رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انعقد خلال الأسبوع الماضي (مؤتمر ميونخ) للأمن العالمي في دورته التاسعة والخمسين وكان منبرا لقادة دول الناتو تداولوا فيه على الخطابة ليستشرفوا مصير الحرب الروسية الأوكرانية وكان كل من الرئيس الفرنسي (ماكرون) والمستشار الألماني (شولتز) أقرب هؤلاء القادة الى الاتجاه للمستقبل يستجوبان أحداثه المتوقعة ويقدمان للمؤتمرين رؤيتهما الشخصية لما عساه يكون بعد عام أو خمسة أعوام أو عشرين عاما في القارة الأوروبية وتميزت مداخلات الرجلين بالوضوح لكن مع جرعة ارتباك من هول الحرب وخوف من المجهول. ومن جهتي كمتابع هاو للإستشرافات المستقبلية أستنير دائما بما أعثر عليه من بحوث عربية تتسم بالجدية وتتميز بالطابع الأكاديمي لأنها تمنع التخبط الإيديولوجي الذي هو داء العقل العربي واستفدت جدا هذه الأيام من قراءة كتاب جديد للزميل الدكتور وليد عبد الحي صدر بعنوان (دراسة مستقبلية للعلاقات الدولية: نماذج تطبيقية) وهو باحث أكاديمي متعمق في علمه يصل الى استنتاجات موضوعية في مجال العلاقات الدولية دون الوقوع في مطبات الانحياز الأيديولوجي الذي يحجب الحقائق! واخترت في هذا المقال أن أستعرض لقرائي الكرام بحثا اشترك في كتابته خبراء عرب هم: ندى غانم وأحمد زكي وأحمد أبو بكر ومحمد الحسين يحمل هذا العنوان (الحروب الأهلية العربية: قراءة استشرافية) يبدأ فيه الأساتذة المحترمون بالتأكيد على أن العالم العربي تظلله ثقافة جامعة (يقصدون طبعا اشتراك الأمة العربية في الدين واللغة وجينات التاريخ وعدم التفكك الجغرافي) ويشيرون الى أهم عوامل التفرقة والشقوق التي يتسلل منها أعداء الأمة لبث الفوضى وزعزعة تلك الوحدة فيكتبون: « إلا أن العديد من بلدان العالم العربي لديها تعددية عرقية ودينية ومذهبية شكلت مبرراً للأنظمة الاستبدادية التي حكمت دولها بالقبضة الأمنية تحت حجة حماية الدولة من التفكك والانهيار». وكذلك شكل ملف الأقليات مدخلا دائما للتدخلات الأجنبية والضغط السياسي (بدعوى حماية الأقليات والتي لم تشعر أنها أقليات إلا بعد أن نفخ الاستعمار فيها فوارق طبيعية تعايش أهلها مع الأغلبيات في أمن واحترام متبادل طيلة قرون). ويقدم الباحثون قراءة مختصرة لأسباب ونتائج بعض الحروب الاهلية في العالم العربي أولها في السودان وكذلك محاولة لاستشراف شبح الحرب الأهلية في سوريا. ففيما يتعلق بالحرب الأهلية السودانية... شهد السودان حرباً أهلية ممتدة خلفت وراءها ما يقرب من المليونين قتيل وبلداً تمت تجزئته مؤخراً إلى دولتين تواجهان خطر الحرب الشاملة. السبب الأول والأهم هو أن السودان بلد متعدد الأعراق والأديان وبعد انتشار الإسلام في شماله أصبح منقسما عرقيا ودينيا وجغرافيا إلى شمال فيه عرب مسلمون وجنوب به أفارقة مسيحيون وخليط من ديانات أخرى وتميز هذا البلد بالتنوع العرقي حيث تكون من حوالي 19 جماعة عرقية مختلفة وحوالى 600 جماعة عرقية فرعية. ورغم التعدد العرقي للجنوب إلا أنه توحد في مواجهة الشمال الذي يمثل الثقافة العربية الإسلامية حيث رأى الجنوبيون أنفسهم أفارقة بشرتهم سوداء تجمعهم المسيحية كوسيلة لمجابهة الإسلام «رغم عدم اعتناق كل الجنوبيين للمسيحية». السبب الثاني اقتصادي فالسودان - حسب الدراسة - من أكثر الدول التي تعاني من غياب العدالة الاجتماعية في تقسيم الثروة فالجنوب يعانى من غياب الخدمات الأساسية والبنية التحتية مقارنة بالشمال الذى استحوذت حكوماته على الحكم وبالتالي على توزيع الثروات وكذلك فإن اكتشاف البترول في الجنوب فترة السبعينيات كان له أثر كبير على تأجج الصراع. السبب الثالث هو الاستعمار ثم الاستقلال بدون توافق فقد عمل الاستعمار البريطاني على تسييس الخلافات الدينية والعرقية وفصل الشمال عن الجنوب وتم تشجيع نشر المسيحية ومنع أي مظاهر عربية أو إسلامية في الجنوب مع العلم أن الفصل (شبه العنصري والإثني) من قبل الاستعمار البريطاني قام بسبب رؤية الجنوب كجزء من المستعمرات الإفريقية بينما الشمال هو جزء من الشرق الأوسط العربي وأيضاً بغاية خلق حاجز بين الشمال والجنوب يعمل على منع الانتشار الإسلامي والخوف من قيام حركات شعبية مقاومة للاحتلال كالثورة المهدية. وتحقق الاستقلال عن بريطانيا في 1956 دون وجود ترتيبات مؤسسية كافية أو وجود توافق وطني بين الشمال والجنوب حول نظام الدولة حيث رأى الجنوبيون أن النظام الفيدرالي هو الحماية الوحيدة لهم من التبعية للشمال ورأى الشماليون أن الفيدرالية هي الخطوة الأولى نحو الانفصال وأن الحكم يجب أن يظل مركزيا. تجدر الإشارة الى أن نظام الحكم في السودان لم يشهد استقراراً منذ الاستقلال وذلك لتعدد قيام الانقلابات العسكرية مع غياب الديموقراطية الأمر الذي أدى إلى تفاقم الصراعات مع الجنوب وغياب صيغة مقبولة للتشارك في الحكم وكانت الحرب الأهلية الأولى 1955- 1972 حين بدأت شرارة الحرب بين الشمال والجنوب قبيل تحقيق الاستقلال من بريطانيا وفى ظل الخوف من عدم الحصول على حكم ذاتي بيد أن البداية الحقيقية للحرب الأهلية كانت في 1964 بعد اتباع الفريق ابراهيم عبود أول رئيس للسودان برنامجاً لأسلمة وتعريب الجنوب طبقا لاعتقاده أن توحيد السودانيين تحت هوية واحدة هو السبيل لتعزيز وحدة السودان وخلق هوية وطنية. وحلل الباحثون من جهة ثانية ظاهرة تفكك الدولة السورية وشبح الحرب الأهلية حيث بات مصطلح «الحرب الأهلية» مصطلحاً مفتاحياً حال ذكر الثورة السورية مما يثير التساؤل حول ارتباط الحرب الأهلية بشعب سوري لم يعرفها قبلاً رغم تركيبته المتنوعة التي طالما اعتبرت مصدر ثراءٍ لا تناحر وسفك دماء. وحاول الباحثون في سطور قليلة تسليط الضوء على الواقع السوري واحتمال نشوب حرب أهلية فيه وأسبابها وما قد يترتب عليها. يمثل فهم تركيبة النظام السوري مدخلاً هاماً لفهم الحالة السورية فقبل عام 1970 عانت سوريا من عدم الاستقرار كنتيجة لتكرار الانقلابات العسكرية منذ انقلاب حسني الزعيم 1949 والتي كان انقسام الجيش عاملاً أساسياً فيها علاوة على تناحر النخب السياسية إلا أنه وبوصول حافظ الأسد للسلطة في 1970 قام بتدعيم نظام حكمه عن طريق الاعتماد بشكل أساسي على تنظيم اعتبره أغلب السوريين (طائفيا) ففي حين تصل نسبة المسلمين السنة حوالي 70% إضافة لأقليات أخرى درزية وإسماعيلية علاوة على أقليات مسيحية تقدر بحوالي 10%، هذا على صعيد التنوع الطائفي أو المذهبي أما على الصعيد العرقي فيوجد في سوريا ما تتراوح نسبته بين (7 – 10)% من عوامل قد تدفع في هذا الاتجاه العامل الأول يتعلق بادعاءات النظام بأن الداعين للثورة عملاء مأجورون لبث الفتنة والحرب الأهلية في البلاد، وصولاً للاستخدام المفرط للعنف ضد المدنيين الأمر الذي قاد لانشقاقات في الجيش النظامي السوري وتكوين ما يسمى بـ «الجيش السوري الحر» الذي يتكون من الضباط المنشقين والمدنيين المسلحين هذا إلى جانب نحو 200 إلى 300 فصيل مسلح في المناطق المحلية الأمر الذي يجعل السلاح في يد الجميع مما يجعل نزع السلاح من أيدي الفصائل عملية عسيرة ويعيد للأذهان سيناريو الاقتتال الليبي وسلاح حزب الله.
