رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
والآن، لا بد من الالتفات إلى العلة الغائية، التي أدت إلى جنوح هذه السيدة، عن الطريق الذي رسمته لها أسرتها، «فمريومة» التي كانت قلب عائلتها يخفق بحبها، ولسانها يهتف بذكرها، من المفارقات اللافتة للانتباه، أنها أضحت تطلب جرعة ماء، فلا تجد من يقدمها إليها، أو كسرة خبز، فلا تجد من يجود بها عليها، لأنها فقط توخت تكفير عصبية عشيرتها، وانتقدت ولعها الزائد، بالطواف حول وثيقة نسبها الرفيع، شجرة العائلة التي يرجع رهطها، إلى نصوصها، كل ما حاولت جهة، أن تبخس حظهم منها، الفكرة الموروثة، التي سعت «مريومة» أن تزعزع أسسها الفلسفية التي بنيت عليها، بالتشغيب، والتشويش، والهدم، والتشكيك، فمريم «الشجاعة» لم تكن تحتاج إلى المسايرة، والمداراة، والتملق، لدحض تلك الفكرة الراسخة عند آصرتها، التي كانت تنظر إلى محيطها، كما ينظر المرء إلى قلامة ظفره، فالقناعة التي لا يمكن أن ترجع عنها «كرشها وعيبتها»، أو يعتقد أنه يمكن أن يأتي عليها يوم، فتتراجع عنها، هي تباهيها بنقاء نسبها الباذخ، الذي يمضي بسرعة مطلقة، ليقترن بنسب الأنبياء، وقضية الصفاء العرقي، كانت من القضايا، التي طغت فيها الخلافات الضارية، والدعاوى المضللة، والسجالات الممجوجة، التي تصدت لها مريومة، وسفهت فيها أحلام شيعتها، كانت مريم، الأستاذة الجامعية، الواسعة المعرفة، التي تنحدر من أشهر قبائل الشمال، ترى أن القضية التي لا مجاملة فيها، ولا محاباة، هي بناء صرح المعرفة، الخالي من وهم «الأصالة» المتجذر من حواضر الحجاز، وبوادي نجد، وأودية تهامة، وأغوار اليمن، فمريم التي حازت أرقى الألقاب الأكاديمية، لم تكن فكرة النقاء الجيني راسخة في نفسها، وانسجاماً مع انكارها لهذه الفكرة، تزوجت مريومة من الضابط التنفيذي الجسيم، الوسيم، وبقيت صلتها بعشيرتها، التي لفظتها، تتشظى وتتفسخ، حتى عادت إليها مضطرة، بعد عدة سنوات، فقد توفي زوجها «التوم» الحادب الحريص، في حادث حركة مروع، عادت مريومة «لبِطانة» صلتهم بها ضعيفة وواهية، لتعوق عودتها تلك، انتاجها الفكري الخصب، الذي يشجب انحطاط سياسات الهوية، ويبرهن أن مجتمعها «الهش» الذي تنتمي إليه، هو مجتمع «أثري»، مهووس باعتقادات «زائفة» تستحوذ عليه على مدار أيام السنة، كالتسلسل الجيني، وصراع الإثنيات، الذي خلف لمجتمعها، تركة ثقيلة، لا يزال إلى اليوم إرثها باقياً، لقد هيمنت عترتها على عقلها المنافح عن التنوير، ووفقت توفيقاً عظيماً لأن تدمغ صيغة حياتها بمعنى الشقاء.
234
| 08 أغسطس 2025
أمينة الخياط، كانت خططها ومشاريعها الاقتصادية، وهي في مقتبل عقدها الثالث، تختلف كثيراً عن تصاميمها وهي في الخمسين، من حيث القوة، والكفاءة، والاتزان، فقد كانت خططها وهي في عنفوان شبابها، عبارة عن دراسات منظمة، تأخذ بعضها برقاب بعض، بحيث لا يسبق شيء منها على موضعه، ولا يتأخر عنه، لكنها الآن جل دراساتها، وخططها، لا تستقبلها جموع الشركات العالمية الرائدة، في رضا وقناعة، كما كانت تفعل من قبل، لقد أزرت بمسيرتها الصهباء، التي جعلت عقليتها الفذة، مشوشة أو غائبة، فالخياط التي أغواها شاب بقسامته، في احدى ضواحي نيويورك، وأغراها، وألصق بين أحشائها بضعة منه، ثم اختفى عن عالمها، كابدت هي الأمرين على تربيته، وزهدت في الاستقرار، الذي حتماً كان سيجني على طفلها الغض، ولكنها تركت باب مخدعها مفتوحاً على مصرعيه، يدخله كل من هب ودب، طالما هو ظاعن لا يقيم، وابنها الذي ربته على خليط جامع من الأنساق العقائدية، تماهى مع اطار كلي متسق، يؤثر حطام الدنيا، ومتاع الحياة، على القيم والثوابت، لأجل ذلك اضطرب هو في حياته، وطفقت هي، تعدو وراءه، حتى لحقت به بعد عناء شديد، تعيش الآن الخياط حياة قاسية مضنية، تتنافى مع ماضيها كل المنافاة، حياة تقذي فيها عيناها تحت أعباء السهاد الطويل، ولا تنبذ الفصل بين المقدس والمادي، بل تجريها على نواميس وتأثير البيئة والثقافة، تلك المؤثرات التي يستسلم فيها المرء للأهواء المصطخبة، والميول الملتهبة، والعيش النائي عن الاتزان.
