رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحدث العراقي مؤخراً كشف جلياً حقيقة ما تتجه إليه الأمور في المنطقة، على نفس القدر الدور العربي الغائب عن مائدة بيته التي يأكل عليها الجميع!!
الحدود التي رسمها الاستعمار مطلع القرن الفائت بدأت تتهاوى تدريجيا، وإعادة رسم الخارطة للمنطقة بات أكثر واقعية وجدية من أي وقت مضى.. كيف ذلك؟
في العراق لا شك أن السنّة يعانون الإقصاء والتهميش، ويعاقبون عن كل فعل مارسه الراحل صدام حسين بحق الشعب العراقي الذي لم يكن يميز بين سنة وشيعة وكرد.
جهات خارجية زرعت في ضمير ووعي الشيعة العراقيين أن صدام حسين كان رمحا سنية يخترق صدورهم كل يوم.. هل كان الأمر كذلك؟ قطعاً لا، فأغلب رجال صدام كانوا شيعة، ولمن أراد التأكد يستطيع أن يراجع أسماء أغلب قياداته العسكرية والسياسية.
الأمر نفسه يقال لشيعة البحرين والسعودية كما يقال لسنة سوريا ولبنان، في حين أن الثابت في التاريخ قديما وحديثا لا تفرق الديكتاتوريات الفردية والنظم المستبدة بين طرف وآخر على أساس ديني أو عرقي أو فئوي. وإنما جحيمها ونعيمها يأتي وفق اعتبارات الولاء لها ولمشروعها، ولإجهاض ولادة أو تشكل جبهة مضادة مهددة لمشروعها تعزز وتغذي النعرات المذهبية والعرقية بأساليب تختلف بحسب الظروف والضغوط ودرجة التهديد.. انظر إن شئت في حال أغلب الدول العربية اليوم، ستجد جوابا لا شك.!
جبهتان الآن تعملان على إزالة الحدود "سايكس- بيكية" دون كلل أو ملل، وللجبهتين رؤيتان مختلفتان تماما. كلاهما يعملان على تجريف الحدود بين الدول، لا يهمّ على أي أسس ستزول وترسم من جديد، المهم هو كثرة الخطوط وتداخلها التي تؤيد إلى أكبر قدر من الاختلاف والتمييز والتشظي.
الجبهة الأولى دولية وإقليمية تعزز النعرة الطائفية في المنطقة والهدف مزيد من التقسيم على أسس الاختلاف والتنوع أيا كان شكل هذا الاختلاف، في مصر مثلا النوبيون تدغدغ أحلامهم بإنشاء دولة لهم وهناك مخططات وسيناريوهات نوقشت لبناء دولة قبطية. في السودان المخطط كان متقدما وبالغ الوضوح، ولعله من أوائل الدول العربية التي خضعت سريعا. تقسيم الجنوب على أساس ديني، ومن ثم محاولة تقسيم دارفور وكردفان على أسس أخرى.. في ليبيا يكثر الحديث عن المنطقة الشرقية (بنغازي وطبرق) والمنطقة الغربية (طرابلس وما حولها) والمنطقة الجنوبية (الفزّان وبني وليد). في سوريا الحديث مستمر منذ ثلاث سنوات، أما في لبنان فلم يتوقف الحديث عنه يوما ما.
من المعلوم أن البحث عن المختلف فيه بين الشعوب يكشف المزيد من الاختلاف ويسرع من عملية التمايز ويزيد من عجلة الانقسام. في اليمن، هناك من يشجع انفصال الجنوب عن الشمال، وهناك من يدعم الجنوبيين بالمال والسلاح للاستقلال عن الدولة.. الأمر نفسه يحصل مع الحوثيين في الشمال على اعتبار أنهم زيديون، علما بأن الحديث عن الحوثيين والزيديين كأنهم شيء واحد أو اسمان لمسمى واحد يكشف حقيقة هذا الربط وخلفيات التمويه، ومعروف أن علي عبدالله صالح زيدي، كبير علماء اليمن الشيخ عبد المجيد الزنداني زيدي، حميد الأحمر زعيم حركة الإصلاح زيدي.. والحبل على الجرار.
الجبهة الثانية داعش، هي تزيل الحدود لتخلق دولتها العابرة للدول على أسس طائفية طهورية جدا، تسميها الدولة الإسلامية في العراق والشام وشعار المتحمسين لها "باقية وتمدد".
إزالة الحدود لإحداث مزيد من التقسيم على أسس عرقية وطائفية وجهوية ودينية، في معادلة تتشظى الدولة المركزية في الشرق الأوسط وتصبح مراكز الجذب خارجية لا داخلية أمر يجري تطبيقه بحماس. وهو ما يعزز ويضمن عملية التبعية التامة لخارج المركز ويسرع عملية التفتيت في الداخل.. المعركة كلها اليوم تجري على أرض عربية وبمال عربي وسواعد عربية في أغلبها والهدف هو تدمير السقف على أهله بيد أبنائه.. هل ما يحدث خلاف ذلك؟
إيران لها مطامع في العالم العربي، وهي لا تقف عن تقديم نفسها حامية وناطقة ووصية على الشيعة العرب وغير العرب خارج دائرة حدودها السياسية، لتركيا أيضاً هواجسها وتطلعاتها، وكلا البلدين يعيشان نفس الفسيفساء العرقية والمذهبية التي تعيشها الدول العربية.. إلا أن الرؤية لإستراتجية وقوة الدولة وعمرها المديد كفيلان بحمايتها ولو مرحليا من التشظي، لكن إلى متى؟ لا أحد يقدر على الجزم..
بكل الأحوال، الانقسام أيا كان نوعه يجعل من إسرائيل الدولة الأكثر تماسكا وتوحدا، ستكون أشبه بالنواة غير القابلة للانقسام على نفسها، في حين أن المحيط من حولها دائما يحمل بذور الانقسام على الذات المولد لمزيد من الاختلاف والتباين.. باختصار.. الجميع من حولنا يدرك اللعبة ويعرف كيف يتعاطى معها باستثناء العرب، لأن العرب منشغلون بالقضاء على ربيعهم قبل أن يزهر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2322
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1479
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
708
| 25 يناير 2026