4113
| 24 فبراير 2023
هل تذكرون المشهد المروع كأنه لوحة من الدراما الإغريقية تلك الصورة التي حملتها وسائل الاتصال للعالم وكانت أصدق من آلاف المقالات والأشرطة والخطب الحماسية والتي كانت تمثل الطفل السوري الملائكي (إيلان الكردي) ملقى على شاطئ تركي مهجور مسجى في لقطة ما بعد غرق المركب الذي كان (إيلان) استقله مع والده في رحلة الهجرة إلى الجنة الموعودة (سواحل أوروبا!) هذه اللوحة الدرامية تؤكد للعالم أن أوروبا مجتاحة بأتم معاني الكلمة بمئات الآلاف سنويا وغدا بملايين المواطنين الهاربين من جحيم الحروب الطويلة ومن بؤس الجوع إلى جنة مؤقتة أو دائمة يتوفر فيها الأمن لهم ولأطفالهم ويغامرون مهما كان الثمن ملقين بأنفسهم في قوارب هشة هزيلة أو في مراكب السماسرة وتجار عذاب البشر في رهان عجيب أي قبول مواجهة الهلاك غرقى أو النجاة والفوز باليابسة على أي أرض أوروبية لا تزال تعيش في رغد وأمان رغم أن بعض حكوماتها ساهمت في صناعة المأساة وتدخلت بجيوشها خدمة لمصالحها العاجلة ضاربة عرض الحائط بمصائر شعوب العرب والمسلمين متناسية أن هؤلاء البؤساء المتروكين لأقدارهم وفي مهب رياح الفوضى سيهبون يوما من فرط الجوع والخوف وتلبية لغريزة البقاء ليجتاحوا القارة التي هي أقرب إليهم ليس جغرافيا فقط بل وثقافيا ولغويا وتاريخيا لأنها كانت تستعمر أرضهم وتنهب خيراتهم وتفرض عليهم ثقافتها ولغتها ودينها وتصدر لهم بالمقابل سقط متاعها وتعلم شعوبهم كيف تتخلى عن دينها ولغتها وعريق تقاليدها ليتحول أهلها إلى ما يشبه القرود والمسوخ تدافع عن (حداثتها وعلمانيتها) ! هذا الأمر غفلت عنه أوروبا تحت حكومات يمينية بعضها عنصري صريح وبعضها متعصب يعتبر الإسلام إرهابا والمسلمين مشاريع أحزمة ناسفة! ورأيتم مشاهد إحراق المصاحف في بعض عواصمهم تحت حراسة شرطتهم ومباركة حكوماتهم! الغريب أن هذا الاجتياح توقعه وتكهن به بل وأصدر فيه كتابا رجل مفكر فرنسي كان أستاذنا في جامعة السوربون وهو أكبر مستشرف علم اجتماع وديمغرافيا اسمه (ألفريد سوفي) وهو الذي ابتكر مصطلح (العالم الثالث). هذا الكتاب القيم العجيب ظفرت به في ركن من أركان مكتبتي في بيتي بباريس هذه الأيام وهو مكتوب عام 1985 وصدر عن دار النشر (دينولد) يمكن أن تقتنوه في ترجمته الإنجليزية وعنوانه (اجتياح أوروبا بعد 30 عاما). هذا الكتاب الصادر منذ سبعة وثلاثين سنة بالضبط عنوانه الفرعي هو: (أوروبا المجتاحة. الجنوب سوف يجتاح الشمال بعد ثلاثين عاما) ويحلل أستاذنا نظريته تلك باستشراف علمي موثق وبالأرقام والتوقعات كيف سنبلغ حسب رأيه سنة (2015) ونشهد على موجات تسونامي بشرية قادمة من جنوب البحر الأبيض المتوسط تكتسح بقوة العدد وبمنطق الأمر الواقع سواحل أوروبا باحثة عن بصيص أمل في أمن فقدته في بلدانها وعن لقمة عيش استحالت تحت وابل الإرهاب والفقر والبطالة. عجيب أن يستشرف أستاذنا (ألفريد سوفي ) منذ 37 عاما ما يجري اليوم بالضبط!! فها نحن نعيش اللحظة التاريخية التي نبه العالم لها وعزز استشرافه العلمي بالأرقام لا بالتنجيم قائلا في مقدمة كتابه ذاك أن تاريخ البشرية ما هو في نهاية الأمر سوى تعاقب هجرات كبرى أسبابها متشابهة فإما طبيعية مثل حالات الجفاف والقحط أو الجوائح مثل الزلازل وانفجار البراكين والفيضانات والأعاصير وانتشار الأوبئة وإما أسباب بشرية مثل الحروب والإبادات الجماعية. وإذا تأملنا في تاريخ نشأة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها فسندرك أن تاريخ هجرات عملاقة بدأت عام 1492 مع (كريستوف كولمب) وتواصلت مع إعلان ميثاق الولايات المتحدة مع (جورج واشنطن) عام 1797 بعد مغامرات الهجرات الأوروبية نحو القارة الجديدة. والحقيقة أن القارة لم تكن جديدة بل قام المهاجرون (غير الشرعيين) باستعمارها بعد أن أبادوا على مراحل سكانها الأصليين بدعوى أنهم (متوحشون! وبرابرة !!) فأطلق عليهم القادمون من أوروبا نعت (الهنود الحمر)! وفي الواقع هم ليسوا لا هنودا ولا حمرا! بل أمة آمنة لديها تقاليدها وتتعايش مع بعضها شعوبا وقبائل بأديانها العريقة وثقافاتها الأصيلة ولكنه منطق القوة والغطرسة والتعالي لدى البيض واعتبارهم الإجرامي بأن الأمم الأخرى المختلفة عنهم متوحشة بينما الأوروبيون الغزاة هم المتوحشون ركبوا البحر وتركوا أوروبا البائسة بحثا عن الأراضي العذراء الخصبة والثروات المنجمية والذهب كما تصورهم لنا أفلام (الفار وست) من هوليود إلى اليوم. هذه الهجرات غير الشرعية دشنت عصرنا الحديث بأشكال العبودية وعانت القارة الإفريقية قرونا بعد ذلك من القرصنة الأوروبية حيث أرست آلاف البواخر من أوروبا وأمريكا لتختطف قبائل إفريقية كاملة وتوثقها بالسلاسل وتأخذ الأفارقة من رجال ونساء وأطفال كالدواب إلى حقول أمريكا عبيدا وتشهد على هذه الجرائم الفظيعة جزيرة (سان لويس) بالسنغال إلى اليوم! هذا هو تاريخ الغرب الحقيقي الذي يأبى اليوم سنة 2023 أن يستقبل مهجرين (لا مهاجرين) دفعتهم الحروب الكيدية (لا الأهلية) إلى هجرة بيوتهم الآمنة وقراهم المطمئنة ومدنهم العامرة وركوب البحر نحو مصير مجهول ولكنه لا مناص منه إلا الموت تحت القنابل والصواريخ! السؤال الذي لا بد أن تطرحه أوروبا الموحدة اليوم في اتحاد أوروبي هو أشبه بالخلافة الكاثوليكية هو: ما هي مسؤولية الغرب (أي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) في بلوغ المشرق الإسلامي هذه الدرجة من الفوضى واليأس؟ أليس الوضع في هذا المشرق كان أفضل قبل الحلول المرتجلة والأثيمة التي أعقبت عملية 11 سبتمبر 2001 الإرهابية والتي لم تكشف حقائقها إلى اليوم؟ هل حل الغرب معضلات الإرهاب منذ ذلك التاريخ الأسود؟ حين هب أحد الرؤساء المهووسين بما سماه هو نفسه (رسالتي الإنجيلية التي أوحاها الرب لي!) (من حديث للرئيس بوش الابن لقناة سي بي إس بث في الذكرى العاشرة لضرب البرجين 11 سبتمبر) فتم تدمير دولة أفغانستان عوض القضاء على طالبان (800 ألف ضحية مدنية)، ثم تدمير العراق بأسره عوض القضاء على نظام صدام حسين!!! (مليون ضحية)، وفي المقابل أطلق الغرب بغباء وسوء نية وإضمار شر أيدي قادة دولة الاحتلال الإسرائيلي لإنهاء الوجود الفلسطيني من فلسطين بمسلميه ومسيحييه!
1956
| 17 فبراير 2023
(إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها) بهذه الآية التي تشبه لوحة الكارثة الطبيعية المأساوية افتتح سبحانه وتعالى سورة الزلزلة حتى يضع المخلوق في مواجهة قوة الخالق وهو ما حدث في تركيا وسوريا هذا الأسبوع فتكفلت شاشات العالم بنقل تداعيات الزلازل الرهيبة الى أنظار مليارات النشر وأكثرهم غافلون كما قال الله تعالى وبالرجوع الى كتاب الشفاء من موسوعة قانون ابن سينا في الطب (من ألف عام) تبين لي أن هذا العقل المسلم (ابن سينا الذي حرف الغرب اسمه الى أفيسين) كان أول من اكتشف أسرار الكوارث الطبيعية حين كتب يقول ما معناه: "أعالج القوى الطبيعية كما أعالج جسم الإنسان وروحه وأدركت أن الزلازل تدك سطح الأرض بسبب تفاقم البخار الناري المنبعث من نواة قلب الأرض (نواتها المركزية المشتعلة) فتتحرك طبقات ما تحتنا (يقصد ما نعرفه اليوم تحت مسمى علمي هو "صفائح التكتونيك") هذا ما عرفه الشيخ الإمام ابن سينا قبل قرون من علماء الجيولوجيا الغربية كما في الطب والجراحة والأدوية والفلك والكيمياء والفيزياء وخاصة الرياضيات وعلوم الجبر والكسور والخوارزميات التي يسميها الغرب اليوم "لوغاريتم" وهي أساس التكنولوجيا الرقمية والإنترنت! نعود الى مأساة الزلازل التركية والسورية لنؤكد أنها كارثة طبيعية ولكنها أعادت الانسانية الى قيمة من قيم الأخلاق التي كدنا ننساها وهي قيمة التراحم والتلاحم في أوقات الشدة والبأساء فاستجابت لنداء تركيا وسوريا كل الدول وكل المنظمات بسرعة وتعاقبت على المطارات والممرات قوافل الخبراء والمنقذين والأطباء والمتطوعين مما خفف من هول الفاجعة وطمأن العالم أن فيه رجالا ونساء من طينة اعتقدنا خطأ أنها انقرضت وأن الناس تحولوا الى (روبوهات) مثل الدمى المتحركة آليا تحت ضغط أزرار تجار المال والأعمال لا إرادة لهم سوى ما يملى عليهم من تعليمات! وأعترف أن أروع حكمة تلقائية نقلتها لنا وسائل الإتصال الاجتماعي بهذه المناسبة هي هذه: حكى أحد الناجين الأتراك من مدينة (كهرمان مرعش) التي تعتبر مركز الزلزال فقال:" منذ تسعة أعوام وأنا مع أسرتي نسكن شقة في عمارة صغيرة على ملك تاجر ميسور هو نفسه يسكن نفس العمارة والحقيقة أصبح يطالبني بترفيع مبلغ الإيجار وأنا أحاول إقناعه بأن (الكورونا) منعتني من ممارسة عملي عاما كاملا لأني أعمل في قطاع البناء ومع إجراءات منع التجمع والتزام البيوت انقطع رزقي مثل أغلب الناس واستطيع حتى دفع إيجار الشقة وبالتالي يستحيل علي ترفيع الإيجار... وألح مالك العمارة وشعرت بالضيق أنا وأسرتي من هذا الإلحاح حتى جاءت الساعة الرابعة من صباح الزلزال وشعرنا بقرب انهيار السقوف على رؤوسنا فتصرفنا بأقصى السرعة لمغادرة هذه الشقق المشققة والتقينا نحن الجيران في جحيم السلالم نتدافع بغريزة النجاة حتى بلغنا الشارع واكتشفنا هول الفاجعة حين رأينا جميع سكان الحي مثلنا في الشوارع تحت الثلج وظللنا ننتظر ساعة وبعض ساعة إلى أن وصلتنا سيارات الحماية المدنية تحمل الينا حشايا وأغطية ساخنة وأوقدوا لنا من الحطب نارا تحلقنا حولها نبحث عن شيء من الدفء وهنا وفي تلك اللحظة تبينت في ضوء اللهب المشتعل أن جاري اللصيق بي حول المدفأة هو مالك العمارة فبادرته بالتحية وكانت زوجته وكان عياله معنا يتقاسمون مع عيالي نفس الغطاء الصوفي وحاولت أن أرفع من معنوياته بعبارات عادية في مثل هذه المناسبات الأليمة مستعينا بما حفظته من كتاب الله حول الصبر والإيمان والرضا بما كتبه الله علينا وهو ينصت ولا يتكلم وقلت في نفسي:" سبحان الله العظيم بالثلوج الشتاء وهذا الرجل صاحب العمارة كان يلح علي في طلب الزيادة من مبلغ الإيجار وهو اليوم هو نفسه يشاهد معي عمارته تتحول إلى أكوام ردم وحجارة وحديد لعل تحتها بعض جيراننا ممن لم يهربوا في الإبان من هول الزلزال. أنا وهو في هذه المحنة نتدفأ وننتظر خيمة تسعفنا مع عيالنا من العراء! يا لها من حكمة ربانية مفادها بأن الأبقى لنا هو ما نحمله من قيم وأخلاق وتراحم لا ما نملكه من ديار وأملاك وبساتين هي من ممتلكات الله عز وجل يهبها لمن يشاء وينزعها عمن يشاء سبحانه وهو الباقي ونحن الزائلون! " انتهى كلام الرجل التركي بعد أن علمني ما لم أتعلم وتلوت في داخلي سورة الضحى التي كانت لي طيلة أيام الجمر والمنافي والملاحقات سندا ونورا مقدسا حين يطمئن قلبي بذكر الله (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وأعلم أن الله سبحانه لا يتخلى عني: (وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (11) صدق الله العظيم.