303
| 18 يوليو 2025
السودان بعد أن ألحت عليه الخطوب، وألحفت عليه الكوارث، هل يستطيع أن يحتفظ بقوميته؟، يحتفظ بوحدته وشعوره، وبمثله العليا وعقله، هل تستطيع أقاليمه، ومدنه، وقراه، بعد هذه الأحداث العظيمة التي هزتها، أن تنخرط في غير عنف ولا اكراه، بعد أن تضع الحرب أوزارها، في نفس الوحدة التي كانت عليها؟، وحدة التفكير، والشعور، والآلام، والآمال، هل ستظل محتفظة بهذا كله؟ أم تنقسم ولاياته وتستقل بعضها عن بعض؟ الشيء الذي استطيع أن أجزم به وأنا مطمئن، أن شعب السودان على اختلاف شرائحه، وسحنه، وطوائفه، ليس بحاجة إلى فطنة أو ذكاء، حتى يحكم على الأشياء حكماً صحيحاً أو مقارباً، فالشعب الذي نفذت بصيرته، وأصبح عقله قادراً على أن يفهم الساسة حينما يتحدثون، حتماً سيبتغي إلى الوحدة وسائلها، وسيسلك إليها سبلها، وسيكون مهيأً دائماً لأن ينهض بواجباتها، لأنه مستيقن بقلبه، وعقله، أن أبغض شيء إليه، وأنآه عنه، هو الفرقة والتشرذم. السودانيون المقيم منهم أو الظاعن، المطمئن أو القلق، الموسر أو المعسر، سيجدون في أنفسهم هذه المشاعر الفياضة التي لا ينكرها إلا المكابرون، مشاعر الألفة والتضامن التي تملك القلوب، وتسيطر على الضمائر، سنرى مهد العصبية سيهجر أو كاد يهجر، وسيعود الناس إلى سجيتهم القديمة، يعودون إلى سماحة طبعهم، ونبل أخلاقهم، وستخضع تلك القبائل النافرة التي أشعلت أوار الحرب إلى ما يبتغيه الأغلبية، وسيخوضون مع هذه الأغلبية فيما يخوضون فيه، وستفرض عليهم بنود الوحدة التي يأنفون منها حتى يأخذوا بحظ منها، وسيكون التعليم هو سبيل هذا الأخذ، حينها تتحقق الصلة بينهم وبين الوحدة دون إكراه، أو ارغام، أو عنف، نعم هذا ما سيتحقق، كل هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن الوحدة كامنة بعقل السواد الأعظم من هذا الشعب وبشعوره ووجدانه ومتربعة في حناياه. لقد صاغت الحرب عقولنا، ولعل من مآثرها أننا لن نتردد ولن نتلكأ في أن تجري الأمور على هذا النحو بيننا وبين من أشعلوا نائرتها، سنظل على هذه الخصومة المتصلة، والحرب التي لا تأصرها آصرة، حتى تثوب تلك القوى إلى رشدها، ولن نتركها تمضي هائمة حتى ندبر لها حبالاً وثيقة حول أعناقها، نفعل ذلك حتى تبقى الصلة متينة بيننا وبين ماضينا التليد، الذي لا يجوز التفريط فيه، فنحن أمة لا تعنو إلى قهر، أو تطمئن إلى غضاضة، و»محل الرهيفة تنقد» كما يقول المثل السوداني.
1518
| 18 أبريل 2025
لعل الحقيقة التي لا يغالي فيها أحد أن الغلاء الذي قد نشر بنوده، وأعلن عن وجوده، في كل صقع وواد قد تمخضت عنه الكثير من الظواهر السالبة التي جاءت عاقبتها حسرة ووبالاً على مجتمعنا العربي الذي أمسى يردد اللوعة والأنين، ويرجع الشكوى والسنين، فالمواطن الذي أصابته شآبيب البلاء، واجتاحته أغوال الزمن، تسرع إليه همم الراغبين، وتتنافس فيه آمال الطالبين، وتمتد نحوه أعناق المتوسلين، من قوافل الطامعين الذين وجدوا حياتهم عبارة عن ضباب لا يشع بين جنباته أمل، فمن استغنوا عن العمل الدائب، والعناء المرهق، واكتفوا ببسط الأيدي في ضراعة يدركون جلياً أن شرائح هذه الشعوب السخية سوف توسع لهم كنف رحمتها، وتوطئ لهم مهاد رأفتها، لأنها مفطورة على اللين، مجبولة على الشفقة، والواقع الذي لا يتسرب إليه لحن، أو تشوبه عجمة، أن لبعض هؤلاء المتسولين حالات تتوجع لها القلوب رقة، وتنفطر لها المهج رحمة، وتذرف لها العيون رأفة، وقميناً بمن يتفيؤون ظلال الرحمة، ويتقلبون بين أعطاف النعيم، أن يطوقوا هذه الفئات بعطاء جزل، ونائل غمر، ولكن الشيء الغريب أن من يأنف عن العار، ويتكرم عن الدنيئة، ويترفع عن النقيصة، وينوء بنفسه عن إتيان المخاز، هو من يدّر عليهم أخلاف نعمته، ويرضعهم أفاويق بره، نعم من توازعت أفكاره، وتمزقت خواطره، وأعياه الرزق الشرود هو من يهب صرعى الفاقة، وأسرى الجهل، وطرائد المرض، الصدقات العجاف، أما من استرسل إلي الرخاء، وخالط الرّفاهة، وحالف الجاه، فنادراً ما يبل لهاتهم بناطل. إن الشعوب العربية على ما بين شرائحها من اختلاف في الأصل، وتباين في الأمزجة، وتفاوت في الثقافة، تدرك بحسها من تكأدته المصائب، وطرقته المحن، ومن لا تؤلمه الغضاضة، أو يمضه الهوان، فصاحب المجد الأصيل، والشرف الأثيل، الذي يكفكف عبرات العين بالصبر، ويخفف حسرات الفؤاد بالرجاء، يعلم من رضّه الفقر رضا، وأفضّه الجوع فضا، ومن يرسل نغمة استدرار الأكف حلوة الإيقاع، صافية الرنين، ولا أعتقد من المغالاة أن أزعم أن جلّ قبيلة الشحاذين هم عبارة عن عكارة أجناس، وبقايا نظم، مضوا إلى غايتهم المنشودة بلا إبطاء بعد أن تواترت إليهم الأنباء عن سخاء من يرتاحون للندى، ويهتزون للعطاء، ويخفون للمعروف. إن المتسول أنبل ما فيه الصدق، وأقوى ما فيه الضعف، فضعفه هو الذي يدفعك دفعاً لإغاثته ومنحه المال الذي يعينه على إقامة أوده وأود عياله، بعد أن شلت يده، وكلّت ذراعه، وعضته الأيام بنابِ مسموم، وصاوله الزمان بمخلبِ قاتل، وأخشى ما أخشاه أن ينضم كل من تقاسمته الهموم، وتشعبته الغموم، إلى هذه الطائفة حتى يحتار الكريم من هو الجدير برفده.
