كان الشعب التونسي ينام باكرا جداً خلافا لبقية الشعوب العربية؟ لا، وإنما هو أمر مستجد بعد الثورة.. الناس بعد الثورة تخاف من فلتان الأمن فتفضل البيوت ليلا على الخروج إلا لقضاء حاجة ملحة.. كل شيء في البلاد آل إلى الأسوأ ما عدا الحرية.. هي الشيء الوحيد الذي منحته الثورة للشعب التونسي، يقول محدثي.تزامنت زيارتي للبلاد مع حدثين هامين ورمزيين في آن واحد.. أحكام قضائية مخففة ضد رموز النظام السابق ممن تورطوا بقضايا فساد ونهب منظم للشعب التونسي.. سألت لماذا هي مخففة؟ فكان الجواب: وفق القانون لا ممسك قوي على هؤلاء! الإجابة ذاتها تجدها في بلاد أخرى، فمن ثار الناس عليهم لا يجد القضاء الكثير من القضايا ليدينهم عليها. الحدث الثاني هو ما تناقلته وكالات الأنباء حول خطف دبلوماسي تونسي في الجارة الليبية. الأمر محير فتونس بعد سقوط القذافي غزاها الليبيون ممن كانوا يحسبون على نظام القذافي أو انخرطوا في الكتائب التي كانت تقتل الشعب الليبي.. الغزو الليبي لم يقتصر على أنصار القذافي، ثمة نقل منظم وسري للسلاح الليبي إلى الجنوب التونسي، مهد الثورة التونسية.. السلاح كثير ويتعدى الخفيف إلى ما هو أعلى منه بكثير.. هو بات في أيدي كثير من الناس في الجنوب التونسي رغم أن ثقافة حمل السلاح ليست من عادات وطباع الشعب التونسي. الخطورة أن هذه المناطق لا تزال حانقة على الدولة وهي تراها تأخذ الفوسفات الموجود في أراضيها لتغذي به معدة المدن الشمالية المحسوبة على العاصمة.. إذن ثمة انتفاضة جديدة في الأفق، ربما تكمل ما بدأته الجولة الأولى منها والتي انتهت بطرد ابن علي من تونس الرئيس المخلوع كما يحلو للتونسيون وصفه.. وتستبين طبيعة الخطورة كما يحكي لي أحد المهتمين بالشأن العام في البلاد من أن هذه المرة ستكون الانتفاضة المسلحة ويعلم الله أين ستذهب البلاد حينها.. الجميع محبط.. أغلب الناس انتخبوا حركة النهضة، لكن أغلب من انتخبها يرفضها اليوم لأنها تماهت مع طاحونة النظام القديم، يتابع محدثي: كل شيء يتغير إلى الأسوأ. أسعار العقارات والسلع الاستهلاكية ارتفعت كثيرا جداً، والحرية التي منحت لنا هي أقرب إلى الفوضى كما يمارسها الناس اليوم.. الناس محبطة اليوم لا تعرف كيف ستسير الأمور.. هو ممتعض لا شك لكنه لا يجزم بما ذهب إليه صديقي الصحفي. يرى الأخير أن الحكومة الحالية لن تجري انتخابات قادمة لا في سنة ولا سنتين، وحركة النهضة التي فشلت في الحكم أكلت الضرب من النظام القديم المتغول في كل مؤسسات الدولة، يعقب صديقي الصحفي.. أيا كانت التكهنات فإن حالة الإحباط تبدو بادية على وجوه شرائح كثيرة من المجتمع التونسي وهو كان يعلق آمالا كثيرة على الثورة، وقد مضت ثلاث سنوات على شرارة الثورة وما تحقق من أهدافها لا يعتد به إذا ما قيس بحجم ما خلفته من مشاكل، وما أبرزته من تحديات تبدو الحكومات المتعاقبة عاجزة عن حلها في القريب العاجل. وإن كان من خطورة في الأمر فهي مرتبطة بمنسوب الخيبة عند الشعوب العربية التي علقت آمالا كثيرة على الثورات العربية وتحديدا على الثورة التونسية في أن تكون فاتحة أمل في الخروج من عنق الزجاجة التي تعيشها الشعوب العربية. إنه لأمر محزن أن تصل الأمور بالثورات العربية إلى ما هي عليه الآن، وسنحزن أكثر إذا ما استمر التدحرج أو تم إجهاض الثورات تماماً فقد يختفي الأمل في النهوض والتحرر وبناء دول حرة ديمقراطية لجيل أو جيلين على أقل تقدير لا سمح الله.. عافا الله الثورة التونسية وأخرج الثورة الليبية من حالة التشظي والتمزق والفوضى الأمنية وأدام الله علينا نعمة الأمل فهو المتبقي الوحيد في خاطر هذه الشعوب المقهورة.
784
| 18 أبريل 2014
مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...
2469
| 20 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...
1452
| 16 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
762
| 15 يناير 2026
لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...
705
| 16 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...
672
| 20 يناير 2026
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...
660
| 15 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...
633
| 20 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...
585
| 15 يناير 2026
احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...
582
| 18 يناير 2026
يمثل الاستقرار الإقليمي أولوية قصوى لدى حضرة صاحب...
498
| 16 يناير 2026
إن فن تحطيم الكفاءات في كل زمان ومكان،...
489
| 18 يناير 2026
بعد أيام يأتي معرض القاهرة الدولي للكتاب. يقفز...
441
| 15 يناير 2026
مساحة إعلانية