1404
| 13 فبراير 2023
مع خالص الاحترام والتقدير أكتب رسالتي المفتوحة هذه إلى كل المسؤولين العرب من باب النصيحة وبدافع الاعتبار بالتجارب التي عشناها في بعض بلادنا العربية بحلوها ومرها. أسمع أحيانا أن الحكومة طلبت من الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي مدها بالسير الذاتية لمرشحي هذه الأحزاب لتعيينهم محافظين أو مساعدي محافظين يسيرون شؤون محافظة أو جزء من محافظة إداريا وفي تونس نسميهم ولاة ومعتمدين أولين ومعتمدين (محافظين ومساعدي محافظين). وشعرت بأن السياسيين مستمرون في ارتكاب نفس الأخطاء وأصبت بالصدمة لإحساسي بأن النخبة السياسية الحاكمة في بعض بلاد العرب ما بعد الهزات العنيفة التي عصفت بمنطقتنا وبالعالم العربي لم تستخلص أقسى درس سياسي علمته لنا الأيام والمحن وهو أن أكبر الأخطاء السياسية العربية هو خطأ الخلط بين الإدارة والسياسة وهو الخطأ الذي لم ترتكبه الديمقراطيات الراسخة التي تعلمت دروس التاريخ أما خوفي فهو نتيجة كوني عشت اربعين سنة في أوروبا وبالذات في باريس وتعرفت عن كثب على تركيبة دولها وسر قوة مؤسساتها الدستورية وخفايا استمرار الدولة مهما تداولت الأحزاب على السلطة وكثيرا ما تحاورت مع أصدقاء أوفياء قدامى من وزرائها وسفرائها ومحافظيها في فرنسا وأدركت أن هذه الدول تنأى بنفسها ولا تسعى أية سلطة تنفيذية إلى تعيين متحزبين حتى من صلبها اتقاء منها لشر من أخطر الشرور وهو ما شرحه لي الوزير الأسبق والسياسي القدير صديقي (برنار ستازي) حين قال لي (تصور الكارثة لو أن منطقة باريس يعين عليها محافظ يختاره الحزب الاشتراكي فيقال إن مدينة باريس اشتراكية وأن منطقة (السين والمارن) مثلا يعين عليها محافظ من حزب (ديجول) اليميني فيقال إن هذه المنطقة يمينية … إلى غير هذه التصنيفات الجائرة والمخلة بالوحدة الفرنسية الوطنية والمتسببة في تجزئة إيديولوجية للبلاد مما يمهد للتناحر لا على صعيد الخيارات السياسية بل على صعيد إدارة الدولة. إن حياد الإدارة يبدأ من السلطة المحلية ثم السلطة الجهوية فالإقليمية لأن الحاكم الإداري يمثل رئيس الجمهورية أي ينوب عن رأس الدولة في منطقته ويظل تحت إدارة رئيس الإدارة وهو رئيس الحكومة وتحت التراتبية الإدارية لوزارة الداخلية وليس منتدبا من حزب.. ثم إن نكبة العراق ومحنة سوريا وفوضى ليبيا وأزمة اليمن هي كلها من أصول أخطاء واحدة اشتركت فيها الأنظمة العربية وهي تعيين الموالين والمتحزبين في مناصب إدارة الدولة جهويا ووطنيا حتى ضاعت حقوق الناس هنا وهناك بين التجاذبات والصراعات والايديولوجيات وتقطعت الدولة إربا بين الأحزاب. وتحولت الولايات أو المحافظات من أجهزة تخدم المواطن إلى أجهزة تقمعه ومن أدوات صيانة حقوق الناس إلى أدوات لسلبه ونهبه وتحزيبه كما تحول المواطن العربي من بشر سوي إلى ذئب بشري يدين للحزب وقائد الحزب عوض أن يدين للدولة الحاضنة باحترامه للقانون والتزامه بخدمة الصالح العام. ثم إن إدارة المحافظة (الولاية) لدينا لا تكون إلا من قبل رجل (أو امرأة) تعينه الدولة ممثلة في شخص رئيسها حسب اعتبارات ومعايير موضوعية ويختار من بين كوادر الإدارة الأكفاء والبعيدين عن التحزب وبلادنا العربية بحمد الله تعج بالشباب المتمتع بالقدرة على معالجة الملفات وتجميع القوى الفاعلة وتأمين المرافق الحيوية وهو لن يكون وحده أو يستبد بالسلطة لأن الدستور يضمن إنشاء مجالس محلية وجهوية منتخبة تقوم بسن الخيارات ومساعدة الإدارة. فالمجالس الجهوية في أغلب دول الاتحاد الأوروبي كما عايشتها منبثقة عن انتخابات شديدة الأهمية عديدة المشمولات تماما كالانتخابات البلدية وهي في هذه البلدان تدير الحياة الجهوية وتخدم مصالح الأقاليم بكفاءة شعورا منها أنها مدينة بمناصبها للناخب المحلي الذي يستطيع أن يسحب منها ثقته في الانتخابات القادمة ويغير من التركيبة حسب مستوى نجاحها أو إخفاقها. لا دخل لأي حزب في اختيار ممثل الدولة ولا في عمله اليومي ولا في مشمولاته وهو ما يعرف لدى الأوروبيين بواجب حياد الإدارة وهو واجب دستوري يحترمه الجميع (نظريا بالطبع لأن التجاوزات ممكنة وحصلت ولكنها أصلحت) إن مبدأ حياد الإدارة وطنيا وجهويا من أغلى مكاسب التطور السياسي للشعوب بعد أن اكتوت بنار الخلط بين الدولة والسياسة والغريب في نظري المتواضع أننا لم نتعظ بل ونستعد للنظر في السير الذاتية لمرشحي الأحزاب لتقلد منصب مسؤول جهوي ! ليس من الخطير أن نخطأ الخيار ولكن من الأخطر أن نمضي في الخطأ ولا نستخلص دروس التاريخ القريب..