1008
| 03 مايو 2024
الإسلام الملهم في دياجير الأخطاء أخبر قبيلة الآباء بالكيفية التي ينبغي أن ينتهجوها في تربية الأبناء حتى يحجزوا فلذات أكبادهم عن النار ويقيموهم على سبيل الأخيار، فلقن الآباء أن يعززوا الدين في دواخل أولادهم ويؤصلوه في تركيب فطرتهم حتى ييأس الشيطان من زواله وانتزاعه، وأوضح لهم أن من يتفانى في تربية أبنائه ويتصدى لمعالجة العيوب والمآخذ التي تعتري سلوك عياله ويسخر لهم الحياة الهانئة الوادعة وينوء بهم عن قبح القالة وسوء الجهالة كانوا له ستراً وحجاباً من النار خاصة، وكما قال الرسول الكريم: "من ابتلى بشيء من هذه البنات فأحسن صحبتهن كن له ستراً من النار" كما قال أفضل من وطئت أقدامه الثرى صلوات الله وسلامه عليه فالبنت بالطبع تحتاج إلى الكثير من الرعاية والعناية أكثر مما يحتاجه الولد، ونجد أن تربية الأبناء تربية سديدة تضاهي التصدق والإنفاق في سبيل الله فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل تأديب الابن في مرتبة أعلى من الصدقة فقد قال خير من تفوه بكلام: "لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع". ولعل تربية وتأديب الصغار تحتاج إلى شيء من الضرب الطفيف الذي لا مناص منه لقصور إدراك الصغير وتعنته في الكثير الغالب وعدم طاعته لوالديه الأمر الذي يستوجب ضربه حتى يعي إعوجاجه وهو أمر رخص الإسلام فيه فقد حثّ خير من صاغه الله ولاة الأمور على تعويد أطفالهم الذين لم يشارفوا الاحتلام المداومة على الصلوات والحفاظ عليها فقال: "مروا صبيانكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع". و"هذا التأديب المشروع في حق الصبي لتربيته على الصلاة كي يألفها ويعتادها ولا يتركها عند البلوغ". ولعل الحقيقة التي لا يماري فيها أحد أن تهذيب الآباء لأبنائهم والذي يعد واجباً عليهم لينشؤوا نشأة صالحة يقتضي الضرب الذي لا يؤدي إلى تلف أو اعاقة ولا يسع الأب أن يترك صغيره يفعل ما يحلو له دون تقويمه وتهذيبه لأنه مكلف بذلك شرعاً بل تعد تنشئته على مكارم الأخلاق والتزام حوزة الدين من صميم واجباته نحوه وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولكن الشيء الذي يجب أن نوضحه ونجليه ثم نؤكد عليه أن ضرب الأبناء وعقابهم ينبغى ألا يتنكب حدود الضرب المشروع من وجهين: من حيث قدره ومن حيث الغرض منه. فأما عن قدره فلا يجوز أن يتجاوز الثلاث وألا يكون بغير اليد كالسوط والعصا وأن تتقى به المواضع المخوفة من الجسم كالرأس والوجه وألا يكون فاحشاً والفاحش من الضرب هو الذي يكسر العظام أو يمزق الجلد. وأما عن الغرض من الضرب فيجب أن يكون مقصوداً به التأديب أو التعليم وإلا كان غير مشروع.
843
| 26 أبريل 2024
كان حقاً خليق بي، أن أتخفف عن هذه الأعباء، التي أجبرتني أن أخضع لها، كما يخضع لها جميع الناس، وأن أزور خالتنا الحبيبة «حواء سبت» تلك المرأة التي يمكن أن تقضي الليل بأسره، وتقضي أكثر الغد، ولا تستوفي مناقبها، أو تحصي سجاياها، امرأة عظيمة من نساء بلادي، امرأة تحبها الأفئدة، وتخلص لها في حبها، لأنها جديرة بهذا الحب، وقمينة بهذا الإخلاص، و»حواء سبت» امرأة أرزمت على الثمانين، ولكني أشك أن ربيع شبابها قد أدبر، وروض عنفوانها الزاهر قد أفقر، فروحها العذبة، كفيلة بأن تعيد لجسدها المهدود نشاطه ونضرته ورواءه، وفي الحق لقد اعتدنا أن نرى خالتنا حواء فرحة مبتهجة، حتى وإن كانت محزونة عميقة الحزن، ولعل هذه الروح الشفيفة الجذلة، هي التي كانت تجعل النساء في مدينتي» الدمازين» يتهالكن عليها، ويسرفن في تملقها، حتى تتودد وترضى، لأنها محنكة ذكية، ولأنها وفقت لأشياء، لم توفق «قابلة» مثلها لحظها من الاجادة، أو تظفر بمثل ما ظفرت به من إعجاب الناس، «فلحواء سبت» فنون لم يحسنها غيرها من القابلات، وما كان في استطاعتهن أن يحسنها، لأجل هذا كانت كل امرأة أوشكت على الوضوع، تطمع فيها، وتطمئن إليها، تطمع لأن تخضع لأصابعها الرقيقة البضة، وهي تعبث في أحشائها، لتنتشل قطعة من اللحم واهية ضعيفة، تثير هذه القطعة حال وصولها إلى الدنيا، وسط أهلها وعترتها، ضروباً من المحبة، وألواناً من العاطفة الصادقة، هذا المولود، الغض البض، الذي قد يتورط فيما بعد، في الأنا والغرور، أو الغلو والاغراق في المعاصي، ومقارفة اللذة، توهي حواء ظهره الهزيل، بضربات خفيفة متتالية، حتى تعلو له صرخة طويلة ممتدة، هذه الصرخة تعتبر أول صرخة له في الوجود، وستتوالى هذه الصرخات، وتعلو نبراتها، خاصة إذا أمضى هذا الشقي كل عمره في