رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إلى أين تتجه الأمور بين الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وتنظيم النصرة لأهل الشام الذراع الرسمية لتنظيم القاعدة في سوريا؟ سؤال يحتاج إلى إجابة طالما أن المؤشرات توحي بمزيد من التصعيد بناء على الاقتتال القائم بين الطرفين منذ مدة وما استتبعه من معارك إعلامية وشرعية وسياسية.
الخلاف بدأ تبايناً في وجهات النظر واختلافا في التقدير.. هل جبهة النصرة هي فرع للدولة الإسلامية، وزعيمها أبو محمد الجولاني ليس إلا جنديا عند أبي بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة؟ أم أن الرجلين كلاهما مبايع لزعيم تنظيم القاعدة الدكتور أيمن الظواهري وبالتالي ما يحكم به الأخير في أي خلاف بينهما يعتبر نافذاً؟ لم يتعد الخلاف من الناحية الشرعية هذا الأمر، ولا أعتقد أن الدماء التي سالت بين الطرفين تستحق أن تكون ثمرة لخلاف من هذا النوع في الأساس، ولن نقف طويلاً عند أدلة هذا الفريق أو ذاك وقد سوّد الطرفان المنتديات الجهادية ومواقع التواصل الاجتماعي في إثبات حقهما فيما يقومان به، وأنا أتفق مع من يقول بأن الخلاف بين التنظيمين يمثل ولادة جديدة لتنظيم القاعدة، لكنها ولادة أتت بتوأمين، الأول جبهة النصرة التي تشبه كثيراً والدتها شكلاً ومضموناً وقد تبزها تموضعا في الإطار الاجتماعي والسياسي معتمدة على سلسلة من التجارب النقدية للتيار الجهادي والثاني تنظيم الدولة المولود الأكثر جرأة وتشدداً وتصلباً حتى من الوالدة المنجبة له. والسؤال التالي: هل سيقف الصراع بينهما عند الحدود السورية أم سيتمدد جغرافيا تناسبا مع تمدده فكريا وسياسيا؟
على ما يبدو أن مؤشرات التمدد أكثر من غيرها، وتمدده سيخترق حدود سايكس-بيكو إلى العراق وربما مناطق أخرى في وقت لاحق. ودعوات الظواهري لتنظيم الدولة بالرجوع إلى العراق، لأن الأمانة هناك أكبر من يحملونها لم تعد تجد آذانا صاغية عند تنظيم الدولة الذي بدأ حربه الإعلامية كما العسكرية على قيادات تنظيم القاعدة الحالية والمنظرين للتيار السلفي الجهادي الذين انحازوا إلى تنظيم جبهة النصرة على حساب تنظيم الدولة. والاتهامات بالعمالة والصحوات والإرجاء والردة والفكر الخارجي أصبحت سلاحاً يستعمله الفكر القاعدي المنشق على نفسه بين نسختين، الدولة الأكثر تشددا وتصلباً وتطرفاً وبين جبهة النصرة المهادنة والأكثر برغماتية في التعاطي مع الواقع السياسي والعسكري والاجتماعي في سوريا.
وتبعا لهذا الصراع المتنامي يأتي التمدد باتجاه معاكس، فكما تمدد تنظيم الدولة من العراق إلى سوريا بإيفاد مقاتلين تحت راية جبهة النصرة ها هو التمدد المعاكس من سوريا إلى العراق. وهو تمدد فكري قد يعقبه تمدد عسكري. ويدرك المتابع لسلسة تغريدات أبي مارية القحطاني شرعي جبهة النصرة والناطق باسمها أنه يمهد لعملية مراجعة فكرية لجبهة النصرة في تعاطيها مع الواقع السياسي والعسكري والاجتماعي في العراق انطلاقاً من التجربة التي خبرها وتنظيمه في سوريا. يقول أبو مارية مبرراً مراجعاته وممهدا لها: "ولعل البعض تابع تغريداتنا قبل عامين أو أقل، ولكننا ببركة الشام جعل الله لنا فرقانا، فميزنا بين منهجين وعلمت أنني إن بقيت معهم (أي تنظيم الدولة) فأنا على ضلال وعرفت حقيقة منهج القاعدة بعد أن تواصلنا مع الإخوة. وجاءت رسائلهم تحمل معنى الجهاد فوجدت الفارق بين منهج الشيخ عطية الله الليبي وكأنني كنت في عالم ثانٍ وقارنت بين منهج جماعة الدولة وما بين منهج تنظيم القاعدة وعلمت يقينا أن أهلنا في العراق ظُلموا وظَلموا، لأن من تسلط عليهم لا يحمل منهج وفكر القاعدة، وظَلموا لأنهم حملوا كثيرا على القاعدة وهم معذورن، لأنهم يعتقدون أن داعش هي فرع من القاعدة".
ويتابع أبو مارية في تغريداته: "وبعد اطلاعي على رسالة الشيخ عزام الأمريكي المسربة في حادثة استشهاد الشيخ أسامة أيقنت جيدا أنهم خوارج وغلاة وأكد لي صحة الرسالة الإخوة الثقاة الذين وفدوا من خرسان فأيقنت جيدا أن من الواجب أن نبين ونصدع بالحق".
وبعد أن تبين له الفرق بين منهجين، منهج القاعدة الصحيح ومنهج تنظيم الدولة الخارجي، يتوجه إلى الشعب العراقي وفصائله المقاتلة: أقول لأهلي في العراق سامحونا لأننا ظلمناكم، سامحونا لأننا وصفناكم بالصحوات وقلدنا خوارج العصر، ولا ننكر أن هناك صحوات حقيقة وجدت في العراق وما زالت تدعمها أمريكا والهالكي (نوري المالكي). ولكن اعتذارنا من الفصائل التي قتل قادتها على يد الخوارج (الدولة الإسلامية في العراق) فقاتلتهم وعاقبت بالمثل فحكم عليهم بالصحوات. وكما أعتذر لمن سبقني بالهجرة والجهاد إخواني وشيوخي في جماعة أنصار السنة (أنصار الإسلام). فهل هذا يعتبر اعترافا صريحاً من قبل تنظيم القاعدة بأخطاء ارتكبها في العراق قد أدت إلى ما آلت إليه الأوضاع في العراق؟ وهل تتأسس على ذلك مراجعة فكرية لكل الطروحات التي ولدت في العراق أو من رحم التجربة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي له؟ وإلى أين قد تصل هذه المراجعات؟ تبقى الإجابة رهن قادم الأيام.!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2127
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
945
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
711
| 04 فبراير 2026