1197
| 10 فبراير 2023
تعتبر إيران بالنسبة لجيرانها في منطقة الخليج وفق أدبيات الخطاب السياسي « دولة جارة وشعبها لا تفصلنا عنه سوى مسافة بحرية قصيرة وهذا قدرنا معا فرضته الجغرافيا وعززه التاريخ ومهما اختلفنا مع الجار لا بد أن نجد معا حلا لا يظلم أحدا ويندرج في مشروع السلام والأمن الدوليين مع تمسكنا الدائم بمبدأ خلو الإقليم من السلاح النووي» هذه الحكمة هي التي يجب أن تدل الجميع إلى حلول سلمية لما يسمى (الملف النووي الإيراني) لأن كثيرا من التعتيم والمغالطات والمصالح جعلت المشهد ضبابيا وقاتما وهو ما لا يخدم لا الحقيقة ولا السلام. اليوم نجد أنفسنا نعيش أحداثا إقليمية ودولية منذرة بالحروب الأكثر اتساعا انطلاقا من المواجهة العسكرية بين أوكرانيا (ووراءها النيتو) وروسيا (ووراءها دول جوارها المستقلة عن الاتحاد السوفييتي) كما نجد إيران بصفقات السلاح متهمة بالانخراط في دعم هذا أو ذاك من المتحاربين (الطائرات المسيرة..وغيرها) ونتذكر انه بعد عام من الاتفاق الشهير أي سنة 2016 تلقت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دفعة أولى من صواريخ (أس300) من موسكو في صفقة أسلحة روسية متطورة بعد عام من توقيع المعاهدة بين الدول الغربية زائد الصين وروسيا (وهو ما يجعل عبارة 4 زائد 2 أدق وأصح من 5 زائد1!) ونذكر القراء أنه على إثر الانقلاب الفاشل ضد الرئيس أردوغان وتنصل الرئيس السابق ترامب عن التزام الولايات المتحدة بالاتفاق ونشأة منهج المواجهة مع إيران عوض المعاهدة لدى حلف الناتو علينا اليوم تقييم النتائج واستخلاص الدروس: لأننا نحن العرب ومعنا العالم الإسلامي بأسره منخرطون شئنا أم أبينا في لعبة الأمم الكبرى ومعنيون بما وصلنا إليه بعد 8 أعوام من تلك المعاهدة. ونذكر أنه يوم الـ14 من يوليو 2015 تم التوقيع على اتفاق متكامل نعته أغلب المراقبين والإعلاميين بأنه اتفاق تاريخي اعتمده مجلس الأمن بعد أسبوع من توقيعه بشكله النهائي فأعطاه الصبغة القانونية الدولية واستمعنا إلى توضيحات هامة قدمها السيد جون كيري أمام لجنة الكونجرس بقصد اجتناب تحرك الكتلة الجمهورية ضد الاتفاق وربما إبطال كل ما جرى والعودة إلى مربع الانطلاق ومما قاله الوزير الأميركي آنذاك: «أن إيران كانت على وشك امتلاك السلاح النووي في غفلة من المجتمع الدولي لولا هذا الاتفاق وقال أيضا إنه لا بديل عن الاتفاق سوى الحرب» وهذه المعاني كررها الرئيس أوباما كذلك أمام الكونجرس مؤكدا أن أبرز ما ينص عليه الاتفاق هو فرض الرقابة الدولية على المنشآت النووية الإيرانية بشكل دوري وناجع وفجئي وطمأنة دول الشرق الأوسط بأن هذه المنطقة الحساسة ستظل خالية من السلاح النووي (ما عدا السلاح النووي الإسرائيلي غير المعلن والمسكوت عنه في نوع من التواطؤ الدولي الذي يشبه النفاق مما يجعل تخوف نتنياهو من سلاح نووي إيراني أمرا في غاية الغرابة!) ونسجل بأن طهران رفعت عنها تدريجيا تلك العقوبات الموجعة كما وعدت باستعادة ثقة العالم فيها بسن سياسات أكثر اعتدالا ستكون سياسات لا تنطلق من ردود فعل متسرعة ولا عشوائية ولا عدوانية كما كان الحال في ولاية أحمدي نجاد الرئاسية وصدقنا أن هذا الاتفاق الذي كنا نعتقد أنه مؤسس على صدق النوايا سوف يطوي صفحة قديمة من العلاقات الدولية عموما ومن العلاقات بين إيران وجيرانها العرب لتحل محلها صفحة أنصع وأسلم توفر للمنطقة بأسرها مناخا جديدا من الأمن والسلام الدائمين ولم لا من التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني والتكامل الطاقي وتكون المرحلة القادمة على الأقل مرحلة استعادة الثقة المفقودة تمهيدا لشرق أوسط جديد لا بمعنى المحافظين الجدد ولكن بالمعنى الحقيقي الناتج عن إعادة النظر جذريا كل من موقعه في منظومة الصراع الطائفي وتغذية الإرهاب وتصدير الثورات وسن تكتيك الخداع واستعمال الأيدي القذرة هنا وهناك لتمرير مشاريع مشبوهة. لكن الواقع الذي اكتشفناه غير ذلك، والدليل أن مؤتمر الأمن الدولي المنعقد في ميونيخ منذ أشهر حدد بوضوح:»أن الخطر الإيراني ما زال يستهدف شعوب المنطقة ومصالح الغرب»!. ويجدر بنا أن نسوق بعض الملاحظات التي نستنتجها من هذه التغيرات الدولية: أولها أن العلاقات الدولية بأسرها شهدت إعادة رسم خريطة عالمية جديدة وذلك من خلال اندراج الصين وروسيا في عملية التفاوض وصياغة الاتفاق جنبا إلى جنب مع الدول الغربية الليبرالية الأربع الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا، وهو مؤشر شديد الأهمية يؤكد أن عصر الحرب الباردة بعد أن أعلن موته مع تحطيم جدار برلين في نوفمبر 1989 قد تم دفنه يوم الـ14 من يوليو 2015 في فيينا عاصمة النمسا. فالغرب المنتصر بالديمقراطية والليبرالية حسب نظرية المفكر الأميركي (فرنسيس فوكوياما) فتح الباب لغريمين تقليديين روسيا والصين لكي يتشاركا في كل تفاصيل الملف النووي الإيراني، وهو ما أعطى في الحقيقة بعض الضمانات السياسية والاستراتيجية للمفاوض الإيراني لأن المفاوض الإيراني عبر كل الأشواط الماراثونية للمفاوضات وجد نفسه إزاء أربع قوى غربية ولكن أيضا إزاء قوتين عظميين حليفتين أو على أقل تقدير ليستا عدوتين لم تقبلا في السابق شروط واشنطن وحلفائها الأوروبيين في الملف النووي الإيراني إلى أن دخلت موسكو وبعدها بكين على الخط منذ سنتين عندما شعر الغربيون أن لا حل يرجى من مفاوضات طويلة بدون إشراك كل القوى العظمى التي تملك حق النقض في الأمم المتحدة، وبإمكانها تعطيل أي مسعى أميركي وغربي خاصة ومعضلة أوكرانيا عادت بحرب ضروس بل وتنذر بكل الأخطار! وفي الواقع إذا كان هذا التواجد الروسي ـ الصيني مفيدا جدا لطهران فهو بلا شك أكثر فائدة لواشنطن وبرلين وباريس ولندن لأن الاتفاق القادم لو كتب له أن يتحقق سيكون قابلا للتنفيذ بضمان غربي وروسي وصيني ويضمن ذلك اعتماده من قبل مجلس الأمن، كما أن روسيا والصين فرضتا حماية مصالحهما في إدارة المفاوضات لأن الخطر النووي أكان إيرانيا أم كوريا شماليا أم باكستانيا أم هنديا يهم كل شعوب العالم وأساسا العملاقين الروسي والصيني. فنحن اليوم على أعتاب انفراج عالمي إذا ما قرأنا الحدث بعيون المؤرخ، ولكن التاريخ علمنا أن لكل دبلوماسية مواقف معلنة ونوايا خفية ونحن لا نرجم بالغيب بل سنتابع تطورات الأوضاع في المستقبل!
789
| 03 فبراير 2023
بعد العملية الفدائية التي نفذها شباب القدس يومي الجمعة والسبت كرد سريع على مذبحة الخميس العنصرية التي استشهد فيها 10 من شباب جنين ومن بينهم أطفال وسيدة مسنة، بعد تلك العملية شرعت منظمات إسرائيلية تتهم (بن غفير) و(نتنياهو) بتدمير إسرائيل بإلغاء "ديمقراطيتها" ووسمها في العالم كدولة التمييز العنصري، وفي المقابل كررت أحزاب "اللاهوت" المشاركة في حكومة نتنياهو أسطورة وعد الرب لشعب إسرائيل بأن هذه الأرض لليهود وحدهم وشرعوا ينشرون الأكاذيب المؤسسة لهذه الخرافة ومنها "تذكير" العالم بأن نابليون بونابرت وعد اليهود بدولة في فلسطين قبل بلفور فأعادوا نشر بحث قديم صدر في مجلة (هيستوريا) الفرنسية كان كتبه مؤرخ نمساوي من أصل يهودي هو (فرانز كوبلر) عندما نشر ما قدمه كرسالة من الجنرال بونابرت الى اليهود نقله حرفيا من كذبة مدلسة صدرت في عدد سبتمبر 1940 من مجلة (ذي نيو جيديا) اليهودية الصادرة في لندن! وتبدو مصداقية هذه الرسالة هشة مفضوحة بل إن أمرها شديد الغرابة. فالمؤرخ (كوبلر) نشر الرسالة باللغة الانجليزية مترجمة من الألمانية، سلمها له صديقه المؤرخ الألماني (فوجز) زاعماً انه ترجمها من أصلها الفرنسي. وادعى (كوبلر) أن أصل الرسالة مفقود لأن... (الجيش الألماني النازي عثر عليها في وثائق محجوزة يملكها (فوجز) وصادرها النازيون ثم أحرقوها...) وبذلك لم يبق أي أثر لرسالة بونابرت ولا يمكن التحقيق في صحتها ولا في نسبتها له. ويفتح الباب على مصراعيه للتلفيق والكذب وصناعة أحداث خيالية تخدم المصالح الاسرائيلية وحدها كما كانت تخدم مصلحة الجالية اليهودية في ألمانيا وكل أوروبا عام 1940 حينما اشتد القمع النازي ضد اليهود وضد الغجر وكل الشعوب غير الآرية (أي غير الطهورية من الجنس الأري). كان (كوبلر) يهدف الى تعبئة الرأي العام الأوروبي الى جانب اليهود.. ولكن أيضا إضفاء شرعية تاريخية أوروبية على مشروع احتلال فلسطين من قبل اليهود وإنشاء دولة اسرائيل... الذي تحقق مع القرار 181 القاضي بتقسيم فلسطين الى دولتين، قرار 29 نوفمبر 1947. ومن الواضح أن الادعاء بأن بونابرت وعد اليهود بدولة... والذي اشتغل عليه مؤرخون يهود يرمي الى اشعار الأوروبيين بديْن في رقابهم عليهم أن يسددوه لليهود بما أن اليهود كانوا الى جانب بونابرت في حملته على مصر والشام أي ضد العرب والمسلمين وان انتماءهم الى ما يسمونه الحضارة المسيحية اليهودية (أي الغربية بمفهوم اليوم) هو انتماء عريق وقديم وأصيل. ونأتي الى نص الرسالة المزيفة ونقرأها، فهي تبدأ بلهجة حماسية لم يألفها المؤرخون المتخصصون في تاريخ بونابرت. وهذه هي الرسالة: (من بونابرت القائد الأعلى لقوات الجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا الى الورثة الشرعيين لفلسطين. يا أبناء إسرائيل تلك الأمة الفريدة التي اغتصب منها الغزاة أرضها ولكن بقي اسمها خالداً... لقد كُتب على شعبكم أن يعود الى صهيون في غمرة السعادة...). وإلى آخر الرسالة يستمر هذا النفس الصهيوني الحماسي المنسوب الى بونابرت والذي لم يصدقه كل مؤرخ أمين... من ذلك أني سألت زميلي في مجال البحث بجامعة السوربون المستشرق هنري لورنس صاحب كتاب (أسباب حملة نابليون) عن رأيه في صحة هذه الرسالة وذلك الزعم فأجاب بضحكة عريضة. وبالطبع فمن الصعب تصور صدور نداء كهذا عن نابليون بكلمات هي من صميم الدعايات اليهودية في أرض فلسطين. والأصح أن نابليون كانت له علاقات عدائية مع اليهود. ولعل الأصدق أن نابليون سبق أدولف هتلر في اضطهاد اليهود حسبما تدل وثائق اشتغل عليها مؤرخون يهود أنفسهم. فالإمبراطور بونابرت كان جَدا ايديولوجيا لهتلر لا للورد بلفور. فقد عامل اليهود معاملة عنصرية قاسية ارضاء منه لموجة عداء أوروبية لليهود الى درجة ان نابليون أصدر قراراته المعروفة بقرارات 30 مايو والتي تميز بينهم وبين بقية الأعراق وجاء نصها كالآتي: (من واجبنا أن ننعش الشعور الأخلاقي والمدني لدى من يدينون بالديانة اليهودية حيث لاحظنا ان عددا منهم فقدوا هذا الشعور تحت عامل السقوط في حضيض المادة فمارسوا الربا وجمعوا الثروات غير الشرعية على ظهور الفلاحين والفقراء...). هذا ما وقع عليه الامبراطور... وهو ليس من باب مقاومة الثراء التي شاعت بعد قيام ثورة 1789 لكن من باب التمييز العرقي ضد اليهود إذ هو يقرن الثراء بالربا... ويقرن الربا باليهود دون غيرهم من الأعراق. ونذكر بأن النازية الهتلرية لم تفعل سوى هذا وهو ما ترفّع عنه العرب في كل مراحل تاريخهم مع اليهود... وما يفعله المحتلون اليوم ضد شعب فلسطين هو من قبيل عمليات إبادة جماعية.