السودان، فالسودان قد آل على نفسه أن ينفث حممه على كل روح فيها رمق من حياة. وأذكر أنها كانت ما ان تراني وأنا ألعب أمام منزلنا «بحي الري» مع لداتي وأقراني، حتى تتحفني بهذه العبارات الفينانة على شاكلة «السمين الدب، المبشتن»، وهي لا تكتفي بكل هذه الباقة الرائعة، من الاساءات الخفيفة الوقع على النفوس، بل تضع أطراف أصابعها، لتصافيهما وتأخيهما على خدي، ليبدأ مشوار اللطم، والقرص، والضرب عليهما في خفة وعجل، ثم تختتم كل ذلك بنصحية تسديها لي في ترف» أخير تضعف من هسع، «لو استمريت كدة زولة بتعرسك بعدين مافي» ثم تمضي في حال سبيلها، وهي تجرجر لفائف ثوبها الأبيض الناصع، بعد أن ملأت حواف الطرق، وأقاريز الشوارع، بعبق عطرها النشوان، ما أروع ذلك الزمن، وما أجمل تلك الذكريات، فأنا إن أنسى، فلن أنسى، خالتنا حواء وهي تُعرِض ببدانتي الواضحة، وتعاتب والدتي الحانية رحمها الله، لأنها أفرطت في تدليلي، ولأن أمي قانعة بهذه الحياة، التي ترى فيها أن العافية تكمن في السمن والاكتظاظ، كانت «حواء سبت «تخاطب والدتي قائلة» هي يا بت «شندي» الواد دا أحسن تفطمي من السكريات دي، لأنها حا تأذيه» ثم تدعوها في وضوح وجلاء، لأن تقطع عني الصلة بيني وبين البقلاوة، والباسطة، و البسبوسة، وكل ما لذ وطاب، هذه هي ألوان العواطف والشعور التي كانت سائدة في ذلك العهد، وهذه هي التسميات التي كانت تعتبر من العادات الراسخة في ذلك الزمن النبيل، ذلك الزمن الذي كان كله لين، وكله رفق، و كله دعة، فالجارة لا تنادي جارتها باسمها، بل باسم المنطقة التي تنحدر منها، يا لها من صور خلابة وجدتها في صغري وأحببتها، وفتنت بها، إلى أقصى أمد ممكن، لقد أعجبني هذا التمازج الصادق، التمازج الذي صاغنا صوغاً خاصا، أسعى أن ألخص لك صورته، وشكله، وحواره، في تلك الحقبة، وبكل أسف أوشك هذا الترابط الوثيق أن يتداعى الآن، وأن تغيب معالمه.
1029
| 05 مارس 2024
إن الحقيقة التي لا تحتاج إلى حدس أو ظن، أو اعمال خيال، أن الكثير من الاختراعات الخطيرة، التي وضعت الانسانية في ركب التطور، جاءت من رجال «جرد»، لم يخضعوا قط لسطوة» الشعر»، أو يطمعوا في نمائه، فأشد ما يمقتوه، ويزدروه، هو كثافة «الشعر» وغزاراته، فالصلعة مستقرة عندهم، ممعنة في الاستقرار، وهي باستقرارها ذلك، انحرفت عن عوامل التحول والتطور أشد الانحراف، فالشعر الذي كان يقبع في فروتها، يصور أجيالا مختلفة من العصور والبيئات، بعض هذه العصور تحث خطاها نحو التطور وتوغل فيه، والبعض الآخر مؤثرا للثبات، وحريص عليه، والسودان مثل» شعور رأسنا»، شديد الاتصال بمعاني الثبات والاستقرار، لذا لم يشهد طوال قرنه المنصرم، أي تحولا أو انتقال، ولعل الأحداث وتتابع الخطوب، هي التي جعلته يأنف من مواكبة الحضارة المادية الحديثة، واستعارة النظم والقيم الجمالية، التي ينظر الناس إليها في الخارج، نظرة حب ورضا واكبار، فشبابه من غير شك، إذا سعوا لتتبع هذه القيم والموضات المتعابقة التي لا حصر لها، والتي تزداد انتشارا وتغلغلا، في طبقات الفئات العمرية الأقل سنا داخل قطرنا المهترئ وخارجه، أضحوا عرضة لأصحاب الاصلاح الاجتماعي، أو عبثت بهم ألسنة قاسية في عبثها، وفي الحق هذه الفئات، ترى أن الحياة القديمة التي عاشها آباؤهم، قد انقضت أيامها، لأجل ذلك هم يتبرمون منها، ويثورون بها، ويخرجون عليها، وجيلنا يشهد أطوار هذا الانتقال، ويقبله على كره، ويغض منه على استحياء، فمن أهم مزايا شباب اليوم، أنهم مأخوذون بحياتهم الجديدة، بعد أن تداعت مثلنا العليا في حناياهم، فهم لا يعترفون بها، ولا يحرصون عليها، بل يضيقون بها أشد الضيق وأعنفه، ولعل كل فرد منا، يذكر تلك الخصومات العنيفة، التي وقعت بينه وبين ابنه، أو بينه وبين ابن أخته، في «قصة شعر» عمد إليها هذا الغر تأسيا بأخدانه، وهو يجهل أن هذه «الحلاقة» من شأنها أن تعيبه، وتجعل الناس على سعتهم وضحالتهم، وعلى تنوعهم واختلافهم، يتحدثون عنه في ايجاز واطناب، ويحوطون «قصة شعره» تلك بالرعاية والعناية، ووالده الذي لا يستطيع أن يدفع العاديات عن ولده، تطوله جلسات الغيبة التي ترتفع عنها كل رقابة، وتسقط دونها كل خشية، سيعرض الابن والده فعلا لمحنة قاسية، وسيجد الوالد نفسه بين اثنتين، أن يدع فتاه الذي يخطر في مطارف الشباب، يفعل بشعره ما يشاء، يقصة ويرجله، بالصورة التي تروق له، ويتحمل هو الأذى في سبيل هذه الحرية التي منحها لولده، أو يكبح هذه النظم والظواهر على انتشارها وشيوعها، ويؤثر ابتعادها عن «خاصته» غير حافل برضاهم أو سخطهم.
