رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عواطف عبد اللطيف

عواطف عبد اللطيف

مساحة إعلانية

مقالات

357

عواطف عبد اللطيف

قمة وايز.. الإنسان أولاً وكيف لا يكون؟

26 نوفمبر 2025 , 07:10ص

صباح الاثنين ٢٤ نوفمبر٢٠٢٥م وبحضور فارع علما ومعرفة تم افتتاح القمة العالمية للابتكار في التعليم «وايز» بدولة قطر. لترسيخ مكانة وايز كمنصة عالمية تجمع القادة والمفكرين والمبتكرين لمناقشة مستقبل التعليم وبناء أنظمة أكثر عدالة وإنصافا، استقبلت «وايز» أكثر من 15 ألف مشارك يمثلون مختلف القطاعات التعليمية والبحثية كمنصة رائدة تجمع صناع القرار والخبراء لتبادل التجارب وتطوير حلول عملية لتحديات التعلم خاطبتها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع.

خطاب الشيخة موزا مثل ايقونة رصينة حركت الوجدان نقتبس منه مقولتها:

‏‎»التعليم يجب أن يبقى مجالا مفتوحا للإبداع والابتكار، وليس إطارا للتقليد».

فالتعليم ليس قطاع خدمة مثل غيره، بل هو حق متوارث لا نقاش فيه، وركيزة تبنى عليها الكرامة الإنسانية والعدالة والنهضة. والذكاء الاصطناعي يمثل تحديا نوعيا، لأول مرة في التاريخ أن يتنازل الإنسان عن جزء من ذكائه لصالح آلة قادرة على التفكير.

‏وشددت الشيخة موزا على أن «وايز» صنعت لتكون فضاء محفزا لكسر القوالب التقليدية واستنفار العقل نحو التفكير خارج المألوف.

والتعليم ليس قطاع خدمة كبقية القطاعات، بل هو «حق متوارث» ترتكز عليه الكرامة الإنسانية والعدالة والنهضة، ولا يجوز أن يتحول لسلعة أو امتياز يمنحه طرف لآخر، والخطاب العالمي حول التعليم بات بحاجة لمراجعة عميقة تنظر للمعوقات التي تعترض النهوض التعليمي، لا إلى الإنجازات فحسب.

وإن العالم يعيش اليوم تفاوتا معرفيا لافتا، إذ لا تشكل البشرية مجتمعا واحدا بل مجتمعات مختلفة تتحرك في «أزمنة معرفية متباينة»، وهو ما يعود في جانب كبير منه لتراكم اختلالات مؤسسية وتعليمية في دول ومناطق عديدة، خاصة في العالم العربي والأفريقي وأجزاء من آسيا وأمريكا اللاتينية، مشيرة لغيابها عن منصات التتويج العالمية في مجال العلوم والاكتشافات، إلا في حالات فردية ترتبط غالبا بالهجرة لبيئات علمية أكثر دعما وتحفيزا.

وتساءلت عن مكمن العجز: هل يكمن في الإنسان نفسه أم في بيئته الاجتماعية والعلمية؟ والإجابة تقود لسؤال أكبر يتعلق بشروط اللحاق والمواكبة والمنافسة، وتتطلب تطويرا مستمرا وحقيقيا للمناهج التعليمية وأساليب التدريس وبيئات التعلم.

=والقمة بصدد إطلاق مؤشر جديد لقياس جودة التعليم، يتميز بكونه لا يقتصر على تقييم الأداء الأكاديمي، بل يدمج في منظومته القيم الاجتماعية والثقافية التي تشكل جوهر العملية التربوية، و»جوائز وايز» تدعم المبادرات التي تقدم حلولا مبتكرة تعزز جودة التعليم عالميا.

والبشرية التي انتقلت عبر آلاف السنين من عصر لآخر، باتت تنتقل اليوم من حقبة لحقبة خلال عقود قليلة، وهو ما يعكس تسارعا غير مسبوق في المعرفة والتكنولوجيا، منوهة بأن العلم الذي كان أساس الحضارات وركيزة كل تحول علمي، يقف اليوم عند منعطف جديد يتجاوز قدرات الإنسان على الاستيعاب والاستجابة، في ظل السرعة الهائلة للتطورات التقنية. والذكاء الاصطناعي يمثل تحديا نوعيا، إذ يحدث لأول مرة في التاريخ أن يتنازل الإنسان عن جزء من ذكائه، وحذرت من مخاطر توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي لمستوى قد يؤثر على حرية الإنسان ويجعله في حالة «تبعية تكنولوجية»، إذا لم يضبط بمبادئ أخلاقية واضحة.

و»العلم حين ينفصل عن القيم والأخلاق» قد يتحول لأداة تخدم الشر بدل الخير، مستشهدة بأسلحة الدمار الشامل التي وصفتها «ثمرة فاسدة» للعلم حين يمارس خارج المسؤولية الأخلاقية. ومشاهد الصراع وسفك الدماء في العالم، بما فيها غزة والسودان، تمثل صورة من صور غياب الضمير الإنساني وانفصال العلم عن مقاصده النبيلة.

متسائلة ما إذا كانت المدرسة بصورتها التقليدية ستبقى، والقاعة الجامعية ستظل كما هي، أو ما إذا كان التطور التكنولوجي سيفرض نماذج تعليمية جديدة تقوم على «فردانية التلقي» بدل التلقي الجماعي، وما إذا كانت العملية التعليمية ستتحرر بالكامل من ارتباطها بالمكان والزمان.

وهذه الأسئلة لا تمنح المجتمعات ترف الانتظار، بل تتطلب وعيا استباقيا ورؤية قادرة على ابتكار الحلول وصياغة مستقبل التعليم بما يتناسب مع التغيرات الكثيفة الجارية. والعالم الذي ينعم اليوم بوفرة في فرص الحياة الجيدة بفضل العلم، يواجه في الوقت ذاته خطرا يتمثل في فقدان الإنسان لجوهر إنسانيته بسبب ما قد تفرضه التكنولوجيا من تحولات جذرية، معتبرة ذلك «المفارقة الكبرى» في عصر المعرفة. وأن وضع القيم الإنسانية في قلب النظام التعليمي يمثل «رد اعتبار للعلم وللإنسان»، داعية لتعزيز قيم الحق والعدل والجمال، ولعلم يكون وسيلة لتحرير الإنسان لا لاستعباده.

وقمة «وايز» انطلقت من رؤية عربية أصيلة ذات أفق إنساني شامل صاغتها صاحبة السمو الشيخة موزا وجعلت من التعليم استثمارا في الإنسان وقدرته على الإسهام، والمؤتمر ظل منصة عالمية تعيد التفكير في دور المتعلم بوصفته شريكا في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقي للمعرفة.

وستبقي قمة وايز ترسخ مكانتها كمنصة عالمية من خلال مبادراتها وشراكاتها الدولية تجمع القادة والمفكرين والمبتكرين لمناقشة مستقبل التعليم وبناء أنظمة أكثر عدالة وإنصافا حول العالم.

شكرا حاملة شعلة الإنارة والاستنارة سمو الشيخة موزا.. وشكرا لؤلؤة الخاطر حاملة حقيبة التعلم النابض بالحيوية.

مساحة إعلانية