2940
| 31 يناير 2023
عنوان مقالي هذا هو ما قاله الزعيم بورقيبة في خطابه الشهير في مخيم أريحا الفلسطيني يوم 5 مارس1965 ودعا فيه اللاجئين تحت الخيام الى تغيير أساليب مقاومتهم لما سماه بورقيبة "آخر استعمار بعد تحرير الجزائر" وكان الزعيم التونسي متأثرا بأوضاع الفلسطينيين ويعتبرها نتيجة السياسات والشعارات الجوفاء التي ترفع عقيرتها بالحماس وتحولت الى ظاهرة صوتية وجعجعة بلا طحن وهو الزعيم الذي اعتمد التعامل مع الاستعمار الغاشم أخذا في الاعتبار واقع اختلال توازن القوى. المهم لدينا نحن العرب أن لا نظل غافلين مغفلين بينما يشتد بأس اليمين العنصري المتطرف ضد فلسطين كما هو شأن حكومة نتانياهو المتحالفة مع العنصري بن غفير وأخبار فلسطين هذه الأيام تقول: "قتل 15 فلسطينياً في حوادث منفصلة بمن فيهم عدد من منفذي هجمات في "أعمال عنف" كما تسميها وسائل إعلام غربية متضامنة مع الاستعمار الاسرائيلي وبحسب حصيلة أعدتها وكالة فرانس برس. قتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 180 شهيدا منذ بداية عام 2023 وتشكيل تلك الحكومة! وقال رئيس وزرائها إن إسرائيل دولة لليهود فقط واعتبر (نيد برايس) باسم الخارجية الأمريكية أن "لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها"! يعني أننا كما تكهن بورقيبة منذ 55 سنة نصارع استعمارا يعتبر الأخير في العالم! وفي قلب أحداث الثورة التي تعصف هذه الأيام في أرض فلسطين بميلاد حركات مقاومة جديدة لم يتعود عليها الاستعمار غير الشرعي يحضرني أكثر من أي وقت مضى مثال تحرير الجزائر العربية المسلمة من طاغوت استعمار استيطاني أوحش وأخطر من أي استعمار.. وكأن أحداث فلسطين اليوم هي ما كنا نتابعه على أمواج إذاعة (صوت الجزائر) من تونس أعوام 1956 وما بعدها.. وكان الزعيم بورقيبة قال في (مارس) 1965 إن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين هو واقع استعماري وأنه آخر استعمار في التاريخ الحديث ثم إن الاعتبار بالتاريخ القريب أمر ضروري ونحن نعيش مخاض الحرية في فلسطين.. ومثال الجزائر مثال حي قائم أمامنا، فالجزائر استقلت عام 1962 بعد ثورة شعبية عارمة تفاعل معها جيلي وآمن بها وتعلق بنصرتها وعاشها بتفاصيلها يوما بيوم على الأنغام الرجولية الصامدة لنشيد الثورة الذي كتبه المرحوم الشاعر مفدي زكرياء: "قسما بالصاعقات الماحقات وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا الله أكبر فوق كيد المعتدي... الخ"ما أشبه الجزائر بفلسطين وما أشبه ثورتها الراهنة بأحداث مماثلة عاشتها شوارع القصبة وشارع ديدوش مراد وعنابة ووهران وجبال الأوراس... لكن وجه الاختلاف واضح في التعامل العربي الإسلامي مع الثورة. فالجزائر ابتليت باستعمار استيطاني فرنسي عام 1830 وقام فيها الأمير الشاعر عبد القادر مثلما قام في فلسطين الشيخ المجاهد الشهيد عز الدين القسام لأن الجزائر بعكس تونس والمغرب اللتين كانتا "محميتين" حسب مصطلحات فرضها الاستعمار الدموي عليهما ربما لإيهام الشعبين بأنهما "تحت حماية فرنسا" وكأنهما نصف مستقلتين! وهي كذبة ما يزال بعض المغفلين من أذناب الاستعمار يسمون الاستعمار (حماية) كما يسمون المقاومين الشرفاء بالسلاح (فلاقة.. يعني قطاع طرق! إلى اليوم) . أما الجزائر فقد تحملت وحدها كارثة الاستعمار الاستيطاني حين تحولت عام 1832 الى مقاطعة فرنسية مثل مقاطعات إدارية داخل فرنسا اجتهد الاستعمار في طمس هويتها وتمت (فرنستها) مثلما فعلت سلطات الاحتلال الصهيوني مع فلسطين! وللتاريخ لم يعد بعد هزيمة الأمير عبد القادر عام 1846 هناك كفاح مسلح فاعتقد الاستعمار الفرنسي أن فرنسة الجزائر تمت بنجاح مثلما اعتقد الاستعمار الاسرائيلي أنه "صهين" فلسطين وأتم تهويدها !!. ولكن روح الجزائر عادت بلظى العروبة والإسلام على أيدي زعماء جمعية العلماء المسلمين أمثال الشيخ عبدالحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي ثم اندلعت شرارة الثورة المسلحة عام 1954 مثلما انطلقت ثورة فلسطين على يد "فتح" ثم استمرت جذوتها على أيدي "حماس" والجهاد لكن لماذا اختلف تعامل الجيران العرب مع ثورة الجزائر ومع ثورة فلسطين وبين الثورتين نشأ جيل عربي مسلم تعلم دروس المقاومة؟ صحيح بأن التاريخ لا يعيد نفسه ولا يكرر أحداثه لكننا لابد أن نقرأ الأحداث لنعتبر. وجدت ثورة الجزائر من جمال عبد الناصر نصيرها الكبير باسم القومية العربية، وقد قال لي وزير الخارجية الفرنسي الأسبق مهندس العدوان الثلاثي على مصر (كرستيان بينو) حرفيا: لقد قمنا بالعدوان الثلاثي لمعاقبة عبدالناصر على تأييده للجزائر.. جاء ذلك العدوان بأيدي (كرستيان بينو) عن فرنسا و(أنتوني ايدن) عن بريطانيا و(بن جوريون) عن إسرائيل كما وجدت الجزائر نصرة بطلة من تونس وعوقبت تونس بوابل من القنابل على قرية ساقية سيدي يوسف يوم 8 فبراير 1958... كما عوقبت تونس لمناصرتها لقضية فلسطين عندما اعتدت الطائرات الإسرائيلية على مقر المنظمة بحمام الشط يوم 1 أكتوبر 1985... ووجدت ثورة الجزائر كذلك مناصرة المغرب وملكها الراحل المغفور له محمد الخامس وكانت الأسلحة بأنواعها تعبر حدود الجزائر وتصل إلى المجاهدين ولم تتخلف لا تونس ولا المغرب ولا ليبيا عن واجبها المقدس وتزويد الثورة بالسلاح.. وجرى الدم المغاربي هنا وهناك رمزا من رموز الوحدة والصمود وبالطبع لا يمكن أن ينسى أي عاقل تضحيات إخوتنا المشارقة إلى جانب فلسطين فقد خاضت مصر وسوريا والأردن ولبنان حروبا معروفة وهب العرب أجمعين ولم يترددوا في نصرة فلسطين انطلاقا من أن قضية القدس قضية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.. لكن وجه الاختلاف بين مثال الجزائر ومثال فلسطين هو ما حدث من تداعيات استراتيجية إقليمية ودولية حالت دون تواصل النصرة بدعوى إنجاح عملية السلام.. فعاد أبو عمار إلى جزء ضئيل من الأرض المحتلة وتم تأجيل كل الملفات الساخنة إلى أجل غير مسمى وأهمها ملف القدس وملف اللاجئين وإقامة الدولة... وأصبحت كل حدود الدول العربية حدودا آمنة لإسرائيل دون أن تتفاعل إسرائيل بإيجابية مع ما سمي بخيار السلام العربي بعد أن تأكدت إسرائيل من أن خيار المقاومة تم إسقاطه وإجهاضه مما يجعل ( السلام ) استسلاما !