732
| 17 فبراير 2024
أسرتنا تلهبها سياط العوز، وتدميها مخالب الحرمان، كان والدي يشرِق بماء دمعه كلما رأى ملابسنا الرثة البالية عجزت عن تغطية أجسادنا الهزيلة الضامرة، فيمضي حاسر القلب، كاسف البال، لقد كان يزاول مهنا شتى في اليوم الواحد، كنت أراه دائماً دائب السعي، كثير الحركة، يضرب من أفق إلى أفق، ويخرج من غور إلى غور، حتى ذوت عافيته أنهكته الحمى التي اشتدت عليه فعلِقته أوهاق المنية، وسكن نسيسُهُ، وطوته الغبراء، نعم لقد انطفأت تلك الومضة التي كانت تدرأ عنا الظلام، لم تجد مراغم ولا سعة سوى الاستسلام، بعد أن استنفدت كل أسلحتها فعصفت بها الأنواء، واكتنفتها العتمة الصماء، نعم لقد سكت هذا الدوي، وقرّ ذلك الهدير، وخلف وراءه غصة لا تنساغ، وكربا لا ينجلي، مضى من لم أر فيه ضراعة الجانب، ووضاعة الشأن، رغم تدثره بلفائف الفقر، وعيشه في مرعاه الجديب، لقد كان يتعفف عن قبول الصدقات العجاف، ويحرص على أن يعيلنا من ثمار جهده، حرص العابد المتحنث على صلواته، فبنى بيته على دعائم من العز، وشاد ذكره على رواق من المجد، لقد غرس ذلك الفقير المعدم الذي ينحدر من أسرة خاملة، وقرية حقيرة، في نسله خصال تجعل من صاحبها منيع الحوزة، عزيز الناحية، صفات لا يستطيع أن يتحلى بها حتى من يأكلون في صحاف الذهب، ويهيمون في أودية الغنى والجاه، لأنها صعبة المرتقى، وعرة الطريق، صفات كالجوهرة النفيسة لا يخبو بريقها، وتبلى ديباجتها، ولو نٌضْدت عليها الصفائح، وهيل على نضارتها التراب، لقد طوتك أخاديد الأرض يا والدي، وجثمت حولك جلاميد الصخر، وما زال ذكرك يُشيّع بالحمد، ويُذيّل بالثناء، لأنك صغت من الشقاء والإباء عصارة المجد، وأكاليل السّناء. والدي هناك أشياء كثيرة تعتلج في صدري أعلم أنك غاضب مني لأنني نجست يدي وتاريخك الناصع بقبول الصدقات، وأن أحد أصدقائي له أياد سابغات في حياتي، ولكن ماذا أفعل؟ لقد اشتد عليّ أذى المتجبرين، وكيد المعتدين، أدري أنك كنت تتوقع من فلذة كبدك كل شيء إلا التورط في مثل هذا الخطأ الفادح، وأن مثل يجب أن يقبع بين ثنايا نفسه ذائباً من الخجل والحياء، ولا يخاطبك. ولكن ماذا أصنع يا والدي؟ لقد استولت طغمة على مقاليد الأمر، ونشرت بنود النفاق والفاقة في كل طريق، وطمرت ينابيع العز والفضيلة في كل واد، طغمة لها قلوب أقسى من الصوّان، وأفئدة أعتى من الجلمود، ثلة تقذف بالغيب، وترجم بالظنون، جردتني من تجارتي التافهة التي كنت أقتات منها، وأحالت حياتي لحطام، ويبدو أنها لن تشعر بسكينة الرضا، إلا حينما تراني أجوب أرصفة الشوارع، ذابل الجفن، خائر البدن، أسال الناس إلحافا، ليتك تصغي بسمعك يا والدي الذي أودعك الثرى، لن تسمع إلا تذمراً من طغيان الغلاء، وتضجراً من سوء الحال، ليتك ترى الفقر المدقع الذي جدد الغطاريف حبله، ونشروا فضله، وأشاعوه على الناس، ليتك تستنشق عرق القبليّة المنتن الذي أورق عوده، وذكّ العباقرة من تضوعه، ليتك تتذوق مرارة الظلم والاستبداد الذي رسخت قواعده، واشتدت وطأته، وأفنى جلّ الشعب بمضّه وحموضته، ليتك تلتمس جحافل البغض، وسخائم الحقد، بين أبناء القطر الواحد الذي يؤول عربهم وزنجهم إلى مجد أصيل، وشرف أثيل، وبيت رفيع الدعائم. والدي لقد هرعت إليك فراراً من جحيم معاناتي اللافح، ومعاذ الله أن اختلق أشياء لا تمت للواقع بصلة، ولكن لأشكو مروجاً فيحاء قد نٌزعت، ورياضاً خضراء قد طٌمست، مهلاً يا أبي فقد غلوا يدي عن الحركة، فلا تكمم لساني عن الشكوى، لن استطيع احتواء المعاني التي تجسد واقعي المرير، وأنت تمطرنى بوابل كلماتك الجامحة، أنا آسف يا والدي لم أقصد أن يعلو صوتي على صوتك، فأنت تعلم كم أُجلك وأُقدرك، ما أتمناه فقط أن تمنحني وقتاً أُفضي فيه إليك بدخيلة نفسي وبعدها أصدع برأيك كما تشاء، لا يا أبي لم يكن هجومي لتلك الناجمة التي سامتنا بخسف اسفافاً أو ردّ فعل غاضب لإقالتي من وظيفتي، بل لأن هؤلاء البهاليل السادة قد هدموا معبدي الذي يموج بالحسن، ويومض بالسعادة، ويتدفق بالجمال.
