رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للمرة الأولى أقف حائرة أمام مساحتي البيضاء التي اعتدتُ أن أملأها بأفكارٍ تحمل رسالة إلى جمهور ينتظر ما أكتبه في ترويدة الأربعاء. كنتُ دائمًا أضع نفسي بين عنوانين، فأختار أحدهما، ثم أشرع في كتابة المقال لإرساله قبل الوقت المحدد للتسليم، لكن هذا لم يحدث حتى ساعات الصباح الأولى من يوم الثلاثاء الذي أكتب فيه “ترويدة الأسبوع”.
منذ الصباح وأنا أبحث وأفتّش عن فكرة تستحق أن تُحكى، أو قضية ينبغي أن أُسلّط الضوء عليها، لأجد نفسي غارقة في كومة من الموضوعات التي تزاحم عقلي، وكلٌّ منها يحاول إقناعي بأنه الأجدر بأن يكتمل ويُطرح. عندها أمرت رأسي بالتوقف عن التفكير برهة، وتعمدت أن أقطع الوصل مع أفكاري، وبتّ أقلب صفحات الجرائد والمنصات الإخبارية لتلهمني وتشحذ همتي نحو الكتابة، لأصطدم بواقعٍ أليم… واقعٍ يجعلك تحزن على حال أمة، كلما جُلت ببصرك وأدرت وجهك وجدتِ حزمة من القضايا التي تصرخ ولا تجد من يصغي.
فإذا توقّفنا عند غزة وفلسطين، نجد أنفسنا أمام محتلٍّ فاشي لا تعنيه هدن ولا ضمانات، ليس اليوم فقط، بل منذ عهد الرسول، حين خان يهود بني قريظة ويهود بني قينقاع العهود، الاحتلال اليوم ليس أقل غدراً ولا مكراً ولا وحشيةً.
ما يحدث على الأرض تجاوز حدود اللغة، وصار أكبر من قدرة أي قلم من سرقة أعضاء الأسرى، إلى اغتصاب الأسيرات، إلى ملف "بنك الجلد" الذي يكشف انحداراً أخلاقياً لا يصدّقه عقل، وفوق ذلك، يستمرّ التوسع الاستيطاني في الضفة والمستعمرات غير القانونية التي تُقام بوضع اليد، وكأن الأرض مباحة لمن يملك السلاح لا لمن يسكنها منذ آلاف السنين. ثم يأتي تواطؤ السلطة ليضيف طبقة جديدة من الألم… ألم الغياب، والعجز، والتنازل المتواصل أمام احتلال لا يفهم سوى لغة القوة.
ومن فلسطين، تسافر أفكاري إلى السودان، ذلك البلد الجريح الذي تُنهب مقدّراته ويُقتل مواطنوه بأبشع الطرق على يد ميليشيا “القتل السريع” –كما أفضل أن أسميها– الخارجة عن القانون. فمنذ أبريل 2023 والسودانيون يعيشون واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم: مدن تُحرق، أحياء تُفرغ من ساكنيها، نساء يتعرضن للعنف والاغتصاب، أطفال يُفقدون في الطرقات، ورجال عُزّل يُدفنون أحياءً، وملايين مشردون داخل وطن ضاق عليهم قهرا وفقدا وجوعا، المشهد السوداني ليس حربا أهلية، بل هو تفكيكٌ لدولة وتشتيتٌ لشعبها المسالم، وتحويله إلى نازح ولاجئ. ويطلّ رأس التواطؤ الدولي وصمته مع سبق الإصرار والترصد، مخرجًا لسانه لدولة غنية بمقدراتها وشعبها، ليكون هذا التواطؤ أشد فتكًا على السودانيين من الحالة التي يعيشونها.
وإن ابتعدنا قليلًا عن المنطقة، نجد قضايا الإسلاموفوبيا تتمدّد في الغرب كما النار في الهشيم، ليست مجرد خوف مفتعل من الإسلام، بل ظاهرة تتسع لخلق جو من الخوف والكراهية والتحامل ضد المسلمين، وتحويلهم إلى "آخر" يجب الحذر منه.
وفي تجلٍّ صارخ لهذا الجنون، تعمّدت البرلمانية الأسترالية اليمينية المتطرفة بولين هانسون دخول مجلس الشيوخ وهي ترتدي النقاب الكامل، في تصرف مهين وصفه بعض البرلمانيين بالعنصري والمسيء، جاء فعلها بعد دقائق من محاولتها تمرير مشروع قانون يحظر تغطية وجه المرأة المسلمة بالكامل في أستراليا، وبعد أن رُفض ما جاءت به، لجأت إلى هذا الاستعراض داخل المؤسسة التشريعية نفسها. هذا النموذج ليس حالة منفردة، بل جزء من موجة واسعة تغذيها أحزاب يمينية تتعامل مع الإسلام كخطر وجودي، وتستثمر الخوف لرفع شعبيتها، فالإسلاموفوبيا لم تعد مجرد خطاب كراهية؛ بل أصبحت سياسات وقوانين هدفها التحريض على الإسلام والمسلمين في دول ادّعت التحضر والحرية، الحرية التي تُشرّع حقوقها وتنتزع حقوق الآخرين.
ثم نصل إلى الهند… أكبر "ديمقراطية"، لكنها في الحقيقة واحدة من ساحات الاضطهاد الديني المعاصر. المسلمون هناك يُطاردون، وتُهدم منازلهم بقرارات سياسية، وتُستباح مساجدهم، ويُحرّض عليهم في المنابر والإعلام بلا توقف. تُبرَّر سياسات الاضطهاد والإقصاء والتمييز ضد مسلمي الهند، بل وفي بعض الولايات تُمنع الطالبات المسلمات من ارتداء الحجاب في المدارس.
وهنا يبرز السؤال: أين المنظمات النسوية التي تدافع باستماتة عن حق المرأة في عدم ارتداء الحجاب في دول أخرى، بينما تصمت حين تُمنع المرأة المسلمة من ارتدائه؟ أين أصوات من يبررون “المساكنة” كحرية شخصية، ويغضّون الطرف عن اضطهاد نساء يُحرمن من حق أساسي في الاعتقاد والهوية؟
فكلما فكرت في هذه الملفات التي لا يتسع لها أي عقل لتحملها، أدركت أن أزمات العالم الإسلامي لم تعد متفرقة كما نعتقد، بل هي سلسلة واحدة، حلقات مرتبطة بعضها ببعض، لماذا العالم الإسلامي والعربي هو من يحيا هذه الحروب المتواصلة؟ وهذا الاضطهاد الأبدي الممنهج؟ ولماذا يتم التعامل مع العربي كأنه تحصيل حاصل في عالم مليء بالمفارقات؟
ختامًا…
ربما لا نستطيع تغيير العالم في يوم، لكن يمكننا على الأقل أن نكتب، ونُذكّر، ونصرّ على أن نكون شاهدين لا صامتين، قد لا تمنحنا الكتابة حلولاً جاهزة، لكنها تمنحنا شيئا أهم ألّا نتحول نحن إلى جزء من هذا الصمت أيضا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صحفية فلسطينية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11574
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
7854
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3708
| 22 أكتوبر 2026