1290
| 27 يناير 2023
أهداني الأستاذ المربي المؤرخ ابن مدينة تطاوين الضاوي موسى هذه الأيام آخر كتبه بعنوان «أضواء على الحركة اليوسفية بجهة تطاوين» وأعترف أني بالرغم من شغفي بالتاريخ ومطالعتي لأغلب ما نشره الفرنسيون والأوروبيون والعرب من مؤلفات تكشف جوانب خفية من تاريخ وطني تونس والشمال الإفريقي والعالم العربي عندما شرعت شعوبنا في مقاومة استعمار عنصري صليبي ناهب لخيرات أراضينا مستهدفا وجودنا وإسلامنا ولغتنا ورغم إطلاعي على ما كتب المؤرخون من قبل فإنني استفدت وتعلمت من كتاب أخي الضاوي ما كنت أجهله والفضل يعود بصراحة إلى المستوى الأكاديمي الرفيع للمؤرخ وهو نفسه ينفي عن نفسه (صفة المؤرخ) ويؤكد بتواضع جم اشتهر به أهل الجنوب الطيبون أنه ليس أكثر من رجل تربية وتعليم قضى عقودا في تعليم الأجيال واستهواه التاريخ حيث ظل هاويا يروم البحث عن الحقيقة من وراء شهادات حية ووثائق أرشيف راح يبحث عنها في كل مكان وخاصة في المركز الحكومي الفرنسي بمدينة (نانتز) وهذا المركز يضم تقريبا كل ما يحفظ للذاكرة من وثائق تتعلق بماضي فرنسا الاستعماري منذ انطلاق حملة نابليون بونابرت في مصر والشام 1798 إلى حروب التحرير ضدها في الهند الصينية وشمال إفريقيا والشام وجنوب الصحراء الإفريقية... وهناك وجد الضاوي كنوزا من محاضر البحث البوليسي الفرنسي أثناء استنطاق المقاومين فركز بحوثه على منطقته (الجنوب التونسي) ومدينته وهي تطاوين لأن هذه المدينة الثائرة منذ 1881 ضد الاستعمار تقع فيما يسمى (التراب العسكري) أي حوالي نصف البلاد التونسية الخاضع حسب بنود المعاهدات المخزية بين فرنسا وحكومات الاستقلال لسيطرة الجيش الفرنسي الاستعماري كشرط من شروط حكومة باريس على المفاوض التونسي للموافقة على ما كان يسمى (الاستقلال الداخلي...غير المكتمل الأركان) وهي الغاية المشتركة بين إدارة الاستعمار وبورقيبة والتي جعلت الزعيم الحبيب بورقيبة ينفرد بإعلان الاستقلال ويستعين بالقوة الاستعمارية للقضاء السياسي على خصمه الزعيم صالح بن يوسف ...ثم القضاء الجسدي باغتيال بن يوسف في مدينة فرنكفورت الألمانية عام 1963 كوضع حد نهائي للمقاومة المسلحة التي حللها بكل أمانة الضاوي موسى في منطقة صحراوية (مهمشة...مع الأسف الى اليوم) ولم تحظ بالعناية البحثية الأمينة لإبراز مساهمتها الكبرى في تحرير تونس والعرب من الاستعمار! في تقديمه للكتاب يكتب الدكتور فتحي ليسير أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية :»والحق أن الضاوي موسى يمثل في تقديرنا امتدادا لذلك الجيل الموسوعي الرائد الذي انكب فيما يشبه الرهبنة (أخلاق رهبان العلم) على جمع التراث المحلي وحمايته من التلف، ثم عكف على جمع ذخائره مقدما خدمات جليلة للثقافة التونسية شأنه شأن حسن الذكر المرحوم العلامة محمد المرزوقي» ويشرح الدكتور ليسير علم التاريخ فيقول: «التاريخ هو العلم الوحيد من بين العلوم الإنسانية الذي لا يملك صاحب التخصص احتكار كتابته لأن الماضي يخص الجميع ويعنيهم وحين فكر النظام في التسعينيات في رد الاعتبار للزعيم صالح بن يوسف تبارت الأقلام في المذكرات بالعودة الى تاريخ الصراع بين الزعيمين بورقيبة وبن يوسف» وهنا يأتي كتاب الضاوي موسى ليتجرد من العواطف والانحيازات التي تهمل الحقائق وتعوضها بالحماس الأيديولوجي وهو لا يخدم التاريخ. ويختم د. ليسير تقديمه بالثناء على تواضع المؤلف لأنه رغم ما توفر لديه من مادة مصدرية يغبطه عليها الغابطون فهو لم يدع لحظة واحدة أنه جاء بالقول الفصل أو تفرد بالحقيقة. وأنا كقارئ متواضع لهذا الكتاب أثني على كاتب مقدمته بالتأكيد على أن الضاوي موسى بموهبته وأخلاقه العلمية وغزارة مصادره سلط على مرحلة 1955 -1956 من تاريخ تونس والجنوب المقاوم أضواء كاشفة أخرجت تلك المرحلة من عتمة الصراعات والأحقاد إلى دائرة الأضواء خدمة للأجيال التونسية المتعطشة لحقائق سردياتها التاريخية. فألف شكر وتقدير للضاوي ورجائي أن يواصل العطاء والبحث.
2490
| 23 يناير 2023
إلى حد اليوم ونحن في عام 2023 لم تحل عقدة العلاقات الفرنسية المغاربية وتضيع فرص للتعاون ونخسر مكاسب كان بالإمكان تعزيزها نظرا للتاريخ المشترك والعلاقات الاقتصادية بيننا وبين فرنسا. ولكن ظل الرئيس ماكرون مترددا حول مطلب شرعي من الجزائر بالاعتذار عما اقترفه الاستعمار من فظائع نعتها ماكرون نفسه بأن بعضها يصل درجة الجرائم ضد الإنسانية! وأتذكر أنه في يوم من أيام سنة 2018 (17 أكتوبر) تعرض وزير الاتصالات الجزائري في مطار (أورلي) بباريس الى عملية تفتيش لدى شرطة المطار بلغت حد التدقيق البدني من نزع الحزام والحذاء وتفتيش جيوب البدلة إلى آخر هذه الإجراءات التي اعتبرتها السلطات الجزائرية مهينة (ونحن معها)، لأن الوزير يحل في باريس في مهمة رسمية تندرج ضمن وظيفته وهو يحمل جواز سفر دبلوماسيا! وأعقب هذه الحادثة احتجاج من وزارة الخارجية الجزائرية ودعوة السفير الفرنسي للاستفسار ثم تعبير الخارجية الفرنسية طبعا عن (الأسف لوقوع هذا الحادث)!. وكما هو متعارف في الأعراف الدبلوماسية (وفي معاهدة فيانا لسنة 1961) فإن التعبير عن الأسف لا يعني تقديم (الاعتذار) وللتذكير فقد سبق أن قدمت الخارجية الفرنسية (الاعتذار الرسمي) بعد حادثة مماثلة تعرض لها وزير الخارجية بالمملكة المغربية صلاح الدين مزوار في مارس 2014 في مطار شارل ديغول وهو متجه من لاهاي الى الرباط عبر باريس! فاختلف السلوك الحكومي الفرنسي في الحادثتين رغم أنه لقائل أن يقول بأن كلا الوزيرين من بلدان مغاربية جارة وصديقة! فلماذا تعتذر فرنسا في الأولى وتعبر عن أسفها في الثانية؟. المهم اليوم هو أن حلقة جديدة أضيفت إلى سلسلة الأزمات المتعددة والمتجددة بين فرنسا والجزائر وفي الحقيقة بين فرنسا والإقليم المغاربي كله وتؤكد هذه الحلقة أن الجراح التاريخية بين ما كان يعرف بالإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية وبين مستعمراتها القديمة لم تندمل بعد بل لا تزال تنزف بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط وقد مر على استقلال الجزائر (آخر معقل للاستعمار) أكثر من ستين عاما. ولم يخطئ زملاؤنا الإعلاميون الجزائريون (وبعض نواب البرلمان) حين علقوا على الحادثة بقولهم إنها وقعت يوم 17 أكتوبر كأنما المقصود أن تحيي فرنسا بطريقتها الخاصة مجزرة يوم 17 أكتوبر 1961 في باريس حين قمعت الشرطة الباريسية بقيادة (موريس بابون المتعاطف مع النازية) مظاهرة مدنية سلمية نظمتها الجالية الجزائرية يومها للمطالبة باستقلال الجزائر فردت الشرطة ومعها مليشيات يمينية متطرفة بقتل حوالي مائتي شهيد جزائري إما برصاص الشرطة أو بإلقاء الأبرياء في نهر السين ليموتوا غرقا ثم جهز الاستعمار محتشد (سان موريس لوزاك) لسجن من ألقي عليهم القبض من الناشطين المنادين باستقلال بلادهم. فلعل إحياء هذه الذكرى الأليمة كما يقول بعض الزملاء الجزائريين هي التي جعلت الشرطة الفرنسية تهين وزيرا جزائريا بشكل لا يليق بمعاملات بين الدول ذات السيادة! وللعلم فإن هذه الممارسات تخرج عن كونها مجرد “أخطاء فردية تستدعي أسف الحكومة الفرنسية” لأنها امتداد لتيار فكري سياسي ذي نزعة عنصرية له تأثير في الطبقة السياسية والرأي العام في فرنسا وأوروبا عموما. ونذكر بأن كل الرؤساء الفرنسيين سبق أن رفضوا مطلب الدولة الجزائرية بالاعتذار عن جرائم الإبادة التي اقترفها استعمارهم (في الحقيقة استخرابهم) خلال 130 سنة في الجزائر ويكفي أن نعد جريمة الجنرال (جيرو) الذي قام سنة 1848 بإحراق غابة جبلية كاملة تحصنت فيها قبيلتان جزائريتان بالنساء والأطفال والمسنين هربا من القمع فلم ينج من القبيلتين مسلم واحد وأحرقوا عن آخرهم! ونذكر أيضا مجزرة مدينة سطيف يوم 8 مايو 1945 التي استشهد فيها حوالي 50 ألف مواطن جزائري تظاهروا ضد الظلم والتمييز العنصري ورفعوا راية بلادهم! ونذكر المجازر التي تمت منذ اندلاع الثورة الجزائرية سنة 1956 الى غاية التحرير والاستقلال سنة 1961 والمليون شهيد الذين سقوا بدمائهم الزكية أرض الجزائر وطبعا الشهداء الذين ماتوا تحت التعذيب على مدى سنوات واعترف الجلادون في مذكراتهم بأنهم قتلوهم! وليت الأمر وقف عند رفض الاعتذار بينما فرنسا تطالب تركيا بالاعتذار عما سمته مجزرة الأرمن! لأن حكومة الرئيس شيراك تقدمت بمشروع قانون للبرلمان في 28 فبراير 2005 يعيد الاعتبار لكل المعمرين (اي المستوطنين) وكل الجنود الذين حسب هذا القانون (ساهموا في إشعاع فرنسا وقوتها وازدهارها في المستعمرات التي كانوا فيها وخاصة شمال إفريقيا (تونس والجزائر والمغرب) وبلدان إفريقيا! ثم يدعو القانون أن يقع تدريس هذا الجانب "الإيجابي" من الاستعمار في المدارس الفرنسية وتأصيل هذه المبادئ لدى الناشئة!.