1485
| 10 فبراير 2024
جلست ياسمين صامتة لا تنبس ببنت شفة، وقد تحلق حولها ثلة من الشباب المشرئب لري نزواته من غدير جمالها وأنوثتها الدافق، يمطرونها بالنظر الشهوان، ويغثونها بفُحش اللسان، وبذاءُ المنطق، تلك الجموع التي تترى إليها كل صباح، ممنية نفسها بأن يحالفها التوفيق لنيل بغيتها التي سعت من أجل تحقيقها شهوراً خلت، فتقر العيون، وتهدأ الجوانح، ترى متى تدرِك هذه الحسناء التي استحوذت على الألباب، وملكت القلوب، شفقة فترتفع حجب أسماعها، وينكشف غطاء قلبها، فتُنفِح جُلاسها بوجهها المتهلل، وتُكرم عوادها بجزيل الصلات، التي يصغر بجانبها صادق الحمد، وعاطر الثناء، متى يفتر البشر على الشفاه، وتجرى التهاني على الألسنة، لهتك عزة قعساء، أوصدت الأبواب أمام نواطير الشباب، ولم ترحم حمم شهوته التي تلهب جسده المسعور، تلك الحمم التي لا تسمعها آذان، أو ترصدها أجهزة، حتى متى تسدل هذه المهفهفة الدعجاء الستور في وجوه الراغبين؟ حتى متى تبقى صامدة أمام عرك الشدائد، وبريق المال؟ لقد ألفت ياسمين بائعة الشاي البارعة الشكل، اللطيفة التكوين، المطالب الفجة، والأصوات الناشزة، التي تبتغي أمراً كؤود المطلب، وعر المرتقى، لأنها من قبيلة النساء اللائي لا يدركنه عار، أو تلحقهن خزاية. والدها القسيم الوسيم، الذي لم يترك لها حرضاً ولا برضا، هي وإخوتها الصغار سوى وضاءة الحسن، وجمال المُحيا، لقد كان والدها الذي ينحدر من عائلة سنية الحسب، عريضة الجاه، قبل أن تصيبها شآبيب من الدواهي المواحق، يعمل في الهيئة العامة للبريد والبرق، وتدرج في السلك الوظيفي، حتى اعتلى سقف الوظائف في تلك المؤسسة العريقة، التي أذلتها الطائفية، وامتهنت كرامتها الإنقاذ، التي جادت عليه بإحالته للصالح العام، فتلقى والدها الأمر بأريحية، وسلّم عُهدتهُ في وداعة، وأقبل على الحُميّا يهش لكأسها، ويرتضع أفاويقه، وقد استكان للعبرة، وأخلد للشجون، حتى أمسى مُتخلّعاً في الشراب، يقضى جُلّ وقته مُناغياً للكؤوس، مُفاغماً للأكواب، صار الزين جذوة الفكر المضطرم، قيثارة المرح، وإله الدعابة، في الزمن الجميل شاحب الوجه، كئيب المحيا، فقد فدحته صروف الدهر، التي تذهب من كل شيء بشاشته، وجردته من وظيفته التي يقتات منها هو وعائلته، التي تهالكت على جمع شتاتها فيما بعد ابنته ياسمين، دون أدنى مسوغ لذلك سوى أنه كان في شرخ شبابه، ومعية نشاطه، يشايع أهل اليسار، عبّاد اللذة، ورواد المنكر، وخصوم الإسلاميين الألداء. زوجته التي تركها للعمل الدائب، والعناء المرهق، زوجته التي لا تهدأ حركتها، ولا تجف دمعتها، ولا تسكن عبرتها، زوجته التي عاشت معه مدة تربو على عقدين من الزمان، لم توغر فيها صدره، أو تفشي سره، أوتذيع غفلاته، ها هو الآن يجازيها عن دماثة خُلقها، وطيب عُشرتها، بالضرب والتنكيل، لأنها تمنعه من بيع ما تبقى من أثاث البيت، وبعد أن يظفر بما يرومه، يحث الخطى إلى محبوبته السُّلاف، تاركاً خلفه زوجته المكلومة، محطمة العظم، مهشمة الخاطر، يهرع إلى ابنة الْحانِ والكرم، التي ظمئ إلى لقائها، تاركاً بيته يمور بالجوى، ويستعر بالعذاب، ويظل لائذاً ببيوت الراح، عائذاً بحصنها، الذي نصب فيه الشيطان رايته، من العودة إلى معقل الذل، وموطن الهوان، ففي تلك المواخير، لا يعكر أحد صفوه، أو يوخزه بسنا الوعظ، وإثل الإرشاد، هنا خمر لا تخلق ديباجتها، أو يخبو بريقها، مكث الزين في مواخير الفساد، يضاجع رذائل البغاء، وربات الخمر، نظير أن يبقى بين الكؤوس والأقداح، حتى زوت نُضرته، ودقّ عظمه، وانهار جُرف جماله، وبات جيفة مسجية على قارعة الطريق، تنتظر أن تعتلقها أوهاق المنيَّة، ويحلّ بها أصدق المواعيد، ظلّت ياسمين ووالدتها يعودان الزين في أحد المستشفيات المتهالكة، حتى فاضت روحه، وطوته الغبراء، بكته والدة ياسمين بكاءً مُراً، يمزق نياط القلوب، ويذيب شغاف الأفئدة، وبدا على مُحيا ياسمين الآسر، آثار الأسى، ولوعة الحرمان، لقد قرعهم الدهر بنوائبه، ووطأهم بأظلافه، وأطفأ المصباح الذي كانوا يرتجون أن يعود إلى سابق عهده، يدفع عنهم بيد، ويناضل عنهم بسهم، ولكنه مضى وتركهم في صحراء لا تطمئن فيها نفس، ولا تقر بها قدم، وقوافل الطامعين من حولهم لا تحصيها عين، ولا يحصرها بنان، كانت ياسمين ووالدتها كثيراً ما باتتا على الطوى، حتى يجد إخوتها الصغار ما يكفيهم من طعام، حتى احترفت ياسمين تلك الحرفة، التي قادتها في نهاية المطاف بعد صراع طويل مع سباع المدن، وضواري الأنظمة، إلى شقة فاخرة في أحد الأماكن الراقية، في عاصمتنا الدميمة، بعد أن خلع عليها زوجها المتصابي شعار يمجه بني علمان في شمال الوادي، كان ترتيبها الرابع، ولكنها كانت الأولى في الحسن والجمال الساحر عنده.
1023
| 03 فبراير 2024
الأستاذ حسن إسماعيل، بلا شك يتسيد الآن الساحة، وتنتظر شرائح كبيرة من مجتمعنا السوداني، طلته عبر الشاشة البلورية في شوق ولهفة، لقد تغاضى مجتمعنا عن انتهازية مزعومة للرجل، دمغه بها نفر عظيم من السودانيين، وبات هم الناس، كل الناس، في وطننا الجريح أن يسمعوه، وأن يسمعوه في تأنٍ وحرص، ويساورهم ذلك اليقين الجازم، بأن كل ما يذهب إليه في تحليلاته الدقيقة، هو الصواب الذي لا فصال فيه، وفي الحق أن الكاتب الصحفي، والمحلل السياسي حسن إسماعيل، يعبر عن كل الغيظ والحنق، الذي يعصف بأفئدة الناس من المليشيا المارقة، مليشيا الدعم السريع، تلك المليشيا التي مزقت الأمصار، واعتدت على الديار، واستباحت الذمار، وانتهكت العروض. أنا على الصعيد الشخصي، يعجبني عقل هذا الرجل، ويمتعني حديثه، لأنه قد أصاب من البداهة نصيبا موفورا، ولأن كلامه الخالي من السذاجة والنقص، مترعا بالأدلة والشواهد، وعن كنه المواضيع التي يتناولها الأستاذ حسن بالشرح والتحليل، ويبسط فيها لسانه الطلق بغير حساب، فهي تلك المواضيع التي أقحمتها الأحداث، ووقائع الدهر، في حياة الناس العقلية والشعورية، فمما لا يغيب عن ذهن، أو يلتوي على خاطر، أن هذه الهيجاء قد ابتدعت لونا من اللذة جديدا، ونوعا من الاعجاب فريدا، وهو التحلق حول شاشة تلك القناة التي جعلت كل برامجها وموادها الاخبارية رهينة لنصرة الجيش، وانتظار ذلك البرنامج، الذي يزيل فيه جنان الأستاذ عن نفسك طائفة من الغشاوات، غشاوات تتفاوت كثافة وحدة، تستمع فيها لتحليلات الأستاذ حسن، وأنت مقتنع بها، مطمئن إليها، مستسلم لها، وقد وضع لها نظاما فيه شيء غير قليل من الترتيب والتنسيق، فيعمد إلى أبسط هذه الغشاوات، وأشدها سذاجة، فيستقصي أمرها، ثم يبين لك عيوبها وأعطابها، وتهافت أصحابها، وفي الجملة يهدم معبادها، ويمحو شخصية أفرادها، ولا تزال أنت متابعا له، وهو يهضب في حديثه الذي يلائم حاجتنا إلى التشفي ملاءمة صحيحة، ففي التفاتات الأستاذ، ما هو كفيل بأن يهدئ من شهواتنا الحادة، التي لا سبيل إلى تهدئتها، فنحن في حاجة فعلا، لأن نخضع تلك الشهوات المضطرمة وننظمها، فليس من اليسير جدا علينا، أن نطرد هذه الرغبة الملحة في الانتقام، الانتقام ممن أحالوا حياتنا إلى شقاء، فالناس فعلا محتاجة لأن تنتقم من مصادر هذه النكبات، ونحن هنا نعترف في وضوح وجلاء، أن شهوة الانتقام صخابة متأججة، ممن دفع مجتمعنا لأن يبحث عن مواطن العزلة، في الكهوف، وأعالي الجبال، عله ينجو من سخط الجنجويد، وهجماتهم الوحشية، نقر أيها السادة في إذعان ووضوح، أن كلفنا بشهوة الانتقام من بربرية الدعم السريع، باتت هي المسيطرة على عقولنا، والمهيمنة على وجداننا الشاحب، وأمسينا في تماهينا الصاخب معها، نضيف إليها كل شيء، ونقصر عليها كل عناية، فإذا كان الأمر كذلك، فليس من الحق في شيء، أن يتهمنا أحد بالجموح والشطط، فهناك من يعتقد أن كلامنا هذا ليس من شأنه أن يفهم، فالألفاظ التي تدل عليه، وتوضحه، هو يمجها ولا يستسيغها، لأنه ببساطه لا يستطيع أن يتحمل نقدنا لمليشيا الدعم السريع، ولا حكمنا فيها، من هنا نستطيع أن نرى أشياء ولا نشك في صحتها، فالحقيقة التي لا نستطيع أن نغمط منها أو نزيد، أن هناك طائفة من الناس تكره رأينا هذا، وتنكره، وتنصب الحرب له، بل لا تتوانى عن شمتنا بأقذع الألفاظ في صراحة وحدة، إذا صدعنا برأينا المندد بسلوك المليشيا، والداعي إلى محقها وازالتها عن الوجود. ونحن نقرأ كل هذا الثلب والذم، ونبتسم في أسى، فقتل الرأي الحر وازهاقه، والاساءة إلى صاحبه، لا يعد جريمة في أرض النيلين، وهل نعد وأد الرأي وتكميمه جريمة، إذا ما قارناها بغيرها من الجرائم المتفشية في سوداننا الآن، والتي انتقلت أطوارها في مجتمعنا الهش من طور إلى طور، حتى وصل لازهاق الشعب بأسره وإبادته، أمام مرأى من العالم، والعالم الذي يغفل عن مجازر السودان في كسل وتراخٍ، يسعى كما يزعم نافذوه، أن يستكشفوا حقيقة الدعم السريع، حتى يستطيعوا أن يصفوه وصفا واضحا لا لبس فيه. إن كل ما وصلنا إليه، بعد كل هذه السنوات من الكتابة الصحفية، استحالة الرضا، وحسن الوفاق، بين طوائفنا السياسية المتعددة، فبعض الطوائف يسوؤها حقا أن تنتحل نهجا مخالفا لنهجها، ورأيا مغايرا لرأيها، فالتعصب لحزب، أو الانكفاء على جماعة، حق مشاع للجميع، ولكن كل هذه الحقائق التي تمثل خلاصة الحياة العقلية القديمة، ما زال البعض يجهلها، أو ينكرها في اسراف وشطط، هذه الطبقة الاقصائية، غالبا ما تطربها أنغام الذل والمهانة التي لحقت باطياف المجتمع السوداني، فما حلّ بمجتمعنا الصابر على عرك الشدائد، لم يمس شيئا من عواطف هذه الناجمة، أو يبعث في نفوسها الصدئة ولو خيطا ضئيلا من الرغبة في الانتقام، لأن قناعاتها أن هذا البلاء، لم تصله مليشيا الدعم السريع، إلا على جحافل الفلول، من بقايا نظام الحركة الإسلامية، الذين قادهم حظهم العاثر لأن يبقوا في أتون هذه الكريهة، ولم يفروا بأموالهم المكدسة إلى تلك الدول الراقية، في الخليج العربي، أو آسيا الوسطى، هذه الطبقة من الناس تعتقد أن كل من شايع الحركة الإسلامية السودانية، قليل الحظ من الأمانة، وأنه لم يغتن - هذا إذا كان غنيا فعلا- إلا من سعة، لم يتعب هو في جنيها وتحصيلها، وأنه لم يصبها إلا من مال الشعب وذخائره، لكن تظل الأشياء حولنا ثابتة، لا تتغير جواهرها، ونحن حتى تصل الإنسانية إلى درجة متقدمة من الاصلاح والرقي، علينا أن نساير تلك الطائفة، وأن نتحمل عقابيلها، ونذود طعنها وتشنيعها بنا بالفتور والإهمال.