1185
| 20 يناير 2023
تتجه الأنظار في دولة الاحتلال إلى مظاهرة دعت إليها المعارضة مساء السبت الماضي في تل أبيب شارك فيها 80 ألف إسرائيلي خوفا على زوال الدولة العبرية بسبب ما سماه المتظاهرون قتل الديمقراطية وتهديد القضاء وإلغاء مبدأ المساواة بين العرب واليهود، وشكلت المظاهرة أزمة غير مسبوقة بين المعارضة والحكومة اليمينية برئاسة بنيامين نتنياهو. وللمرة الأولى باتت تُسمع في دولة الاحتلال بشكل جدي تعبيرات "الحرب الأهلية" و"زلزال شعبي" و"يشعلون النار في البلاد". ومن جهة أخرى أصدر وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال بن غفير، قرارا بمنع رفع أي علم فلسطيني، إضافة إلى قرار آخر يقضي بمنع زيارة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. وقال المتطرف اليميني وزعيم حزب "القوة اليهودية" في تغريدة عبر "تويتر" إنه وجه شرطة الاحتلال لفرض حظر رفع أي علم فلسطيني أو أي علم يظهر تماهيه مع المنظمات الفلسطينية أو يحرض ضد إسرائيل ويأتي هذا بعد تقارير نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية من بينها قناة (12) الخاصة، تشير إلى توتر شديد بين بن غفير وشرطة الاحتلال بعد تجاهل الأخيرة تعليماته لمنع الاحتفالات بتحرير الأسير الفلسطيني كريم يونس الذي قضى في السجون الإسرائيلية 40 عاما وخرج الخميس الماضي وعبر العديد من الكتاب والأوساط الإسرائيلية عن خشيتهم من التداعيات الخطيرة لاقتحام من يسمى وزير "الأمن القومي" الإسرائيلي النائب المتطرف إيتمار بن غفير المسجد الأقصى المبارك تحت حراسة أمنية مشددة واعتبرت "هآرتس" في افتتاحيتها يوم 7 يناير أن " "الكابينت" السياسي الأمني فرض عقوبات على السلطة ردا على توجهها لمحكمة العدل الدولية في "لاهاي" ضد إسرائيل بشكوى رسمية طلبا لرأي المحكمة في ما إذا لا يزال ممكنا مواصلة اعتبار الاحتلال (الأراضي المحتلة منذ عام 1967) الذي يتواصل منذ 56 عاما "مؤقتا" واستخلصت الشكوى الفلسطينية العبرة فقالت: "هذه الممارسات هي ذروة جديدة في الوقاحة الاسرائيلية". وأضافت: "دولة لم تنفذ أبدا قرارات الأسرة الدولية ولا القانون الدولي وتتهم باللاسامية كل من يتجرأ فقط على التلميح بفرض عقوبات ضدها بينما تفرض بنفسها عقوبات على السلطة الفلسطينية"، منوهة إلى أنه "لا حدود للازدواجية" الإسرائيلية. وقالت الصحيفة: "حكومة قامت لتوها على أساس الخط الأساس الذي بموجبه "للجمهور اليهودي حق قصري وغير قابل للجدال على كل مناطق إسرائيل"، والتي تصرح بأنها "ستدفع قدما نحو توسيع الاستيطان في كل أرجاء البلاد" بما في ذلك "في الضفة الغربية ونوهت إلى أن "إسرائيل تدعي أنه لا يوجد احتلال وهي ترى في الطلب الفلسطيني بالاعتراف بحقيقة أنه عمليا يدور الحديث عن الضم كعمل هجومي عدائي سياسي وقضائي، بتعبير آخر لا يوجد احتلال لأنه مؤقت". وأعلن "الكابينت" أن "الحكومة الحالية لن تستقبل الحرب السياسية والقضائية وربما العسكرية للسلطة الفلسطينية ضد إسرائيل مكتوفة الأيدي، وسترد بكل ما يلزم". وفي نفس السياق حلل حسن أبو هنية ظاهرة الفاشية الجديدة فقال: "تشير الفاشية تاريخياً إلى تيار سياسي وأيديولوجي من أقصى اليمين ظهر في أوروبا في العقد الثاني من القرن العشرين يستند إلى نزعة قومية عنصرية تُمجد الدولة إلى حد التقديس. وقد تطور فهم الفاشية في القرن الحادي والعشرين مع صعود الحركات اليمينية والشعبوية المتطرفة باعتباره أحد أشكال القومية المتطرفة لمواجهة ضعف وهشاشة الروح الوطنية. وتتجسد الفاشية من خلال مناهضة الديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان والتعددية الثقافية. وأضاف الكاتب قائلا عن إسرائيل: إن وصف إسرائيل بالدولة الفاشية من قبل مفكرين ومؤرخين إسرائيليين (مثل المفكر والمؤرخ الإسرائيلي شلومو صاند) ليس بالجديد، ويعد المؤرخ الإسرائيلي الراحل البروفيسور زئيف شترنهل أحد أهم المختصين بدراسة الفاشية وهو لم ينفك يحذر في كتبه ومقالاته من انحدار إسرائيل نحو الفاشية منتقداً نظرية المناعة الإسرائيلية. وقد حذر من أن العقلية الفاشية الإسرائيلية هي العقلية التي يمثلها بنيامين نتنياهو، لكن شترنهل يقول إن نتنياهو لم يخترع أي شيء، فالقوميون المتعصبون على أنواعهم كانوا دائما بحاجة إلى عدو وقبل أي شيء لعدو في الداخل. هذه حالة الانحراف أو بالأحرى الانعطاف الإسرائيلي من سياسة (الأبرتهايد... أي الميز العنصري) إلى سياسة فاشية صريحة وقحة خارجة تماما عن القانون الدولي ومنطق العلاقات الدولية السليمة. وحسب الكاتب الإسرائيلي أميتاي بن أبا في مقالة بعنون "عقيدة الإبادة الجماعية الجديدة في إسرائيل"، فإن تصورات حل نهائي للقضية الفلسطينية على طريقة سموتريتش وأمثاله، مأخوذة من سفر يشوع، حيث يقوم الإسرائيليون الغزاة بتنفيذ عملية إبادة ضد الكنعانيين الأصليين، حتى لا تُترك روح واحدة تتنفس، باقتباس توصيف الحاخام موسى بن ميمون. تكاثر الحديث عن صعود الفاشية في إسرائيل عقب تشكيل حكومة نتنياهو اليمينية في الأوساط اليسارية الإسرائيلية، وكأن المشكلة مع اليمينية الصهيونية فقط، وليس في صلب الحركة الصهيونية وتياراتها الأساسية كحركة استعمارية استيطانية تهدد الوجود الجماعي للسكان الفلسطينيين الأصليين.
900
| 16 يناير 2023
لا قدر الله طبعا على الإنسانية أن تعيش نفس الجحيم الذي عاشه جدودنا من 1939 الى 1945 فيما سمي حربا عالمية ثانية (وهي في الحقيقة أوروبية أمريكية جروا لها اليابان) بعد أن قاسى آباء جدودنا ويلات حرب عالمية أولى هي أيضا سوقوها لنا في شكل "عالمية" وهي غربية محضة! اليوم لا بد من رصد ما اندلع من حرب مدمرة بين روسيا وأوكرانيا هي في الواقع بديل عسكري ساخن للحرب الباردة بين معسكري الغرب والشرق عشنا نحن "أي جيلي" في ظلالها من 1945 إلى انهيار جدار برلين في نوفمبر 1989 وتنفسنا الصعداء عندما مرت البشرية بأزمة كوبا (عام 1962) بسلام وكاد كل من (جون. ف. كينيدي) و(نيكيتا خروتشوف) رئيسا الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أن يضغطا على الزرين النوويين ونجا العالم من كارثة عظمى!. ولعلنا اليوم أمام أزمات من نوع مختلف ليس لها حدود جغرافية دشنت عهدا من (عولمة...الكوارث) الطاقية (غاز وبترول) والبيئية (تلوث المحيطات والبحار واتساع رقع طبقة الأوزون لتهدد كوكبنا بالفناء المبرمج ثم جاء الضيف الطارئ متمثلا في الكورونا والأوبئة الخطيرة العابرة للقارات! ولعل الأزمة المالية والاقتصادية التي زلزلت استقرار العالم عام 2008 بإفلاس بنوك أمريكية وضياع الودائع في بنوك أوروبا وروسيا والصين مثل قطع الدومينو تسقط كل قطعة تلك التي تليها! أما الدروس المستخلصة من الإجراءات النقدية التاريخية التي اتخذتها كل من واشنطن وموسكو ولندن (مقر السيتي) وبرلين والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هي: أولا: الإقرار بأن الحرب الاقتصادية الساخنة تحل تدريجيا محل الحرب الباردة التقليدية التي كانت إيديولوجية وانتهت في أول أيام سقوط جدار برلين منذ ثلث قرن، حيث تصارع العملاقان على أسس عقائدية وعلى بسط الهيمنة وخلق مناطق نفوذ، وانقسم العالم إلى غرب ليبرالي وشرق شيوعي على مدى سبعين عاما من السباق نحو التسلح والاستعداد للمواجهة. ولعل السبب الرئيسي هو أن المجتمع الأمريكي مجتمع اقتصادي بالدرجة الأولى تدخل في اعتباره وتقديره قيمة عملته الأسطورية التي يسميها حسب لونها بالخضراء ويهم المواطن الأمريكي أن يكون دولاره أقوى العملات أي أن تكون الولايات المتحدة حسب هذا المؤشر النقدي أقوى دولة في العالم من حيث هيمنتها التقليدية على مصير الاقتصاد العالمي. وكما يعلم الناس فإن قيمة صرف الدولار مرتفعة منذ حوالي ستة شهور وتقترب تدريجيا من قيمة اليورو (المنافس الشرس للدولار) وهو ما خدم حتما سنة 2020 المرشح الديمقراطي السيد جو بايدن؛ لأن هذا المستوى المشرف للعملة الأمريكية محسوب للحزب الديمقراطي ولباراك أوباما رغم أن الظروف الدولية هي التي كانت وراء هذا الارتفاع وأن الخزينة الفيدرالية الأمريكية هي المحرك الأساسي لرفع قيمة الدولار. هذه القيمة تاريخية لأنها تحققت أثناء 2016 في عز تورط واشنطن في حروب الشرق الأوسط بانخراط الجيوش الأمريكية في أزمات سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان وقبل ذلك في أزمة أوكرانيا بسبب غزو روسيا للقرم مما وضع أمريكا في مواجهات خطيرة وحرب عالمية ثالثة محتملة مع روسيا وربما الصين بسبب تايوان! كما تحقق ارتفاع الدولار أيضا بعد مرحلة الأزمات الخطيرة التي هزت الاقتصاد الأمريكي في 2008 وأصابت العدوى الأمريكية كل هياكل الاقتصاد العالمي من 2008 الى اليوم، وهو ما وصفته كل من الصحيفتين الاقتصاديتين الكبريين في الاتحاد الأوروبي: (ليزيكو) الفرنسية و(فايننشل تايمز) البريطانية "بالهوة التاريخية أو الرقم القياسي التاريخي". وتلاحظ الصحيفتان أن الأخطر اليوم على الولايات المتحدة هو أن تتفاقم الأزمة بين واشنطن والرياض وبيجين بسبب التلويح السعودي والصيني بسحب المخزون المالي المودع بالمصارف الأمريكية مما اضطر القوى الاقتصادية والنقدية العالمية الى إعادة النظر في حساباتها ومراجعة سياساتها أمام العملة الخضراء التي اعتبرت منذ الحرب العالمية الثانية "قاطرة العملات" أي الميزان الوحيد والدائم لأسواق الصرف وحركات التجارة العالمية ومستوى مصداقية المصارف. فهذه روسيا الاتحادية تعلن يوم الثلاثاء الماضي عن إجراءات لتدعيم مخزونها من اليورو والعملات الصينية واليابانية (وهو يبلغ في العام الحالي 113 مليار دولار)، حيث تضاعف خلال الثمانية أشهر الماضية، بعد أن كان لا يتجاوز 56 مليارا)، ويدعم مخزون روسيا من الدولار كذلك باستمرار ليوازي المخزون الأمريكي! أما المصارف الأوروبية المجتمعة الأسبوع الماضي في البنك المركزي الأوروبي بفرانكفورت فإنها أعلنت أنها ستعمل على تجميد أرصدتها من الدولار وتعويضها تدريجيا بعملات أخرى مثل الين الياباني وليوهان الصيني بتعلة ضمان التوازنات المالية العالمية. وقد تأكدت هذه التحولات النقدية الدولية بصدور تقرير المعهد الأوروبي للنشاطات المصرفية الذي يشير بوضوح إلى عمليات التحول عن الدولار التي تقوم بها المصارف الأوروبية، وتقول السيدة لينا مورتنجن خبيرة الشؤون المالية والتي شاركت في تحرير التقرير بأن هذه الإجراءات سوف تستفيد منها كل العملات الأخرى وليس اليورو وحده. وفي هذا المناخ الصعب والمضطرب شرع المرشحة الأمريكية الأوفر حظا السيدة هيلاري كلنتون في الإعلان عن حزمة من الالتزامات والتعهدات التي فرضتها الحملة الانتخابية والتي تتعلق بالتصدي لسقوط الدولار فالمعطيات الدولية تغيرت بشكل كامل، ولم يعد الصراع إيديولوجيا كما قال فوكوياما في كتابه:”نهاية التاريخ” لكنه أصبح اقتصاديا، وهو تحول كبير لافت في العلاقات الدولية يجب علينا نحن العرب أن نقرأه ونتتبع مضاعفاته حتى لا نفاجأ بالتغييرات تهاجمنا ونحن في سنة من النوم. فالإجراءات الحمائية التي اتخذها الاتحاد الأوروبي وروسيا وبشكل آخر اليابان تدل على بداية حرب اقتصادية. والذي يدور هذه الأيام في أوكرانيا هو جزء من الحرب الاقتصادية الساخنة بسبب وجود الطاقة والمعادن والموقع الجغرافي المتميز لهذه البقاع من العالم. ثم انظر أيها القارئ الكريم إلى الصراع المفتوح بين شركتي ايرباص وبوينج وبين اليورو والدولار وبين شركات بيع الأسلحة فهو صراع يصل إلى حد الحرب الخفية والتي تستخدم فيها كل الوسائل فستكتشف بأن العلاقات بين ضفتي المحيط الأطلسي ليست باللون الوردي الذي يقدم لنا بل إن مزيد اكتساب مناطق النفوذ السياسي وغزو الأسواق وتأمين الهيمنة التجارية هما أولوية المشاغل والمخططات لدى الجميع!.
975
| 13 يناير 2023
وأخيراً قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الأربعاء 4 يناير تحويل ملف الانتهاكات الإسرائيلية إلى مجلس الأمن (وهو الجهاز الأممي الأقوى لأن قراراته تنفيذية ولو بقوة أممية)، وأيدت أغلبية ساحقة هذا القرار وطبعا ندد به نتنياهو واعتبره «معادياً للسامية!!!». أمام العنجهية والعربدة التي طبعت الأيام الأولى لأكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً يمينياً التي شكلها بنيامين نتنياهو وعاد بها مزهواً إلى الحكم رغم ما يجره وراءه من معضلات قضائية تعوقه منذ اتهامه مع زوجته بتلقي رشاوى ولكنه استطاع أن «يحقق» ما عجز عنه منافسوه ورفضوه إما تجنبا لورطات التحالف مع أحزاب متعصبة خارجة عن القانون وعن الرسالة السياسية وبعضها بل أشرسها حزب عضو الكنيست (إيتمان بن غفير) أو لأسباب «أخلاقية» جعلت (لابيد) مثلا يأبى رغم تطرفه هو ذاته التورط في مستنقع بن غفير الإرهابي الذي يدعو من كل المنابر إلى ما سماه: «تطهير أرض إسرائيل الكبرى من غير اليهود وحتى من اليهود المعتدلين والمعترفين ببعض حقوق الفلسطينيين والعرب من سكان فلسطين التاريخية بمسلميهم ومسيحييهم!. (نعتت صحيفة سويدية أيديولوجية بن غفير بأنها نازية هتلرية جديدة تهدد كل مكاسب العالم) وبن غفير هو الذي عربد كوزير للأمن القومي في حكومة نتنياهو فاقتحم باحات المسجد الأقصى يوم الثلاثاء يحميه أعضاء حركته مسلحين وأعوان الحراسة الحكومية وهو يتديك (يتشبه بالديك) رافعا عقيرته بالأناشيد اللاهوتية مناديا بأعلى صوته باتجاه الإعلام وكاميراته أن لليهود الحق «الثابت بالتوراة» أن يصلوا هنا (يقصد الأقصى الشريف) يقصد في الهيكل الذي شيده (جدودنا) قبل أن يأتي المسلمون بما سماه (أستغفر الله) أسطورة المعراج فشيدوا فوق هيكلنا المقدس مسجدا لصلواتهم بقصد محو آثار هيكلنا وفرض دينهم الجديد على أرضنا التي وعدنا الرب ملكيتها....! وطبعا ترتكب هذه الجريمة في حين تصوت أغلبية الدول في الأمم المتحدة على إحالة ملف الانتهاكات الإسرائيلية إلى محكمة الجنايات الدولية كما يتم هذا التحدي للقانون الدولي بعد ارتكاب إسرائيل لأبشع جريمة مدانة وهي اغتيال الإعلامية شيرين أبو عاقلة برصاصة شديدة الدقة مما يؤكد سابق الإضمار والترصد غايتها ضرب قناة الجزيرة وترويع الإعلاميين عموما حتى لا ينقلوا أحداث الجرائم وقتل الأطفال وهدم بيوت الفلسطينيين وعمليات تهويد القدس وفلسطين جميعاً على حساب كل ساكنيها منذ النبي إبراهيم عليه السلام والكنعانيين وبيت لحم والعهدة العمرية. وهنا كانت قطر في مقدمة الدول التي أدانت اقتحام الأقصى وانتهاك القانون الدولي بأشد العبارات وخاصة اقتحام وزير الأمـــن الــقــومــي الإســرائــيــلــي بــاحــات المـسـجـد الأقـــصـــى تــحــت حــمــايــة ســلــطــات الاحــتــلال الإسرائيلي، واعتبرت قطر هذا الاقتحام انتهاكاً سافراً للقانون الـدولـي والـوصـايـة الهاشمية على المقدسات في القدس المحتلة، وحـذرت وزارة الخارجية في بيان صدر يوم الأربعاء من السياسة التصعيدية التي تتبناها الـحـكـومـة الإسـرائـيـلـيـة فـي الأراضــي الـفـلـسـطـيـنـيـة المـحـتـلـة، وأكـــدت أن مــحــاولات المساس بالوضع الديني والتاريخي للمسجد الأقــصــى لـيـسـت اعــتــداء عـلـى الـفـلـسـطـيـنـيـين فحسب بل على مليار ونصف المليار من المسلمين حول العالم، وحملـت وزارة الـخـارجـيـة القطرية سـلـطـات الاحـتـلال وحـدهـا مـسـؤولـيـة دائــرة العنف الـتـي ستنتج عـن هـذه الـسـيـاسـة التصعيدية الممنهجة ضـد الشعب الفلسطيني وأراضـيـه ومقدساته الإسلامية والمسيحية. هذا الموقف القطري هو ثبات على منهج نصرة قضية المسلمين الأولى، ورفض لمشروع مشبوه يسمى صفقة القرن، وهي صفقة العار كما رفضت نهائيا تصنيف المقاومة المشروعة تنظيما إرهابيا، وهو حرص لم يتغير على تعزيز القانون الدولي الكفيل وحده بحل الأزمات السياسية مع إجماع 180 دولة على حل الدولتين ووقف الاستيطان وهدم جدار العار المدان أمميا، والكف عن توسيع المستوطنات بحجة كاذبة وهي (نمو طبيعي للسكان..!). ومن جهتها دعت المقاومة الفلسطينية إلى تصعيد المقاومة بكل أشكالها دفاعاً عن الأقصى كما دعت فصائل فلسطينية أبرزها حماس والجهاد وكتائب القسام والأحرار والمجاهدين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية إلى «تصعيد الاشتباك» مع إسرائيل دفاعا عن المسجد الأقصى في مدينة القدس المحتلة، معتبرة أن هذه الخطوات تقر المواجهة مع الاحـتـلال في كافة ساحات الاشتباك دفاعا عن المسجد الأقصى»، وذلك ردا على اقتحام وزيـر الأمـن القومي الإسـرائـيـلـي بن غفير. وأضـــــاف بيان المنظمات: «هـــذه المــحــاولــة الــجــبــانــة من بن غـفـيـر تمثل تـصـعـيـداً خـطـيـراً واسـتـفـزازاً لمـشـاعـر شعبنا الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية ينذر بحرب دينية فـي المـنـطـقـة»، وأردف: «لـن يفلح الاحـتـلال في تغيير الوقائع على الأرض وستبقى القدس عربية إسلامية ومحور الصراع مع الاحتلال» والمــقــدســات الإســلامــيـة، ودعا الشعب في الضفة والقدس إلى «شد الرحال للمسجد الأقصى وتكثيف الرباط فيه لإفشال المخططات الإرهابية التلمودية المؤسسة على الخرافات التي لا تستند إلى أي برهان تاريخي أو علمي. نحن العرب والمسلمين وصلنا إلى مفترق طرق خطيرة مع عدو محتل بل يعتبر آخر استعمار استيطاني في العالم، وأخطر من يهدد السلام والأمن الإقليميين والدوليين، وهو ما تحرص قطر على إدانته مع إعانة الشعب الفلسطيني باستمرار في القطاع والضفة بالأموال الضرورية لتأمين حياتهم ومعاشاتهم وإعمار مدنهم وتعليم أجيالهم وضمان صحتهم بلا من ولا إشهار وهو ما يعتبره الفلسطينيون دليلا على مروءة الشعب القطري وجرأة قيادته على نصرة الحق.
606
| 06 يناير 2023
مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
5712
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...
1959
| 12 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي...
921
| 12 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
921
| 16 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...
759
| 16 فبراير 2026
لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...
708
| 11 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
663
| 18 فبراير 2026
منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...
630
| 11 فبراير 2026
أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...
588
| 16 فبراير 2026
في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...
543
| 12 فبراير 2026
في زمن السوشيال ميديا، أصبح من السهل أن...
468
| 12 فبراير 2026
تحتل سورة الفاتحة مكانة فريدة في القرآن الكريم،...
465
| 13 فبراير 2026
مساحة إعلانية