507
| 20 يناير 2024
الشيء المؤكد أني لا ألتفت إلى العيد، ولا أحفل به، هذه هي الحقيقة التي لا تقبل شكاً أو جدالاً عندي، لم تعد نفسي تخضع لسلطانه، بعد أن باتت فتنته مقبورة في المساجد والبيوت التي نطوف بها على عجل، لم يعد العيد يؤثر في نفسي تأثيراً عميقاً كما كان يفعل في الماضي البعيد، لقد تغيرت نظرتي للعيد، ولم تعد تلك النظرة التي أعرفها له من قبل، لقد كانت نظرة تمتاز بوقع خاص في دواخلي، لم يعد لتلك النظرة بريقها الذي ينفذ إلى قلبي، ويسيطر على عقلي، ويستأثر بثنايا نفسي، وفي الحق لم أظن أنه سيأتي عليّ يوم قريب أو بعيد تتغير فيه نظرتي تلك إلى العيد، لقد أمسى يوم العيد عندي كسائر الأيام التي قد أعرف فيها الرضا والسخط، وأعرف فيها الابتهاج والاكتئاب، بل قد يمر عليّ يوم العيد وأنا بائس يائس مغرق النفس، مكلوم الفؤاد، وليس في الأمر غرابة، ولا أخال أن الأمر قاصر على شخصي الهزيل، فما ينتابني وينتاب غيري من الناس، فالناس- كل الناس- ودعوني أظهركم على حقائق قد تعرفونها ولكنكم لا تلتفتون إليها أو تقفون عندها، الناس بعد أن يلموا بالمساجد، وأن يعكفوا على بيوت جيرانهم وأقاربهم، وينفقون فيها وقتاً قصيراً أو طويلا، يمضون بياض أيامهم، وسواد لياليهم في كسل وتراخٍ، حتى تنقضي أيام العطلة التي تزدريها المرافق الخاصة ويتطلع إليها العامة، لأنها تتيح لهم التوسع في الدعة والتواني، إذن العيد هو من فتح الباب لهذه الإجازة، ومهد لها طريقها، وأتاح للناس فرصة قلما تتاح لهم، إذن الكبار من الناس شغوفون بالعيد لأنهم استيقنوا بعقلولهم وأفئدتهم، أن العيد أقصى ما يطمحون إليه فيه أن يهرعوا إلى أسرتهم ومخادعهم، بعد أن تنقضي مراسمه فيلازمونها اشفاقاً من ألا تتاح لهم فرصة أخرى قريبة تجعلهم يبلغون منها منازل الرضا والحبور. لم يعد العيد يملأ نفوسنا غبطة، وقلوبنا سعادة، مثلما كان يفعل ونحن في معية الصبا، وبواكير الشباب، لقد كان العيد ونحن في تلك السن يمتعنا بأريحيته وفكاهته، لقد كان العيد يسعدنا حقاً دون أن يكلفنا في ذلك مشقةً أو جهداً، لقد كنا نستطيع ونحن في تلك المرحلة العمرية أن نصرف لحظاته كما نحب ونهوى، لأن عواطفنا الجياشة لم يكن هناك شيء يدعوها إلى التحفظ والاحتياط، لقد كنا نتخذ من العيد مثلاً وأنموذجاً للمتعة التي لم يكن يعوقنا عنها عائق، لقد كانت كل أيام العيد ثراءً وخصبا، لأن حياتنا في تلك الحقبة لم تكن تعرف اضطراب النفوس وهلعها من الغد، وما يحمله هذا الغد من صعوبات وتعقيد، كنا نعشق العيد وأيامه لأن هناك يداً حانية تغدق علينا، ومهجاً حادبة لا تضيق ذرعاً بحركاتنا، كنت أحب العيد لأن العيد في أروع صوره، وأقوى مظاهره، يتمحور في شخص والدي الذي يقهر المشقات، ويذلل العقبات، وييسر ما لم يكن سبيلا إلى تيسيره من أجلي، لأجل ذلك كنت أدب في هذه البسيطة دون خوف أو تردد، كانت أيام العيد هانئة لا تعقبها مرارة، لأن طيف أمي حاضر لم يزل، أمي طاهرة الذيل، نقية الضمير، جوهر حياتي الذي انقضت عهوده ليثير في القلب ذلك الحزن الباقي، والأسى المقيم، لم أنكر فرحة العيد، وارتاب فيها، وأنفر منها، إلا بعد أن غاصت بشاشتها، وملامحها الوادعة بعد أن اشتدت على نفسي الأزمات، وأخذتها الخطوب، برحيل حانية انفقت كل جهدها، وأفنت كل عمرها، من أجل آخر العنقود فتاها المدلل، حتى لا تمضي وتيرة حياته متباطئة متثاقلة. لم يعد بيني وبين فرحة العيد ونشوته حجباً صفاقا، وأستاراً كثافا إلا بعد أن رحل من يمنحونه فضلاً من قوة، وأرتالاً من حنان، وكثيراً من عطف. رحم الله من صاغوا حياتي ونضروا.
135
| 05 أبريل 2020
مساحة إعلانية
عندما أقدم المشرع القطري على خطوة مفصلية بشأن...
1710
| 25 نوفمبر 2025
أصبحت قطر اليوم واحدة من أفضل الوجهات الخليجية...
1566
| 25 نوفمبر 2025
شهدت الجولات العشر الأولى من الدوري أداءً تحكيميًا...
1281
| 25 نوفمبر 2025
بات الذكاء الاصطناعي اليوم واقعاً لا يمكن تجاهله...
1194
| 30 نوفمبر 2025
في زمن تتسارع فيه المفاهيم وتتباين فيه مصادر...
846
| 25 نوفمبر 2025
الصداقة من خلال الرياضة.. الشعار العالمي للمجلس الدولي...
750
| 24 نوفمبر 2025
في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتُلقى فيه الكلمات...
636
| 28 نوفمبر 2025
* يقولون هناك مدير لا يحب تعيين المواطن...
516
| 24 نوفمبر 2025
منذ فجر الحضارات الفرعونية والرومانية وبلاد ما وراء...
492
| 24 نوفمبر 2025
كل دولة تمتلك من العادات والقواعد الخاصة بها...
477
| 30 نوفمبر 2025
في كلمتها خلال مؤتمر WISE 2025، قدّمت سموّ...
474
| 27 نوفمبر 2025
للمرة الأولى أقف حائرة أمام مساحتي البيضاء التي...
447
| 26 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية